التحرش الجنسي: آلية جديدة لقمع الحريّات بقلم: أثير رحيم | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / مختارات / التحرش الجنسي: آلية جديدة لقمع الحريّات بقلم: أثير رحيم

التحرش الجنسي: آلية جديدة لقمع الحريّات بقلم: أثير رحيم

” رسبت سنتين لأنني صفعت أستاذي الذي تجرأ ولمس صدري ، لا أحد من أهلي  يعلم بالأمر ، بل كانوا يتهمونني بإهمال دراستي والاهتمام بأمور عاطفية ”  بهذه الكلمات بدأت الحديث عن معاناتها   ” ن ، م ” طالبة جامعية.
تضيف قائلة : ” كانت ملامح الخوف و الصدمة مرسومة على وجهه عندما صفعته وشتمته لم يفعل شيء بل حاول تهدئتي ، في تلك اللحظة كرهت حياتي وأصبحت اكره كل الرجال ” .
من خلال ذلك نجد أن المرأة  معرضة للتحرش الجنسي من قبل الرجل في كل مكان وليس فقط في الشارع أو في وسائل النقل ، و أن المتحرش ليس شرط أن يكون شخص همجي أو متخلف أو متسكع في الطرقات .
وتواصل ” ن ، م ” سرد قصتها مع أستاذها ” بدأت مشكلتي منذ طلب أستاذي رقم هاتفي كنت حينها في المرحلة الأولى ، كان في بادئ الأمر و في وقت المساء يرسل لي رسائل خواطر ونكت ،  ثم سرعان ما تطور الأمر إلى رسائل فاضحة وذات إيحاء جنسي ، انتهت بتجرؤ أستاذي على لمس صدري داخل الحرم الجامعي  “.

وبحسرة تضيف قائلة ” لمن اشتكي أذا كان هو أستاذ جامعي و ينتمي لأحد الأحزاب السياسية المتفردة بالسلطة ، خفت أن يؤذي عائلتي لذلك فضلت أن ألازم الصمت ”  .
ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة مرصودة كظاهرة تحصل في القطاع الخاص والعام و خاصة تلك الخاضعة لسلطة  فردية أو عائلية أو حزبية ، حيث المرأة مجردة من أي نوع من أنواع الحماية ولهذا السبب كان هناك قلق واسع وتخوف لدى المرأة من تلك الظاهرة  .
الإحباط وعدم الشعور بالأمان
“بيداء إبراهيم” 29 سنة موظفة في شركة أهلية قادها قلقها لتتحدث عن معاناتها  ” أعيش حالة قلق وتوتر دائمين بسب تصرفات بعض زملائي الموظفين وما زاد إحباطي وشعوري بعدم ألامان هو عدم  وجد شخص اشتكي أليه حتى المدير حينما اشتكيت عنده من المضايقات التي أتعرض لها قال لي مبتسما ” هذه ضريبة الجمال ” ولم يتخذ أي أجراء رادع وهذا موطن قلقي وهمي ” .
يبدو واضحا أن المؤسسات التي تقع فيها مثل هذه الحالات لا تتصرف بجدية مع ظاهرة التحرش الجنسي بالموظفات ، كما لم تصدر أحكام رادعة ضد المتحرش بحيث يكون عبرة لغيره ، فلا تكاد تخلو  مؤسسات القطاع الخاص والعام من التحرش الجنسي بالمرأة حيث تراوح حالات التحرش بصورة عامة  بين التحرش الشفهي والإلحاح في طلب لقاء وطرح أسئلة جنسية أو نظرات موحية إلى ذلك ثم تتصاعد حتى تصل إلى اللمس والتحسس وغيرها من السلوكيات.
وتواصل  “بيداء إبراهيم” الحديث بجرأة عن معاناتها قائلة ” أصبح قلقي وخوفي أشبه بمرض مزمن  لا يمكنني التخلص منه حتى عندما أدخل بيتي أبدو عصبية المزاج بصورة مستمرة ولدرجة انتقد نفسي أحيانا  ، وكثيرا ما يعود ذلك سلبيا على زوجي و أولادي  ، لكن ما الحيلة الحاجة وضرورة العمل والمسئوليات العائلية المالية هي التي تفرض علي  الخروج للعمل وتحمل ظروفه ” .
لا يكاد يخفى على احد حجم المعانات النفسية التي تواجهها المرأة المتعرضة للتحرش حيث أن أبرز الآثار التي تلحق بضحية التحرش تتمثل في أنها تعانى من الشعور بالقلق والخوف وتضطرب حالتها النفسية وهو ما ينعكس سلباً على أدائها للعمل بل وقد تكره الذهاب إليه في اغلب الحالات ، بالإضافة إلى ذلك تفقد الثقة بمن حولها  وهو ما يؤدى إلى اضطراب حياتها الأسرية والعملية على حد سواء و هنا تكمن  خطورة التحرش ليس بوصفه مشكلة تحدث في العمل بل لأن آثاره تتخطى حدود العمل لتشمل الأسرة  والسياق الاجتماعي المحيط أيضاً.

عضو برلمان متهم بالتحرش
ترددت كثيرا ” ش ، ص ” 28 سنة تعمل في مجال صحافة ، قبل أن تفتح قلبها وتتحدث بحسرة عن معاناتها السابقة قائلة ” لا تزال أسوأ ذكرى احتفظ بها ، لم أكن اعرف أن رجال السياسة وقحين إلى هذا الحد ، كنت اعمل في  جريدة تابعة لأحدى الأحزاب وهو كان رئيس مجلس أدارة ، بدأت المشكلة عندما طلب نقل مكان عملي إلى داخل مكتبه ، تحجج انه يحتاج استشارتي في بعض الأمور ، ألا انه كان يتدخل في شكل ملابسي وألوانها ويبدي إعجابه أو استياءه في كل يوم ، في تلك الفترة تحديدا كان يوصي لي بمكافئة مالية تقريبا كل أسبوعين ” .
تقطع حديثها وتنظر إلى السماء ثم تواصل كلامها بنبره حزن واستياء قائلة ” تطور الأمر فأصبح  يسأل عما أفضّل من الملابس الداخلية و موديلاتها وألوانها ، لم يكتفي بذلك بل كان يتعمد لمس مؤخرتي ويدعي انه لم يكن يقصد ذلك ، كنت صابرة على تلك المضايقات لأنني لا أريد خسارة عملي لكن تطورت الأمور بشكل وقح بالنسبة ألي بعد أن طلب مني أن نتزوج ” زواج متعة ” حينها خفت كثيرا على نفسي وأهلي ، بإمكانه اغتيالي أو اغتيال احد أفراد عائلتي ، أخذت حقيبتي ورجعت إلى البيت وغيرت شريحة هاتفي ، قررت حينها لن ارجع إلى العمل ، وفوجئت حينما سمعت انه فاز في الانتخابات وأصبح عضو في البرلمان العراقي ” .
الخوف ، لهذا السبب و غيره سيظل موضوع التحرش الجنسي بعيداً عن مطرقة القاضي ، وسنتأخر كثيرا حتى نتمكن من كشف وجه المتحرش بصورة كاملة  ، ولا يخفى على احد أن ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة راحت تكبر مثل كرة الثلج يوما بعد يوم وتتسع في الشارع و في مكان العمل ومكان الدراسة وحتى داخل البيت الواحد ، دون رادع أو رافض ، وما يزيد من حجم المشكلة هو خجل المرأة من اللجوء إلى القضاء و ترفض بعلن ما تتعرض له وهذا الخجل سببه نظرة المجتمع المجحفة بحقها وبحق إنسانيتها حيث أن المجتمع لا ينظر للمرأة المتحرش بها على أنها ضحية بل ينظر لها على أنها نكرة أو منحرفة وتصبح هي المتهمة لا هو .

جهل بالقانون
ألا ينبغي على المرأة أن تتحمل جزء من المسئولية أم نكتفي بإلقاء اللوم على الرجل الذي يرى المرأة على أنها جسد مباح العبث به ، الحقيقة لا تكاد تخفى على احد أن جهل المرأة  بحقوقها القانونية سبب رئيسيا في اتساع دائرة التحرش وجهلها بأنها بإمكانها وضع الرجل خلف القضبان لأشهر  ما أن لمس جسدها متعمدا ، فعندما سئلنا ” ش ، ص ”  فيما آذ كانت تعلم أن القانون العراقي يمنع التحرش الجنسي ويعاقب عليه ضحكت وقالت مندهشة ” كل شخص يغازلني استطيع إدخاله للسجن  ؟!”  وبعد إخبارها بأن المادة  402 من قانون العقوبات تنص على  ” يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر كل من تعرض لأنثى في محل عام بأقوال أو أفعال أو أشارات على وجه يخدش حياءها ”  ، أجابت ” ش ، ص ”  ضاحكة  ” لم اعرف ذلك ” .
لهذه الأسباب  يبقى موضوع التحرش الجنسي بالمرأة بعيدا كل البعد عن سلطة القضاء ، وما تترتب عليه من معاناة وأزمات نفسية  موضوعا شخصيا بالمرأة .

متحرشون بتصريح قانوني
ربما واحدة من المبكيات المضحكات ، استغلال الحكومة الإمراض الاجتماعية في قمع المتظاهرين والمطالبين بالإصلاحات السياسية والاقتصادية ، بعد انطلاق المظاهرات في ساحة التحرير وانضمام عدد كبير من النساء إلى المظاهرات في تلك الفترة تعالت أصوات النساء الآتي اشتكين من التحرش الجنسي المتعمد والمقصود ، ألا أن بعد أمساك متحرش يقوم بإظهار هوية انتسابه للأجهزة الأمنية  وبهذا فان كل القوات العسكرية المحيطة بالمتظاهرين ستقف معه وتحرره من أيادي المتظاهرين ويتهموا النساء المتظاهرات بالفسق والفجور وتتحول المرأة المتحرش بها إلى جانية ويتحول الرجل المتحرش إلى مجني عليه .
تحدثني ” ر ، م ” واحدة من النساء الآتي شاركن في المظاهرات قائلا ” لم أكن أتوقع أن أتعرض للتحرش خلال التظاهر لأنني محاطة بزملائي وأصدقائي ، ألا أنني شعرت بالإحباط  كثيرا حينما سمعت بعض زميلاتي يتهامسن فيما بينهن عن لمس مؤخراتهن  أو صدورهن أو مناطق أخرى حساسة من قبل بعض الأشخاص ، كنت اعتقد أن هذه الأمور ربما غير مقصوده ومجرد احتكاكات طبيعية لان المكان مزدحم  ، لكن بينما أنا احدث نفسي بتلك الكلمات الصق بشده رجل جسده بجسدي من الخلف ومسك بيديه  صدري  “.
بعد أن انتهت من نوبة البكاء التي انتابتها خلال حديثها واصلت ” ر ، م ” سرد معاناتها قائلة ” في تلك اللحظة كنت اعتقد أنها محاولة لاختطافي أو اعتقالي فلم أتصور يوما من الأيام أن أتعرض للتحرش بهذه الصورة الوقحة والفاضحة ، أصبحت اصرخ بهستيرية ، تدخل زملائي حرروني من بين يديه ، تبادلوا اللكمات معه و حصلت مشكلة وتدخلت العناصر الأمنية وتفاجئنا أن الرجل المتحرش اظهر هوية ينتمي لأحدى الأجهزة الأمنية وهذا ما جعل رجال الأمن المحيطين بنا يشتمون زملائي ويتهمونني بالفسق والفجور ” .
يمكن التمييز بين المتحرش المدفوع من قبل الدولة والمتحرش المواطن العادي  من أسلوبه في التحرش حيث أن المواطن العادي حينما يتحرش بالمرأة  يلمس جسدها صورة سطحية وسرية ويحاول أن يجعل حركته هذه غير مقصودة واغلب الأحيان ينسحب أذا نظرت أليه المرأة بغضب ، لكن المتحرش المدفوع من قبل الدولة يمسك أعضاء الحساسة لدى المرأة ويحاول إلصاق جسده بجسد المرأة بصورة واضح جدا واغلب الأحيان يحاول إدخال يده  داخل ثياب المرأة ، لا يخاف المرأة ولا الرجال المحيطين بها و يبدو وقح لدرجة غير طبيعية .
في هذا الصدد يحدثنا ” علي إبراهيم ، 26سنة ” ضابط شرطة   قائلا ” استبعد كثيرا أن يكون أولئك المتحرشين منتسبين لأحدى  الوزارات الأمنية ، لان واجب العناصر الأمنية في ساحة التحرير هو حماية المتظاهرين  من هجمات إرهابية محتملة ، والكل يعرف أن الإرهاب لا ضمير له يحاول استهداف أي تجمع للناس”.
بعد أن أخبرناه أن حين ألامساك بأحد المتحرشين يبرز هوية انتمائه للأجهزة الأمنية ، ويطلع عدد من العناصر الأمنية في ساحة التحرير على هويته ويؤكدوا أنها حقيقية وليست مزورة وهذا ما يحملهم للدفاع عنه “.
أجابنا وهو يمسح جبينه بمنديله  قائلا ” اعتقد أنهم تصرفوا من تلقاء أنفسهم ، و الوزارات التي ينتمون أليها لو  تعرف بذلك ستعاقبهم بشدة فالقانون فوق الكل ،  لكن في الوقت الحالي لا يمكننا فعل أي شيء لان لم تصل ألينا أي شكوى من امرأة قالت أنها تعرضت للتحرش وليس لدينا أسماء المتحرشين ولا صورهم ولا أي دليل ، لذلك مثل هكذا قضايا ستغلق قبل أن تفتح ” .
وتشير ” نازدار إبراهيم ” دكتورة علم النفس في جامعة السليمانية قائلة ” من الممكن أن تلجأ الحكومة إلى هكذا طريقة لمنع مشاركة المرأة في المظاهرات ولا يمكننا أن ننكر نجاحها في تحقيق مرادها ، والتحرش الجنسي بالمتظاهرات العراقيات ليس وليد صدفة بل اقتباس لأسلوب الحكومة اليمنية ،  فقد تعرضن عدد كبير جدا من المتظاهرات اليمنيات للتحرش الجنسي بهدف منعهن من الخروج للتظاهر كذلك الحال في مصر و باكستان ولبنان “.
وتضيف قائلة ” المشكلة التي يجهلها الكثير أن بعض الشباب العاديين استغلوا هذه الظاهرة أن أي شخص يتحرش هو منتسب لدى الأجهزة الأمنية ، وأصبحوا يتحرشون بالنساء المتظاهرات ويلمسوا ما يحلو لهم من جسد المرأة المتظاهرة ، ولا يمكنها أن تشتكي لرجال الأمن فهم بطبيعة الحال لن يحركوا ساكنا لأنه المتحرش يوفر عليهم الجهد في الحد من التظاهر” .
——————–
أثير رحيم/ عراقي مقيم في لبنان
مصدر الموضوع: جريدة المساواة Al Mousawat Journal

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*