الشاعرة خلود المطلبي وتجربة نفي التهميش بقلم: صالح الطائي | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / قراءات / الشاعرة خلود المطلبي وتجربة نفي التهميش بقلم: صالح الطائي

الشاعرة خلود المطلبي وتجربة نفي التهميش بقلم: صالح الطائي

قراءة في مجموعتها “حركة الشعر العراقي المعاصر, مستقبل الماضي”

تعرفت منذ عدة سنوات على واحدة من الشاعرات المبدعات الملتزمات، مخلصة لنفسها ولمنهجها ولعقيدتها ولوطنها هي السيدة “خلود المطلبي” الشاعرة العراقية المغتربة.
وكان يقيني بجديتها يتجدد مع كل عمل أقرأه لها، حتى أصبحت من المتابعين النهمين لأعمالها أترقبها وأتفحصها، فلا أزداد إلا يقينا بصدقها. وخلال كل تلك المدة توطدت علاقة الأخوة بيننا، ووصلت إلى أن تطلب من أخيها أن يكتب لها مقدمة لديوانها الموسوم “مزامير تحت سماء لندن” ثم تكرمت عليّ، فأرسلت لي نسخة من ذلك الديوان، لا زلت أعاود قراءتها كلما سنحت لي الفرصة، وأصبح موضوع إهدائها الأعمال الجديدة إليّ فضيلة مهنية ومنهجا لم تتخلى عنه أبدا، فهي ترسل لي نسخة من كل إصدار من إصداراتها، حيث تفاجئني بالوصول إلي من دون موعد.
وكنت أنا “الأنا الراصدة” المدققة المتفحصة لهذه الهدايا القيمة، لا لأكتب عنها نقدا أو دراسة بقدر ما فيّ من رغبة للتمتع بهذا الإنتاج المميز الجميل الذي كان يبعث فيَّ رغبة التجدد، ويسهم في محو الخيبات التي ولدها انكفاء النخبة الفاضح، وعجزهم عن بلورة مواقف جمعية داخل فضاءات الوطن بألوانه وأطيافه، ولو أبعد قليلا من حدودنا الضيقة، خارج أطر الخصوصية التي شغلت حياتنا وحددت حراكنا. كانت كتاباتها مقودا يأخذ مهمة تعديل المسارات في وعي الإنسان، فينقاد لها طوعا بدون ذرائع، فخلود هذه القامة السامقة وحدها كانت تجرؤ على النظر عبر المسافات لتعيد مشهدية التصوير برؤى مستقبلية يتداعى صداها في الآفاق ليوقف صدى الجمود والتحجر عند حده، وكأنها تسعى إلى التجديد من خلال عبق القديم، فتُواشِجُ بين ماض وحاضر أملا في بناء مستقبل. فالصورة التي تعتمده خلود المطلبي لا تقف، ولا تجمد، ولا تكف عن التوالد والتحول المستمرين، ولكن نحو هدف واحد، هو مستقبل أجمل، لا يوجد ما يبعث الأمل بجماله لكثرة الضوضاء والضجيج.
وقد تبدو هذه الصنعة معجزة طالما أن غيرها أعرض عنها وأهملها، ولكم من غير خلود يجيد مثل هذه الصنعة ويجيد رصد حركة الشعر العراقي المعاصر ليؤشر الأطر التي تنزاح تاركة مكانها القديم، لتتجدد في مكان جديد لا يكاد يشبه بيئتها الأولى! من غيرها تطوع ليقدم هذا الوجه الناصع للشعر العراقي إلى ذائقة غربية، بل من يرشح لينجح أكثر منها؛ في هذه المهمة الصعبة، وهي الشاعرة والناقدة والمترجمة والأديبة والإنسانة؛ التي ترجمت القصيدة والمقالة النقدية، والسيرة الأدبية؟! ولذا من حقها الوطني أن ترصد بعين النسر “حركة الشعر العراقي المعاصر, مستقبل الماضي” ليكون سعيها وآخر إصداراتها مهووسا بهذا المعنى.
وفعلا أصدرت تحت هذا العنوان مجموعتها الجديدة، مجموعة الجميع، مجموعة كل الأطياف، لتكون حصتها فيها أقل من حصة الجميع، فتكتفي بقصيدة يتيمة تربعت بين قصائد تحمل وجه الوطن.
“حركة الشعر العراقي المعاصر, مستقبل الماضي” طارت بعد أن خرجت من التنور على جنح حمامة من عالم بعيد مليء بالضباب لتحط عندي رغيفا شهيا وصلتني رغم بعد المسافات طازجا.
تنسب هذه المجموعة إلى خلود المطلبي ولكنها لم تكن موقوفة على شعرها، بل كانت روضا من رياض وحدائق الشعر العراقي المعاصر، تنوعت أزهارها من نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصولا إليها، وثمة علامات واضحة شخصت في الدرب بين البداية والنهاية تتلألأ فيها أسماء ثلة من الشعراء العراقيين: فاروق سلوم، مالك المطلبي، أديب كمال الدين، سعدي يوسف، سركون بولص، عبد الزهرة زكي، عدنان الصائغ، خضير ميري، شاكر لعيبي، حسن بلاسم، خزعل الماجدي، كزار حنتوش، حسن مطلك، محمد شمسي، محسن الرملي، سهام جبار، فاضل سوداني، كريم النجار، اسعد الجبوري، منال الشيخ، عبد الخالق كيطان، حميد قاسم، وآخرون، حيث ضمت المجموعة أعمالا لقرابة الثلاثين شاعراً.
قد يرى البعض أن هنالك من يستسهل مهمة الجمع، أي جمع نتاج الآخرين وتقديمه ضمن مطبوع يحمل اسمه، لمجرد أن يُصدر عملا ما، يضاف إلى قائمة أعماله، لكن من يتابع هذه المجموعة يكتشف بدون عناء أن الجمع لم يكن عشوائيا بقدر كونه محاولة لفهم المشهد الشعري العراقي المعاصر، وهو ما يتضح من مقدمة المجموعة، التي كتبها الدكتور مالك المطلبي, أستاذ علم اللغة والنقد الأدبي في جامعة بغداد، في قوله: “من غير الممكن فهم مشهد الشعر العراقي المعاصر من غير تسليط الضوء على الخلفية التاريخية التي من خلالها تحول إلى ما هو عليه ابتداء من النصوص المكتشفة منذ ألفي عام حتى منتصف القرن العشرين”.
إن في مسيرة الشاعرة الأدبية؛ إشارات كثيرة إلى هذا المنهج، فالشاعرة تطمح منذ زمن إلى إظهار الوجه الحضاري والجمالي والإبداعي للعراق، وتأمل في إعادة تشكيل ذاكرة الناطقين باللغة الانكليزية عن العراق. لأنها تعتقد أن هذه الذاكرة ضُللت  بعد أن اختزلت برامج وأخبار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة العراق بأضيق الحدود، فأوقفته على همجية الدكتاتورية والحروب واللاجئين والإرهاب والطائفية، وأهملت ما سوى ذلك. ومن خلال تتبعي لجهود الشاعرة لا أعتقد أنها ستقف عند هذا الحد، بل أرى في الأفق مشاريع مستقبلية تصب في هذا الهدف النبيل، تحمل نفس الملامح ولكن تلبس ثوب التجديد.
صدرت هذه المجموعة عن دار “هرست وهوك” البريطانية، وعنوانها الأصلي
The Future of the Past)  (The Contemporary Iraqi Poetry Movement
تزين غلافها لوحة جميلة للفنان العراقي الدكتور بلاسم محمد، الأستاذ في كلية الفنون الجميلة ـ قسم الفنون التشكيلية.
وأنا أعيد قراءة هذه المجموعة على مهل، لأنها مكتوبة بلغة لا أجيد منها سوى النزر اليسير، أجد من الواجب علي أن أقول: شكرا لك أيتها الشاعرة على هذا الجهد المائز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*