فيضُ المَلاحِنِ نزْوة الوجُود بقلم: عبد اللطيف رعري | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / نصوص / فيضُ المَلاحِنِ نزْوة الوجُود بقلم: عبد اللطيف رعري

فيضُ المَلاحِنِ نزْوة الوجُود بقلم: عبد اللطيف رعري

لا أحْتَاجُ إلى ضَجَرٍ

 فالزّمنُ لمّا مَضَى لَمْ يَسأل عَن مَولِدِي,

لكِنّهُ تَركَ لِي وَرْدةً  كَالفخَارِ

وأصَابِعَ نِصْف مَشْلُولةٍ

 وأسْنان حَادّة كَالمِنشَارِ,

 تَركَ لِي ثُقوبًا فِي الجُدرَانِ

 وشَمْعدَان أعرَج تابِت فِي المَكانِ ,

و فِي الصّخْرةِ التِّي أتَوسَّدُها وَجْهان

وَجهٌ لِي بِقُبحِ الإدمَانِ

والثانِي مِرْآة لِلعِيانِ …

تَركَ وَشْمًا غَائِرًا فِي الوِجْدَانِ

وصَفائِح بَابٍ يَدُسّ سِرّ الكَائِنِ والكِيانِ

تَركَ دَّفةَ الخَيْمةِ تَميلُ حُزْنًا ..

تَنامُ حُزنًا..

 وتَستَفِيقُ حُزْنًا..

وفِي بَهْوِهَا انَأ أدبِّرُ المَلاحِن بِالمَجانِ

 ورَاحَ يَبحَثُ عَن غَيرِي فِي  دَهَاليزِ الوَقْتِ الميِّت

وقَالَ لٍضرّة أمّي وهِي تَطْحنُ

 شَعِيرًا

 بأضْرَاسِها…

 قُولِي

 لَهُ

 فَجْرُك سَيمرُّ قُربَ بَابكَ

 شَمْسُكَ ستُحْرِقُ فيك اليابِسَ عُنْوةً

وسيَعلُو الصِّياحُ حُفرَ المَمرَّاتِ التِّي تشْهَدُ  مُيُوعَ الدَّهْشَةِ

وأنْتَ نائم

 سَيفِيضُ الوَقتُ أمَامَ عَينكَ بِرَائِحَةِ القَطرانِ

 فتَجهَلُ رقْمكَ بيْنَ الأرْقامِ

 اسْمكَ بيْنَ الأسْماءِ

فتتخلَّى عَنكَ الأرْضُ كَما تخَلَّتِ السَّماءُ

 كُلُّ هَذا وأنْتَ نائِم

وسَتتلَقَّفُك الأَيادِي التِّي تَعجُنُ الفَراغَ بِملحِ البحْرِ

 وَ مِن عِظامِ المَوتَى تَصْنعُ بارُوداً

 لِمَسْحِ الذِكرَى

 تَصْنَعُ لكَ سُفنًا وَرَقِيَّة مِن خَلطَةِ المَاضِي بِالحَاضِرِ

 تَرْحَلُ وَلا تعُودُ

  سُفنًا هَادِئة تتَحرّكُ بِغضَب

 مُرْغَمة عَلَى الإبْحَارِ فِي الظّلَامِ

 ورُبانهَا, يكْمشُ بأسْمَالِ حُوريةٍ تَفرُّ إلى السَّماءِ

لا أظنُّهَا تَرقُصُ للرِّيحِ..

 وَمنْ تَحتِ ظِلالِ اللاَّشَئ سَتُرسَم الجمَاجِم عَارِيةً

 وتُنْشرُ علَى حِبالِ المدَى حتّى تتحجَّرُ

قُولِي لهُ

 الطيُّورُ حِينَ تشْدُو للْغُرَباءِ

 تمُوتُ خَارِجَ أعْشَاشِهَا ….

وزَهْرَة المِزْهرِية تذبل فِي يدِ منْ قطَفَها

 قُولِي لهُ

 أنَّ الرُبُوبية ليسَت انْهيارًا زمَنِّي

 ولاَ هِي تَكَوُّنٌ جِيلاتينِي لمَعنَى الوجُودِ

هي قَبسٌ نُورانيٌّ  لا يسْتلهْمُ بتَوهُّجهِ إلاِّ مَلكٌ

ليُحاكِي الشعَرَاء

هِي مُجْملُ الصِّفاتِ في خُلدِها

لا تسْتلزِمُ البدَاية ولا النّهَاية

ولا يَحتَويهَا الزّمنُ ولا المَكانُ

مُقدَّرَة بفِعلِ قَادرٍ

 بدُونِ قَصْديةٍ في البَقاءِ والّلابَقاءِ

هي وعْدٌ غَيبِي يُشارُ إليهِ بالقَداسَةِ والاسْتِعلاءِ الذّي تفرِضُهُ الحَتميَّة…

هي الكمَالُ فِي تجَلياتِه المُطْلقةِ مِن مَنظُورِنا للْمنطِقِ واللَّامنْطق….

هِي أخِر بُوحٍ لشَاعرٍ تعَرضَّتْ سَفينَتهُ للتَّلافِ…

 

لا أحْتاجُ إلى وجْهاتِ نَظرٍ

لأقبِّل نجْمة مِن  نُجُومِ السّماءِ

حتّى النِسيانِ,

النّجمَة ليْست مِن وَرقٍ

 وتَوَهّجُها ليسَ برقٍ

 وبيْنهَا وَ فرَاغ يدِي

كُل مَا افترَق …

 

لا أحْتاجُ إلى خَمرٍ لسَكْرتِي الأخِيرَة

 فَرِيقُ الحَبيب أصْلهُ ثَمرَة

و رَقْصَة الكأسِ تزِيلُ الأحْزَان

وهَذا شَرطُهُ منذُ غَابرِ الأزْمانِ  

و الغَثيانُ لا  يأتينِي إلّا  مِن  مَدخلِ الماخُورِ

 فليسَ لِي مَكانًا بينَ بناتِ الخَمَّارة

 ولَسْتُ لَقيطًا كَما تدِّعِي شَهادَة المِيلاِد

 وليسَ أبِي بوَّابًا لِدُورِ الدعَارَة

 ولاَ سَقطَت أمِّي بينَ أرْجُلِ السكَارَى لِكسْرةِ خُبزٍ

 فقَط

أنَا لا أصَافحُ خمّارًا يرْتعشُ

ولا أرُدُّ سَلامًا علَى خَمّارٍ بوجْهٍ منْكمشٍ

جَدَلاً

سَيحرُسنِي  بِضَيْقِ عُيونهِ ويزِنُ قَامتِي

 ليجرّبَ النّبش

ويحُطّ سَاقيهِ فِي مَاءٍ بارِدٍ تحَسُبًا لِزَوالِ العيْشِ

لكنّي

 لَسْتُ الفَتَى الّذِي يَصْنعُ مِن الثّلْجِ الَاهًا

 ويَرْمِيهِ بالحَجرِ

صَحِيحٌ أنَّنِي أشْعَلتُ النّارَ تَحتَ قدَميهِ

 لأشْعِرَهُ بالدِفءِ, وأنَا بِقُربهِ

وزرَعتُ زُجاجتينِ فِي عَينَيهِ

لِيرَانِي بِكُلِّ الألوَانِ,

 وكَذالك أنا بقُرْبهِ..

 أنا مَن صَوَّب أخِرَ سَهمٍ لِصَدرِه ِ

لأتأكَّد مِن بَياضِ دَمِهِ

 لَكنِّي كُنتُ عَنهُ بَعِيدًا هَذه المَرَّة

 لسْتُ الفتَى الَّذِي يسْقِي السّرابَ بِعينَيهِ

 ليُحرقَ العَالم بِقبْلة بارِدَة

ولا أحْكُم رَحَابَة المَدَى

لِمُجرَّدِ أنِّي رتَّقتُ السّماءَ بحَبلٍ مِن قَصَبٍ

وأخرَجْتُ القمَرَ مِن خَرمِ إبرَةِ مِن ذَهبٍ

ولسْتُ حَفارَ القُبُور لِوأدِ الشَّهوَاتِ وَقضْمِ الغَابَةِ بِمخَالِب مِنْ زُجَاجٍ

أشْعارِي لا تتَعرَّى لبَياض ِالمَاءِ

 خَوفًا مِن طُهْرِهِ

 ولَا لِخذْلانِ المَاءِ للْمَاء

 بَل لانّ أعْراشَها ما أرْملت ولا تترّبتْ

 و أزْهارُهَا فِي يَدِي

 كُلُّ هَذا لأبقَى طِفلًاً فِي عُيونِ أمِّي  

وأبقَى بيّاضًا فِي مَصَبّ المَاءِ 

   لُؤلُؤة تحْتَ صَخرَة ٍ ترْقُصُ بالنَّارِ

مَحارَة حُرّ ة عَلَى صَدرِ فَرَاشَة تَحْفظُ الأشْعَارَ

 أنْشُودَة للْمَطرِ 

حُلْمُ امْرأة يقترِبُ كُلّما الصّرُ حَلَّ بالأضْلعِ

أخِر حَرفٍ تُولَدُ مِن صُلبهِ القَصَائد ُ

المُبتدَى والمَنتهَى

 لمَا ينزَلقُ الكوْنُ فِي قبْضَة الغَيْبِ

لأبقَى علْكَة التَّميّزِ حِينَ تشُد الفَاصِلَ الهُلامِي

 بَينَ الجَنَّةِ والنَّارِ

النُقطةُ المَائِيَّةِ المُتحكِمةِ في حَرَكيةِ

 المَد والجَزْرِ

الحَبّةُ الرّمْلية الولّاّدَة التِّي تَنَبَّأ بِميلادِ الزَّوبعة

الخَلْطةُ التّي أعَدَّها الرّبُ كُنهًا للْحَياةِ

قَبلَ خُضُوعِها لِسِلسلَة مِن التّحَولاتِ الاطُوميَّةِ

لأبقَى المَانعُ الأوْحدُ لاختِلاطِ الألوَانِ

كِناية لسَلاطينِ المُتعَةِ

فِي الأعْرَاسِ القَوسُ قُزحِيةِ

لأقُودَ المُحرِكاتِ الدِيكْتاتيكِيةِ صَوبَ سَمَاءِ التّجلِي

يقْظةٌ شِبه مُتنَاهِية تُذكِرنَا بِسيمفُونيةِ الرِّيحِ

 وهِي تغْلقُ النّوافِذَ التّي تُطلّ عَلى البَحرِ

   خَوفاً مِن الوَجعِ الأحْمَر ِ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*