كسر الإيهام في المسرح … إيهام بقلم: مجيد عبد الواحد النجار | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / فنون / كسر الإيهام في المسرح … إيهام بقلم: مجيد عبد الواحد النجار

كسر الإيهام في المسرح … إيهام بقلم: مجيد عبد الواحد النجار

لم يفكر (ثسبس) يفكر يوما عندما خرج بعربته يعرض ما كتبه من شعر بان (يكسر الايهام) في احد العروض التي كان يقدمها ، لأنه وببساطة لم يدر بخلده انه يريد ان (يوهم) الجمهور بان ما يعرض امامهم حقيقة ، ولم يكن راقص (الدثرامب) يفكر يوما بـ (كسر ايهام) المشاهدين وهم يقدمون رقصاتهم واناشيدهم يوم الحصاد ، لانهم ببساطة أيضا لم يكون في خلدهم غير التسلية ، والفرح ، والشكر لما انزلت الاله عليهم من نعيم.
وحتى العروض التي قدمت داخل المعابد ، لم يحاولوا يوما ان يوهموا الاخرين بحقيقة ما يقدم لهم ، بل كان جل اهتمامهم ان يعلموا الفضيلة ، والوصايا الإلهية للجمهور/ الشعب ، ولم يكم يفكر (رئيس الجوقة) يوما ان يتمرن من اجل ان (يندمج) او ( يتماها) مع الشخصية التي يؤديها ، من اجل ان يوهم من يشاهده ويتابعه من المتفرجين بحقيقة وواقعية ما يقدمه ، و كذلك بالنسبة لمن تبعهم وسار على دربهم بعد ذلك في تقديم العروض المسرحية ، كان هم الجميع هو ارسال رسالة من هذا المنبر العظيم ، مفادها المتعة ، والتسلية ، وتعليم الجمهور القيم ، والأخلاق ، والقيم الحميدة .
وجاءت الواقعية وبقى الهدف السامي للمسرح نفسه ، ولم ينشغل المعنيون بتقديم العروض ،كيف يتمكنوا من (ايهام) الجمهور بحقيقة ما يقدمون ، بل بقى المسرح كما هو ، يعتمد الأسس التي قام عليها (مؤلف ، مخرج ، ممثل ، مسرح _ مكان العرض _ جمهور)، ولم تغير منه كل المذاهب التي جاءت بعد ذلك هذه الأسس ، وان خرجت بعض العروض من مسرح العلبة ، وان قلل المخرج من الديكور ، او الأزياء او الاكسسوار او استخدم اضاءة في أماكن غير معتادة ، او حتى إضافة بعض العناصر الجديدة في العرض ، لان ذلك ، كان موجودا في الأساس أي كانت العروض أساسا فيها من الاقتصاد الكثير الكثير ، كانوا بالأساس يعتمدون على ما توفر من قطع الديكور ، وان استخدمت في بعض الفترات الديكورات الضخمة لكنها عادت الى البساطة فيما بعد ، ولم يكن في البداية أزياء او ديكور او اضاءة ، كانت فقط تستخدم الأقنعة ، وذلك لتغيير الشخصيات بين التراجيدية والكوميدية، ولم تستخدم (للإيهام او كسره) ، لأنه بالأساس ليس هناك (وهم) ، انما يوجد من يوهم نفسة ان ما يقدم امامه حقيقة ، او ان ما يعرض امامه يمس حياته ، وما مر به من تعاسة او غبن او قساوة ، بمعنى ان الوهم تحدده ثقافة المتفرج و وعية (ان الفن علم افتراضي هو ان الأيهام عنصر متحقق في كل الاعمال الفنية وانه اذا ما وجدت قصدية لتحقيق كسر اكبر للإيهام ، فأنها لا تعدو كونها فرقا في الدرجة الا إيهامية والتي سرعان ما تعود كونها في اطار الافتراض الفني لدى المتفرج لتصبح مرة أخرى عالما افتراضيا مقبولا بذاته ويضل مستمرا يحمل ذات التناقض بين كونه لا إيهاميا بواقع ما ، وبين تقبله على كونه عبر درجة من الوعي لدى المتفرج بانه حيال مجرد عمل فني)( )،اذن ليس هناك (ايهام) يعرض على المسرح وليس هناك قصدية بـ (ايهام) الاخر ، بل ان المتفق عليه ان الفن هو (ايهام) بالواقع ولا دخل لمن يقدمه بـ(الايهام) او عدمه ، بل ان الطرفان على علم مسبق ، واقصد القائم بالعمل والجمهور يعرفون بل ومتعاقدين على ان ما يعرض على المسرح هو عمل فني يفترض انه واقع ومهما اجتهد المعنيون من مخرج وممثل بان يقدموا الواقع فلن يفلحوا في ذلك ، لم يكن المسرح يوما إيهاميا ، وحتى الفنون الأخرى ، فنحن كثيرا ما نشاهد بعض العازفين وهم مندمجين مع اللحن بل متماهين مع الاتهم وهم يعزفون مقطوعاتهم ، بماذا يريدون ان يوهموا الجمهور ؟ ، اذن ان محاولة (المرسل) تقديم رسالة (بصدق) لا يعني انه يوهم – وانا شخصيا اعتبر هذا تجني على المخرج والممثل لان الايهام بمعناه الواقعي هو(الكذب) ولا يمكن لهؤلاء ان يكذبوا على جمهورهم – بل هم دائما ما يكونوا صادقين في تقديم عروضهم المسرحية لذلك يجهدون انفسهم بالتمارين من اجل التقرب من الحقيقة لغرض الامتاع ، و التسلية والفائدة ، ويحاولون قدر الإمكان ان يكونوا قربين من الواقع ولا يوهموا أحدا به ، لان المتفرج يعرف جيدا ان اللذين على خشبة المسرح هم ممثلون . اذن لن يحتاج القائمون على العرض ان (يكسرو الايهام) لأنه بالأساس غير موجود وان الخداع ليس من مهامهم ولن يقبلوا به .
كلنا نعرف ان الفنان العالمي (مايكل انجلو) عندما حطم احد تماثيله بالفأس وهو يصرخ عليه( انطق انطق) ما هي لا محاولة منه من التقرب من الحقيقة ، لكنه لن يتمكن من ذلك .
اذن بماذا يوهم الفنان ؟ ولماذا يوهم ؟ وبماذا يتوهم الجمهور ؟ وكيف يتوهم ؟ وهو العارف جيدا ومنذ خروجه من المنزل انه ذاهب لمشاهدة عرض مسرحي ، وقد ابتاع بطاقة من اجل ذلك ، او من الممكن انه جاء للعرض من اجل مشاهدة زميلة ، او صديقة وهو يؤدي شخصية (عطيل)، صديقة الذي كان قبل قليل جالس معه في المقهى ، او كانوا على قارعة الطريق يتحدثون عن الفن والمسرح وجماله ، فهل من المنطق والعقل ان المتفرج يعرف كل هذا ويتوهم بعد ذلك اثناء العرض ، كيف للجمهور ان يتوهم بما يعرض امامه وهو قبل قليل قد صور مع الممثل الذي سيؤدي شخصية (المجنون) او (العاشق)، كيف للجمهور ان يتوهم وهو جاء من اجل مشاهدة الممثل(س) لأنه بارع في التمثيل ويجيد الأدوار المعقدة ، اذن الجمهور على دراية كاملة (بصدق) الممثل(س) ويعرف انه محترف بهذا الفن ومضى عليه فترة طوية وقد أدى جميع الأدوار .
يقول كاسير ( يصبح كل ابداع فني مجرد محاكاة او تقليد لابد ان يقصر دائما من بلوغ مستوى الأصل)( ) اذن لا يمكن للمثل مها يكن بارعا في فنه ان يوهم المتفرج لأنه غير قادر على ان يكون كما في الواقع بل يحاول محاكاته والتقرب منه ، فالتمثيل هو التماثل مع الشيء وليس الشيء نفسه. فهناك (اتفاق على ممارسة اللعب او الفن ، أي كونه اتفاق على ان ما يجري ممارسته هو اما (لعب) او( فن )، ولكنه ليس بحال من الأحوال هو ممارسة الواقع ، اذ ليس من واقع في العملية برمتها الا كونها الاتفاق على انها ليست الواقع)( ).
اذن من يخدع نفسه هو المتفرج نفسه ، وهذا يعتمد على وعيه ، وثقافته ، لان الوعي والثقافة تشكل الهم الأكبر لدى المتلقي ، مثال على ذلك : لو كان هناك مشهد قتل على خشبة المسرح ، هل سينهض المتفرج لنصر الضحية ، لكي يخلصه من يد المجرم ، وذلك لان الممثل تمكن من ايهامه ان ما يحصل امامه حقيقة ؟ طبعا لم تحصل سوى حالة واحدة في المسرح الامريكي على مر الزمن ، وهذه الحالة لم تكن ظاهرة وان امتدت الى خمس او عشر حالات ، حيث تبقى في كونها حالة مرضية يمر بها هذا المتفرج ، لنفرض اننا قبلنا جدلا انه حصل هذا ، ماذا يحث للمتفرج نفسه لو حضر للعرض مرة ثانية لان العمل اعجبه ، هل يقوم بنفس الفعل؟، مثال اخر : امامنا عرض مأساوي يتحدث عن قضية انساية ، وفيها قساوة كبيرة ، سنلاحظ ان احد المتفرجين قد اندمج مع المشهد بل تماهى معه ، وتأثر بما يحصل امامه ، وراح يبكي لقساوة المشهد عليه ، اما زميله الذي يجلس بجواره لا زال يقضم(السندويج) الذي اتى بها من حانوت قاعة المسرح . لماذا ؟ لان الأول تعايش مع الحدث لأنه يلامس حياته ، لقد مر بنفس الظروف التي مرة بها الشخصية التي اماه لذلك احس ان ما يعرض امامه هو قضيته لذلك تفاعل معها، اما الاخر فهو اعتبرها حالة مثل أي حالة في المجتمع ، وانها مسالة طبيعية .
ولو جدلا ضربنا ما تقدم عرض الحائط وقبلنا ( بكسر الإيهام) ، كيف سيحدد المخرج الوقت المناسب لهذا؟ هل المتفرجون كلهم يتمتعون بنفس الدرجة من الوعي والادراك ؟ يتوهمون بما يعرض امامهم بنفس اللحظة ، ليأتي بعد ذلك ويكسر المخرج هذا الايهام؟ هل يتمكن الممثل من معرفة مشاعر وثقافة المتفرجين لكي يحدد الوقت (لكسر ايهامهم) ؟ من يصنع الايهام ومن يكسره ؟ هل المؤلف ام المخرج ام الممثل ، ام الكل مجتمعين؟ اذا فرضنا وجود الايهام في المسرح ، ماذا نسمي ما موجود في السينما ، وفي أفلام الكارتون ، اليس هي الأولى بان نطلق عليها بالفن الإيهامي ، لان كل ما نراه هو وهم وليس حقيقة ؟
كل هذه الأسئلة وغيرها لابد من إعادة دراستها ، والبحث في تفاصيلها الدقيقة بالاعتماد على العرض والجمهور وليس بالاعتماد على النظرية ، التي لا اريد تفنيدها ــــ لكوني لا اؤمن بها ـــــ ولكن لكي تكون هذه انطلاقة للمعنين بالمسرح والسينما على حد سواء ، من اجل توضيح بعض الحقائق عن الايهام وكسره في المسرح.
ولا بد من التأكيد على ان المسرح لم يكن يوما (إيهاميا) ولم يفكر يوما المخرج او الممثل ان يوهم الجمهور بالحقائق التي تعرض امامه ، لان الكل يعلم ان الفن هو بالأساس ايهام بالواقع ، وليس الواقع نفسه ، وكثير من الأحيان يكون الفن تدوير للواقع ، وما يهم الفنان هو ان يطرح الواقع كما يراه ، وعلى المتفرج ان يفهم ويستوعب ما يعرض امامه كما يستوعبه ، بوعيه وثقافة التي يمتلكها.

1- د مدكور ثابت ، الكسر النسبي في الايهام السينمائي ، (القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب ،1994)، ص51.
2- توماس مونرو ، التطور في الفنون ، ترجمة: محمد علي أبو درة واخرون ، ( القاهرة: الهيئة المصرية للتأليف والنشر ، 1971 ) ، ص339.
3- مذكور ثابت ، المصدر السابق ، ص 35،36.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*