مسرحية الساحل والمصباح*وجماليات تأثيث الفضاء المسرحي بقلم: مجيد عبد الواحد النجار | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / فنون / مسرحية الساحل والمصباح*وجماليات تأثيث الفضاء المسرحي بقلم: مجيد عبد الواحد النجار

مسرحية الساحل والمصباح*وجماليات تأثيث الفضاء المسرحي بقلم: مجيد عبد الواحد النجار

قدمت فرقة محمود أبو العباس المسرحية مسرحية (مسرحية الساحل والمصباح) وهي من تأليف وإخراج وسينوغرافيا الفنان محمود ابو العباس ، وكان على التنفيذ مجيد عبد الواحد النجار ، العمل من انتاج الفرقة.
تناول مؤلف المسرحية موضوعة (البيئة) وأهميتها في حياة المجتمع، وقد ركز في كتابته على (ساحل البحر) وإمكانية الحفاظ علية عند السفر أليه لغرض السباحة، أو السياحة، أو الصيد- ومن أبعاد هذا الموضوع أن يتناول أيضا كل ما تعنية كلمة البيئة من الاهوار، والأنهار، والأراضي الرطبة ، والغابات- فقد دعى المؤلف وعلى لسان الساحل/الممثل ؛ الناس الى المحافظة على البيئة، وذلك تجنبا للأمراض التي تنتقل عن طريق السباحة في الماء او عن طريق شربه، وكذلك الروائح الكريهة التي تلوث الجو ،وبذلك تنتقل الامراض الينا عن طريق التنفس، وذلك من خلال الحوار التالي:
الساحل: لمَ نعبث بأراضينا…. نهدر ماءً يروينا، ندمر هواءً يحيينا، نحرق شجرة تأوينا، ننزع ثمرة تغذينا، لم نضيع امانينا، لم نعبث بأراضينا، تضيع منا امامينا.
وقبل الخوض في غمار عناصر السينوغرافيا لابد لنا ان نتحدث عن الجهد الذي بذله مجموعة من الممثلين الموهوبين والذين اغلبهم لم يصعد على خشبة المسرح ، بل كان هذا الاغلب بعيدا عن خشبة المسرح ، والمعنيين بها ، ويعود الفضل في جمع هؤلاء الشباب للفنان الكبير محمود أبو العباس ، الذي بدأ معهم في التدريب ، وتعليم مهارات التمثيل.
التمثيل:
اشتغل المخرج ومن اول تمرين على تدريب الممثل اللياقة والصوت والالقاء ، وذلك كون هؤلاء الشباب مبتدئين واغلبهم لم يصعد على خشبة المسرح ، ولكون المخرج عارفا وعالما بمسرح الطفل لذلك حول اغلب الحوارات الى اغاني، وتم تسجيل هذه الاغاني في استوديو ليكون الصوت واضحا ومكتملا من النواحي الفنية والتقنية، وليكون قريبا من ذائقة المتلقي الطفل، وفي هذا الحال كان اداء الممثل( بلي باك) عند اداء الاغاني، ومن ثم يعود بعد ذلك يؤدي الحوارات بالمباشر، وتطاب هذا الى الاستعانة بمدرب حركات من اجل تدريب الممثلين على الحركات الراقصة ، ومن اجل ان يمتلك الممثل مرونة في الحركة اثناء التمثيل.
وقد اجاد الممثلون في بث حواراتهم بانسيابية خاليا من (التأتأة او التلعثم)، كما كان القاء الممثل (نقياً) صافيا، واقصد هنا الخالي من (الحشرجة) التي غالبا ما تحصل للمثل المبتدأ عندما يحصل اجهاد على الاوتار الصوتية اثناء اداء الحوار.
سينوغرافيا العرض:
من اجل ان يجعل خلفية المسرح مقاربة لساحل البحر او الشط ، استعان المخرج السينوغرافي بشخص تقني ليكون له منظر المسرحية ، وقد اجتهد هذا التقني في اختيار لقطة ثابته بزمن طويل تحكم بها في المونتاج ، حيث اعادها عدة مرات من اجل الحصول على زمن العرض وبقاء الصورة ثابته لا تتغير، التقطت الصورة لجرف الشط، وفي الافق يوجد جسر للدلالة على عمق الصورة وحركتها, كما اضاف المخرج السينوغرافي قطعة قماش ذات لون مقارب لساحل النهر تمتد من الخلفية( السايك)- بداية اللقطة السينمائية- حتى خشبة المسرح المحاذية له، ليكملها بعد ذلك بنشارة خشب ناعمة ، ليقترب من رمال الساحل الذي تدور فيه احداث المسرحية.
كما استخدم المخرج قطع من الديكور المتحركة ، والتي استخدم بعضا منها في استخدامات عديدة، فمثلا: مفردة ( الطاولة) استخدمها مرة كمقعد للجلوس ؛ وهذا عملها الطبيعي ، ومرة اخرى استخدمها (كناظور)، ومرة أستخدمها الممثل كخيول يتنقل عليها برشاقة على خشبة المسرح ، اما العربة فقد استخدمها في جمع الشخصيات الثلاثة (بقايا الطعام، وابو القناني، والكيس ـــ كيس النفايات ـــ)، من اجل اخراجهم من قبل عامل النظافة خارج الساحل الذي حاولوا ان يعبثوا به ويشوهوا منظره. واجتهد مصمم الإضاءة في ان يجعلها مكملة وساندة للديكور والمنظر المسرحي ، وذلك من خلال الالوان المستخدمة مع المصابيح، فاعتمد اللون (الازق) مع ظهور شخصية (الساحل) ليكون متناسقا مع لون الماء، كما استخدم اللون (البصلي والبرتقالي) في منطقة الساحل، ليشكل بذلك اللون (الترابي) الذي يمتاز به جرف الشط، اما مع الشخصيات الاخرى فقد استعمل عند ظهور الشخصيات المشاغبة ( كيس النفايات وبقايا الطعام وابو القناني)استعمل اللون (الاحمر) للدلالة على الشر الذي يحملانه في التعمد بنشر الاوساخ على الساحل، اما مع شخصية (الجني والمصباح) فكان اللون الاخضر ملازما لهما عند ظهورهما في المشاهد الخاصة بهم يصاحبهما اللون البرتقالي المشع، وكان يضيف الون الابيض اثناء لوحات الرقص والغناء لشخصيات الخير.
وقد قسم الإضاءة بين مقدمة المسرح ؛ التي تجري عليها احداث المسرحية، وبين مؤخرة المسرح التي كانت شبه محجوزة للساحل الذي لم يدخل هذه المنطقة سوى (النورس والجني) في فترات قصيرة جداً. اما شدة الاضاءة فكانت شبه موحدة بين مقدمة المسرح والمؤخرة، لان الاحداث كانت تجري كلها اثناء النهار لذلك لم يلجئ المخرج الى تغيير شدتها. اما مصمم الأزياء فكان دقيقا في اختيار نوع القماش في خياطة أزياء الشخصيات ، من اجل ان تكون معبرة وموحية للشخصية بأبعادها النفسية والاجتماعية ، ومن اجل إعطاء الممثل حرية الحركة وان تكون لديه مرونة في الرقص اثناء الاغاني ، لذلك استخدم الاقمشة الخفيفة والمرنة وذات الوان معبرة ، وقد أضاف لبعضها اكسسوارات لإعطائها او على الأقل لتقريبها من شكلها الواقعي ، ولكي يقنع بها المتفرج الطفل على الأقل . مستفيدا من بعض حوارات الشخصيات ، فمثلا الساحل يقول: (( لوني ابيض حبا ونقاء، اوصل بين الرمل والماء.. لوني ازرق لون السماء، رمل انا شمس وصفاء)). لذلك جمع بين الون الأزرق ، والأبيض ، والأوكر(الترابي)،ليكون أزياء هذه الشخصية.
وجاء المكياج مكملا للأزياء ولكل الشخصيات، فقد كان الماكير يطلي وجوه الممثلين باللون المقارب لشخصيته وأزياءه، فمثلا طلا وجه الممثل النورس باللون الابيض ليتماشى مع شخصيته ولون النورس الحقيقي، والازياء التي يرتديها، وكذلك الساحل فقد كان لون وجهه ازرق مبيض، وقد شمل هذا كل الشخصيات بضمنهم الفانوس السحري الذي طلي وجهه بالون الذهبي. كما كانت هناك إضافات من اجل توضيح معالم الشخصيات ، مثل احمر الشفاه والكحل للعيون.
ولم تستخدم اكسسوارات كثيرة ، الا الضرورية منها والتي كانت لها دلالاتها المرسومة في النص، وافكار المخرج، فقد استخدم شبكة الصيد والتي خرج بها الجني للدلالة على خروجه من البحر، واستخدم كيس نفايات اسود صغير يرمى من الكواليس على الممثل/ الساحل، وكذلك قطعة عظمة ، للتعبير عن الاخطاء التي يقومون بها الناس في رمي النفايات في الماء، كذلك استخدم(النجادة) وكانت للدلالة عن رغبة حاملها بالسباحة.
اما المؤثرات الموسيقية فجاءت هي الأخرى معبرة ومكملة لأفكار النص ، والتي اعتمدها المخرج لإعطاء جوا خاصا لكل شخصية ، ومعبرة عن المواقف المأساوية والكوميدية لها، ليترجم للطفل المواقف التي ترد من الممثلين ، مضافا لذلك الصنعة العالية في تلحين الأغاني التي جاءت متماسكتا مع كل مفاصل العناصر الأخرى ، حيث جاءت مواكبة لما يحدث ومعبرة عنها ، وباثتا لرسائل النص المكتوبة ، وقد اختيرت الالحان لتكون متماشيتا مع ذوق وعقلية الطفل الذي تماها معها خصوصا في الأغاني الأخيرة.
لقد كان المخرج السينوغرافي، واعيا بجمع عناصر السينوغرافيا، في فضاء العرض المسرحي ، وعارفا كيف يوظف كل عنصر بدلالاته اللونة والمادية والصوتية لصالح الشخصية ، وبالتالي لصالح العرض ، ولكي يكون قريبا من الطفل ، وهذا ما حصل بالفعل حيث تفاعل الأطفال مع العرض لدرجة ان بعض الأطفال وفي الاغنية الأخيرة للمسرحية صعدوا على خشبة المسرح وراحوا يغنون ويرقصون مع الممثلين الذين ابدعو في أداء الأغاني والرقصات. وقد أوصل المخرج السينوغرافي رسائله من خلال ما اشتغل علية ، ومن خلال جمعه لعناصر السينوغرافيا السمعية والبصرية التي شكلت رسالة مدمجة من هذه العناصر ليشكل بذلك تكاملا مسرحيا على خشبة المسرح.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*