مسرحية انتحار بقلم: اسلام عادل | مجلة بصرياثا الثقافية الأدبية
الرئيسية / نصوص / مسرحية انتحار بقلم: اسلام عادل
اسلام عادل
اسلام عادل

مسرحية انتحار بقلم: اسلام عادل

اخترق ضوء بارد ليصل الى عيني اللذين بالكاد انتزعتهما من جفن ثقيل. احسست بالانتصار. انتصار لذيذ, احساس بالانجاز لم اذقه من قبل, شعور القوة يعتري عضلاتي و مفاصلي. احس اني استطيع ان احطم جدار, استطيع ان اصرخ و يصل صدى صوتي الى اعماق البحار, ان اتسلق جبلا, اقدر ان اقتل بشرا..

لا لن اقتل بشرا..

لو كنت قادرة على ايذاء احدا, لما اذيت نفسي.

لم ارى بعدها سوى امي.. التي تعتب كعادتها.. تلومني كعادتها.. و لم اشعر بأي نوع من المشاعر تجاهها.. لا احس بشئ… فقط اني قوية.. شكرا لعقلي الذي فكر بالامر.

و قررت ان اكمل الخطوة التالية في سبيل الحرية.

يبدو متعاطفا, ينظر الى وجهي.. اذهله شحوبه.. يحس انها مهمة انسانية اكثر من كونه تحقيق شرطة.

–          قلت لهم لا تشيروا الي بسبابتكم و تأمروني.. لا تقول شيئا و سأقوم بفعل ما تريدون.

–          كم مرة فكرتي بالانتحار قبل هذه المرة؟

–          فكرت و لكني لم انفذ. الا ان ما يميز هذه المرة عن سابقاتها هو تصميمي.

–          في السابق كنت افكر بطرق انتحار اكثر انثوية, مثل تناول ادوية فاسدة, او رشة زرنيخ على السلطة. و بقيت اوهام اهدد بها نفسي كلما تعرضت لخيبة امل. حين ينظر الاخرين الى حاتي المتكاملة ربما سينعتوني بعدة القاب و يقولون اني لا احس التصرف او تقدير النعم التي انعم بها. الا انها لم تكن مشكلتي بالاساس.

–          اريد ان انتحر بطريقة وحشية.. اريد دما.. الما.. احتضار.

–          من اين حصلتي على السلاح…؟

–          وجدته امامي..

–          اين امامك..

–          لا اعرف..

–          كيف لا تعرفين؟

–          في خزانة ابي رحمه الله.

–          من الذي كان يعلم بأنتحارك؟

–          لا احد.

–          من تلومين.

–          لا احد.

–          لم انتحرتي اذا؟

–          لأرى ان كنت احب نفسي!

–          و ما اكتشفتي؟

–          احبها جدا..

–          هل انت نادمة؟

–          لا..

–          و الالم.

–          انه ممتع.

–          ما الذي جعلك تقتنعين انه ممتع.

–          ان اقول لهم توقفوا لدي من ما اقوله.

–          من “هم”؟

–          على ماذا تريدين معاقبتهم؟

–          لا احبهم..

–          اجابه غير مقنعة.. لم لا تحبيهم؟ كيف خطرت الفكرة ببالك؟

–          سمعت عن فتاة اخرى انتحرت, و قلت لم لا اجرب..

–          كيف؟

–          احرقت نفسها بالحمام.. كانت حاملا..

–          لم احرقت نفسها؟

–          لتنتقم منهم.

–          من من؟

–          اهلها و زوجها و اهل زوجها.

–          هل اردتي ان تقلديها؟

–          اجل, الا ان طريقتها بالانتحار كانت مؤلمة جدا, ان لا اريد ان اتعذب قبل ان اموت.

…….

–          اردت ان ابدأ من جديد, و كان.. و كان لا بد من بداية قوية اما ان اكون او لا اكون.

–          لم تريدين البدأ من جديد؟

–          لا اريد ان امضي حياتي كيفما يريدون ان اكون.. بعد وفاة والدي, احسست نفسي مجرد خادمة, لا اريد ذلك ابدا.

–          خادمة؟

–          لا اسمح لأحد ان يضربني مرة اخرى؟

–          من ضربك؟

–          خالي..؟

–          لم؟

–          لأني تكلمت بصوت مرتفع..

–          لم تكلمتي بصوت مرتفع؟

–          يحق لي ان اتكلم كيفما اشاء, لا يحق لأحد ان يفرض علي كيف اتكلم و متى اتكلم..

–          هل اسأتي التصرف؟

–          لا..

–          و هل يعني ذلك انك تطلقين النار على نفسك..

–          ان لم اطلقه على نفسي, كنت سأطلقه عليهم..

–          امك بحالة سيئة.

–          امي هي السبب, انها ضعيفة.. لا تقدر ان تجازف بكلمة..

–          ———

–          هل هم بالخارج؟

–          نعم.

–          لا اريد ان ارى احدا, ابقي هنا و انتهى الامر.

–          ——— تنهد!

–          منذ متى و انا هنا؟

–          يومان..

علمني المجتمع على الانكسار, الخضوع للخوف و الضعف.. انا امراه ارادت ان تتحرر بأي طريقة ممكنة. الحياة لا تحب الضعفاء و انا لم اخلق لاكون ضعيفة.. انا لم اخلق لاكون ضحية.. انا لست اسيرة الاوهام.. سأغير قدري و قد غيرته بالفعل.. انا لست كما يريد الاخرون ان اكون.. انا اكون مثلما اريد ان اكون.. ان اكون امراه واثقة.. و ما امامي الا ان اتخلص من اولائك الذين يقتلون ثقتي.. انا انسان.. انا امراه.

و ما علاقة الانهزام و الانتحار بفكرة..

لاني لم اسمح لهم ان يرسموا حياتي.. ان يعينوا حدودي.. لم اسمح لهم ان يؤشروا اين اقف و اين اسير.. خياراتي لي انا.

احيانا الموت طريق الحياة…

قبل اسبوع انفصلت عن زوجي, عدت الى بيت اهلي, الى غرفتي ذاتها. نظرات امي الحزينة و انشغالها بشرح الموضوع الى الجيران و الاقارب لتبرأني من هذا و اني ما انا الا ضحية لقراراته التعسفية بحقي.. لا تكف عن لوم الحياة السوداء التي تراها و تعيشها.. فأنقطعت كل السبل الى قلبها اليائس. بالحقيقة لا توجد اي كلمة اقدر ا اصف بها والدتي. لا توصف. كتلة من اليأس و الاحباط و انقضاء الحياة و الامل و اللافائدة من العيش.

لا اعرف لما انا لست بحزينة و انا اروي كل ذلك.. انا لست حزينة لاني قررت اليوم ان اموت.

لست حزينة لأنفصالي عن زوجي و لا لأني رجعت الى اهلي رغم ان الامران يثيران قرفي. انا ضجرة فحسب و قد مللت الحياة.

قررت ان ارى نفسي لاخر مرة في المراة, اريد ان احفظ ملامح وجهي التي سيدفنها التراب, و المشكلة اني لست بخائفة.

انا و كالعادة لا مشاعر لدي الا الللامشاعر.

و اني مستعدة ان احمل نفسي تبعية كل ما يحدث, فمثلا قررت ان اكتب رسالة اعلم بها احدا ما اني سأنتحر  و اني انتحرت لا لسبب معين الا لاني لا ارى ضرورة لان اكلف الطبيعة وجبات غذائي اليومية و لا كمية الاوكسجين التي استهلكها كل يوم. لذلك فقد قمت بكتابة رسال الى عمتي, و لا اعرف لم اخترت عمتي كي اوجه اليها الرسال, ربما لاني احسست في ذلك الوقت  اني اريد ان اخبر احدا يهتم بي بالتحديد, و احبني طوال الوقت.. و خطرت هي على بالي في حين لم تخطر امي.

عزيزتي عمتي:

قررت ان ان افارق الحياة اليوم, الان اكتب الرسالة الساعة الواحدة صباحا, و في اي وقت سأفارق الحياة, و لست مهتمة اطلاقا, و جل ما افكر به هو كمية الالم و الذعر التي ستنتاب الجميع. اوصيك بالتالي:

اريد منك طرد الاسماء التالية من العزاء لانهم سيأتون: طليقي, اطرديه و اشتميه فهو بطريقة او بأخرة سببا لاتخاذ القرار. امه التي هي خالتي لا اريد ان تأتي و تبكي كالمنافقين. اختي رنا لا اريدها ان تكلف نفسها لانها سببت بعض الفتن. و تعرفين الباقي.

احبك عمتي.

الانتحار..الوسيلة التي سأنتقم بها.

اسمع جلبتهم, يضحكون و يتأمرون.. انا البنت العاصية.. التي يحب ان تخضع للقوانين التي لا ترى بها اي منفعة. انا اريد اعيش الحياة التي اريد.. اريد ان اصبح امراه, لا اريد ان اكون اله تمتثل بأوامرهم.. و الانتحار هو الحل, اما اني سأنتصر لنفسي او سأموت و بالحالتين سأتخلص من الهم الذي اثقلوني به.

غرفتي باردة و رطبة, و معتمة قليلا..

صراخهم يعلوا و يعلوا.. يثيرون اشمئزازي.. و انا اتقدم الى المسدس, امسح عليه, اتحسس زناده.. كن رحيما, كما طلقة الرحمة التي سأطلقها على نفسي.

الطلقة التي سأعيش بها الحلم.. الحلم.. حلم ان اكون لوحدي.

القبر سيجعلني لوحدي.. لكن الحياة ايضا.

كنست الغرفة.. اريدها ان تكون نظيفة.. لا اريد جسدي ان يسقط على الاوساخ, اريد ان استريح. و لن يكمل المشهد من غير ان اضع بعض مساحيق التجمبيل لأستقبل بها الحياة الاخرة التي اريد ان احياها.. و قبلهم.. قبل نفاقهم.. ارتديت الاسود حزنا علي‘. لا اريد حبهم, لا اريد عزاءهم.. اريد ان اصنع عالمي, اريد ان اصنع حياة لنفسي. حياة ملؤها الخيارات, بعضها صائب و بعضها خاطئ, و لكني سأتعلم..

و سأختار من يدخل هذه الحياة بعناية, لا افضلية لقريب.. سأقرر كل شئ بنفسي..

انا محاربة.. محاربة لأكون انا.. المراه التي اريد ان اكون.

اسمع دقات قلبي اعلى من اصواتهم.. اعلى من جلبتهم و ضحكاتهم التي تثير اشمئزازي.. صوبت فوهة المسدس الى كتفي.. خفقات قلبي.. تسارع انفاسي.. بدأ الخوف يعتريني لا لا اريد ان اموت.. لا اريد ان اموت..

و لمن الهدف الذي سأموت من اجله نبيل, نبيل جدا. سأموت من اجل الحرية.. من اجل الاستقلال.. فروحي وطن احتلوه, وطن انتكسوا كرامته.. انا اكرههم.

لم اسمع صوت الرصاصة حين اطلقت النار على نفسي.. او اني سمعتها لكن لا اذكر.. اخر ما سمعت كان صوت ضربات قلبي..

…….

تبدو كأنها لا تناسب المسرح الذي ستمثل عليه. تركت الاوراق لتتناثر بغرفتي و جلست في الزاوية انظر اليها.. انها المحاولة الثالثة هذه الاسبوع لكتابة المسرحية.

بدأت افقد الثقة بقدرتي الكتابية, موهبتي تتزعزع, تتأثر بأبسط التفاصيل. و كما اني تعلمت ان اتعامل مع الفشل و اتغلب عليه.. لم تهزني هذه الموجه من عدم الكتابة.. قبل اسبوع حدث امر مهول ان جارتي احرقت نفسها و هي حامل.. تأثرت جدا, لم تحتمل ضغوط الحياة الزوجية و هي صغيرة السن.. امضيت ليال احاول ان اكتب للمسرح عن هذه الحادث المأساوية, لكني افشل كل مرة بأيصال ما اريد ايصاله.

قررت ان اعيد الكره.. ان اتقمص دورها, قرار الانتحار الذي تلجأ اليه بعض الفتيات.. لم اقدر..

لم اقدر على كتابته.. كيف ينفذوه هم…

و حين اعدت لكتابة المسرحية مرة اخرى, و جدتها قد اصبحت قصة.. قصة مسرحية انتحار لم يقدر لها ان تكتب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*