بنات الأرض بقلم: أحمد الحجام |

بنات الأرض بقلم: أحمد الحجام

أحمد الحجام :

رأيْتُهُ اليوم يَخْطُو خطوات وئيدة ، يشوبها عَرَجٌ ،على جنبات الطريق ..يَدُسّ يديه في جيبه ، مُحدّقا بالأرض ، يمْسحُها مسْحًا بعينين حائرتين .. و كأنه يَبْحثُ بيْن الأرْجُل عن شيء ضاع مِنْهُ على حين غرّة .. مرّ وسط خرائب القُمامة في الجانب المُقابل لمقهى ” المُسافرين ” يقذف بقدميه الواهنتيْن عَُلب دانون الفارغة ، و بنخسُ أكياس البلاستيك السوداء مُسْتشعرا ما بِداخلها .. هذه المرة ، لمْ يكنْ يتأبّطُ خرطوشة السجائر ،كما عهدته  منذ اليوم الأوّل الذي وطأت فيه قدماي أرْض هذه البلدة .. بَدَا  لِي ، بِهامته الدونكيخوطية ، شيْخا هرمًا يجرُّ ذيول الخيْبات و ..ثِقْل السّنين .. استدار فجأةً ، و عبر الطريق باتّجاهي .. حيّاني بابتسامته الدّرداء ، و أنا جالس في المقهى التي تضجُّ بأصوات الزبناء .. و الباعة المتجولين ، و ماسحي الأحذية .. و كذا جحافل الشطّار الذين يبيعون ببخس الأثمان” السولوفان ” و .. الوَهْم للعابرين “الطّامعين ” .. رددْتُ التحية بإماءة من رأسي داعيًا إياه بالجلوس و اقتسام برّاد الشاي البارد .. كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار ، حيث الحركة الدؤوبة للحافلات التي تُقلُّ المسافرين إلى كلّ الاتجاهات .. هي ساعة الذروة، ما يُفسّر كل هذا الاكتظاظ الضاجّ بالثرثرات و دُخّان الشواء الكثيف ..سَحَبَ ” الزّرْهُوني ” الكرسي بجانبي ، و تهالك عليه .. كأنه يستريح من حرب عابثة خاضها قبل قليل .. لم ينبس بكلمة واحدة .. ران الصّمت بيْننا بُرهة .. و بادرْتُه بالسؤال علّني أرفع حرجا مُحْتملا يكون قد أعقد لسانه عن الحديث .. فين غبرتي آ صاحبي ..هذي مُدّة ما شفناك ..؟ أرْدفْتُ مازحا ..  خَاصْنا نسجلوك ف ركن المتغيبين ..وا غِيرْ ف الدنيا آسي محمّد .. الوقت عيّانة .. ما كاين ما يندارْ ..  قفزت الكلمات من بين شفتيه الاسفنجيتين خافتة ذابلة، ثم أطبقهُمَا رَاِدمًا  كُثبان الصمت على طوّيته المنهارة ، مُحملقا  في الوجوه السّابحة في سُحب الدخان ، مُتابعا بعينين ساهمتين الأفواه وهي تلُوكُ الخبز و أصابع الكفتة المشوية بشراهة ، و تزدرد أكواب الشاي المنعنع في تلذذ فائق .                              لم يكن ” العيّاش ” غير ذلك الرجل الكادح ، خفيف الظل و المشية .. الإنسان الذي تبدو عليه ملامح نعمة غابرة .. كان صموتا  غامضا حدّ المتاه ، عندما عرفتُهُ أوّل مرّة ، منذ عامين ، في البار اليتيم بهذه البلدة ..عرفتُه بائعا للسجائر بالتقسيط ..يجهد في تلبية طلبات الزبائن بمرح و خفّة، طمعا في سخائهم الّنشوان ..وبديهي ، في بلدة صغيرة كهذه أن يحسّ مُرتاد حديث العهد بالخمّارة ،مثلي بِِدَأْبِ النادلين و الزبناء معًا ، للتقرّب منه و كسب مودّته .. هكذا كان الرجل يمُرُّ أمامي جيئة و ذهابا بهامته النحيلة ، يتفرّسُ في وجهي أحيانا .. فأتجاهله ،ربّما رغبة في ترتيب تعارف مُفكَّر فيه مُسْبقا  .. ـ و لأنّني لا أسْتلطف المفاجئات في مثل تلك الأمكنة ـ ..مضى شهر و نيف .. و أنا أتحاشى الحديث مع مُرْتادي الخمّارة البئيسة تلافيًا لصدام يمكن أن يسْتدْرجَني  إياه أحد السكارى العابثين .. في ذلك اليوم ، شعرتُ بثقل الدقائق المسربلة بالرّتابة و.. الفناء .. و أنا أحتسي أكواب البيرة الرديئة .. و ألوذُ بالصّمت ..صمْتٌ ران طويلا..طويلا ..وكُنتُ أفتقدُ للْحديث ، سيما و أني أعيش وحيدا لا أعرف أحدا أُثَرْثِرُ مَعَهُ و لو بالتّرّهات .. كنت أتُوق للصُّحبة الجميلة و الحديث الشائق  الذي يستبيحُ  الإحساس بذلك الخدر اللذيذ ، الذي يحس به المرء عادةً في مجالس المدام الهادئة ..كانت الحانة قاحلة إلّا من بيوت العناكب المعششة في الزّوايا .. و البارْمان ” المثقف ” الذي يحلّ الكلمات المتقاطعة في أقصى الكونتوار الدّبق ، حينما دخل ” العياش ” مُهرولًا و جلس قُبالتي يستجمع أنفاسه المتقطعة ، و يجُول بنظرات يائسة تحت الكراسي و الطّابوريهات .. تابعتُ حركات عينيه العجلى المتهافتة .. و بالْتِفاتةٍ مفاجئة نحْوي ، بدا الرّجل واجما ، مُحرجا عندما شعر بنظراتي الفضولية المتسائلة تتعقّبهُ .. أسرعتُ ، متداركا الموقف ، فأومأتُ له أن يدْنُوَ منّي .. جَدّ بخطواته تجاهي ، مهلّلًا بابتسامته الغرثانة ..ثمّ سحب خرطوشة السجائر من تحت إبطه ، و مدّها إليّ بيده النّحيلة المعروقة .. تناولتُ واحدةً منها .. أشعلتُها وأنقدْتُهُ ثمنها   ، ثمّ دعوْتُهُ للجلوس بجانبي .. أمسكتُ بِدَانِياتِ القول عندما استفسرتُهُ عنْ حالة الكساد هاته التي يعرفها هذا البار الغامض بأصحابه و زبنائه .. بدتْ كلماته ، المتعثرة بين اللثة و اللسان  ، و كأنّها تندلق من بئر عميقة ، حين طفق يسرد ـ بلكنته المدينية ـ الماضي التليد لهذه الحانة ، و كيف كانت تغُصّ بالزبناء من الفلّاحين الأثرياء و ذوي العُزوة و النفوذ من أبناء البلدة و الضواحي المجاورة .. وقتئذ لم يكن مضطرّاً ليقذف نفسه خارج البار ـ كما اليوم ـ بحثا عن زبناء إضافيين لسجائره في المقاهي المجاورة .. كان يركن في الزاوية ينتظر إشارات المُدخّنين ليملأ جيوبه بدراهمهم الوفيرة .. هذا غير البقشيش الذي يجنيه لقاء خدمات خاصة  يقضيها لحساب الثملين الأسخياء بخفّته المعتادة ..تغيّرت ملامحه عندما أوْغلَ يبحث في صفحات ذاكرته ، المتشققة كالطين اليابس ، عن نقطة التحوّل التي عصفتْ بالبار و أصحابه ..لمحتُ في وجهه تغضُّنٌ واضح .. استرسلَ يتحدّثُ بصوْتٍ خفيضٍ مدحور عن سوء التدبير ، و الفوضى العارمة التي تسبّب بها الأبناء الثلاثة لمالك الحانة .. هو الذي كان مضرب الأمثال في” الاتّزان ” و ” حسن التسيير” عندما كان يرْأسُ المجلس البلدي، و النادي المحلي لكرة القدم   ..حقًّا ، إنّ النّار لا تلد إلّا الرّماد .. قالها بمرارة و حسرة لاَعِنًا الزّمن الذي يُعطي الفُول لِمَنْ ليس له ضرس …بعد وفاته .. علِقتْ  الكلمات في حلْق صاحبنا ، و تحجّرتْ نظراته و حركاته كمن رأى “ميدوزا ” ..التفتُّ إلى كُوّة البوّابة ، فإذا بالإبن الأكبر لصاحب البار المرحوم  يطُوفُ ، بنزقه المعتاد ، بين الردهة و المدخل ..يمسح أرضية البار مسْحًا ، يتبعُهُ طفله المعتوه اللّائذ بِتَلَابيبهِ . بيده اليُسرى  يُهدّد الخواء ، مُمْسِكًا مِدْفعهُ البلاستيكي باليد الأخرى ، مُصْدِرًا زعيقهُ المزعج ..طّاقْ ..طّاقْ ..طّاقْ .. هبَّ العيّاش واقِفًا .. وَعَدَنِي بإتمام الحديث في فرصة قادمة .
شعرتُ بحميمية تلقائية تْنشأُ بيْني و بين الرجل منذ ذلك اليوم ، و توطّدتْ علاقتي به بعد ذلك . كنتُ كلّما دخلتُ الحانة أدعوهُ لمُجَالستِي .. نتحدّثُ عن الزّحام و الغلاء .. والطقس و..أسرار المدينة الغامضة .. و كان يُطلِقُ عبر أحْراش ذاكرته عصافير الدّهشة  ،و  أحيانا خفافيش حكايات حزينة عن طفولته الشقية بمدينة فاس ..مسقط  رأسه ، و مرتع شبابه  و مهاد ذكرياته القُزحية .. غادَرهَا ـ على مضض ـ عندما اكتظت بالغرباء ، و ضاقت حواريها  و أزقتها   بالقرويين المهاجرين من قبائل تاونات و أولاد جامع و القرى المجاورة .. تركها ليبحث عن رزقه في ” بلاد الله الواسعة ” ، حين استقر به المقام في هذه البلدة ” الهادئة ” على ضفاف نهر سبُو ..شجّعهُ على ذلك أقرباؤه الذين كان يزورهم من وقت لآخر .. حلّ بهذه البقاع ، و كان عليه أن يفكّ الخيوط المتشابكة التي شَرْنقَ نفسه بها .. لكن هيهات ..فقدْ فُوجئ  ـ بعد فوات الأوان ـ بجشع أقربائه و طمعهم .. هو الذي ائتمنهم على مدّخراته و أمواله .. باع البيت الصغير الذي ورثه عن أمه بفاس العتيقة ، و بدّد ثمنه على زراعة أرضهم ،و إشباع بُطونهم النّهمة .. كان يبحث عن الدفء الأسري الذي افتقده بعد وفاة والدته .. تزوّج ، و رُزق بنصف دزينة أولاد .. فازدادتْ ضربات الزمن القاسي تلهبُ ظهرهُ  حتى أصبح على شفير الإفلاس .. فالدُّريهمات التي كان يجنيها في اليوم ، لا تَفِي حتى لتغطية مصاريف ” بليته ” اللعينة .. أقْلعَ عنْ ملاحقة الأمل ، و مطاردة الطموح  في حياة هادئة مريحة ، و غرق في إدمان الكيف ، و المُراهنة على خيول خاسرة .             رأيته اليوم ـ و يا ليتني ما رأيته ـ .. شعرت بمرارة جافّة تقبض علي حلقي ،و أنا ألتمس تخاطرا يمكن أن يصلني بأفكاره المزوبعة باليأس و القُنوط ..كنت أتطلّع إلى وجهه الأسْيان محاولا فتح القواقع المُستغلقة في قسماته ..لكم آلمني أن أرى تلك النُّدوب الغائرة في سُحنته السمراء المكدودة، وهُو يُحدّق اسْتِعطافا بالأرض الجحودة  أن تجُودَ عليه بما سقط سهوا من جُيوب العابرين ؛ فقد نضب معين رزقه ، سيما بعد أن أغُلت الخمّارة أبْوابها، و أصبحت طللا شاخصا تَعيثُ فيها الجردان، وتُقيم القطط المتشرّدة ولائمها و مهرجاناتها الجنسية .. لم يعُد هُناك من سكارى أسْخِياء يجْني من ورائهم قُوتَ يوْمه ..ها هُوَ الآن يسْتجدي ” بناتا ” هُنّ حتما لسْنَ من صُلْبه .. هُنّ النّسل ” غير الشّرعيّ ” للأرض ،كما أسْماهنّ في لحظات التندّرِ الغابرة .. هاهُوَ الآن يستنفر كل خلاياه البدائية ترقُّبًا لِمَا قد تحبل به الأرض من دُريْهمات ..و عليه باليقظة و السُّرعة حتى يلتقطها دافئة بعيدا عن أنظار المُنافسين ، تماما مثل القطط التي تنغل بحثا عن فتات الخبز و الكفتة تحت طاولات المقهى ..آه ، كم يكون الإنسان سعيدا لو يكون بمقدوره أن يُعيد ترتيب الأحداث على النحو الُذي يعجبه ، فيسترجع الزمن و يلوي عُنُق القدَر لَيًّا و يُُخْضعهُ لإرادته ،لكنّ ذلك لن يكون بالإمكان …فهاهُو الآن يجلس بجانبي عاجزًا ، يُوخِزُني  بنظراته الأسيانة  بين الفينة و الأُخرى مُعاتبا ـ أو كما يبدو لي ـ .. وددتُ في تلك اللحظات أن أدُسَّ في يده بعضًا ممّا عندي من دُرَيْهمات شحيحة لتغطية و لو جزء يسير من نفقاته الضّاغطة .. لكنّي عدلتُ عن الفكرة ، سيما و أني أعرف عزّة نفسه و تعففّه المحمود .. أبرقتْ في ذهني” التخريجة” التي لن أخدش بها ذرّة من أنفته الشامخة .. مددتُ يدي في جيبي ، في غفلة منهُ ـ و منّي ـ و سحبتُ ورقةً مالية يتيمة .. أسقطتها تحت الطاولة ، و دفعتها خلسة بقدمي أمام  مرمى بصره .. ثمّ هببتُ واقفًا .. ودّعته ، و استدرتُ عائدا إلى البيت .

عدد المشاهدات:(101)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية