قرية إخولان – الليالي الأخيرة بقلم: يونس الدهمي |

قرية إخولان – الليالي الأخيرة بقلم: يونس الدهمي

يونس الدهمي :

انسحب قرص الشمس بعد الأصيل وكأنه يلج تلك الآكام والمرتفعات غرب جبل قرية ” تيناو ” فانحدر الظل ليملأ الأرض سكينة وينبسط على هضابها وآكامها الشماء ما تبسطه النجوم في عرض السماء ، فحلت ذجنة الظلام بغطائه المظلم وسمكه الذي لا يقل عرضا عن طوله الممتد شرقا وغربا …
خرجت لأسرح ببصري برهة من الوقت في وقت كهذا عوض أن أسرح قليلا سيرا على الأقدام ، فرأيتُ تلك البيوت المزدحمة قد أظلمت نوافذها ، وسكنت مهاجعها ، وأحكمت أبوابها ، فأصبحت جلابيب الظلام لا تكفكف عن احتوائها ، فرابني ذلك المنظر ، واشتد حزني وارتيابي . فذكرت أن الأرواح التي كانت تعمرها قد رحلت . ثم نظرت الى مكان الواد الجاف الذي يقسم القرية نصفين : نصف نافع ونصف غير ذلك ، فرأيته مكانا لا يبعث الا على الوحشة والتأهب، ولا يستحسن النظر إليه ، فهو مكان لم يعد يبدع الناظر ، ولا يطرب السامع، ولا يخلو به الشاعر إذا أراد أن يستشعر قصائده التافهة ، ولا ينزل به الأديب ليلا طمعا في استلهام خاطرة من الخواطر ، ولا يجد بممره الفارغ بارقة من بوارق الأمل لكل يائس مخذول … بل كل ما فيه حجارة صماء ، وكلاب ضالة تعبره ، وسوارب هائمة تخطوه ، وقنطرة قديمة لا تريح الناظر إليها بل تسترهبه . فمررت على حافته – وهي الأقرب إلي – فقلت : هنا كان الصبية يلعبون بالأمس القريب، وهنا كنت أصنع بيتا صغيرا من الرمل والطين ، فأخذت هذه الكلمة من نفسي مأخذا عميقا ، فذكرت أن من كنت ألعب معهم قد تغيروا جذرا، وأن منهم من مات قبل بضع سنين، ولم أزل على تلك الحال الا قليلا حتى ظهر نصف قرص القمر بين زحمة من السحب المظلمة ، فانكشف غطاء المكان كأنني واقف في متاهة من الطريق، أسقط تارة وأقف أخرى ، وألوذ بالفرار تارة وأتوقف أخرى، ولم أزل أفكر بأمثال هذه الخيالات حتى اختفى ضوء القمر الذي كنت أستأنس به وحشتي ، وألمح بنوره ما تيسر من أجساد الطبيعة ، وأراقب به السحب وهي تجري مجرى النهر ، والأشجار تتحرك كالأشباح فوق المقابر ، والبيوت خالدة في مضاجعها ، .. حتى هبت علي رياح كثيرة ساقتني الى البيت سياقا عنيفا، فعرفت أن جندا من جند الله هم وحدهم من يجب أن يجوبوا القرية في وقت متأخر من الليل كهذا.
كل ما يمكنني أن أطرفك به إن كنتِ لابد سائلةً ؛ هو أن الأرض بهذه القرية قد لبست ثوبها الجديد ولم تعد كسابق عهدك بها قاحلة جرذاء ، بل اهتزت وربت كأنها استطيرت فرحا شديدا بالغيث الثجاج الذي سقى الأرض ماءا ، فملأ الجداول والينابيع والسهول ، وقد أوشكت السيول أن تملأ مكان تجمع ماء الواد الذي حدثتك عنه قبل يوم أمس ، فإنه إن حمل فلا يحمل على ظهره الا سيلا ثجاجا لا ينقضي سيلانه الا بعد أيام طويلة ، وإنه الان على استعداد لذلك … فأما التربة السّٓبِخة فقد عاد لها ذلك الامل القديم ، حيث كان الناس يحرثونها فيحصدون ما زرعوه أضعافا كثيرة ، ولا شك أنها تنتظر من يبدأ الحرث ، وما أحسبها قد وجدته ، لأن الناس بهذه القرية ؛ قد ملأت نفوسهم الوحشة والانطواء ، وهبت عليهم رياح الخوف ، وهم يضمرون بأنفسهم شتى أنواع اليأس ، كيف لا وقد كنا أمة – خير أمة – نحرث الأرض ونسقي النبات ونستخرج الثمار ونحصن الأملاك فنقدم لأنفسنا ولغيرنا فيجعل الله في ذلك ربحا كثيرا …
لقد استطيرت شؤما بكل ما رأيته ، وقد فاتني أن أخبركِ بأن الناس في القرية قد هاجروا جميعا، ولا بد أن أكون واحدا منهم ما دام الملل يدب في نفسي دبيبا، والوحشة تغمر أقطار الأرض وكأنه لا وجود لمكان منعزل غير هذا المكان . فلا أسمع الساعة الا نباح كلاب ضالة يتردد صدى أصواتها في الجبل، ولا تكاد تسمع صدى أصواتها حتى تعود الى النباح بين الفينة والأخرى، ولا شيء غيرها يصدر صوتا !! ما عدا المطر وزخات الماء على الأرض … هؤلاء هم ضيوف الليلة بهذا المكان الموحش .

عدد المشاهدات:(151)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية