الروائية وفاء عبد الرزاق .. غيمة مترحلة بقلم: أحسان وفيق ألسامرائي |

الروائية وفاء عبد الرزاق .. غيمة مترحلة بقلم: أحسان وفيق ألسامرائي

WAFAA1

وفاء عبد الرزاق

” أما تعبت من الاسفار مرتحلا
بين العصور ومن افق
الى افق
تطوي النهار الى غيبوبة الغسق
تغيب في الليل اسرار
الى الشفق .
البريكان

في الفيض الكثيف من الانتاج الروائي والقصصي والشعري للسيدة وفاء
عبد الرزاق  لم نجد  في تحليل النقاد لاعمالها ما مكنهم من احتواء مدارها الكبير أما بدافع المجاملة او القراءة الافقية وهو ما جعل المهمة قلقة لم تنر أركانها المضيئة والمعتمة على حد سواء .
وقد وجدت نفسي أخوض  في المسار نفسه لأن الكتابة عن أنسان عزيز على الروح مهمة تفتت ألحياد الفكري للكلمة و تحوله  الى شكل من اشكال ألخيانة  عند ألاغضاض عن ماهيتها  الاصيلة
“ما زلت أتخيل تلك الفتاة الفارعة الطول المتدفقة  بالثقة والحيوية تطوي في انسياب شعري لا يحد وهي تغرفنا بامواجها الشعرية ومخيلتها المتوهجة  لان..
” أن كل رواية واقعية أذا أحسن فهمها فهى سيرة ذاتية..”*
” فهل نقلت لنا  السيدة” وفاء ” سيرتها الذاتية  و كشوفاتها  االسردية الروائية.
ان العالم المحيط بنا لم تصل حدوده بعد ألى الجرح الذي أصاب جسدنا بعد أن تغلغلت الغنغرينا السياسية الى العظام, ولم يجد المحاكمة الاصولية له بعد الاحتلال فتعفن الفكر وأصبح أداة للجريمة فكان ان وقف أللامنتمي متوازنا على حبل ” زازا “* المشدود بين الخير والشر في وقت بقي المثقف السياسي قابعا فوق أبراج الصمت حتى أذا ما وهبت له الحرية أستيقظ فيه الكامن ألاسطوري المحشو بتراكمات السنين فافترش عباءة الغدر وتلبسها عائدا الى وطن المواسم والشعارات .!!
عندما نقلب روايات “وفاء “يحاصرنا شعور بالخوف والقلق فشخصياتها قلقة متمردة تشعرنا بالاغتراب ثم تتركنا في حيرة البحث لانشغالها بأسلوب شعري يتفاوت بين الوضوح والتلاشي, ويدفعنا الى ألتاؤيل لاسترجاع خلفيات وطن أثخنته الجروح , فكان ذلك ظهورا تظليليأ لساحات رواياتها المزدحمة بشخصيات قلقة توهمناها سياسية ألا ان الصدفة وهي الصفة العمومية لآكثرية المغتربين قد كشفت  من دفعتهم الحاجة الى ارتداء لبوس سياسة لاسترجاع هويتهم المصطنعة .
يقول .. “دو هاميل”..
” أن الرواية كما هو الحال في الرسم ليست في الموضوع بل في الاسلوب .”
اما ألفهم ألشكلاني فهو الذي يدفع الروائي للهرب من الموقف كما فعل “مطاع صفدي” حين روى حكاية ” جيل القدر “.
وقد وجدنا “وفاء “عند طرحها للمأساة تنتهج أسلوب التباعد والتوليف والدخول الى مسارب أخرى كالشعر والانثيالات السايكولوجية , للتعويض عن وهم الانعكاسات العابرة التي تسعى لتجسد محنة المتغربين الذين يحاولون أيجاد من يصدقهم أذ دفعتها رغبة مماثلة للخلاص من الشقوق و الانشطارات التي تجلت في إشاعة الحس الغنائي للخطاب السردي في الرواية على حساب الصراع و مصائر الاشخاص ..
ولو اقتربنا من الرواية السياسية العالمية .. “خريف البطريرك وصمت البحر والسيد الرئيس وظلام في النهار والوضع البشري والبجعة السوداء” وبعض الروايات العربية ..”وليمة لاعشاب البحر وشرق المتوسط  , لوجدناها مؤسسة على التجارب الذاتية ..
” من أجل أن يولَدَ شيءٌ ما في دواخلنا، سنقف كل يوم دقيقة صمت واحدة. لكي نجعل من الشمس أردية تردم ثقوب الحياة..عليه أن يفاتح نفسه أولا قبل الآخرين، وأطن يبعد روح الشر من النفوس، وإلا أضحى هو الآخر مثلهم. أن ينحت إرادة أخرى.. ويؤسس لغنائية جديدة، ويتوهج، كي لا تبقى الحياة بكماء… فإلى أين يقوده الواقع، وتقوده عجلات الزمن؟ لا أحد يعرف! ” *
أن رواية “رقصة الجديلة والنهر” التي عدت أول رواية عراقية تناولت مأساة ” سبايكر وسنجار ” الا أننا نشعر بالتباين الواضح وازدياد الذوبان الذاتي على حساب الموضوع وهو عيب ظاهر لرواية ما بعد الواقعية لان الروائي يهيمن كليا على المادة الروائية  لان أي فن لا يبقى فنأ  حين يفعل الفنان ما يشاء وهو ينظر الى نفسه و الرواية خاضعة للمعاير الذاتية لا الموضوعية وهو الحد الذي زاد من غموض الموضوع وقد تحول الى عروض للمعاناة الاجتماعية بعد ان أكتفت المؤلفة بالاقتناع لوجودها كأرضية أنتظار .
قد يكون أحساس ” أنبعاث لشعورها بأن الطوفان يعم الوطن وهو ما يدفع  الى ذوبان شخوص الرواية خلال أستغراقاتهم ألتاملية  لان  الحرب كانت بالنسبة لهم بدلة عسكرية أخرجت من مستودعاتها وارتديت على عجل .
اما الذي ظل موزعا  في الوطن العربي فليس  له من هاجس حقيقي  الا الاحتمالات في وقت يغوص العالم بمشردين يتاجرون بالمبادىء أو هاربون من الخدمة العسكرية  وهي  الخيانة التي زادت من بعثرة الاشكال لان ابطال الوحي الشعري لا يمتلون التجربة الانسانية لانهم يبددون ملامح البطل الحقيقي..
هذه الرواية تذكرنا بالعمل الروائي الذي صدر قبل أعوام للكاتبة” فاطمة الحساني “الذي يحمل عنوان ” شظايا وطن ” وفيها وصلت الذروة في وصف المعاناة الشخصية بلغة سايكولوجية متفردة الا أنها انزلقت في الربع الاخير من الرواية اثناء أزاحة الستار عن بطلتها فسقطت في التقريرية .
ان الرواية السياسيىة وحتى الشعرية مثل “الرباعية الاسكندرانية “للورنس داريل ..تمد لنا تشابهات المدن الروحية أما عند وفاء  في.. اقصى الجنون .. الفراغ يهذي” التي حظيت بقبول أكاديمي في الجامعات الجزائرية.. نشعر بتكرر مرور – وفاء – على نفس الدرب الذي اختطته لعملها الروائي بين ” سوريا والمغرب.انكلترا  والعراق ..
ومثل هذا الفضاء اللامتناهي يدفع الفرد  للتمزق لان الشخوص هم نتاج تسلسلات سياسية واحدة لا تمثل حزبا او مبدأ لان الثوري يبقى حاملا  هموم وطن  ضائع. وقد وجدنا في شخصية “وليد ” عجز عن الوصول الى ما يريده النص  ففي الرواية أقترابات من عمل همنغواي ” ولاتزال الشمس تشرق ” فتم التعويض عن مصارع الثيران بالرسام  في رسم الطاقة الفكرية لا الجسدية  بأعتبار السجن أحساس مادي والاسترجاع  هو أيهام  نفسي,
أما في تشكيلات “وفاء “الروائية فيمكننا ملاحظة الاهتزازات الحاصلة وبما يسمى  بخط التواصل “الحدث والاسترجاع”في غمرة اكتظاظ النص بالوجوه وألاسماء والعلاقات الانسانية وحنين أبطالها للوطن وهو ما أصابها بترهل السرد الشعري الذي غيّب الحدث المتمثل في “الجديلة”..   الثياب البيضاء وعازف الناي ومخلوقات سنجار الوسطية وصراع  الازد بين ألاكراد والعرب …!
هي  تقول :
” ليس الغريب ان تكون ميتأ بل الغريب ان لا تعرف وان تحول الحياة الى بكائية صامتة ”
لقد تعاملت “وفاء” في رواياتها وفي قصصها بشاعرية مكثفه مع “ثيمات” حياتية أغلبها بالغ القسوة ..سميك الجلد لا يسهل أختراقه وبطوفان الانفعال والصور السينمائية والتداخلات التشبيهية واللغوية,أضافة الى ازدواجية الاسماء  وهو ما دفعنا للوقوف على الجرف لاننا كلما تابعنا البحث وجدنا الوقوف المتخيل فلا حدود للاسلوب الطبيعي أوالانطباعي ..
يقول .. فيورباخ .. : ”
“ان الجوهر الانساني ليس تجريدا يرفع رايته , بل انه كل ما في دخيلة الفرد من افكار .هو مجموع العلاقات الاجتماعية والتجريد يقوم على اختزال التكوينات والوصول بها الى تخوم الرمز ” ..
ان الروائية “وفاء عبد الرزاق” كشفت لنا بان روايتها “الجديلة ” تقترب من الفضاء الاعلامي وليست  نابعة من تجربة حقيقية  فالوقوف بين ممرين يمثلان الحرية المغلولة بالاصفاد والخيال معادلة لا تخدم ما سعىت اليه عندما ظهرت في الجديلة أختراقات شقت المسار الحقيقي لبناء الرواية حين سادت ألمشهدية في البناء فتلبست الاشكال وظهر اللاوضوح في السرد لان المجتمع”اليزيدي”المغلق يبدو “وسطا “بين العرقين المتصارعين “الكرد والعرب ” ويتباين مذهبيا بين الاثنين فهي تشريح فلسفي موضوعي للذات والكتابة تبدو لنا مثل النص المفتوح الذي يأخذ على عاتقه النضال ومخاطره الفنية حسنة كانت او سيئة .
في وقت كانت رواية ما بعد الواقعية ، على النقيض من ذلك واكثر مهارة ودقة وبساطة في تفسير الواقع  المعاش.
أن تجربة –الجديلة – محاولة جديدة لفهم وجودي لعالم ظل بعيدا عن الوضوح  الا ان محاولتها تباعدت  عن التجسيد  بافتراضات روحية لم تستفد من التقاليد “الازدية “و لا من وسائل محاكاتها في تقريب رموزها  مثل “طاووس ملكّ ” واللون الازرق ومخاوفها  من رمز الشيطان ..
وكان يمكن  للاديبة وفاء ان تكشف الهوية الباطنية للحركة السلفية –داعش – ونيتها  وتصميمها عن تنفيذ عملية هدم الفكر والترات التي خطط له  الغزاة ..
ان محاولة السيدة” وفاء” جريئة وتستحق دراسة موضوعية مستقبلا الا ان لغتها صعبة بالنسبة لشعب أغلبيته أمية و هي بحاجة الى دراسة طبوغرافية للمكان .
——-
هوامش
*هكذا قال زرادشت ..فردريك نيتشه
*دفاع عن الثقافة..دو هاميل
*الرواية الحديثة ..البريس

عدد المشاهدات:(137)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية