أحلام مستغانمي .. و (الأسود يليق بك ) بقلم: مقداد مسعود

1-2
مسح عام ..
منتصف السبعينات، كفي اليمنى، ألتقطت (الكتابة لحظة عري ) من الرف الثاني في مكتبة عبد الله فرجو في شارع الوطن ،ثم قرأتُ قصائد للشاعرة أحلام مستغانمي في مجلة (الطليعة الأدبية ) وهي مجلة أدبية عراقية شهرية ، بالنسبة لي نشرتُ فيها مقالة واحدة (الموت والمغني ) عن مجموعة قصصية رائعة للقاص والروائي محمد عبد المجيد ،في العدد الثاني/ السنة الثانية / شباط / 1976 ولم أرسل المقالة بالبريد أو البريد المسجل ، بل بيد صديقي و زميلي وارد بدر السالم ، يومها كان قد سلمني Ahlam.Mسجلا فيه محاولاته القصصية الأولى وهاهو الآن من الروائيين العراقيين المشهود لهم….في منتصف تسعينات القرن الماضي قرأت ُ ثلاثيتها الروائية : ذاكرة الجسد / فوضى الحواس / عابر سرير ..في السنة الماضية ، أشتريتُ نسخة من روايتها ( الأسود يليق بك ) وقبل أيام عدت للرواية ثانية ً، لاحظتُ كما هو الحال في ثلاثيتها الروائية أن الشاعرة أحلام حاضرة بنسبة عالية جدا في سردها الروائي ، وحضورها يرّصع بستان السرد،  بفراشات تموت غيظا منها الزهور ..(العود أقتسم الرصاص مع سيّده ،كما يقتسم حصان النيران مع صاحبه في معركة ../183) (هو لم يهبها قبلة ..وهبها شفتيها / 142) (لا حب يتغذى من الحرمان وحده /33) (لم يكن جميلا كان يمتلك ثقافة الجمال  ../140)..(لأنها زهرة لم يمتلك سرّها أحد /139) وهذه الفراشات منتشرة كالنسيم في الفضاء الروائي ..وبمؤثرية الشحنات الشعرية  فأن غواية السرد الروائي ستدور حولها أحيانا ..
(*)
. أنشددت ُ إلى شخصية المغنيّة فهي شخصية مكابرة / مصادرة بسبب الاسلاميين ، لكنها تحقق ذاتها في تثوير الغناء وكأنها المغنّي اليوناني ثيودورا ميكس (أنتم لديكم دبابات وأنا لدي أغان ) وبشهادة المغنية هالة (بإمكاننا أن نثأر لموتانا بالغناء../76) ومن عمق إيمانها بصوتها ، أصبحت كائنا غنائيا .. تتقدم في وحدتها مثل (حامل الفانوس في ليل الذئاب ) .. تعي مكر الحكومة (الإعلام الرسمي الذي راح بداية يبارك تمرّدها ويروّج لها ) وبغنائها تريد الحكومة أن تأخذ بثأرها من المتأسلمين
(*)
بعد إجتيازنا لعتبات النص وبتوقيت الصفحة الأولى، تستوقفني هذه الوحدة السردية الصغرى، سأمسكها كمصباح يدوي وأنا اقطع المسافة الورقية حتى النهاية ( لن يعترف حتى لنفسه بأنّه خسرها.. سيدعي أنّها من خسرته ) هذه الجملة هي الذرة التي ستتشظى بسعة  (331) صفحة . الذي تأخذه العزة بالأثم هو دونجوان  مراهق في الخمسين ،ملياردير ينصب فخاخه ، ليجعل المغنية هالة منقادة إليه ومتوله به حد التفتت ،لا بطلة الرواية ولا القارىء يعرف اسمه ويقول عن نفسه :(أنا سيّد شهواتي /126) وهو (إله الموائد ) (سلطان النشوة ) (الملك ) وحين يحل بمكان يكون الوقت وسيما به  وهو شاعر بدوام كامل ولايكتب الشعر بل يفعله ،فالكتابة (هواية المفلسين /123)..قصائد مشاريعه العالمية ، مطاعمه في البرازيل ، شركاته في باريس ، ميونخ ، فينا ، وعشيقاته بعدد أشجار تلك الغابة التي سيأخذها إليها، وهو حذر جدا لايجازف بسمعته  ويحمي صورته كرجل كامل  ويرى (إن الاسرار هي مايُساعدنا على العيش .لذا أعتاد أن يغيّر عناوين أسراره من مدينة إلى أخرى) وهو رجل يحتاج الى جرعات جنون كحاجة الفقير إلى الطمأنينة !! وهو رجل بجرح شهرياري ،بالغَ الثراء في تضميده ،فلاذ بمسرحة حياته وأستعمال الآخرين : مرايا لبطولاته ..(فلاعلاقة نسائية تستحق أن يخسر من أجلها مكاسبه /127) .. هو متعدد الأقنعة ، وفي كل قناع سمة من وجهه بنسخته مابعد الأولى ، في العشق لاينازل السابق ولاالتالي فهو (لاينازل العشّاق .ينازل العشق نفسه ! /223) إذن هو منشغل بالموضوع لا بالآخر !! وبجرحه الشهرياري (لاأثق بالنساء لاأمي انتظرت أبي ..ولاتلك الفتاة التي أحببتها انتظرتني يوم سافرت إلى البرازيل ../270) وهو في داخله مكسور ولا وريث لثروته الطائلة سوى عائلته الصغيرة : زوجة وابنتان  وبشهادته (زوجتي مازالت جميلة وستعاود الزواج من بعدي ..وكذلك ابنتاي ..سيتدافع الرجال للفوز بأوراق اليانصيب الرابحة !) لذا يلوذ هذا الرجل الفاحش الثراء بمسرحة حياته بطريقة لامثيل لها ..(أحب أن أنفق ثروتي في إغراء الحياة ..مادام مالي سينتهي لدى رجال سيبرعون في إغراء نسائي !) هنا تبادل تسموي ، المستقبل اسمه : مصير الثروة ..ثروته الشخصية  ..وحين تتمنى له الافلاس ليكون لها وحدها ، يجيبها بلا أقنعة (وهل لي سواك ؟/ 271) الثراء ينجب القلق وينجب الشك في الآخرين والابن الثالث للثراء هو الجبن (كلما نزداد ثراء ً نزداد جبناً، خوفاً على مكاسبنا ../275) أما الإبن الرابع للثراء فهو الإخصاء الاجتماعي وبشهادة الفاحش الثراء طلال هاشم :(ما أريده هو صبيّ ..صبي يحمل اسمي ،يرث ثروتي ، يحرس شرفي ..لكنّها أمنية مستحيلة .زوجتي لاتستطيع أن ترزق بطفل ثالث .وهذه قسمتي في الحياة .لن أطلّقها ، ولن ألجأ لذرائع دينية لأتزوج عليها . إنها أمّ بناتي وأنا أحبها / 276)
(*)
السر العميق ..الباهظ ..السر المكنون في بئر مهجورة نائية في النفس ، هذا السر عبء فاتك  لابد من قسيم يشاركك حمله وصيانته ونفيه عن الهواء الطلق حتى لايتبدد كالزيوت الطيّارة ..سر باهظ لامفتاح له سوى نبيذ فاخر ، وحين تكون الزجاجة عارية من نبيذها الفاخر سيسمي الأ شياء بلا أقنعة  فحين تسأله هالة الوافي عن دورها في حياته ، يجيبها بصراحة مطلقة وجارحة (أنت ِ أمّ ابني الذي لن يأتي ..) !!
(*)
جواب بصيغة صدمة قوية جدا، ستطلقه المغنية عبر الموبايل  ، أستوقفني جوابها طويلا ، وجعلني أتوقف عن القراءة لعمق الجواب ولعمق جرح المجيبة  ولعمق الفارق الفكري بين المغنية والملياردير، هاهي تخاطبه (ستعثر على نساء جاهزات لانتظارك في بهو فندق .أنا ما انتظرتُ قبلك إلاّ القتلة .في محطة الحافلة ، وفي بهو المدرسة ،وفي مدخل البيت ،وحتى وأنا في الصف .كنت أنتظر الموت لكن بكبرياء..كنت في انتظارك مجرّد أنثى ..وقد كنت في انتظار الموت رجلاً../175) هذا الجواب زلزلة ٌ على أعلى مافي مقياس رختر، بالنسبة لرجل قوي بماله ومهزوز بجرحه الشهرياري ، رجل مطاع الى الأبد (ظلّ صامتا . ما اعتاد نبرة كهذه ولاتوقّع كلاما كهذا .كان مأخوذاً بغضبها، بهذه الأنثى التي نامت قطة واستيقظت لبوة . إنّها فصيلة من النساء لم يعدها ).. حين يباهل كدونجوان أنه الأول على سريرالعذراوات ، سينال الصفعة الثانية من هالة المغنية بقولها (لاأفهم زهو رجل فتح الطريق لغيره .الفخر ألاّ يأتي أحد بعدك !/223) ..
(*)
الملياردير معذور فهو رغم خبرته في التجارة والنساء والكتب، لايعتصم إلا بمقولة يتشدد في تطبيقها مع النساء ، مقولة تذكرني بمثل شعبي عراقي (جوّع كلبك يمشى وراك ) أي أجعل كلبك جائعا يتبعك في كل مكان ..فهو رجل يباهل وفي لقاء عاطفي يصارحها (لم يحدث أن أعتذرت !/178) وهو لايحسن الحب بل الأشتهاء (أحتاج إلى ذكائك لأشتهيك /181)..رجل من هذا الطراز، لايسعني إلاّ أن  أقترض من مظفر النواب وأصرخ به :(وقح ٌ…أنت قف في الخراب )…
(*)
الملياردير معذوركمريض بجرح نرجسي لايبرأ منه ، فهو يمثل العشق ليصنع منه أنشوطة للنساء ، إذن لا فارق بين الملياردير والعنكبوت ، فتجربته في العشق هي تجربة في القتل (لشدة رغبته بها ، قرّر قتلها كي يستعيد نفسه ، وإذا به يموت معها، فسيف العشق كسيف الساموراي ، من قوانينه اقتسام الضربة القاتلة بين السيّاف والقتيل ../11) يرى السارد العليم (في الواقع هو يحترف الحياة .لاعمل له سوى ممارستها ../145) لكن من سياق النص الروائي هو لايحترف سوى القتل المعنوي وبطريقة ماكرة جدا وبشهادة السارد العليم نفسه (شراسته ُ وأذاه يحتفظ بهما للمرأة التي يعنيه أمرها .لفرط إصراره على الاستحواذ سيدميها يوماً ،ويتركها تنزف من ظلم فقدانه وسط الأمواج العاتية للحياة ../145) أنه أحد أحفاد شهريار بنسخة منقحة ومزيدة (لم يشف من خيانة المرأة الأولى في حياته ، تلك التي تخلت عنه لتتزوج غيره..)..
*أحلام مستغانمي /الأسود يليق بك /دار نوفل / بيروت /ط1/ 2012

عدد المشاهدات:(57)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اجب عن السؤال *

إغلاق