أحاديث الكرّادة بقلم: عبد الفتاح المطلبي |

أحاديث الكرّادة بقلم: عبد الفتاح المطلبي

عبد الفتاح المطلبي :

حديث القوي
دَخلَ في روعهِ أنهُ سَمعَ النداءَ القديم ، ..ها قد اعطيتُكَ ما تريد وجعلتُكَ سَيّدَ هذا العالم فماذا تنتظر؟ ، القوةُ أخت الله شق المنشار فابطشْ أيها القوي، السماءُ لا تُحبّ الضعفاءَ ، لا ينتمي إليها إلاّ الأقوياء.. النملُ الذي لا رائدةَ لهُ تَحْطمُهُ أقدامُ الجنود قالتْ نملةٌ: ((يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم )) غير أن القوي ضحكَ من قولها وقال: لاتَ حينَ مناص اليوم َلا عاصم َمنْ (التوما هوك)، الموتُ ينهمرُ من البحرِ والبر والجوّ كاشفاً عن عورةٍ فاحشةٍ لا يخاف لوماً فقد ارتدى ثيابه التي لا يراها الحمقى بيد أن طفل (أندرسون) صرخ :إنه عارٍ ، تُرى من يصدّق طفلاً؟ هكذا جاسَ في البلاد بعريهِ كاشفا عن سوأتهِ …
حديث الضحية
حين حوصرنا وبلغ بنا الجوعُ مداه وقُتل الكثيرُ منا ما كان أمامنا إلا الفَرارإذ أن الموت نزل إلى طرقات بغداد بعريّهِ دون خجل وكنا قبلاً نتسائل ، كيف يكون عندما يأتي؟الميت منا لا يحظى بشرف الميتة بل بعارها فقط إلا ما رحمَ ربي ، المُدبرُ مطعونٌ في الظهر والمُقبل تسفعُ وجههُ النار ، الآن نراه في المرايا يصفعُ وجوهنا كلما تطلعنا إليها، على الجدران وعلى السقوف حين تأخذنا الأفكار قبل الرقود، في المقاهي ، وعلى الأرصفة في الأسواق وفي مدارس الأطفال، يفجعنا في كل مأمن لم يبقَ لنا إلا الفَرار، هُتافُنا جميعا إهرب …إهرب…لا تلتفت خلفك وفي غالب الأحيان يسحق المئات والناجون منهُ ثلّة ، الهاربون ليس لهم شيء سوى الجدّ في الهرب فقد تركوا كلَّ أمرٍ وتعلقوا بالأملِ الغائرِ غياباً، بعضُنا ركبَ البحر وابتلعتهُ الأمواج وكان يظن أنها ترحب به فأسلم لها الروح لكنّها اكتفتْ بالجسد غنيمةً وأطلقت الروح إلى بارئها وبعضنا لم يغتنم الفرصة جيدا فأتته شظية طائرة ومات تحتَ وقع حوافر الفَجأة وهو غيرُ متوقعٍ لهذا المصير لايسمعُ هسيس زحف المنايا حتى تلقفهُ علي حين غرّة مثل سمكةٍ وشِصّ مثل (سليك السُلكة )ظنَّ وكان كل الظنّ إثماً يومَ ((طافَ يبغي نجوةً من هلاكٍ فهلَكْ)) ، أما نحن الذين أدركنا أن الموت يلاحقنا بجدية صارمة آلينا على أنفسنا أن نواصل الفَرار من وجهه إلى الأمام بكل ما أوتينا من حيلة وغالباً هي حيلة الضعيف ولكي نزيد من فرص نجاتنا تفرقنا فرادى في براري بغداد الشاسعة ،ليس عليّ أن أهمّ بغير نفسي، كنت أفرّ من شدق الموت ولو إلى مخلبه عسى أن يأخذ شيئا من لحمي ويُفلتني فأمام الموت تهون كل المصائر، لسان حال كل منا انج بنفسك وانشغل بها دعك من الآخرين ، الطريدةُ المنفردةُ لا تستهوي الصيادَ إذا كانت هناك مجموعةٌ من الطرائد ِ وبالرغم من أن القوي قد ترك بغداد محض بريةٍ نسكنها كنا نتجمع فيها مثل حبات رملٍ تُقلبها الريح وحيثُ كنا نظن أننا في مأمن في بريةِ (الكرّادة) أحاطنا سُرادق النار من كل جهةٍ وهكذا هِمْتُ على وجهي هاربا دون انتظارٍ لأحدٍ أو هكذا كنتُ أظن،وحيداً أوصلتني أجنحة الروح التي فرّت من وجه النار إلى مكانٍ رانَ عليه صمتٌ قديم ولما كانت روحي قد تحملت الشطر الكبير من النَصَب فقد مددت ساقيها على اللامكان دون حراك وكنت أسمعُ أنفاسي مصغيا إلى إيقاعها الرتيب لكنه بلا زمن حتى غلبني النوم .
حديث البرزخ
حين استيقظت وجدتني فوق جبلٍ من رُكامٍ أسود عائمٍ في الفراغ ذي شعاب كثيرة لم يكن يهمني كثيرا أنني في جوف الحلم أو في دهليز اليقظةِ ..مادمتُ أشعرُ أن روحي قد فقدت جسدها وتقطعت الحبال بينهما لم يكن المكان مألوفاً ، كأنه مغارة في البرية تطل على طريق تشبه كثيرا الطريق التي مرت فوقها عربات الأقوياء وهم في طريقهم إلى الحرب ، كأنني رأيت ذلك في أحد أفلام هولي وود، أحراش ذات أوراق يابسة مصفرة تغطي فم اللامكان المطل على ذلك الطريق، أتكئ على جدار موهوم ذي نتوءات واتمدد على فراش رملٍ اسفنجي أغطي نصف جسمي بغطاء من رمل رطب أشعر بالحرارة تدب في أوصالي مسببة توترا هائلا في بعض تلك الأوصال، كنتُ حائرا وحيدا لا أعلم ُ من أين انبثقتْ تلك الفتاة التي كانت في المكان، فتاة في ريعان الصِبا وأخرى هرمة تشاركانني هذا التكوين الذي يشبه الكهف، ربما سبقتاني إليه أثناء ليلٍ طويل ولسببٍ ما ذهبت المرأة العجوز تاركةً فراغا منذرا بغواية ملحة بيني وبين الفتاة، العجوز وهي تطوي شفتيها على ابتسامةٍ ماكرةٍ ويضيق ما بين جفنيها عبر رمشاتٍ متتالية ،تتصنع غنجاً ميتاً لا روحَ فيه مشيرةً بطرف ذقنها المدبب إلى رفيقتها الشابة وإليّ، فهمتُ من ذلك أنها تحثها على المباشرة بأمرٍ ما ربما اتفقتا عليه قبل ذلك، ليس هناك ما يمكن وصفه سوى أن العالم يعود إلى نقطة البداية ، لا أحد مطلقا تحت الشجرة التي انبثقت للتو من قلب المغارة سوى آدم الموصوف في جسدي وحواء التي ظهرت ربما بدوافع تشبه ظهورها مع آدم القديم غير أن الشجرة كانت منزوعة الأوراق تبرعمت عليها الآثام حتى صار بعضُها ندوباً وتحتها كانت الأرض محروقة، وعندما عادت المرأة العجوز كانت حواء تستر عريها خلف عري آدم الذي نهض من الرمل عاريا كما خلقه الله ولم يجد في الشجرةِ ورقا يخصف عليه منه وكانت براري بغداد تكتسي برمادٍ قديم
راحت العجوز تغري حواء من خلفي وتستدرجها إلى الظهور علنا وهي تقول أن ليس هناك من غريب وبينما هي تفعل ذلك شعرت بدبيب شيءٍ قادمٍ من جهتها نحوي فتملكني خدرٌمريع أفقدني الصواب وتداخلت الرؤية في عيني ، راحت الأشياء تستدق وتستطيل حتى تحولت العجوز إلى أفعى نارٍ طويلة بألف رأس تجول زحفا على بطنها وهي تهيئ ما بين شدقيها لابتلاعي واندلعت النار من بين فكيها لم أستطع بعد ذلك إن أستمسك باليقظة فأخذني نومٌ طويل في اللحظة التي كنت أود فيها بدء الحكاية التي ظننتُ أنها ستدهشُ الصبية التي حالت بيني وبينها النار ومن وسط الحريق انبعثت رائحة الشواء.
منظر أخير
كان الرجل يحمل ولده يضمه إلى صدره وهو يقفز إلى الشارع المكتظ بالفجيعة وكانت الصدمةُ تغشاه، ربما كان الوحيد الذي تعرّف على بقايا ولده المتفحم وبالرغمِ من ابيضاض وجه الرجل حد الإمتقاع إلا أن كل شيء حوله كان أسودَ ما خلا أسنان الولد البيض التي بدت مغروسةً في فكين مفتوحين إلى أقصاهما وقد تدلت من بينهما بقايا صرخةٍ ماتت منذ وقتٍ قصير ولكنها ما زالت تتدلى بارتخاء لا يراها إلا المكلومون.

عدد المشاهدات:(52)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية