خـطـفـت أمـام عـيـنـيـه بقلم: محمد باسم |

خـطـفـت أمـام عـيـنـيـه بقلم: محمد باسم

محمد باسم :

قاد أحمد سيارته بعينين زائغتين، ثم ما لبثت الدموع حتى فاضت على وجنتيه بغزارة، وهو يستمع الى صوت حاتم العراقي يغني:
يا فرح عمري وحياتي شلون لمن نفترگ
انتو لو رحتو من ايديه يعني أموتن مـن صدگ
العشگ منكم عرفته بدونكم ماكو عشگ
وعد مني الكم وأحلف يمين…لو وگف گلبي ولا أنساکم
اليوم آخر يوم الي وياكم…
تمنى لو أن طريقه يطول ويطول فلا يصل الى وجهته أبدا، فهو لا يريد أن يكون شاهدا على ما سيحدث بعد قليل. قلبه لن يحتمل مزيدا من الوجع. منذ مساء الأمس، والساعات تمر عليه كجحيم مستعر. جاءه الخبر من والده كالصاعقة:
_أحمد؟
_نعم ابي.
_أريدك أن تذهب غدا الى بيت عمك سعد.
_ما الأمر؟
_أسماء…
اسماء!…ما إن لفظ الأب هذا الاسم الذي يعني له الكثير حتى انتفض قلبه. أراد أن يستفسر أكثر، لكن أباه أكمل قائلا:
_غدا ستتم خطبتها!
“ستتم خطبتها!…ستتم خطبتها!”
ظل يردد الجملة في داخله مشدوها غير مصدق ما يسمع.
“لا يمكن أن يحدث ذلك! أسماء…ستخطب؟!”
“منذ متى؟ كيف؟ من؟”
أسئلة كثيرة تقافزت الى ذهنه لم يجد لها أي جواب. بل لم يجرؤا على السؤال. بقي مسمرا في مكانه حتى سمع اخيرا صوت والده يخاطبه:
_أحمد! هل سمعت ما قلته لك؟!
_ابي…لم لا تذهب انت الى هناك؟
_لدي بعض الأعمال غدا ولا أستطيع الذهاب، لذا ستنوب انت عني.
_حاضر يا ابي.
أجاب مستسلما لمطلب والده. لم يعلم أبوه أنه كان في الواقع يطلب من ابنه أن يسلم بيده الفتاة التي أحبها الى شخص آخر.
لم يتخيل أحمد أبدا أن يأتي هذا اليوم. أسماء ابنة عمه التي أحبها منذ أن تفتحت أولى براعم قلبه، أسماء التي أرادها لنفسه، ستصبح زوجة شخص غيره!
كان يحبها منذ زمن بعيد، غير أنه لم يجرؤ على إخبارها عن حقيقة مشاعره تجاهها. قرر بينه وبين نفسه أن تلك الفتاة الجميلة والذكية هي التي ستشاركه بقية حياته. أحب سرا وخطط سرا، فكان ما كان. دخوله كلية الطب قبل سنة، وانغماسه في حياة الدراسة الشاقة منعه من مصارحتها، إذ لم يشأ أن يبقي قلبها معلقا منتظرا. كما أن المشاكل التي كانت دائرة بين العائلتين قد لعبت هي الأخرى دورا في ذلك. هكذا كان حاله مع حبيبته. ورغم كل تلك المصاعب التي تقف في وجهه، احتفظ أحمد بمشاعره تجاهها وظل يحلم بها ويمني النفس بذلك اليوم الذي ستكون فيه زوجة له. وها هو اليوم يرى أحلامه كيف تهدم وتسحق بقسوة. تملكه الندم لأنه لم يفصح عما أراده وتمناه منذ زمن، لكن الندم لن ينفع الآن.
أيقظه من أحلام اليقظة صوت سيارة كانت خلفه ليجد نفسه وقد أوقف السيارة في الشارع. مسح دموعه وتنفس بعمق ثم واصل القيادة.
وصل الى بيت عمه حيث وجد العائلة مجتمعة بانتظار قدوم الخاطب المحظوظ، والسعادة بادية على وجوههم. سلم أحمد ثم انضم اليهم. جال ببصره فلم يجدها هناك. لم تكن أسماء مع البقية. لا شك أنها تشعر بالقلق الآن وفضلت البقاء في غرفتها لقضاء آخر دقائق العزوبية.
جلس أحمد صامتا منكسرا يحاول إظهار ابتسامة مصطنعة كلما وجه اليه الحديث. مرت الدقائق كأنها سنوات طوال. شعر بالعجز، مقيد هناك لا حول له ولا قوة، ينتظر متى سيأتي ذلك الغريب كي يختطف منه حبيبته الغالية الى الأبد. أراد أن ينهي هذا العذاب وينصرف، شعر بالإختناق من كل ذلك. تمنى لو أنه لم يحضر.
وما هي إلا دقائق حتى دق جرس المنزل معلنا وصول الأمير!
دخل غرفة الضيافة شاب وسيم في عقده الثاني، يمشي بخطى يشوبها قليل من الحياء برفقة والده الذي تقدمه ملقيا التحية على من كان موجودا. صافح أحمد خاطب حبيبته وزوجها المستقبلي عمار ناظرا في عينيه. لا يدري هل استحوذ على قلب محبوبته دون علمه أم أنها فضلت زواجا تقليديا لم يسبقه تذوق طعم الحب وعذابه.
بدا على أحمد أنه مصغ لما يدور من حديث، بينما كان باله في الحقيقة محلقا في فضاءات بعيدة، يفكر بأسماء التي لم يرها حتى الآن. أفكار كثيرة، ذكريات ماضية استرجعها في تلك اللحظات ما زادته إلا حزنا، فحبس دموعه بعسر رغم أن قلبه ظل يبكي دما.
_لكن أين هي ابنتنا؟ انا لا أراها.
بادر والد عمار بالسؤال.
_إذهبي يا أم علي وناد أسماء كي تحضر.
خاطب اباها زوجته.
ستأتي بعد قليل…شعر أحمد أنها ستكون المرة الاخيرة التي سيراها فيها.
“يا الهي ألهمني الصبر وقو قلبي”
ردد احمد.
ثم دخلت أسماء بحلتها البهية ليستقبلها الجميع بسعادة واضحة. مشت مطأطأة الرأس خجلا فسلمت باقتضاب ثم جلست بجانب والدتها.
أخذ أحمد يتأملها ليملأ عينيه لأخر مرة من ذلك الجمال الماثل أمامه، وكأنها الورد في أول ساعات الصباح. رأته يجلس قبالتها لكنها لم تبادله سوى نظرة بريئة خاطفة زادت من حسرته.
وبعد مقدمات الخطوبة المعتادة، وجه السؤال الحاسم الى أسماء:
_ماذا قلت يا أسماء؟
تسارعت نبضات قلب أحمد كما البقية حتى جاء جوابها همسا بعد لحظة من الصمت:
_نعم!
كلمة واحدة أنهت كل شيء. كلمة واحدة لكنها كانت كفيلة بأن تحيي قلبا وتقتل آخر يحبها بجنون. شعر أحمد الآن بالضياع الحقيقي…لقد ضاعت منه الى الأبد.
“لم فعلت ذلك يا أسماء؟ أما شعرت ولو مرة بنظرات رجل أنهكه حبك وهد فراقك قواه؟ ”
_مبارك لك يا ولدي.
تهللت الوجوه مهنئة عريس المستقبل. كم تمنى أحمد في تلك اللحظة أن يصرخ فيهم:
“توقفوا عن هذا الجنون! أسماء حبيبتي انا…أتركوها وشانها…بأي حق تاخذون مني حبيبتي؟! بأي حق؟”
ولكن الأمر قد حسم.
خرج بخيبته تاركا العائلة تحتفي بالخطيبة الجميلة.
ناظرا الى غروب شمس ذلك اليوم، وبعينين باكيتين، حلم بها كعادته، رآها وهي تمسك بيده مرتدية فستان أبيض، تنظر اليه بابتسامة جذابة، ثم تقرب شفتيها منه هامسة : أحبك.
وداعا يا أسماء، وداعا يا حبي الاول.

عدد المشاهدات:(48)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية