الوقوف على بساط القصيدة عند خديجة غربوب بقلم: عبد الفتاح المطلبي

أريد أن أعيش
أريد أن أعيش بلا أزمنة
أقتلع ذاكرتي وأصعد الى السماء
بيتي بين النجوم
من هناك أرى ظلي يبحث
عن ظل بارد هروبا من الجحيم
الحنين والشوق يحركني
لابد أن أهبط الى الأرض
أقوم بتسوية أموري وأعودالى سمائي
أدفع لصاحب الكراء مستحقاته
وأكتب رسالة الى صديقتي ابتسام فريد
ألتمس منها أن تكتب لي مسرحية بلا أمكنة
عدت لأجد نفسي خارج البيت برفقة أغراضي
كم صعب أن تتحول الى مكان يحتوي كل الركام
أريد أن أكون زائرة لحلمي المعلق في السماء
التيه يجعلني أدوركبقرة تدير الناعورة
ضاعت مني خارطة الطريق
والأزمنة والأمكنة يلتصقان بي
ترى ماهي هذه الجاذبية التي تسكنني ؟؟؟
أحب أن أكون بمفردي
بعيدا عن التراب والساعة
أولى بعض النقاد عناية خاصة إلى نوع المتلقي أو القارئ أو المرسل إليه وفصّل ذلك تفصيلاً عندما أرست الحداثة قواعدها منذ عهد بودلير1821-1867 في أزهار الشر مرورا بإليوت 1888-1965 وأرضه اليباب و سان جون بيرس(في أنشَدتْهُ التي كانت هنا) 1887- 1975 وما بعدهم من الشعراء وقد كان ذلك ضرورةً استحداثية فرضتها الإنتقالات السريعة في تطور تقنيات الكتابة ومغادرة سطوح وظاهر المنظور و المحسوس إلى أعماقهما مستثمرةً إرهاصات واقع فاسد ومهترئ يفضي إلى موت وموتاً ذا معنى يفضي إلى حياة معتمدةً تركيبةً خاصة وخلطة منتقاة من التراكيب الصورية والجمل المموسقة داخليا عبر أنماطٍ جمالية طيفية ذات مستويات صاعدة ونازلة محددةً مسالك عبورها إلى معانٍ بفضاءٍ شاسع و إلى زمنية لحظة الإلتقاء المحتمل بالقارئ المعني الذي تبحث عنه النصوص وعلى ذلك حدد بعض النقدة الذين اعتمدوا مدرسة كونستانس الألمانية وما توصلت إليه بشأن عملية التلقي التي جعلت المتلقي مشاركا أساسيا في العملية التي تتألف من ثلاثية الناص والمنصوص والمنصوص إليه …
وما يهمنا هنا هو المنصوص إليه أو ربما يطلق عليه إسم المرسَل إليه أو المتلقي أو القارئ وقد تم تحديد عدة أنماط أو أنواع من ذلك المتلقي منها :*
القارئ أو المتلقي الفذ ، القارئ الفعلي، القارئ المعلم ، القارئ المثالي ، القارئ الرمزي …
وتركت نظرية التلقي للنص الحرية في اختيار ما يناسبه من تلك الأنماط من المتلقين ، يكمن هنا حلاً مثاليا لإشكالات ونقاشات محتدمة حول قضايا تتعلق بالنص وقارئه وجعلت من سماء النص الحديث سماءً ثابتة يدور بها النص في فلكٍ ثابت فمن شاء وامتلك القدرة للتحليق إلى مدار النص فليفعل وإن قصرت طاقته فهناك الكثير من النصوص التي تدور في فلكٍ أدنى يناسب قارئا أقربُ تحليقا من سابقه.
النص الذي تكتبه الشاعرة خديجة غربوب هو من النوع الذي يطير في مداره الخاص وهو أيضا من النصوص التي تنتقي متلقيها انتقاءً إذ أنها لا تطاوع أي راغبٍ في ركوب أفراس معانيها ودلالاتها المتشظية كقنبلة ذات فرقعات متسلسلة أحيانا وموقوتة أحيانا أخرى
هذه النصوص التي تكتبها غربوب تبدو أحيانا ككرة الثلج تتدحرج إلى كل الإتجاهات لتكبر معانيها ومقاصدها طالما تتدحرج بأي اتجاهٍ
يبدو نصًّ ( أريد أن أعيش) لأول وهلة نصاً ذاتياً خالصا لكنه يكشف عن أبعاده كلما تقدمنا إلى الأمام في استشراف معاني الجمل ليتنامى المعنى تماما ككرة ثلج تتدحرج على سفح القصيد حتى النهاية التي غالبا ما تكون ضربة فارقة في النص
(أريد أن أعيش بلا أزمنة)، تقترن هنا إرادة العيش بنفي الأزمنة الذي هو تعبير آخر لأدانة التاريخ الذي هو سجلٌ ليبابٍ عارم وطويل تضعه الذات الشاعرة نصب عيني تجربتها وتعمد إلى اتهامه بالمشاركة في حرمانها من العيش كما تريد متخليةً ونافضة اليد عن ما علق بكينونتها الوجودية من تبعات تلك الأزمنة وهي تشعل عود ثقاب الوعي في لحظةٍ حاسمةٍ تؤشر انتمائها العلوي ، (أصعد إلى السماء ، بيتي بين النجوم.)………
ثمةَ اعتمادٍ واضحٍ في نصوص خديجة على عجلة المنولوج التي تدور باستمرار ناثرةُ بعض الأسئلة التي تتطلب مجيبا وغالباً ما يكون هذا المُجيبُ ضمنيا من داخل الحوار الأحادي وكأنه ينشطر إلى ظانّ ومظنون فالذات الشاعرة وهي تمارس تعاليها على واقعها المزري تبرر ذلك بعلةٍ ( أرى ظلي يبحث) ومعلول( أقوم بتسوية أموري وأعود لسمائي) وصولا إلى نتيجة حاسمة ( لابد أن أهبط إلى الأرض):
((من هناك أرى ظلي يبحث
عن ظل بارد هروبا من الجحيم
الحنين والشوق يحركني
لابد أن أهبط الى الأرض
أقوم بتسوية أموري وأعودالى سمائي
الأمر لا يعدو الهاجس القديم الذي تبناه من قبل الإنسان السومري حيث رأى أن الحياة بشروطها ومحدوديتها غير جديرة بهذا المخلوق الطامح المتشكك المستوفز مما يحيطه المالك لثقةٍ تكاد تكون مطلقة بأنه ابن السماء وإنه نجل الأنانوكي العظام وإن مسكنه هناك في السماء حيث ينتمي وإنه لابد عائدٌ إلى مكانه الأصلي لكنما ليس قبل تسوية بعض الأمور التي تركها وجوده الطارئ على الأرض ، لابد من البحث عن عشبة الخلود لتتسع الحياة لفعل ذلك قبل العودة إلى العالم العلوي جسدا وروحا والإنتماء إلى السماء يتطلب نفي الفناء وتأكيد الخلود( أريد) :
((أريد أن أكون زائرة لحلمي المعلق في السماء
التيه يجعلني أدوركبقرة تدير الناعورة
ضاعت مني خارطة الطريق
والأزمنة والأمكنة يلتصقان بي
ترى ماهي هذه الجاذبية التي تسكنني ؟؟؟
أحب أن أكون بمفردي
بعيدا عن التراب والساعة
هكذا يقودنا النص إلى القضية ذاتها ، إلى القناعة بأن كل ما يجري غريبا وإن الولوج إلى هذا العالم السفلي بهذا الجسد المنبثق من التراب ما هو إلا استثناءً أو منعرجا أوجدته المصادفة ، يقول بطل النص أنا أرغب بالعودة إلى السيرة الأولى قبل النفخ في التراب وبدء العد التنازلي الزمني للوجود …
في النص هناك بعض الجمل التي تقلل من وقعه الوجودي الكوني عندما نلجأ للشخصنة والتحديد الذين ينبئان بمحدودية سالبة تسيء لإنطلاقة النص:
((ابتسام فريد)) مع أنني أدرك تماما القيمة العاطفية الواقعية لهذا الإسم المحترم لكنه واقعي في اللاواقعي ، هكذا يبدو غريبا وكان بإمكان الشاعرة أن توثق هذه العلاقة ضمن نصها الكوني اللاواقعي بأن تجعل الصديقة قيمة مطلقة دون التشخيص ولتكن الجملة : (أكتبُ رسالةً إلى صديقتي الممثلة) ألتمس…، الذي يبرر ذلك أن القارئ لايعرف أن ابتسام فريد ممثلة أوكاتبة مسرحيات .. وهنا المفارقة والشخوصية في هذه الحالة منهكة لمثل هذه النصوص.
——
*د. محمد رضا مبارك:استقبال النص عند العرب.

عدد المشاهدات:(47)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اجب عن السؤال *

إغلاق