طائرُ المُلتَقى الشاعر عبد الله عباس خضير بقلم: د. علي عبد رمضان |

طائرُ المُلتَقى الشاعر عبد الله عباس خضير بقلم: د. علي عبد رمضان

هو من مواليد القرنة / النهيرات 1950م
درس البكلوريوس في ( كلية الآداب/ جامعة البصرة ) إذ تخرج من قسم اللغة العربية فيها عام 1971 . وكان من أساتذته ( الشاعرة الرائدة نازك الملائكة ، والشاعر الدكتور حسن البياتي ، والشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي ، والدكتور ناصر حلاوي والدكتور عبد المنعم الزبيدي ، والدكتور زاهد العزي والدكتور خليل العطية رحمهم الله .
تأثر هذا الشاعر بكبار شعراء العربية قديما وحديثا فمن أبرز من تأثر بهم من القدماء طرفة بن العبد والمتنبي وأبي العلاء المعري . أما الشعراء المحدثون فقد تأثر بالسياب والجواهري ونزار قباني والبياتي وحسب الشيخ جعفر … .
بدأ كتابة الشعر عام 1965 وكان لأستاذه مدرس العربية آنذاك الشاعر محمد راضي جعفر الدكتور أثرا في تشجيعه .
لم يقصر اهتمامه باللغة والأدب بل كانت قراءاته موسعة في الفلسفة وعلم النفس والتاريخ وثقافة الحضارات القديمة والأساطير والفنون وغيرها .
وهو الآن يعمل مدرسا للغة العربية في إحدى مدارس القرنة الثانوية .
وأخذ يكتب الشعر حتى صار ينشر أشعاره في مجموعة من الصحف العراقية ( المرفأ البصرية ، والقادسية ، والطليعة الأدبية . كما نشر في الصحف العربية ومنها العرب اليوم الأردنية . أنقطع عن نشر أشعاره لكنه بقي يعاني الشعر في أوج مأساته وهو يقضي ثمان سنوات في الأسر إبان الحرب العراقية الإيرانية وقد كتب رسائله التي كان يرسلها إلى عائلته عن طريق منظمة الصليب الأحمر الدولية وهي محملة بعذابات الفراق والغربة بلغة شعرية عالية ومؤثرة وقد اطلعت على بعضها .
منجزه الشعري :
صدرت له عدة مجموعات شعرية
-: قراءة في سيرة التتار مجموعة شعرية نشرتها دار الحرية بغداد عام 2000.
– وصايا الماء .. دار السياب لندن 2009,
– حاشية الأحلام .. شركة الغدير / البصرة 2012 .
– حول الخط الأحمر .. أيضا شركة الغدير في البصرة عام 2012 .
– مراثي القبيلة .. دار ابن السكيت في مدينة الديوانية عام 2016 .
– تساجلني شعرا .. أيضا دار ابن السكيت عام 2016 .
وله مجموعتان مخطوطتان لم تنشرا بعد ..
وله قصائد عديدة أخرى ينشرها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك بشكل شبه مستمر .
خصائصه الشعرية ..
الشاعر عبد الله عباس خضير أو عسيب كما يحب أن يطلق هو على نفسه كاسم أدبي هو شاعر سبعيني كتب قصيدة العمود كما كتب قصيدة التفعيلة وله كتابات في قصيدة النثر والنص المفتوح ..
ومن قراءتي لشعره العمودي أو الحر وجدت أن هذا الشاعر يعتمد العبارة السهلة القريبة من لغتنا المتداولة في التعبير المعتاد ، لكن هذا لم يضر بلغته ولم يجعلها تقع في النثرية أو التقريرية فهو يحتفظ بفصاحة عبارته وشعريتها بما يبث فيها من حس شعوري جميل يباشر المتلقي ويشده إليه وبما يضفي عليها من موسيقا منسابة عذبة ومنسجمة تسري مع المعنى الذي يطرقه أو الفكرة التي يعالجها موظفا التشكيل الصوتي المنسجم سواء على مستوى النمط الإيقاعي للوزن الشعري الذي ينظم عليه أم على مستوى الأصوات المتماثلة أو الألفاظ المتجاوبة نغميا مع التفاته إلى القيم التنغيمية التي تضفيها أصوات المد واللين في نهايات جمله الشعرية أو أبياته ..
من ذلك قوله في قصيدة بعنوان ( عروبة )
مهفهفة القدِّ غضٌّ صباها ومثقلةٌ بالجنى وجنتاها
سقاها الفرات بأقداحه ودجلةُ من كلِّ عذبٍ سقاها
وغازلها البدرُ من سحرها وراودها عاشقاً واشتهاها
فشبّتْ على غصنها وردة مخضبة بالشذى شفتاها
وثار على الصدر تفاحُهُ ومال بأغصانه فثناها
عراقية من جذور الحياة تروت وفي كل قلب هواها .

من خلال هذا العزف الشعري الذي يشدو به الشاعر نتلمس روح شاعر شفيف مترعا بالعاطفة وهي عاطفة عاشق متشبب يرسم صوره الشعرية بأناة وإتقان متخذا من جمال الطبيعة منطلقا لألوان فرشاته . بلا تكلف ولا تعثر بل بحسن ورشاقة .
وموضوع قصيدته هو الموجه لطبيعة هذا الشعور ومستواه حدة وانبساطا كما أنه هو الذي يستدعي اللغة التي يعبر بها عنه فالشاعر عبدالله عباس يجيد اختيار لغته وتشكيلها بما يتطلبه الجو الشعوري والانفعالي الذي يصدر عنه في كتابة القصيدة ، لكن لغته الشعرية تلك تبقى محملة بروح طائر الملتقى التي تتصف بشفافيتها وعفويتها التعبيرية وإن كانت تحمل انفعالا أو توترا ظاهرا قد يستدعي عند غيره من الشعراء الفاظا لها وقع حاد في السمع ولعل السبب في ذلك عند هذا الشاعر هو طبيعته الهادئة وما يتميز به من حس أنساني تتشربه لغته فيظهر بارزا في شعره ومهيمنا على كل قصائده .
ولعل خير مصداق على ذلك قصيدته التي تحكي معاناته في الأسر وعنوانها ( قراءة في سيرة التتار، على رواية العبد الصالح نصر بن عدي ) ومما قال فيها .. ( أخترت قليلا منها لأن القصيدة طويلة تمثل تجربة نفسية مريرة بمشاهدها المتعددة المتنوعة ..)
حدثنا العبد الصالح نصر بن عدي
في القرن الخامس بعد الألف}
(كان أسيرا في أيدي الفرسْ)
قال العبد الصالح
كنا قوما نعشقُ حد السيف
لكنا ـــــ يا للدهرِـــــــ طوانا الأسر
في لحظة ضعفْ:
( لحظة يلقي المرء سلاحه
تصبح كلُّ الدنيا قيدا
ويصير ـــ وإن لم يرض الذلة ـــ عبدا )
وأضاف العبد الصالح :
كنّا عند النوم نُسبُّ
وعند الفجر نسبُّ
وحين نصلي لله نسبّ
وحين تدور اللقمة في البلعوم نسبّ
…..
ونُسبّ ، نسب كثيرا ..
عدد الأشياء ).
لا نجد في لغة الشاعر حدة هنا بالرغم من أن الموقف قد يتطلبها ولعل طائر الملتقى هنا عبر عن شيء خفي من خلال لغته الخفيضة هذه وهو حال الهوان وإحساسه المرير به وهو يستعيده فلا ترى لغة الثار الهادر بل لغة المكسور المغلوب على أمره الذي يتجرع قتل كرامته .
وهذا ما نجده في قصائد متنوعة له يعالج فيها قضايا اجتماعية وسياسية افرزها واقعنا الراهن فالشاعر عبد الله عباس لم ينزو بشعره مع نفسه بل كان الهم الجمعي حاضرا في كل قصيدة قالها ومنذ بداياته الشعرية إلى الآن ..
ولعنا لا نبتعد كثيرا إذا قلنا أن طائر الملتقى بقي يحوم حول مجتمعه وهمومه وما يمر به من مآس سببها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتخبطة ودواوينه الأخيرة فيها شواهد متنوعة لهذا الرصد الناقد الذي يسجله طائر الملتقى لنا شعرا يمس قضايا المجتمع ومشكلاته ..
قصيدته (شهادة ) من ديونه مراثي القبيلة
للطلقة اللئيمة
لكل صدرٍ ضمَّها
ولم ير طفلته اليتيمةْ
للألم المغروسِ في أعماقنا
للعهر في حياتنا العقيمة
للحاكمين باسمه
والذابحين باسمه
والناشرين باسمه
الإرهابَ والجريمة
للناعقين باسمه
والسارقين باسمه
والآكلين باسمه
المولِمَ
والوليمةْ
للآمرين الناسَ بالحقدِ
وبالبغضاءِ
والشتيمة
اشهد
ربِّ أنهم
أضل من بهيمة ….

الشاعر عبد الله عباس خضير لشدة انتمائه الى واقعه وإحساسه بمرارة هذا الواقع تحولت القصيدة عنده بلغتها وصياغاتها وأسلوب تشكيلها إلى قصيدة شعبية طرقت ابسط التعابير وأكثرها تداولا بين العامة وأسرعها تمثلا لمجريات الأحداث لكن شاعرنا طائرَ الملتقى غلف هذه الشعبيةَ بانفعال ناقد فتوجه إلى الآخر حاملا امتعاض الشارع وتذمر عامة الناس ولكن بروح شعرية مقبولة ومسؤولة تعي أن الشعر أداة مهمة من أدوات التغيير والمواجهة وفضح الزيف وكشف صور الخراب . فمثلا قصيدة ( دعاة الأرشفة ) واحدةٌ من القصائد التي تتجه هذا الاتجاه يقول فيها :
منذ سقوط البرلمان
وحديث القنفة
طفا
على بحيرة الإعلام
جيل
من دعاة الأرشفة
يجمِّلون موتنا
بالشعر/ والصورة / والمشهد/ والمتاحف المزيفة .
يحولون ذبحنا / إلى / منابر / معارض / قصائد / القصد منها / اللفلفة .
كي تصبحَ المأساة / تاريخا / وليس راهنا / يريدُنا أن ننصفه / فهم/ يريدون لشعبي كله / بأن يموت / في مجازرٍ/ يقال عنها مؤسفةْ.
فكيف بي / أريد أن يبقى دمي / محاربا / وأن تظلَّ ساحُ ذبحي / بالدماء / راعفة ْ
وظيفةُ الفن / إذن / بأن يصيرَ / معولاً / وأن يفعلَ بيتُ الشعر / فعلَ / المجرفةْ .

الكلام عن تجربة طائر الملتقى الشعرية لا تفي حقها أن نتحدث عنها بعجالة يحكمها ضيق الوقت ولكن لعلي سلطت الضوء على نتفٍ بسيطة مما لدى هذا الشاعر معرفا به ومنوها بجزء من أداته الشعرية .. والأمر كما هو معلوم يحتاج إلى دراسة مستفيضة تلم بما للشاعر وما عليه. وطائر الملتقى شاعرنا له منجز شعري مهم يستحق الدراسة المستفيضة والوقفة الطويلة .

عدد المشاهدات:(20)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية