العفريت الذى سرق بقلم: سامى عبد الستار مسلم |

العفريت الذى سرق بقلم: سامى عبد الستار مسلم

سامى عبد الستار مسلم :

جبالُ وصحراءُ جافة. وغيم كأنما هو أرواح قبضتها هذه الجاحدة الصلبة ذات الأنياب الجبلية. لا أستطيع الإبتعاد بالنظر عنها، ولا عن الأفق المحدد ببرواز صنعتُهُ بيدى؛ حتى يعاقبنى بداخله ليل نهار .
لا راحة إلا بهذه الحجرة، ولا عذاب إلا بها .
تتوالى فناجين القهوة والسجائر ويتوالى النظر.
عملنا إيه بس فى دهر دنيتنا ؟
لم تفعلِ شيئاً يا أمى، ولا أنت يا أبى، ربما أنا الذى فعلت!
فى الشارع وعلى الأرصفة أجلس وألعب الرفة: ملك. لأ كتابة.. كتابة؛ لأ ملك. ملك، ملك، وعشرات الكتابة؛ حتى تفرغ جيوبى وأعود خائب الأمل إلى البيت؛ أطلب نقوداً أشترى بها اللبان ذو الصور؛ أمضغه فى مرارة وحسرة وأبحث فى ظلمة النهار عن من خسرونى.
أجول الشوارع الكبيرة، تحت أشعة لا ترحم، من قرص شمس عفية ترى الأرض كلها؛ عين غول تأكل جلدى وشعر رأسى.
أظلُ أبحثُ فى الملعب، وعند الغيطان البعيدة، وعلى النواصى؛ حتى أجلس وتعود الرفة تقفز وتطرقع على الأرض.
أقوم ثانيةً إلى البيت؛ فلا أطلب شيئاً، وأنتظر اليوم الآخر، والظلمة التالية، أو ربما يأتى أخى الكبير فيريد شراء سجائر؛ فأكون في خدمته؛ كى آخذ باقى المال وأشترى وألعب.
لم تفعلِ يا أمى شيئاً، ولا أنت يا أبى؛ ربما أنا الذى فعلت، وكنت قاسياً فى فعلتى، تلك التى جعلتنى أركن إلى عامود النور، وأنادى على صبحى فيخرج ويضحك ويقول: ضحكوا عليك يا اهبل علشان ما بتشفشى. الرفة كانت زى ماأنت قلت.
أين كنتِ يا أمى أنتِ وأبى ساعتها وهم يضحكون علىّ علشان مابشفشى. لم تجلسِ بجوارى أنتِ ولا أبى وتنطقان الرفة نيابة عنى.
راحت منى كل الصور .
راحت منى كل الصور.
وكنتُ أرمى عينى على الأرض ولا أرى شيئاً..
من يلعبون معى يرون، ولا أستطيع. أدقق بحدة فلا أرى سوى وجهاً ممسوحاً لشلن أو بريزة. كثيرا ما كانت ملكى؛ أتحسسها فأشعر ببروز، لكن ما هو وكيف يكون ؟
ماذا يحدث ؟
أين الجنى الذى خطف بصرى ؟
لقد خسرت كثيراً جداً من الصور، ولم أستطع تجميعها فى الألبوم، ولم أستطيع الفوز بجوائزه.
عنيفة تلك الصحراء، أجادت زوجتى رسمها كما وددتُ تماماً.
فى خروج المدرسة كنت أمضى إلى عربة الطلق. جميل أن أرى العيال وهم ماسكو البندقية الكبيرة ويصوبونها نحو الثقوب. ماذا بالثقوب؟ وأسمع الفرقعة وتهليل الكل. أزاحم أكثر، وأنظر أكثر؛ ولا أرى شيئاً.
بديهي جداً أنه فرقع بومبة؛ مثل بومب رمضان، لكن أين هو هذا البومب؟ “يا سلام ي .. هو ده” ويأخذ صورة كبيرة لمصارع ويمضى فرحاً.
حاولتُ كثيراً يا أمى ورب الكعبة أن ألعب؛ لكن الست كانت تشتمنى وتقول: أمشى ياد يا أحول هتودينا فى داهية.
أين هو العفريت الذى سرق نظرى ؟
أنا لم أستطع اللعب عند مكتب البريد، ولا الأستغماية فى الشارع؛ لأنني لا أرى من يبحث عنى؛ ويكشفنى؛ ويسخر الكل منى ويستبعدوننى عن اللعب.
أهو حلو يا أبى أن أقف وراءهم وهم يلعبون الكرة، وإذا راحت بعيدا ًأمضى للأتيان بها مثل ركس ؟!
كلب ممدوح البلوسى..
هل أنت أنجبت كلباً يا أبى ؟
أنا أبكى، وأشكو، وأكسر الأشياء. وأنتما لم تفعلا شيئاً فى دهر دنيتكما.
لكن أين العفريت الذى سرق نظرى؛ وجعلنى أتوه فى الحصص، ولا أرى السبورة، وتنطوى الصفحات يوم بعد الآخر، وأصبح بليداً؛ لا يقرأ ولا يكتب، ويرسب فى الحساب، ويضربه المدرسون على وجهه .
هل أنت أنجبت ولداً حتى يُضرب على وجهه ؟
لقد سرق العفريت نظرى، وأنا أُضرب وأرسب وأخسر وأخاف بالليل من الموت عند النوم. .

عدد المشاهدات:(21)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية