إثارة المستوى البصري عند شعراء الحداثة المعاصرين بقلم: د.عصام شرتح |

إثارة المستوى البصري عند شعراء الحداثة المعاصرين بقلم: د.عصام شرتح

تمهيد:
إن إثارة المستوى البصري لا تقل أهمية عن أي مستوى من مستويات الإثارة الشعرية في تجارب شعرائنا المعاصرين إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن النص الشعري الحديث يستعيض بالإيقاعات البصرية عن كثير من الإيقاعات الصوتية في تثبيت الرؤيا،وتعزيز منتوجها الإيحائي،وبعدها النفسي؛ وبذلك يؤدي التشكيل البصري دوراً تدليلياً على قيمة الفواصل السطرية في تعميق الرؤيا الشعرية، بما يزيد من فاعلية الجملة ومردودها الإيحائي؛ومن هذا المنطلق” لا يمكن أن نعدَّ المستوى الكتابي ثانوياً في التحفيز وإثارة الشعرية؛ لأنه يحمل دلالات يمكن سبر أغوارها حتى ولو كان المبدع نفسه لا يتحكم في إنتاج قصدي للمستوى الكتابي في أثناء عملية الإبداع الشعري. وبذلك يقع على عاتق المتلقي جزء كبير من مهمة الكشف عن كيفية توظيف التشكيلات الكتابية واستغلال الإمكانات التعبيرية للغة المكتوبة؛ وهذه لأن دراسة المستوى الكتابي لا تمثل تحليل اللغة الشعرية في مظهرها الكتابي فحسب، وإنما ترى في ذلك التشكيل البصري للغة مستوىً ينبغي التوصل إليه لمعرفة كنه الإبداع وجماليته في النص الشعري الحديث. وبذلك، فإن المستوى الكتابي يحكمه شكل يجد مرجعه في ذائقة المتلقي وحساسيته”(1).
وبهذا التصور، فإن التشكيل البصري في أبسط تعريفاته هو:”كل ما يمنحه النص للرؤية،سواء أكانت الرؤية على مستوى البصر/ العين المجردة، أم على مستوى البصيرة/ عين الخيال”(2). وهذا يعني أن التشكيل البصري يطال الشكل الكتابي للقصيدة،بكل ما تتركه من فواصل،وفراغات، وعلامات ترقيم،وأشكال هندسية تتخذها الصفحة الشعرية؛ وهي – بهذا- تساهم في توجيه المتلقي إلى مخزونها الرؤيوي، ومنتوجها الفني عبر التشكيلات البصرية التي تتركها والفراغات التي تولدها، محققة أقصى درجات تمثيلها، وتحققها الفني؛ ذلك ” أن التشكيل البصري يساير واقع الحياة المعاصرة التي تهتم بجانب المادة والمدركات الحسية،ويتضمن كل ما هو ممنوح في فضاء النص،ويحيل إلى أهمية المبصورات في إنتاج دلالة النص الشعري.. وهذا يعني أن اختلاف التشكيل من نص إلى آخر- حسب مضمون وحالة كل نص- يجعله جزءاً أساسياً في النص،بحيث يصبح المعطى الكتابي البصري مولداً للمعنى الشعري”(3).
وبذلك، يغدو التشكيل البصري جزءاً من شعرية اللغة وتمنعها واستعصائها عند شعراء الحداثة، إذا ما استعصى عليه المعنى،وتاه في متاهات الغموض والتقعر اللغوي، وقد يكون العكس؛ إذ إن التشكيل البصري قد يؤدي دوراً فعالاً في كشف مغاليق اللغة؛ حيث يكون عنصراً فعالاً رئيساً في إنتاج المعنى، وتعميق الرؤية؛وتوجية سيرورة الدلالات، ولهذا أولى الشعراء التشكيل البصري أهمية قصوى في إخراج النص الشعري إخراجاً فنياً طباعياً يوجه القارئ إلى دواخله ورؤاه الشعورية، المستكنة في أعماق أعماقه. ومن هذا المنطلق:”أدرك الشعراء أهمية الإخراج في التأثير على النص من خلال وظائفه الرئيسة المتمثلة في جذب القراء،باستغلال المداخل المرئية اللازمة لعمليات الجذب؛ وذلك تبعاً لقدرتها على شد انتباه القراء،و تسهيل القراءة بتهيئة أفضل فرص التعرض أمام القارئ بما يتناسب مع النظرات السريعة المبنية على ضيق وقت القراء المعاصرين حيث يتعين أن تؤدي هذه النظرات لى الإلمام بأهم الوحدات المنشورة في الصفحات بما يسهل وصول القراء إلى الوحدات التحريلارية التي تلبي احتياجاتهم الاتصالية والناحية الجمالية؛وذلك بالتركيز على جوانب معينة من النص وإعطائها أهمية من شأنها دفع المتلقي إلى التعاطي مع النص بصرياً،وإدراك مراد الشاعر”(49).
وبتقديرنا: إن فنية الشاعر تظهر في كل ما يتعلق بفضاء الصفحة الشعرية،من حيث مد الحروفنوطريقة ترسيمها أو تفتيتها وتوزيعها بمساحات وفراغات محسوبة بين الكلمات والأسطر الشعرية، بما يترك إيقاعه الفني وتأثيره الجذاب؛وهذا يتطلب وعياً من المبدع والقارئ في آن للدور الفني المنوط بهذه التشكيلات بوصفها بنى دالة لاغنى عنها في تمتيين أواصر النص وإثراء شعريته.
وحرصاً منا على دراسة مظاهر إثارة هذا المستوى –بدقة- عند شعراء الحداثة،سنعمد إلى تبويب طرائق هذه الإثارة وفق المنظورات التالية:
أولاً- التشكيل البصري والسطر الشعري:
إن تفاوت أطوال الأسطر الشعرية في القصائد الحداثية غالباً ما يتبع الموجة النفسية الشعورية أو الدفقة الشعرية،وصدى ارتداداتها الداخلية،وانعكاسها على الواقع اللغوي للقصيدة؛وهذا يعني أن الداخل الشعوري ينعكس على بنية القصيدة ،وطرائق تشكيلها من موجات سطرية قصيرة إلى موجات متوسطة إلى موجات طويلة، أو العكس،بشكل متفاوت يتناوب بين الطول والقصر،والمد والبتر،تبعاً لمخزون الشاعر النفسي وامتداد الموجات الشعورية، أو تسجيلها البصري على بياض الصفحة الشعرية؛ مما يؤكد “أن تحول النص الشعري الحديث من القالب البيتي المحدود بعدد ثابت من التفعيلات –قياسات محددة مسبقاً- إلى رحاب السطر الشعري قد فتح المجال أمام التشكيل البصري في السطر الشعري. وقد ساعد الإخراج الطباعي الشعراء على إجراء تشكيلات بصرية تجسد الدلالات البصرية التي يرومون تجسيدها للمتلقي”(5).
وتبعاً لهذا،تفاوتت الأسطر الشعرية؛ محققة أقصى درجات تمثيلها للداخل الشعوري،لتكون القصيدة هي ممارسة هذا الداخل عبر اختلاف موجات الأسطر الشعرية،وإفراز الدلالات،وتشعب مناحي الرؤية الشعرية المجسدة.
وبالنظر في طريقة التشكيلات البصرية المتخذة في بنية السطر الشعري وتجلياتها في الشعر العربي الحديث،نلحظ المجالات التالية:
1- الأطوال السطرية المتفاوتة:
ونقصد ب(الأطوال السطرية المتفاوتة): تفاوت أطوال الأسطر الشعرية من حيث عدد الكلمات وتوزيعها في السطر الشعري؛ وقد التفت الباحث محمد الصفراني إلى هذا النمط في التشكيل السطري قائلاً:” ونعني بالأطوال السطرية المتفاوتة تفاوت طول سطرين شعريين متواليين أو أكثر تفاوتاً كمياً من حيث عدد الكلمات… ويعد تفاوت أطوال الأسطر الشعرية الملمح الأبرز في نصوص الشعر العربي الحديث”(6).
وبمنظورنا: إن تفاوت أطوال الأسطر الشعرية- عند شعراء الحداثة- لدليل على أن الشاعر الحداثي مسكون بالهاجس الداخلي/ أو هاجس التكثيف الشعوري ليرسم أصداء هواجسه بتفاوت أطوال أسطره الشعرية،بشكل غير متساوٍ،مما يدل على سكونه في الحالة،وتخليقه لها شعرياً؛ بما يملك من أدوات،ورؤى معرفية، فنية نابعة من حسه المفعم،وتأملاته الشعرية؛ وتبعاً لهذا،نلحظ تجليات عديدة لتفاوت الأطوال الشعرية نحددها في الأشكال التالية:
1) التفاوت السطري المتدرج:
ونقصد ب[ الأطوال السطرية المتفاوتة]: تفاوت أطوال الأسطر الشعرية تدريجياً إما ارتفاعاً،وإما انخفاضاً،تبعاً لتفاوت الدفقة الشعورية،وتمثيلها للسطر الشعري.
ويعد(التفاوت السطري المتدرج) التشكيل البصري الأمثل –عند شعراء الحداثة- في تمثيل تذبذب الحالة الشعورية بين القوة والامتداد الصوتي والزخم الشعوري،وحالة الضعف والانكسار والوهن العاطفي(الانحسار السطري)؛ وهذا يعني أن عملية تفاعل المتلقي مع الشكل السطري تخضع لفاعلية الرؤية،وزخمها ومؤثراتها البصرية،وامتداداتها السطرية،وطول الموجة الشعورية(ارتفاعاً/ وانحساراً)؛ مما يدل على منعرجاتها العميقة،ورؤيتها المكثفة.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية التفاوت السطري المتدرج قصيدة(للكلمات رائحةُ الحريق) لشوقي بزيع، وللتدليل على ذلك نأخذ المقتطف الشعري التالي:
“ويستعيدكِ من دمي المهجورِ نملٌ
طافحٌ بالشوقِ والقبلاتِ
كم تبدو الحياة ثقيلة
منذ ابتعدتِ”(7).
هنا،إن الشاعر لشدة الأسى والاحتراق الشعوري على فراق الحبيبة،وتوقه المستعر إلى تقبيلها والتمتع بعبير جسدها البض الجميل أحس بثقل الحياة وتحجرها إثر فراقها وابتعادها،فتقطعت أنفاسه،وانحسرت موجاته الصوتية بالتدريج حتى وصلت إلى كلمة أو كلمتين،وهنا،رسم الشاعر ملامح إحساسه بصرياً عبر تفاوت أطوال الأسطر الشعرية انخفاضاً تدريجياً،تعبيراً عن الحالة العاطفية التي تملكته فلم يستطع حيالها إلا الانقطاع والتحسر والألم، وهذا دليل أن الشاعر استطاع أن يوظف تقنية(التفاوت السطري المتدرج) في تشكيل أطوال أسطره الشعرية؛ ليسجل صدى إحساساته الشعورية تسجيلاً بصرياً عبر تفاوت الموجات السطرية بالتدريج؛ وهذا يمنح النص دلالة صوتية وبصرية في آن تسهم في تقبل النص والوقوف على الكثير من منعرجاته الدلالية.
ومن القصائد المهمة التي لجأت إلى تقنية التفاوت السطري المتدرج في تشكيلها البصري قصيدة(برعم) لشوقي بغدادي:
وتقولي:
أحبك!!
حتى ولو كان لغواً
أنا لا أصدق لكن لحمي يصدق
قلبي الضعيف يفكر في الأمر
أدويتي تنتحي بعيداً وجدران خوفي على بأسها ترتمي”(8).
هنا، يحس الشاعر أن سنوات عمره قد انقضت،ولحظات الشباب والقوة قد تلاشت وتلاشى بريقها الساحر؛ ولهذا بدا الشاعر خجولاً من إيراد هذه الكلمة فأفردها في سطر شعري:[ أحبك]،ثم أطرق خجلاً،مستدركاً الأمر بقوله:[ حتى ولو كان لغواً]، دلالة على أن إحساسه الخجول قد امتد وامتدت موجاته الشعورية تباعاً، ليفسر للقارئ صدى إحساساته الداخلية،وشعوره اليائس المأزوم،لعله يلتمس له العذر،ويدرك سر هذه الكلمة،وهنا استطالت الموجة الصوتية بالتدريج(بشكل تصاعدي) ليرسم صدى إحساسه الشعوري المأزوم، بالهرم والسقم والشيخوخة للقارئ،معبراً عن منعرجات الحالة الشعورية عبر تفاوت أطوال الأسطر الشعرية؛ وقد استطاع الشاعر أن يوظف تقنية التفاوت السطري المتدرج في أطوال أسطره الشعرية،محققاً أقصى درجات التمثيل الشعوري والبصري لما يعانيه من ارتكاسات شعورية وإحساسات يائسة لاسبيل إلى الخلاص منها إلا عبر استرجاع لحظات القوة والنضارة والشباب عبر لفظة (الحب) بوصفها الوجه المضيء من جوانب الحياة. وهذا ما استطاع الشاعر نقله بصرياً عبر تفاوت أطوال الأسطر الشعرية وتمثيلها بدقة.
2) التفاوت السطري المتقطع:
ونقصد ب(التفاوت السطري المتقطع): أن تتفاوت أطوال الأسطر الشعرية ارتفاعاً أو انخفاضاً بشكل متقطع ومتناوب، بحيث ترتفع الموجة الشعورية،وتنخفض تبعاً للوتيرة الشعرية،أو الدفقة الشعورية الحارة المبثوثة لحظة المخاض الشعري؛ إذ ترتفع قوتها حيناً،فيستطيل الشطر الشعري،ثم ينخفض تدريجياً حتى يتقطع،وتتشظى الكلمات،وينحسر المد السطري حتى يقف حيال كلمة أو نقطة، أو حرف واحد، أو فراغات بنقط مكثفة متوالية.
ويعد التفاوت السطري المتقطع الشكل البصري الأكثر تواتراً عند شعراء الحداثة من حيث التشكيل؛ لأن الشاعر في هذا النمط يقوم برسم منحنيات شعوره بحرية، تبعاً للموجة العاطفية وزخمها على ذاته،فترتفع لتبيان استطالة المشاعر وحدتها،ثم تنخفض لتبيان الانقطاع الداخلي،والأسى الجارح الذي يصل حد الاختناق،وبذلك ينقل الشاعر صدى إيقاعاته الداخلية عبر أطوال الأسطر الشعرية،محققاً أقصى درجات تأثيره عبر تفاوت الموجات الشعورية المبثوثة بصرياً بتفاوت أطوال الأسطر الشعرية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية التفاوت السطري المتقطع قصيدة( صوت انكيدو) لفوزي كريم،وفيها يحاول الشاعر أن يرسم صدى إحساساته الشعورية والتحامها ببؤرة الحدث وتمثيلها بصرياً،بإيقاعين متضافرين: بصري ودلالي معاً مكثفاً من شعرية النص وقدرته التعبيرية.
وبمنظورنا: إن التفاوت السطري المتقطع-في قصائد شعراء الحداثة- ظاهرة عامة لاتكاد تخلو قصيدة منه على الإطلاق،لإبراز حراكها البصري والدلالي،ولكن قدرة الشاعر وخصوصيته الإبداعية هي التي تجعل بعض النصوص ذات قدرة تعبيرية عالية في مدها البصري والدلالي، كما في المقتطف الشعري التالي لسعدي يوسف:
” يابلادي التي لستُ فيها
يابلاد الطريدةْ
ليس لي منك إلا شراعُ المسافرْ
رايةً مزقتها الخناجرْ
والنجوم الشريدةْ”(10).
هنا،تتبدى مظاهر الإثارة البصرية للأبيات من خلال التفاعل الحاصل بين الموجات السطرية المتفاوتة وزخمها الاغترابي الحزين، فالشاعر يعاني من جراح الغربة والأسى الداخلي ما يجعله يتقطع داخلياً،ويرسم صدى هذا الإحساس الاغترابي المأزوم بصرياً عبر موجات سطرية تطول وتقصر، لإبراز عمق الجراح،ومرارة الاغتراب؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية التفاوت السطري المتقطع، لإبراز تصدعه الشعوري وانكساره الداخلي،وتمثيله بصرياً للمتلقي محققاً أقصى درجات تأثيره في القارئ عبر تضافر الإيقاعين(البصري/ والدلالي) معاً في تعميق الرؤية،وتكثيف الموقف الاغترابي الجارح الذي يعانيه الشاعر.
3) التفاوت السطري الموجي:
إن أول ما أشار إلى هذا النمط الباحث: محمد الصفراني،حيث عرَّفه،ومثَّل له، بقوله:” ونعني بالتفاوت الموجي تفاوت أطوال الأسطر الشعرية،تبعاً لتفاوت الموجة الشعورية المتدفقة عبر كل سطر”(11).
ويعد هذا النمط من أكثر الأنماط شيوعاً عند شعراء الحداثة في طريقة تشكيل قصائدهم؛ ذلك أن الشاعر لايبث مخزونه الداخلي دفعة واحدة،وإنما على موجات سطرية تطول وتقصر،وتمتد وتنحسر، تبعاً لحالة الهيجان الداخلي،وامتدادها، أو انحسارها في تمثيل الرؤية،وإبراز الموقف بحرارته وقوته العاطفية الدافقة.
ولذا، تحفل نتاجات الكثير من شعراء الحداثة بهذا البناء البصري الموجي للأسطر الشعرية في تشكيل قصائدهم،وللتدليل على ذلك نأخذ المقتطف الشعري التالي لعلي جعفر العلاق:
” وبالكهفِ اشتعلنا
حافياً أحضنُ نيرانك،
عريٌ أتشهَّاهُ،نثارٌ من مراياكِ على الكونِ،
هواءُ العشبِ مرآةٌ
ونارُ الكهفِ مرآةٌ..
دخلنا فضةَ الماء”(12).
هنا، يلحظ القارئ اعتماد الشاعر التفاوت السطري الموجي للأبيات في تحريك الموقف والصورة في آن؛ فالصورة- لديه- تتحرك لإبراز الداخل الشعوري،وتظليل الصورة بإحساسه الجمالي، والغزلي الشفيف،وما يبتعثه من ظلال وترسيمات فنية عبر الصورة،وإيقاعها البصري الذي يمتد بموجات سطرية تتفاوت في تمثيل الرؤية،وإبراز ملحمها الإيحائي الجمالي الخصيب:[ دخلنا فضة الماء]؛ وقد اعتمد الشاعر تقنية التفاوت السطري الموجي في ترسيم الصورة،وتخليقها بصرياً وجمالياً في آن؛ لتعزيز منتوجها الإيحائي ضمن النسق؛ ولولا هذه التقنية لما برزت الصورة بملمحها الإيحائي وتظليلها الفني الأخاذ.
ومن القصائد التي لجأت إلى هذه التقنية في إبراز منتوجها الإيحائي والجمالي قصيدة( رباعية وردة الكتابة) لحميد سعيد،وفيها نلحظ تفعيله للإيقاعين البصري والجمالي في تظليل الصورة،والنمنمات الصوتية المتألقة في نسج هذا الوئام والحراك الشعوري بين الإيقاعات الثلاثة:[الصوتي/ البصري/ الدلالي]؛ كما في المقطع الشعري التالي:
” لي في فضاءات الكتابة.. ما كتبنا قبل أن ننسى
ولي في صفحةِ النسيانِ… أخرُ ما كتبتُ إليكِ..
كلُّ كتابةٍ،كانتْ إليكِ..
كتبتُ في الوهم السريِّ.. وفي مسراتِ المعاني..
………………………..
لا تسألي عما أخبئُ في أناشيدي
فذلك طيلساني..
ما كان قبلك محضَ ثرثرةٍ..
فكنتِ الثلجُ يرحل عن الساني
وعناكبٌ سودٌ تغادرُ،ليس من شبحٍ يزاحمني..
يشاركني مكاني”(13).
هنا، اعتمد الشاعر التفاوت السطري الموجي في رسم منحنيات الشعور،ومنعرجاته العميقة ضمن النسق؛ إذ تطول الموجة السطرية كثيراً في البداية،لتبيان الحراك الجدلي على مستوى المعاني والدلالات؛ ثم تنحسر كثيراً لتستطيل المسافة البصرية،وتستطيل معها حركة الدلالات وتناميها الغزلي عبر استقطاب ضميري( المتكلم[ الشاعر]/ والمخاطب[ الحبيبة]) بوصفهما محرق الرؤية،ومركز حساسيتها الشعرية؛ ثم سرعان ما يخلق الوئام الفني بين الحراك البصري المتمثل في:[ التفاوت السطري الموجي]،والحراك الصوتي المتمثل في إيقاع القوافي،وتناميها وحراكها الشعوري وازدواج المتضادات في النسق الشعري،وفي القوافي تحديداً:[ مكاني- لساني- المعاني- طيلساني]؛ كما يخلق حركة جمالية ممثلة ب(الإيقاع البصري الصوتي المموسق] الذي نشهده على صعيد الجمل،ودينامية الصور،محركاً شعوره الداخلي وصدى أحاسيسه العميقة ذات الترسيمات الدقيقة في خلق المتعة الجمالية،وتمثيلها بصرياً للمتلقي عبر التلاحم الفاعل بين الإيقاعات السابقة الذكر، وهذا ما يكسب المقتطف الشعري خصوصيته التعبيرية وتشكيلاته البصرية التي تفعل الدلالات والصور؛ولا نبالغ إذا قلنا: إنها تسهم في خلقها وتعميق درجاتها الإيحائية.
4) التفاوت السطري الدرامي:
إن أول من التفت إلى هذا الشكل البصري في بنية الأسطر الشعرية الناقد محمد الصفراني؛ إذ يقول في تعريفه:”ونعني بالتفاوت الدرامي: تفاوت أطوال الأسطر الشعرية الموظفة للدلالة على صوت معين،وتسجيله بصرياً”(14).
ويعد هذا النمط من الأشكال البصرية المعتمدة في تحريك البناء الدرامي للقصيدة،عبر توليد الرؤى،وكثافة الحوار،وانقطاعه أو تدفقه،ليسجل للقارئ صدى إحساساته الداخلية تسجيلاً بصرياً،غاية في التمثيل والحراك الشعوري،والكشف الداخلي عن اصطراعاته الداخلية،وجدلياته المتوترة أو المتضادة؛ وهذا ما يكسب النسق الشعري حركة جمالية مضاعفة عبر كثافة الرؤى،وتعزيز احتداماتها الداخلية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية التفاوت السطري الدرامي قصيدة(المزاح مع الموت)(15) لشوقي بغدادي،وفيها يبين الشاعر اصطراعه مع الموت،و يرسم صدى إحساساته المأزومة بالحوار، وتقطعه ودراميته القائمة على الصراع،والتلاحم ،والمفارقة؛ وقد تبدى ذلك بصرياً بالتفاوت السطري،وتراكم علامات الترقيم التي تضج بها السياقات الدرامية على شاكلة المقطع الشعري التالي:
” أقولُ لحارسها: أنت تعرفني؟!..
فيجيبُ بلى
أنت من يتردد
حين يغيبُ الجميعُ
وفي كل عيدٍ
قبيلَ الزحامِ تجيءُ
وبعد الزحامِ تجيءْ
فلم أرَ أكثرَ منكَ وفاءً لوالده!!
فأقولُ له: ولهذا المكانِ الجميلْ
ينهضُ مبتسماً كي يلبي نداءً
ويهمسُ في أذني: انتظرني
سأرجعُ بعد قليلْ..
أفكر عندئذٍ بالرحيل..”(16).
إن قارئ هذه الأسطر الشعرية بإمعان يلحظ إيقاعها البصري الدرامي عبر الحوار البوحي وارتداده الداخلي من الذات إلى الآخر، ومن الآخر إلى الذات،راسماً صدى اصطراعاته الداخلية إزاء هاجس الموت،وشبحه الجاثم على صدره،فيهادنه حيناً عندما يقول بلى،ويخضع لسطوته تارة،ثم يعلن نفيه،وتمرده عليه بالتفكير بالأمر تارة أخرى. وقد نجح الشاعر عبر تفاوت أطوال الأسطر الشعرية أن يرسم منحنياته الشعورية،والقلق الذي يراود الذات الشاعرة،تسجيلاً بصرياً للقارئ عسى يتلمس ما يعتمر في باطنه من اصطراعات وتأزمات وتوترات عبر الموجات السطرية وإيقاعها الدرامي بين الإقدام والإحجام بحركة نفسية شعورية ممثلة بصرياً عبر الموجات السطرية المتفاوتة بإيقاعها ونبضها الدرامي.
ومن الشعراء البارزين الذين وظفوا هذه التقنية بفنية عالية محمد علي شمس الدين، وذلك لإبراز الملمح الدرامي لقصائدهم عبر أسطرة الشخصيات التاريخية،ومفاعلتها بصرياً بالتموج السطري،وتفاوت أطوال الأسطر الشعرية،كما في قوله:
“يا هذا الملك الضليلُ !!
أما تعلمُ أنك مقتولٌ مثلَ أبيكَ ومصلوبٌ فوق الهيكل؟!
تحت القمرِ الفضيِّ ينوحُ العشبُ على القبر المهملْ
سترى كلبين على باب الكهفِ قديمينِ ولا يقتربانِ ولا يبتعدان…
… فلا تحفلْ
…………………………
فاسأل يا مهرَ الثأرِ الأزرقِ عن قبرِ أبيكَ
ولا تسألْ أوتارَ الغيتارَ المشدودةَ من أحشاءِ السهلِ إلى
روما تبكي
ويئنُّ النايُ الحجريُّ بما يتسرَّبُ فيكَ من الآهاتْ”(17).
هنا، تتصاعد المحاورة الدرامية عبر استحضار شخصية امرئ القيس من خلال اللقب الذي اشتهر به،وتزداد وتيرة الحدث الدرامي عندما يستقطب قصة الكهف،ويعرج عليها من خلال الدليل المرجعي:[ سترى كلبين على باب الكهفِ قديمين]؛ وهنا، يلجأ الشاعر إلى نسج الحدث الدرامي بأطوال سطرية تستطيل بصرياً بموجات سطرية متفاوتة؛ وهذا يعني أن أطوال الموجات السطرية تمتد عندما يغرق الشاعر في رسم الحدث الدرامي وتأزيمه خاصة عندما تكتظ بالمتناقضات أو المتضادات التالية:[ العشب/ القبر المهمل]،و[ يقتربان/ يبتعدان]و[اسأل/ لا تسأل]؛ وهذا دليل على تأزيم الحالة النفسية وحركتها الدرامية التي تبين إحساس الاصطراع الداخلي الذي أفرز مثل هذه المتناقضات لتحريك إيقاعاتها المتوترة،ولم يجد الشاعر من وسيلة مساعدة تسعفه في نقل منعرجات هذا التوتر الذي انطوت عليه هذه الشخصية إلا عبر الموجات السطرية المتفاوتة التي تشكلت بصرياً بامتدادات تتسع لحظة التأزم وبناء الحدث الدرامي المتوتر،وتنخفض لحظة التأسي والخروج بحرقة دامعة وغصة مؤلمة وآهات حزينة. ومن هذا المنطلق،نجح الشاعر عبر تقنية التفاوت السطري الدرامي في نقل صدى أحاسيسه الداخلية من خلال محايثة هذه الشخصية من الداخل ليمثل للمتلقي التأزم الداخلي بصرياً عبر موجات سطرية تعتمد الحس الدرامي في تحريك الشخصية وتسجيلها بصرياً.
2- الأطوال السطرية المتعادلة:
ونقصد ب( الأطوال السطرية المتعادلة): تعادل أطوال الأسطر الشعرية مع بعضها بعضاً من حيث الموجة السطرية عبر مجموعة أسطر شعرية وليس سطراً شعرياً أو سطرين شعريين على نحو ما ذهب إلى ذلك محمد الصفراني بقوله:”ونعني بالأطوال السطرية المتساوية: تساوي طول سطرين شعريين متواليين أو أكثر تساوياً تركيبياً وإيقاعياً”(18).
وبمنظوره:” يخرج قيدا التركيب والإيقاع التساويات السطرية الناتجة عن مط الحروف،لتتساوى الأسطر الشعرية في الطول،ويخرج قيدا التركيب والإيقاع التساويات الناتجة عند تقارب الرسم الناتج عن تقارب عدد الحروف”(19).
وتأتي أهمية التعادل البصري السطري في إبراز ثبات الحالة وسكونها لدى الشاعر؛ وهذا يعني أن هذا الشكل يأتي دليلاً على تحجر الذات وانكسارها، أو جمودها وركونها وتحجرها في عالمها الوجودي؛ دليلاً على حالة العقم واللاجدوى التي آل إليها الشاعر؛وكأن الشاعر يريد أن يؤكد توازن الشخصية لديه عبر تعادل الأسطر الشعرية،من حيث الاستطالة والمد والقرار النهائي الذي تقف عليه الأبيات.
وبتدقيقنا- في بنية الأسطر الشعرية- من حيث التساوي السطري عند شعراء الحداثة وجدنا ثلاثة أنماط هي:
1) تعادل افتتاحي أو استهلالي:
ونقصد ب( التعادل الاستهلالي): تعادل الأسطر الشعرية الاستهلالية التي يستهل بها الشاعر مقاطع القصيدة؛ بحيث يعتمد على تساوي الأسطر الشعرية في استهلال مقطع أو مقطعين من القصيدة،سواء أكانت الأبيات المتعادلة مكررة أم لا. المهم في النهاية أن يتساوى المقطعان في الأسطر الاستهلالية؛ تدليلاً على حالة فنية أو بلاغة بصرية ترتقي بدلالة الأبيات ورؤيتها المركزية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية(التعادل الاستهلالي) قصيدة[ في مرفأ عينيك الأزرق] لنزار قباني،وفيها يقول:
” في مرفأ عينيك الأزرقْ
أمطارٌ من ضوءٍ مسموع
وشموسٌ دائخةٌ وقلوع
ترسمُ رحلتها للمطلق
في مرفأ عينيك الأزرق
تتكلمُ في الليل الأحجارْ
في دفتر عينيك المغلق
من خبَّأ آلاف الأشعار
لو أني لو أني بحار
لو أحدٌ يمنحني زورق
أرسيتُ قلوعي كل مساء
في مرفأ عينيك الأزرق”(20).
قد يتساءل سائل: ما هي أوجه البلاغة البصرية في النص الشعري السابق؟!! وماهي متطلباتها الفنية في القصيدة؟!! وهل ثمة تأثير ما على بنية النص ودلالاته في هذا التعادل الاستهلالي الذي لازم المقاطع جميعها في حركتها الفنية وتأثرها الإيحائي؟!!
إن الشاعر يعي أهمية هذا التعادل البصري في إبراز أثر عيني محبوبته،فهما سر جمالها، ومركز استقطابهما للعاشق بوصفهما منبع الفتنة في الأنثى؛ وقد ركز الشاعر على تقنية التعادل البصري ليترك أثرهما راسخاً في عينيه أولاً،وفي عيني قارئه ثانياً ليتلمس هذا الإحساس الشعوري الجمالي بصرياً عبر تثبيت العدسة على بلاغة القصيدة بصرياً،ومن ثم على جمالية أنثاه من حيث الفتنة والجاذبية؛ ولم يقف حيال ذلك،وإنما كرر الأسطر لتكون لازمة القصيدة،ومنبع الحركة الإيقاعية والبصرية فيها. وقد لجأ الشاعر إلى تقنية التعادل البصري الاستهلالي في أسطره الشعرية،ليخلق حالة من الوئام الفني بين النبض الإيقاعي للأبيات والمد البصري لها، محققاً أعلى درجات الإثارة في تعادل الأسطر بصرياً وإيقاعاً صوتياً متناغماً،مما يحقق للقصيدة تكاملها وتفاعلها والتحامها ونبضها الفني.
ومن القصائد الحداثية التي لجأت إلى تقنية التعادل السطري الاستهلالي قصيدة( يكفيك أن ترى) لأدونيس، إذ يقول فيها:
” يكفيكَ أن ترى
يكفيكَ أن تموت من بعيد
أن تحضن الذرى
لا صمت في عينيك لاكلامْ
كأنكَ الدخانْ
جلدك يسَّاقطُ في مكانْ
وأنتَ في مكانْ
يكفيكَ أن تعيشَ في المتاه
منهزماً أخرسَ كالمسمار
لن تلمح الله على الجباه
يكفيكَ يامهيارْ
ان تكتم السرَّ الذي محاه
يكفيكَ أن ترى
يكفيكَ أن تموتَ من بعيد”(21).
لقد حاول الشاعر- في الأسطر الشعرية السابقة- أن يخلق التوازن الفني بين بلاغة النص بصرياً، وبلاغته إيقاعياً عبر التعادل الاستهلالي/ والختامي،ليقف القارئ على صياغة فنية متوازنة من حيث الإيحاء والشفافية والعمق؛ وهنا، أراد الشاعر أن يؤكد ثبات رؤيته اليائسة وحالة الوحشة والخواء النفسي التي يعيشها يلفه صمت رهيب يزيده حرقة واغتراباً كلما حاول الخروج من ضبابية اليأس وحالة التيه والضياع التي يقاسيها؛ وهنا لم يجد الشاعر وسيلة بلاغية أشد قوة من البلاغة البصرية في إبراز حالة التحجر واليأس الداخلي التي يعانيها بكل رسوخها المميت على صدره سوى تقنية التعادل السطري الاستهلالي الذي تضافر مع التوازن الصوتي الماثل في حركة القوافي الساكنة لتكون مكوناً دلائلياً بارزاً على حالة اليأس والاختناق التي يعيشها الشاعر،كما في قوله:[بعيد=كلام= مكان= دخان]؛ وقد نجح الشاعر لامحالة في إبراز هذا الجانب الشعوري بوساطة البلاغة البصرية التي تأسست على التعادل السطري الاستهلالي الذي ولد حالة التكامل والتفاعل الفني في القصيدة،مما زادها شعرية وبلاغة تعبير.
2) تعادل مركزي أو محوري:
ونقصد ب[ التعادل المركزي أو المحوري]: التعادل السطري القائم في المحرق النصي للقصيدة، سواء أكانت له وظيفة تكرارية أم لا، بما يخدم جوهر القصيدة وبلاغتها البصرية؛ وهذا التعادل السطري من شأنه أن يدلل على محرق الدلالة في القصيدة،ومركزية الرؤية فيها بتركيز المد البصري للأسطر،ليرسخ الرؤية مدللاً القارئ على تمظهرها الدلالي وإيقاعها البصري.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية( التعادل البصري السطري) لإبراز بلاغتها البصرية،قصيدة( أسئلة) للشاعر نزيه أبو عفش، مجسداً للمتلقي محرقها الدلالي عبر الضغط على صيغة لغوية متوازية في مدها البصري لتدلل على تمركزها البصري في المحرق المركزي للقصيدة،كما في قوله:
“أريدُ أن أسأل العصافيرَ
كيف تبكي حين تدركها الطلقة
أريدُ أن أسألَ أشجارَ الغابة
كيفَ تتأوه حين يخضعها الحطابون ويرغمونها على النوم
حتى الحجارة وهي تتفتت،
أريدُ أن أعرف مشاعرها الحقيقية
والنواقيسُ.. كيف لا تسيلُ دماً أو بكاءْ
أريدُ أن أسألَ ديدانَ الأرضِ
عن الظلماتِ شديدةِ الكثافةِ.. والبرد الخالي من الشفقة
شارات الطرق الموصلة إلى المدن البعيدة.
أريدُ أن أعرفَ أسرار وحشتها المسائية المجللة بالصدأ
والرطوبة واختلاجات المعادن الساكنة
كل ما يزحفُ أريدُ أن أتسلل إلى قلبه وأصرخُ نيابةً عنه.
كل دابة سيق صاحبها إلى الذبحِ.. وما تزال ترعى
كل جماد يائس
كل حشرة.
كل حبة لوز صغيرة تسقط قبل أوانها,
أريدُ أن يكونَ لها نصيبها الحقيقي من قلبي لتأنس فيه”(22).
بادئ ذي بدء، نقول: إن التعادل السطري لا قيمة له إن لم يرتبط ببلاغة بصرية تستوجبها الحركة الدلالية أو الإيقاعية للقصيدة،والشاعر حين يختار فضاءً بصرياً ما في تشكيل كلماته على بياض الصفحة الشعرية؛ فإنه يجسد ما يتراءى له أو يحسه من الداخل موزعاً الكلمات حسب حاجته النفسية واختلاجاته الشعورية،والشاعر نزيه أبو عفش استطاع في نصه السابق أن يدلل على إحساسه الوجودي الإنساني بكل ما يحوطه من أشياء رغبة في احتوائها والشعور بمآسيها والتعاطف معها،عبر الضغط على صيغة لغوية واحدة متواترة في محرق القصيدة:[ كل دابة- كل جماد- كل حشرة]، وهذا يؤكد أن ضغط الشاعر على صيغة واحدة يدلل على تعاطفه الوجودي مع كل ما يجعله إنساناً،محتوياً بإنسانيته العالم بأسره،فهو يتحد بالأشياء رغبة في احتوائها والتعاطف معها إنسانياً؛ وقد استطاع الشاعر أن يوظف تقنية( التعادل السطري المركزي/ أو المحرقي) ليجسد للمتلقي ثبات موقفه الإنساني ورسوخ رؤيته الإنسانية بصرياً بالضغط على صيغة لغوية متوازية(متعادلة) سطرياً بما يحقق للقصيدة بلاغتها البصرية والدلالية في آن.
ونلمس مثل هذا التعادل السطري في نتاجات الكثير من شعرائنا المعاصرين،وللتدليل على ذلك نأخذ المقتطف الشعري التالي لعلي الجندي:
“من أجل عينيكِ اللتين لا تغيبُ عنهما غمائمُ الحنانْ
وثغركِ الذي أضمُّ وهجهُ بمقلتيَّ كلما شعرتُ أنني رهينةُ الزمانْ
من أجل صدركِ المشعِّ بالجنون والأمان!!
من أجلكِ كلكِ الحبيبِ يايمامتي، ياقمري المسكيِّ
يا مرفئي الحافل باللؤلؤ والمرجانْ
أذيبُ أيامي بخمرتي أغانْ…”(23).
إن الشاعر هنا استطاع أن يعبِّر بصرياً عن شعوره الغزلي وإحساسه المصطهج بنيران المحبة والشوق وهيجان العاطفة،بالضغط على صيغة لغويو واحدة في المحرق النصي للقصيدة:[ من أجل عينيكِ- من أجل صدركِ- من أجل كلكِ] ليجسد إحساسه العاطفي بصرياً للمتلقي،عبر التعادل السطري،محققاً أقصى درجات الإثارة بتضافر المد البصري للأبيات مع المد الشعوري المصاحب لها؛ رغبة في تمثيل شعوره بصرياً؛ وليس مداً لغوياً وإيقاعياً محضاً؛ وبهذا يحقق الشاعر رغبته في توليد التفاعل الخلاق الذي يرومه من تشكيل قصيدته بشكلها البصري الذي تنطوي عليه دون غيره،لتشي بالصلة الوشيجة التي تربط الشكل اللغوي للقصيدة،بإيقاعها البصري؛ وهذا ما يحقق بلاغتها ومصدر شعريتها في آن.
3) تعادل سطري اختتامي أو ختامي:
ونقصد ب(التعادل السطري الختامي) تعادل الأسطر الشعرية في نهاية القصيدة،تعادلاً بصرياً يشي ببلاغة بصرية يرومها الشاعر؛ وقد أكدنا أن أي تعادل بصري لا ينطوي على بلاغة بصرية لا قيمة له في شعرية النص؛ لأن الشاعر الحق يفعِّل كل إيقاعاته التشكيلية،للخروج بقصيدته إلى أعلى درجات الإثارة،دون أن يقف على مثير بصري أو إيقاعي، أو لغوي محض؛ وهذا ما يعيه الكثير من شعرائنا المعاصرين؛ إذ إن الاقتصار على مستوى فني دون آخر يقلل من شعرية القصيدة؛ ولذا؛ فإن تنوع مصادر الشعرية بماتتطلبه من حركة وتنوع في الأدوات ووسائل التعبير يجعلها خصبة شعرياً ومواكبة لسيرورة التطور في حركة الحداثة الشعرية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية التعادل السطري الختامي لتأكيد بلاغتها البصرية وقدرتها التعبيرية قصيدة( بالأخضر كفناه) لعز الدين المناصرة؛ وفيها يقول:
” يا أمي،تأخذني عيناكِ، إلى أين؟؟!
مابينَ النارِ وبينَ النارِ يموت
ما بينَ الطلقة والطلقة.
مابينَ الهمسةِ والحرفِ يموت
أثناء صياحِ الديكِ يموتْ
بعد طلوع الفجرِ يموت
لا تسألْ: هذي بيروتْ
…………………..
بالأخضرِ كفناه
بالأحمرِ كفناه
بالأبيضِ كفناه
بالأسودِ كفناه
بالمثلثِ والمستطيل
بأسانا الطويل….”(24).
بهذه المتوالية من التعادلات السطرية التي تشتغل عليها القصيدة في قفلتها النصية حققت بلاغتها البصرية في تأكيد الثبات والقوة والإصرار على المقاومة حتى النهاية؛ فالشاعر أراد أن يثبت موقفه المقاوم فلم يجد وسيلة لغوية أو بصرية أقوى من الضغط على صيغة واحدة في القفلة النصية؛محققاً بلاغة القصيدة بصرياً في تأكيد ثبات عزيمته ورسوخ موقفه البطولي المقاوم؛ أثراً لا يمحى أو يزول؛ وقد نجح الشاعر في تجسيد موقفه المقاوم الراسخ بصرياً عبر تقنية( التعادل السطري الختامي)؛ مما زاد من بلاغة القصيدة ،وقوتها التعبيرية، والتزامها النهج المقاوم.
4) تعادل سطري لزومي:
ونقصد ب(التعادل السطري اللزومي) تعادل الأسطر الشعرية التي يختتم بها مقاطع القصيدة؛ بالاعتماد على تكرار هذه الأسطر بشكل لزومي؛مما يمنح القصيدة تكاملاً ولحمة إيقاعية بصرية مموسقة؛ تجعل المتلقي مشدوهاً إلى هذا التلاحم والتفاعل الخلاق بين إيقاعها البصري واللغوي معاً في تخليق بلاغة القصيدة، وتعضيد شعريتها.
ومن القصائد التي لجأت إلى هذه التقنية في إبراز بلاغتها البصرية قصيدة(نديمك ما نام) للشاعر عبد القادر الحصني،وفيها يقول:
“نديمك ما نام،يا سيدي،لا تنم.
أخافُ إذا نمتَ ألا تفيق،
وأخشى عليكَ من البرد هذا الرداء الرقيقَ
الذي من ندى وندم
نديمك ما نام يا سيدي لا تنم
نديمك إن نمتَ يا سيدي لا ينام
أترضى له أن يموتَ قليلا
ويحنو في فيه كنزُ الكلامْ؟!!
وهبْ راودتهُ النجومُ الجميلاتُ عن نفسهِ،
وهبطنَ إلى حجره نجمةً إثرَ أخرى فغيرن عاداتهن
ودارتْ بهنَّ القروءُ
فأطفلن رهطَ نجومِ صغارِ حرامْ…
فـأي النديم وأيك أحرى يلامُ؟!!
نديمك إن نمتَ يا سيدي لا ينام”(25).
هنا، يظهر الشكل اللغوي للأبيات تعادل استهلالها وفاصلتها الختامية،لتقف بصرياً على صيغة لغوية موحدة؛ تشي بحالة الوجد والوله الصوفي،ووضع التملي لدى القارئ بصرياً للالتفاف إلى هذا المد البصري المتوازن الذي يعضد بلاغة القصيدة ودرجة إيقاعها؛ فالشاعر يعيش حالة من الوله والسكر الروحي الذي يشي بإحساس روحي تأملي عميق، لا يريد لهذا الإحساس أن يتلاشى أو يخفق، أو ينقضي؛ إذ سرعان ما يعود إليه، كضرورة روحية تنبثق من حالة الوله القصوى التي تملكته فلم يجد وسيلة أخرى تسعفه في التشبث بهذه الحالة واستبقائها سوى الضغط على صيغة لغوية أو بعد بصري معين كلازمة تحقق للقصيدة زخمها وإحساسها الشعوري الحار؛ وقد نجح الشاعر في توظيف تقنية التعادل السطري اللزومي ليجسد للمتلقي ولهه الصوفي وتمثله للحالة الصوفية تمثيلاً بصرياً،من خلال تعادل الأسطر في مدها البصري وإيقاعها اللغوي الذي ينسجم ووقع الحالة الصوفية لديه، وهذا ما يحسب في دورتها اللزومية ومدها البصري.
3- التشكيل البصري والأشكال الهندسية:
إن ولع شعراء الحداثة بتوظيف فضاء الصفحة الشعرية بما يثير رؤاهم،ويحرك مشاعرهم قد دفعهم- بلا استثناء- إلى التلاعب بالإيقاعات البصرية، وفق شكول هندسية متنوعة،ومساحات فراغية مفتوحة كان لها أثرها البالغ في توجيه القارئ إلى بؤرتها الدلالية،وإلى مراميها الإيحائية العميقة. ونشير إلى أنه لا قيمة لأي شكل هندسي إن لم يرتبط بدلالة، أو رؤية مخصوصة رامها الشاعر من هذا الشكل الهندسي أو ذاك؛ وهذا يتوقف على وعي الشاعر في توجيه الشكل الذي يريده، بما يحقق عناية فنية أو رؤيوية موجهة للقارئ،يومي بها إليه،ليتحثثها بصرياً بإيقاعها العاطفي والشعوري المحتدم؛ فلم يجد وسيلة مساعدة سوى الشكل الهندسي الدائري أو المثلثي ليفرِّغ ما في داخله وتجسيده بصرياً بزخم الحالة وطزاجتها الشعورية.
وقد التفت إلى هذه الظاهرة،ووقف عندها مطولاً الباحث محمد الصفراني؛ إذ يقول:”لقد وُظِّفت الشكول الهندسية في مجال التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث بوصفها مادة بصرية قابلة للتشكيل الفني وتحقيق المتعة الجمالية”(26) وقد وقف عند محورين بارزين من محاور توظيف الشكول الهندسية(محور التشكيل بالشعر) ومحور التشكيل بالرسم الهندسي.(27).
وقد نجح الباحث في الوقوف على شكول هندسية مهمة اعتمدها شعراء الحداثة في توجيه رؤيتهم الشعرية من أجل توليد دلالة بصرية تسعف القارئ في تلقي النص جمالياً بما يزيد من فاعليته ودرجة حساسيته،ورؤيته الفنية، وإننا سنهتدي بهديه،ونضيف بعض الأشكال الهندسية وفق ما تمثلت لنا في بعض القصائد الحداثية،وهي:
1) الخط المنكسر:
وهو شكل هندسي يرسم فيه الشاعر منعرجاته الشعورية،وقلقه،وتأزمه الداخلي بخيط متفاوت منكسر؛دلالة على انكساره وتصدعه الداخلي، وقد وظف الكثير من شعراء الحداثة هذا الشكل بدلالات بصرية وإيحائية عميقة،مرتبطة بما يعتمر في داخله من اصطهاجات واختلاجات نفسية شعورية محتدمة؛ وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري التالي لأمل دنقل:
“مصفوفةٌ حقائبي على رفوفِ الذاكره
والسفرُ الطويلُ يبدأُ دون أن تسيرَ القاطرهْ!
رسائلي للشمسْ تعودُ دون أن تمسَّ!!
رسائلي تُرَدُّ دون أن تُفضَّ!!
يميلُ ظلي في الغروبِ دونَ أن أميلَ!!
وها أنا في مقعدي القانطِ وريقةً .. وريقةً..
يسقطُ عمري من نتيجة الحائطْ
والورقُ الساقط يطفو على بحيرة الذكرى،
فتلتوي دوائرا..
وتختفي دائرة فدائرهْ”(28).
إن إحساس الشاعر بالارتحال والغربة وتساقط أيام عمره وريقةً وريقة،ودائرة فدائرة قاده إلى اتخاذ الشكل السطري المنكسر، لتجسيد دلالة بصرية مساعدة للقارئ؛ دلالة على حالة التحجر والسقم والانكسار الشعوري اليائس التي يعانيها؛ فلم يجد الشاعر وسيلة أخرى أشد مضاءً وقوة في التعبير عن ركون الحالة وتحجرها وجفافها سوى الشكل الخطي المنكسر:
*………………
*…………………………
*……………..
*……………..
*………………………………
*…………………………………….
*………………………………
*………….
*……………………..
*……..
*…………………
إن المتلقي لو تأمل الشكل النصي السابق لأدرك أنه إزاء خط منكسر من خلال طول الموجة السطرية وانحسارها؛ وهذا ما يلحظه القارئ في تدقيقه في نهايات الأسطر السابقة؛ فالأسطر تختلف فيما بينها بخط منكسر دلالة على حالة اليأس والتحجر التي يقاسيها في زمنه المظلم الذي يرتحل رويداً رويداً إلى الهاوية والموت.
2) الخط المضلع:
وهو شكل هندسي يقارب الشكل السابق،لكن الشاعر فيه أشد إصراراً وقوة في التعبير عن الحالة الشعورية وإظهارها بمنعرجاتها الشعورية العميقة ،لتبيان صلابة الشاعر ومقاومته في وجه الارتكاسات والضغوطات الوجودية المتزايدة التي تفرضها عليه،فيلجأ إلى هذا الخط لإبراز وجه الصمود والقوة والثبات في الموقف؛ وقليل من الشعراء من يدرك أهمية الشكل الخطي في إبراز دلالة ما سوى من اعتاد منهم على مفاعلة الشكل البصري كقوة دلالية موحية في القصيدة عن رؤى ودلالات كثيرة، أي بجعلها كمقوم فني لاغنى عنه في تحفيز نصوصهم الشعرية، بأشكال هندسية وخطية تضمن نجاح النص في إيصال رؤيته، ببعدها الجمالي والنفسي(الشعوري) في آن معاً.
وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري التالي لمحمد الماغوط:
“ظالمٌ أنتَ يا حبيبي
وعيناكَ سريرانِ تحتَ المطرْ…
كن غاضباً أو سعيداً يا حبيبي
كن شهياً أو فاتراً،فإنني أهواكَ.
يا صنوبرةً حزينةً في دمي
من خلال عينيكِ السعيدتينِ أرى قريتي
وخطواتي الكئيبةِ بين الحقول”(29).
إن الشاعر،هنا، يؤكد ثبات موقفه،وحرارة مشاعره، وصموده الجسور في وجه العوائق والصعوبات مهما اشتدت وتكاثفت وتعددت وطأتها عليه للحفاظ على من يحب،ولذلك،اتخذ الشاعر الخط المضلع عن وعي وإدراك بأن هذا الخط يدلل دلالة بصرية على صموده،وتحديه وإصراره على الوقوف بصلابة متشبثاً بهذا الحب، ولهذا بدا الشاعر صلباً في رؤيته؛ فهو على الرغم من كآبته مازال يستقي من بريق عيني محبوبته معاني الإصرار والعزيمة والقوة والحياة. وقد نجح الشاعر في توظيف الخط المضلع،لتحقيق بلاغة بصرية يستشف منها القارئ معاني القوة والتحدي والإصرار والثبات، وبهذا تتأكد فاعلية الخط إيقاعاً بصرياً لا غنى عنه في تحفيز الرؤية الشعرية،وتنامي إيحاءاتها العميقة.
ولو تأمل القارئ المقتطف الشعري السابق بإيقاعاته البصرية لوقف على الشكل التالي:
*………….
*………………
*……………………
*……………………..
*………
*…………………………
*………………
إن المتلقي،هنا، إزاء خط مضلع يتبدى للقارئ بوضوح بتعرجاته واختلاف موجاته السطرية بين الارتفاع والانخفاض؛ وهذا يشكل منعرجات عميقة تدلل على رؤية بصرية، أو بلاغة بصرية مشهدية في رفد الدلالة اللغوية بالإيحاءات البصرية التي تعزز الرؤية الشعرية ومضمونها الداخلي، وهذا دليل:”أن اختيار الشاعر للشكل الخطي يعد أسلوباً فنياً آخر، يُحدث تفاعلاً بين النصِّ وقارئه. وهذا التفاعل يتأسس على الرؤية البصرية والإدراك الحسي بتشكيل المفردات الشعرية. ومن هنا،يصبح إخراج الحروف بأشكال متعددة وسيلة لجذب انتباه المتلقي وإثارة رؤيته التي تشهد شكلاً غير مألوف،فيحتاج القارئ إلى استعادة تواصله مع الشكل الجديد من خلال استقباله مفاهيم ناتجة عن أسباب ذلك التشكيل والبحث عنها داخل النص الشعري”(30).
وبما أن النص الشعري الحداثي نص تشكيلي يراوغ فيه بالأشكال البصرية كمراوغته بالأشكال الإيقاعية والصوتية فإن تلاعبه بالتشكيلات البصرية يعد مقوماً بنائياً فنياً في تحفيز رؤية القصيدة خاصة حين يتخذ الشاعر من هذا التشكيل مساراً رياضياً مخصوصاً كالمثلث،والمربع، والمستطيل،والدائرة،يرمي الشاعر من ورائه بلاغة بصرية، أو رؤية بصرية ما تعزز مسار القصيدة وإيقاعها الصوتي والدلالي معاً،ولعل أبرز الأشكال التي لاحظناها عند شعراء الحداثة الشكل المثلثي.
3) الشكل المثلثي:
إن لجوء شعراء الحداثة إلى التعبير بالأشكال الهندسية عن منعرجات رؤيتهم الشعرية لدليل أن بعضاً منهم يرمي من ورائها إلى مغزى ما، أو رؤية بصرية معينة؛تحقق مؤداها النفسي أو الدلالي في القارئ؛ لجذبه إلى النص مؤثراً ومتأثراً به، ولذلك،” يعد المثلث- إلى جانب الخط المضلَّع- من أكثر الشكول الهندسية شيوعاً في الشعر العربي الحديث،وللمثلث كشكل هندسي زخرفي دلالات متعددة.. وقد وُظِّف المثلث بمختلف أشكاله لتوليد دلالات بصرية معينة في الشعر العربي الحديث”(31).
وهذا يعني أن للمثلث دلالته المؤثرة في القصيدة إذا ما استطاع الشاعر أن يحقق من ورائه بلاغة بصرية ما تزيد النص قدرة وفاعلية في التعبير والتأثير؛ وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري التالي لعز الدين المناصرة:
“عجلاتُ المنفى،تدهسنا يا أمي،فلماذا قتلوكْ؟
كنتَ تبيعُ حماماً،فلماذا قتلوك
في الزمن المكوك”(32).
هنا، اتخذ الشاعر الشكل المثلثي في رسم منعرجات شعوره الداخلي،واحتجاجه الصارخ،ليأتي الشكل المثلثي دالاً على طول موجات احتجاجه،لينتهي هذا الاحتجاج قوياً كما بدأ،لكن بإيقاع تفريعي تام، وكأن الشاعر يرسم إحساسه الداخلي بصرياً على بياض الصفحة الشعرية بمثلث هرمي قاعدته الكلمة الأولى،وزاويته الكلمة الأخيرة،كما في الشكل التالي:
*…………………………………
*………………
*….
إن المتلقي، هنا،إزاء مثلث قائم الزاوية ذي القاعدة العلوية،وتعد عبارة (عجلات المنفى) المركز الحركي للدفقة الشعرية؛ للتدليل على إحساسه الاغترابي المأزوم،وهو بعيد عن أرض الوطن. وتأتي عبارة(الزمن المكوك) محور الزاوية،للتدليل على احتجاحه الصارخ من هذا الزمن الدائري المكوك الذي جار عليه بالنفي والاغتراب؛ومن هذا المنطلق نجح الشاعر في توظيف الشكل المثلثي في تبيان أوجه احتجاجه وتأزمه مداً بصرياً مؤثراً،وليس إيقاعاً لغوياً محضاً،مما زاد من من قوة العبارة ومدها البصري.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية المثلث(قائم الزاوية) قصيدة(تأملات ليلية) لصلاح عبد الصبور؛وفيها يقول:
” لاشيء يعنيكِ.. لاشيء يعنيكِ
لاشيء يعنيكِ.. لاشيء يعينْ
لاشيء يعنيك.لاشيء,
لاشيء يعنيك
لاشيء
لا..”(33).
لقد لجأ الشاعر إلى الشكل الهندسي المثلثي؛ لإبراز تراكم الإحساس،بالوحدة،والوحشة،والضياع، فلا يوجد له معين في هذه الحياة التي تضج بالمآسي والآلام والحاجيات اليومية المتزايدة،سوى ذاته المكلومة باليأس والتوق والحرمان؛وسرعان ما جسد الشاعر شعوره اليائس من أي وليف أو معين بصرياً على شكل طبقات متوالية من المصفوفات المتتابعة التي تتلاشي بصرياً شيئاً فشيئاً؛لتصل إلى ذروة التلاشي في المد الفراغي البصري الذي شكل محرق الدلالة في المقطع؛ وهنا،تبدى لنا أن الشاعر قام بتجسيد تلاشي صوته بصرياً،عبر تلاشي الكلمات وغيابها التدريجي الذي تبدى صداه في المد الفراغي إلى مالا نهاية؛ وقد نجح الشاعر في تجسيد صدى نداءاته الكثيرة المتقطعة بصرياً للقارئ عبر الشكل المثلثي الذي بدا على شكل طبقات متوالية تدلل على شعوره اليائس من أي معين أو مساعد.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية المثلث قائم الزاوية ذي القاعدة العلوية قصيدة( صفحة مهترئة من قانون الجرائم) لفايز خضور،وفيها يقول:
“هي ذي عنقي تتدلى،مابين النصلِ المثلوم،ومابين الأنشوطةْ
وأنا أرتقبُ الفرحَ الراعفَ من كرم السجان!!
هي ذي عنقي.
هي ذي تتدلى….
تا،تا،دا….
….”(34).
لقد حاول الشاعر أن ينقل لنا مشهد إعدامه بصرياً وإحساسه الوجودي المأزوم بذلك عبر رسم صدى هذا الإحساس بالتدريج طبقات تتلاشى تدريجياً شيئاً فشيئاً لتصل إلى ذروة التفريغ الماثلة في تشظي الحروف وتلاشيها؛ وبذلك؛تنسجم الرؤية البصرية وإحساس الشاعر المتدفق بالأسى والحرقة والألم؛ ولو تأمل القارئ النص لأدرك أن الشاعر اعتمد الشكل البصري المثلثي،لتجسيد الرؤية،وتعميق إحساس التلاشي والانقطاع والتمزق الداخلي الذي لازم الشاعر،وتجسيده للقارئ بصرياً.
ومن القصائد اللافتة التي اعتمدت تقنية المثلث قائم الزاوية ذي القاعدة السفلية قصيدة )للكلمات رائحة الحريق )لشوقي بزيع،وفيها يقول:
“الأرضُ مطبقةٌ عليَّ
بلا نوافذ غربتي
متثاقلاً يمشي الحمام على سطوح الذكريات
لكي يعيدَ إلي صوتكِ،وهو يعبرُ كالغيومِ على الجبال”(35).
إن قارئ المقطع الشعري بإمعان يدرك أن الشاعر اعتمد الشكل المثلثي في ترسيم مشهده الغزلي،وإحساس الاختناق الذي راوده،وهو بعيد عن ديار الحبيبة؛ وهنا،يسترجع الشاعر ذكرياته الجميلة عبر هديل الحمام الذي يذكره بالمحبوبة وبصوتها الملائكي الجميل؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية الشكل المثلثي ذي القاعدة السفلية لتجسيد المد البصري/ الشعوري الذي تراكم شيئاً فشيئاً ليصل إلى قمة الاحتراق والبوح الروحي،والتلذذ بصدى صوت المحبوبة شعورياً ؛وبمنعرجات بصرية تستطيل تدريجياً، وليس إحساساً لغوياً فحسب، ولو حاول القارئ أن يرسم شكل المثلث بأبعاده لتبدى له هذا الشكل كما يلي:
..
*…….
*………………
*……………………
إن المتلقي هنا، إزاء مثلث قائم الزاوية ذي القاعدة السفلية، أراد الشاعر أن يجسد إحساسه الاغترابي بصرياً بترسيم الأسطر بشكلها المثلثي،للدلالة على شعوره الغزلي المصطهج بالتوق والاشتياق.
4) الأشكال الهرمية:
ونعني ب(الأشكال الهرمية): الأشكال الهندسية التي يتخذها الشاعر في تشكيل قصيدته على بياض الصفحة الشعرية بأشكال هرمية مخروطية،سواء أكانت قاعدته في الأسفل أم في الأعلى،تبعاً لمحور القصيدة ومركز ثقلها الدلالي.وهذا يعني أن الشكل الهرمي الذي يتخذه الشاعر مخصوص ببلاغة بصرية يقصدها الشاعر،تبعاً لمحور ثقل القصيدة ومنبع ارتكازها؛ فإن كان محور ارتكازها في الاستهلال جعل قاعدة المخروط في الأعلى،وإن كان محور ارتكازها في المركز النصي أم في الختام جعل قاعدة المخروط في الأسفل،وممركزاً جميع الدلالات صوب محور ثقلها الدلالي،ومنبع بلاغتها البصرية،تبعاً لقاعدة المخروط وتوجهه داخل الفضاء النصي.
وبتقديرنا: إن توجه شعراء الحداثة إلى البلاغة البصرية في تفعيل نصوصهم الشعرية كان له أبلغ الأثر في تعميق الدلالة؛ خاصة إذا أدرك الشاعر كيفية توجيه الرؤية،وتخليقها جمالياً عبر التلاعب بالأشكال البصرية،بما يحقق متعتها وجاذبيتها الفنية؛ وللتدليل على ذلك نأخذ المقتطف الشعري التالي لعلي جعفر العلاق:
مللت تذكركِ
مللتُ تجوالك في النوم
مللتُ غيابك الذي يملأُ هذا الليل كالندم
اخرجي، إذن من نومي الشحيح،اخرجي من قميصي
الذي قُدَّ من الجهاتِ كلها.. خذي معكِ كلَّ شيء:
النومَ وشفتيكِ المهلكتينِ، الليل ومخالبكِ الباكيهْ”(36).
إن الشاعر هنا، يعيش حالة من الأسى والجراح،حالة الضجر من الحلم الحزين الذي يؤرقه والمحبوبة غائبة عنه،فيتحثث الأشياء جميعها من حوله،فلا يجدها؛ يرى الجهات كلها باكية من حوله،حتى قميص نومه المعلق بدا موحشاً باكياً حتى الليل الذي يملأ جنباته ملامحها غدا مملاً وضجراً وتعساً؛ وهنا، اعتمد الشاعر الشكل الهرمي المثلثي في إبراز هذا الملل موجهاً قاعدة المخروط من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك لتمثيل هذا الإحساس بصرياً للقارئ؛ليبدو هذا الملل شبحاً خانقاً على صدره بمخالبه الباكية المؤلمة؛ وبهذا يتحد الإحساس الشعوري والشكل البصري في إبراز هذا الإحساس والتأسي الحزين عبر غياب المحبوبة، وقتامة الأشياء جميعها من حوله،ولو تأملنا المد البصري للشكل الهرمي لتبدى لنا ذلك وفق الشكل التالي:
*………….
*………………
*……………………….
*……………………………..
*…………………………………
*…………………………………………
إن المتلقي،هنا،يلحظ أنه أمام شكل هرمي مثلثي قاعدته في الأسفل،ورأسه في الأعلى،موجهاً الدلالة بحركة مخروطية من الأعلى إلى الأسفل،ومن الأسفل إلى الأعلى بحركة تناوبية تعزز وقع حالة الملل التي يعيشها؛ فلا يريد أن يستقر على هذه الحالة المؤلمة؛ فعبر عن ذلك ببلاغة بصرية اتخذت شكل الهرم ليجسد وقع الحالة للقارئ تجسيداً بصرياً.
ومن الشعراء من استطاع أن يرسم ظلال لوحته الشعرية التشكيلية بالشكل الهرمي،محملاً الصورة بريقها المكاني المعطر بجمال الطبيعة وسحرها البهي كما في هذا المقطع الشعري لياسين الأيوبي:
أنا
كلما حدقتُ في عينيكِ
وافاني احتراقُ العطرِ في ليلِ الوداعْ!
أتفرغين جنائنَ الأزهارِ من أشذائها
وتسافر الأضواءُ بعدكِ نحو أشرعةِ الضياع”(37)
إن قارئ هذه الأسطر يلحظ اعتماد الشاعر الشكل الهرمي في تظليل مشهد الوداع،بإيقاع بصري،مؤسس على توجيه الخطاب الشعري صوب الآخر،لمشاركته إحساسه العاطفي الموله بالعشق والصبابة والتهيام؛ وقد نجح الشاعر في ترسيم مشاعره وتجسيدها بصرياً للقارئ عبر تظليل المشهد،وارتسام ملامحه ببلاغة بصرية تؤدي دورها في توجيه الخطاب صوب مركز الدفقة(قاعدة المخروط) الذي تمثله الأنثى المحبوبة بجمالها وشذاها الليلكي وعبيرها الأخاذ
ومن الشعراء من يبني قصائده بشكل هرمي بقاعدة علوية موجهة نحو محرق الدلالة،ومركز حساسيتها الشعرية،كما في المقطع التالي لفوزي كريم:
“كهلٌ أنا ومعي الفرسُ الكهلُ
قيثارةٌ بيننا وبقيةُ أغنية
وطريقٌ نحاولها
…….”(38).
إن إحساس العجز الذي لازم الشاعر جعله ينزع إلى إبراز الانهيار الداخلي، أو العجز الذاتي عبر تدرج الأسطر وتلاشيها بالتدريج دلالة على الانطفاء والعجز والضعف أمام صعوبة الطريق،ومساره الشاق الطويل؛ وقد نجح الشاعر بوساطة تقنية الشكل المثلثي الهرمي ذي القاعدة العلوية،في توجيه الرؤية صوب دلالة العجز وتجسيدها بصرياً عبر التلاشي البصري لينتهي بالمد الفراغي دلالة على الانطفاء والضعف،ولو تأمل القارئ الشكل الهندسي لتبدى له كما يلي:
*……………………………
*……………………
*…………….
*..
إن المتلقي هنا،إزاء مثلث هرمي قاعدته في الأعلى،ورأسه في الأسفل؛ وهنا قام الشاعر بوساطة هذا الشكل بتجسيد دلالة الضعف والانهيار الشعوري والنفسي بصرياً إثر انقلاب سني حياته من النضارة والشباب والقوة، إلى الضعف والكهولة والهرم؛ وقد دلل على ذلك بصرياً عبر المد النقطي اللامتناهي؛ وقد جاء انقلاب رأس المخروط من الأعلى إلى الأسفل دلالة على تغيير حاله وانقلاب أيامه عليه؛ وبهذا عضَّد الدلالة الشعرية بالدلالة البصرية عبر الشكل الهرمي المخروطي المقلوب.
5) الأشكال الرباعية:
إن اعتماد الأشكال الرباعية- عند شعراء الحداثة- بكثافة عالية لدليل على أن الشكل الرباعي يمثل لهم القالب الفني الأكثر ألفة واعتياداً عليه؛ لأن الكثير من مقطعاتها أو رباعياتها تعتمد هذا الشكل البصري؛ وخير دليل على ذلك(رباعيات الخيام) وغيرها كالموشحات الأندلسية مثلاً؛ وتعد الأشكال الرباعية المعراج الفني لقصائد شعراء الحداثة في تحريض مقومها البصري خاصة في الدلالة على الحبسة الداخلية أو التحجر والعقم الوجودي، أوثبات الرؤية السوداوية القاتمة في الكثير من سياقات القصائد التي تتناول موضوعات جافة،كالموت،والسجن،والوحدة. وهذا يعني أن الشكل البصري الرباعي يعد مقوماً دلائلياً لا غنى عنه في الإفشاء بدلالات القصيدة ،والإفصاح عنها عبر الشكل البصري ،وليس اللغوي فحسب؛ مما يعني أن النص الحداثي مسكون بالتقنيات والإيقاعات المختلفة التي تغني رؤيته،وتحفز دلائلياته النصية التي تتكشف دائماً،وتنفتح على الجديد دوماً.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية الشكل الرباعي قصيدة( أغنيات حب جنوبية على نهر الليطاني) لشوقي بزيع؛ وفيها يقول:
“على ضفةِ النهرِ كانت تغني
على نقطةٍ من نقاط العبورْ
وتركض مكشوفةَ الرأسِ حافيةً
فوق عشبِ العتورْ
شعرها من مساءات صيدا
صدرها من بساتين صور
خصرها،لو دروا
ذهبٌ من مزادِ الخصور”(39).
هنا، اعتمد الشاعر الشكل الرباعي بوصفه مداً بصرياً يملك ألفته الاعتيادية ومنطقه التقفوي المتواتر؛ مما يدلل على أن الشاعر ما قصد بالشكل البصري دلالة ما، أو بلاغة معينة سوى خلق الإيقاع التقفوي المنسجم مع الشكل البصري المموسق ليحقق الترسيمة الإيقاعية البصرية المحكمة،تدليلاً على انتظام حركة القوافي وثبات الشعور الغزلي لديه؛ كما هو حال المد البصري المنتظم الذي أضفى على الأسطر الشعرية حركة مموسقة بإيقاعات منتظمة متواترة،تدلل على منحاها السنمتري المنتظم.
ولو تأمل القارئ الأسطر بمدها البصري لتأكد له الشكل الرباعي التالي:
*……………………….
*……………………….
*……………………….
*………………………
*………………………
*……………………….
*……………………….
إن القارئ- هنا- حيال شكل رباعي منتظم عمد الشاعر إلى هذا الشكل لإبراز التلاحم والانسجام بين الشكل التقفوي المنتظم والشكل البصري المحكم،لتجسيد ثبات موقفه ورسوخ حبه وجمال محبوبته تجسيداً بصرياً.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية الشكل الهرمي في رصد تراكم الحالات والعواطف،قصيدة(محاولة أخيرة) لمحمد الماغوط،وفيها يقول:
أريد أن يكون
وجهي مسطحاً كأرضها
ودموعي غزيرة كأمطارها
ورائحتي نفاذة كمستنقعاتها
ومزاجي متقلباً كفصولها
وكرامتي غامضةٌ كضبابها
ودفاتري بيضاء كثلوجها
وأحلامي وهمية كإنجازاتها
وثيابي مرقعةٌ كجدرانها
ووجهي محفراً كطرقاتها
وتنهداتي طويلة كحدودها
وسأرتدي ألواناً من الثياب
بعدد أنهارها،وطوائفها، وخلفائها”(40).
هنا، يلحظ القارئ- بداية- أن الشاعر اعتمد ضمير المتكلم(ها) بوصفه قرار الأسطر الشعرية في تتابعها،ونهايتها السطرية،مدللاً من خلال الشكل على إحساسه التعاطفي مع بلاده بكل مافيها من سلبيات،بإيقاع تعروي ساخر من أشيائها المتحجرة، لكن رغم ذلك يؤكد حبه لها وتعاطفه مع أشيائها،وتمثله لجميع مظاهرها،وطقوسها، وعاداتها، وأديانها، وجدرانها،وطرقاتها؛ وبما أن الشاعر لم يجد وسيلة إضافية مساعدة تدلل على هذا التوحد والموقف الثابت حيالها سوى الشكل البصري،لذا اعتمده مقوماً بنائياً في إبراز هذا الإحساس الحبي الراسخ إزاءها، مهما تدنت المستويات التي آلت إليها في مرحلة انحطاطها،ولو تأمل القارئ النص في ترسيمه البصري لأفضى به إلى الشكل التالي:
………………………….
……………………..
……………………..
…………………….
…………………….
……………………
…………………….
…………………….
…………………..
………………….
إن المتلقي- هنا- حيال شكل رباعي،توالت به الأسطر الشعرية لتتخذ في مسارها النهائي هذا الشكل؛ وقد نجح الشاعر في توظيف تقنية الشكل الرباعي، ليجسد إحساسه الشعوري الراسخ بحب بلاده وتعاطفه معها بصرياً، وليس شكلاً لغوياً فحسب،وهذا ما جعل المقتطف الشعري يتخذ شكله الرباعي المحكم،تدليلاً على إحساسه الشعوري الثابت،وتفعيل هذا الإحساس بصرياً.
ومن الشعراء من يبني قصيدته بأشكال رباعية ملتوية،دلالة على إحساسهم المأزوم والمصير المؤلم الذي يقودهم على الهاوية،فيجدون في هذا الشكل البصري الرباعي الدلالة البصرية على ما يعتريهم من مخاوف وآلام؛وللتدليل على ذلك،نأخذ المقطع الشعري التالي:
سقف روحي خفيضٌ
خفيضٌ
وأحزانها عالية
والطريقُ إلى الفجرِ
أسئلةٌ:
أفقٌ ذاك أم هاوية”(41).
يتخذ المنحى البصري للمقطع الشعري الشكل الرباعي المضلَّع، دلالة على الاختناق والتقزم الشعوري التي يقاسيها في ظل امتشاق المحبوبة وامتناعها؛ فيجد نفسه منقاداً إلى حافة الهاوية: هاوية الاختناق والتأسي الداخلي؛ وهكذا، يأتي الشكل البصري دالاً على حالة الشاعر الحارقة إزاء مرارة الراق التي ستودي به لامحالة إلى الهاوية؛وقد نجح الشاعر بوساطة تقنية(الشكل الرباعي المضلع) في تجسيد هذا الإحساس بصرياً للقارئ،وليس فعلاً لغوياً محضاً فحسب،وهذا ما يحسب للشاعر باتخاذه الشكل التالي:
……………
………………….
……………………….
……………………………..
………………………………….
إن المتلقي- هنا- حيال- شكل رباعي متوازي الأضلاع؛ قام الشاعر بتوظيفه للدلالة على الفرق الشاسع بين إحساسه الخفيض، وسموقها وعظمتها،وروحها السامقة المحلقة في عباب الروعة والجمال؛وقد جسد الشاعر ذلك بصرياً عبر الشكل الرباعي؛ ليدلل القارئ على بعد المسافة بينهما بصرياً،وليس إيقاعاً لغوياً فحسب.
3-التشكيل البصري ومساحة البياض والسواد:
لاشك في أن المعمعة مازالت قائمة حول مسألة(البياض/ والسواد)؛ومالها من تأثير على النص الشعري في توجيه دلالاته، أو تعميق رؤيته، بين مؤيد لأهمية هذا الجانب،وناكر له، فيرى البعض أن عجز الشعراء اللغوي كان الدافع الأكبر للاحتفاء بالبياض، وإعلاء شأنه،وقد ذهب هذا المذهب الناقد محمد عدناني في تعليل هذه الظاهرة، قائلاً:” خرج الشعراء مهشمين من صراعهم مع اللغة،ودفعوا إلى الهامش لما لم يقتدروا على امتلاك ناصيتها، ولم يكن الابتلاء ببلية النظم كافياً،ولا الإصرار على الكتابة شفيعاً أمام ضحالة ثقافتهم،وهزال مرجعهم اللغوي. ومع كل هذا الإنكار والإصرار على المكابرة بد التوجه قوياً نحو تمجيد الصمت والاحتفاء بالبياض دليلاً على العجز،ظناً من الشعراء أنه خيط نجاة يجذبهم من المأزق الذي أوقعهم فيه نضوبهم المعرفي،ولم يدركوا أن هذا التوجه يقود حتماً إلى الفراغ، أو الخواء الدلالي،سواء في شكل التعقيد، أو التغامض أو التشتت،ولا اختلاف بين هذه المصطلحات، فالبلية واحدة”(42).
ويحتج العدناني على كل من يؤيد، أو يمتدح هذه الظاهرة؛ من كونه لايفقه الحقيقة الشعرية أو اللعبة الفنية في لغة الشعر، مستغرباً من هذا التوجه قائلاً:”من المثير حقاً أن ترتفع أصوات لتمتدح جهراً اللوذ بالصمت والبياض معتبرة الاكتفاء بالحرف بدل الجملة بلاغة.. وهيمنة البياض وامتداح الفراغات بدل الامتلاء شعرية؛ ناسين أو متناسين أن في كل”قصيدة عظيمة قصيدة ثانية هي اللغة،مضيقين من مجال تحرك الشاعر على مناطق إبداعه،فيكفي في نظرهم أن يحس الشاعر، ويفكر حتى إن لم يقل شيئاً،فالمهمة موكولة إلى القارئ”(43).
فالقارئ -من منظور العدناني- ليس في لعبة ألغاز،وفك أحاجي،ومستغلقات نصية،فهو موكول بمهمة فك سواد النص لا بياضه،بمهمة فك الكلام لا الصمت،الذي هو خارج نطاق دربته الفنية، ولهذا، استهجن العدناني من أولئك الشعراء الذين يلوذون بالصمت،معتبرين ذلك بلاغة،وهو -في حقيقة الأمر- يسد عجزاً أو نضوباً معرفياً لديهم، والطامة الكبرى- من منظوره- أن الكثير من الشعراء اتخذوا هذا التوجه سنة مؤكدة ظناً منهم أنهم سيثابون عنها جزاءً لهم بما أخلصوا، لدرجة أن هيمنت هذه الظاهرة على دواوين عدة بأكملها كديوان(هبة الفراغ) لمحمد بنيس وغيره من دواوين عند شعراء المغاربة”(44).
وعلى الرغم من إحجامه عن هذه الظاهرة،والتقليل من شأنها فإن لهذه الظاهرة أثرها وحراكها الجمالي في النص الشعري شريطة أن تدخل في صلب الرؤيا وإنتاج الدلالة،وتكثيف المعنى، فللإيقاع البصري قيمة وأهمية في النص الشعري شأنها في ذلك شأن سواد الكتابة واللغة الشعرية،ولا تنفصل عنها.
وبتقديرنا : إن أهمية هذه الظاهرة تختلف من شاعر إلى آخر،تبعاً لمقدرته الفنية على تفعيل نصوصه بالإيقاعات البصرية الملائمة التي تفعل النص،وتزيد من فاعليته الإيقاعية والدلالية في آن؛ فالكثير من الشعراء يقفون عاجزين عن استثمار هذه الظاهرة،بشكلها الأمثل، نظراً إلى نضوبهم المعرفي واللغوي،فتكون هذه الظاهرة عبئاً على النص، بدلاً من أن تكون عنصراً فنياً مؤثراً فيه،لاسيما في توجيه رؤيته، وتفعيلها لتصب في خندق شعريته لا في خندق تلغيزه، وتشويه شعريته.
ومن النقاد الذين التفتوا إلى أهمية هذه التقنية في الشعر العربي الحديث الناقدة الفذة خلود ترمانيني، إذ تقولفي قيمة هذه الظاهرة ما يلي:” تتألف القصيدة العمودية من محورين هما: الصدر والعجز،وتنجم عن ذلك أشطر متساوية بينها نهر من البياض،وهذا التشكيل يمثل القالب الأساسي للشعر العربي؛ فالشاعر القديم يعرف مسبقاً حدود المكان الذي يشغله البيت الشعري،وآلية رص الكلمات في أثناء عملية الكتابة الشعرية،ومع ظهور المتغيرات الإيقاعية التي أثرت في الشكل الكتابي للنص الشعري الحديث اختفى نهر البياض بين الأسطر الشعرية، لتصبح القصيدة الجديدة المعتمدة على توالي الأسطر الشعرية غير المتساوية حرة من أي نظام قالبي،وعلى هذا،فإن مساحة البياض أحاطت بالقصيدة الجديدة، مما أهاب بالمتلقي الكشف عن تلك المتغيرات لمعرفة مدى تمكنها من تحقيق جمالية النص وشاعريته، ومن هنا، فأن ما يعتور الكتابة الشعرية الحديثة من تشكيلات قائمة على أساس البياض والسواد تنتظر الكشف عن دلالتها لتأكيد جمالية النص الشعري الحديث، فالبياض الذي يحيط بالقصيدة يحتاج إلى معرفة دوره الفاعل في استكشاف صوت القصيدة”(45).
وفي منظور الناقدة خلود ترمانيني، إن البياض الذي يحيط بالكتابة الشعرية يملك تأثيره في الدلالة التي تفرزها القصيدة،ولذلك” يحتل البياض مساحة واسعة في الصفحة الشعرية الحديثة، إذ إن استخدام السطر الشعري بدلاً من نظام الشطرين،وطريقة رص الكلمات،والجمل الشعرية القائمة على انفراجات واسعة بين السطور الشعرية كل هذا يترك مساحات بيضاء توحي بالصمت والهدوء، ومن هنا،فإن البياض الذي يعني صمت الشاعر يقابل السكتة في الموسيقا.. وبذلك، يأخذ (البياض/ الصمت) في النص الشعري معناه من السياق الشعري الذي يرد فيه،والموقف الوجداني الذي يعيشه الشاعر،فيصبح (الصمت/ البياض) أسلوباً تعبيرياً لا يقل أهمية عن الكلام الشعري”(46).
وبتقديرنا:إن النص الشعري الحداثي نص مأخوذ بالتغاير والاختلاف،سواء أكان ذلك في التقنيات والأساليب الشعرية الجديدة، أم بالرؤى، والأساليب اللغوية المبتكرة في التعبير عنها؛ ومن هذا المنطلق، فالتقنية واحدة قد تكون سلبية في نص ما ،وإيجابية في نص آخر،والعكس صحيح كذلك، مما يعني أن هذه التقنية شأنها شأن بقية التقنيات؛ فقد تكون فاعلة في نص شعري ما، وضحلة في نص شعري آخر؛ وهذا يتوقف على مهارة الشاعر في إخراج البياض بشكل فني بلاغي مؤثر؛ يرمي من ورائه الشاعر دلالات عميقة لا يستطيعها السواد بمده الكامل أن يحيط بها، فيستعين بالبياض بوصفه مقوماً بنائياً فنياً متمماً للسواد في أداء مهمته الشعرية؛ووفقاً لهذا، نلحظ تجليات البياض عند شعراء الحداثة بأشكال مختلفة،وقيم فنية متنوعة، وفق المعايير التالية:
1) البياض بوصفه مقوماً بصرياً بليغاً:
ونقصد ب( البياض بوصفه مقوماً بصرياً بليغاً): البياض الذي يؤدي دلالة ما،إمَّا أن يوجِّه رؤية القصيدة،معضداً من إيقاعها (الصوتي/ البصري)، وإما أن يسهم في تكثيف المشهد الشعري،مبرزاً ملامحه في السياقات الدرامية؛ فيأتي البياض مفعِّلاً أجواء الصراع الدرامي بين الشخصيات، والمشاهد المحتدمة في الموقف الدرامي،ممحوراً الرؤية الشعرية، صوب محرق القصيدة، ومنبع ثقلها الدلالي، أو موجهاً الدلالة صوب مغزى القصيدة،وكنهها الفني.
ففي قصيدة( الفراق) لشوقي بزيع على سبيل المثال لا الحصر يرتبط (البياض/ والسواد) بالحس الداخلي، والأسى الجارح على فراق الحبيبة،وهنا،يصور الحالة بتمام حرقتها وأساها، واصطهاجها الداخلي،لدرجة يبدو معها أنه يتنفس من صدى آلامه، وجراحاته النازفة،وتبعاً لهذا الإحساس، يختنق الصوت تدريجياً، وينحسر السواد،ويمتد البياض ليتخلل الأسطر الشعرية من وسطها وفوقها وتحتها؛ثم تمتد مساحة الفراغ لتشمل سطرين متتاليين، دلالة على الغصة الداخلية، والانكسار الشعوري الذي تشي به القصيدة بين مد وانحسار،واستطالة وانقطاع، تبدى في المد النقطي بين الأسطر، للتدليل على أن الشاعر يعيش حالة من عدم التوازن بين ما يموج ويصطلي في داخله، وبين وقع الفراق الحارق الذي أدمى مقلتيه،وشظى رؤيته،وأثقل كاهله،ووفقاً لهذا،يأتي البياض بمنزلة المؤشر البصري على الغصة الخانقة التي تأتي بعدها انفراجات وتأملات حارقة ممتدة كامتداد الفراغات المتتابعة إلى ما لانهاية،وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع التالي من قصيدته المذكورة:
“لست أرثي رهان الحياةِ الذي ضاع،
ولا أطلبُ الآن شيئاً
سوى أن أجيد التنفس في وحشتي
بانتظامْ
وأن تقبلَ الروحُ ضيفاً كجسمي
يحلُّ عليها
بقيةَ هذا الحطام.
لا أطلبُ الآن شيئاً سوى أن أنامْ
تحفُّ بي الخطواتُ الثقيلةُ للموتِ
ثم تجيء الحبيبةُ
كي تسدلَ الأرض فوقي
وتمضي متوجة بانكساراتها
وبجلدي الذي لم يزل عالقاً
فوق أزهارها الناحلهْ
………………….
……………………………..”(47).
هنا، يأتي المقطع دالاً على مساحات فراغية تأتي بين الأسطر الشعرية، كاشفة عن بلاغة بصرية،مردها الانتظام البصري في حركة القوافي التالية:[انتظام= الحطام= أنام]، ليحقق الشاعر رغبته الجامحة في نقل ما في داخله من أحاسيس، ورؤى حزينة، بوساطة تجسيده مشهد الفراق بصرياً،بإحساس جنائزي/ تراجيدي حزين،ينسجم في مده البصري مع الإيقاع الصوتي الساكن في بنية القوافي التالية:[انتظامْ= أنامْ= حطامْ]؛ ناهيك عن المد البصري الذي امتد لسطرين شعريين متتاليين؛ دليلاً على الانقطاع والاختناق الشعوري، إثر موجة الارتداد الصوتي الماثلة في النقرات الصوتية الخافتة التي تشبه في حركتها ومدها نقرات المزاهر المعتادة في مشاهد التأبين والدفن؛ وهذا المد النقطي المتتابع يشي بجريان الصمت المخيم الجاثم على المشهد الجنائزي الحزين بإحساس سوداوي قاتم ينم على سكونية الحالة، وجنائزية المشهد بكل ما فيه من أسى، واحتراق، ولوعة، وفراق،وعلى هذا الأساس، تحقق القصيدة بوساطة مدها البصري عبر مساحة (البياض/ والسواد) كثافتها الإيحائية في تعميق المشهد التراجيدي الحزين الماثل في تجسيد لحظة الفراق، بكل أساها الشعوري، واحتراقها العاطفي ووقعها السوداوي المؤلم.
ولو دققنا في مجريات القصيدة لتبدى لنا هذا الإحساس التراجيدي الذي يمثله الشاعر عبر مساحة البياض(الصمت)/ والسواد( الكتابة)؛ مما يدل على بلاغة بصرية وحساسية شعرية في توزيع الفراغات بما يحقق وقعها الشعوري وصداها العاطفي،كما في قوله:
“نفترقُ الآنَ،
نمحو عواطفنا البكرَ تنهيدةً إثرَ أخرى
تعيدينَ لي وجهيَ العصبيَّ
وأسئلتي الشاعرية.
تسترجعين يدي من محيط أنوثتك المتموجِ
ثم أعيدُ لكِ الطفلة الغافيةَ بأعماق روحي
وأمضي.. وتمضين..”(48).
هنا، ينحسر السواد،ويمتد البياض،ليتغلغل ثنايا كل سطر من جوانبه كلها تقريباً؛ دليلاً على أن ثمة دلالات وأحاسيس جديدة تتبع هذا المد،وهو إبراز مشهد الفراق مداً بصرياً، وإحساساً عاطفياَ مصطهجاً بوقع الحالة واحتراقها الداخلي، إذ إن إحساس الرحيل يخيم على السواد الطباعي بالكامل تقريباً، ليطبع الجمل بدلالته،ومده البصري، ويبصمها ببصمة الفراق، وجنائزية الرحيل والوداع؛ فالشاعر رغم التصاقه بالمحبوبة،واندماجه معها روحياً يشعر أن فراقهما واقع لا محالة؛وهذا الفراق عبر عنه بمد نقطي فراغي في قوله:[ وأمضي… وتمضين]، ليترك القارئ في صدمة الإحساس التراجيدي المأساوي القاتم بالفراق،والوحشة، والضياع؛ وهنا، يتساوق إحساس الشاعر العاطفي مع المد البصري للأبيات،وحالة التسكين التي لازمت بنية القوافي،مما يدل على جنائزية المشهد، وعمق الأسى في تجسيد مشهد الفراق، بكل مده الشعوري،ووقعه النفسي،وهذا دليل:”أن مساحة البياض في الصفحة تعبر عن سعة المعنى وكثافته،ذلك أن المعنى حين يكون قوياً وكثيفاً تصعب الإحاطة به،والتعبير عنه،فلا يتمكن الشاعر من الكلام،ومن هنا، يعبر البياض عن كثافة المعنى،كما يحدث حين تجتمع الألوان بياضاً”(49).
ولو تتبعنا مسار القصيدة إلى نهايتها لتبدى لنا كيف أن البياض لم يعد شكلاً خارجياً، لتظليل الصور،وتفعيل السواد فحسب،، وإنما غدا عنصراً بلاغياً مؤثراً في تحفيز رؤية القصيدة،وتعميق دلالاتها، وهذا ما نلحظه في المقطع الختامي التالي:
“هاهو العمرُ من حولنا
يتراجعُ صفر اليدين
ويدانا تغربتا في اشتباك الأصابعٍ،
ينظر واحدنا في ملامح صاحبهِ
ثم يسألهُ
هل رأيتك من قبل؟
واحدُنا يتنكرُ كي لا يرى أو يرى
يجمع أشواقه
حجراً
حجراً
ثم يرمي بها في مياه الفراق
قليلاً…
ويأتي أوانُ العناقْ
كما لو خريفان ينزلقان إلى صفرة الروح،
نسقطُ والسنواتُ الثلاثاء يصرنَ نساءً ثلاثاً
يَنُحْنَ على جثة الحبِّ..
كم أنتِ مذبوحة بالطريق الذي تسلكين
كم أنت خنجري المتبقي
وتفاحة الآخرين
تذوبين شيئاً فشيئاً
وتنمو على ركبتيك زهو الحنينْ
وتبتعدين…
و..ت..ب..ت..ع..د..ي..ن:”(50).
هنا،تعمد الشاعر أن يترك مساحة البياض مفتوحة، تنحسر شيئاً فشيئاً،فيمتد السواد، ليظلل كلماته بأسى الماضي، ورحيل سنوات العمر المشرقة،ثم يمتد البياض، ليشي باغتراب حارق وصمت ممض،إثر السؤال المرير الذي يتساءله كل من الشاعر، ومحبوبته:(هل رأيتك من قبل)؛وهذا السؤال على ما فيه من حرقة، وأسى، واغتراب يشي بتصدع داخلي،حين يعود الحب غريباً،وما أقسى أن ينظر الأحبة إلى بعضهما البعض،وكأنهما غرباء، كل واحد منهما يتنكر للآخر؛وهذه المأساة هي التي قادته إلى أن يترك البياض مفتوحاً،ويبقى السواد مجرد كلمة، أو كلمتين،تعبران عن مرارة الاغتراب، وجراح الفراق،والتساؤلات المريرة التي تفتح باب الغربة والاحتراق على مصراعيه؛ واللافت أن الشاعر تعمد أن يؤسس بلاغته تأسيساً بصرياً،وليس مداً لغوياً فحسب،من خلال تشظي الكلمات وتقطع الحروف ،دلالة على تقطع أنفاسه وانكسارها وتلاشيها في المدى البعيد، ولهذا، ترك المجال مفتوحاً للمد النقطي والفراغات،لتدلل على هذا الإحساس الحارق الذي تلون بأصداء ذاته الجريحة المغتربة،ثم حاول أن يلملم ما تصدع من آلامه، وحرقته،ونزيف جراحاته،بقوله:(ويأتي أوانُ العناق)؛وعندما يدقق القارئ في ماهية هذا العناق،وكيفيته يدرك أنه عناق الفراق، وأنهما راحلان لا محالة كخريفين ينزلقان ويرتحلان إلى غير رجعة، ولهذا،عمد الشاعر إلى تفتيت الكلمات،وبعثرة الحروف بصرياً للدلالة على الرحيل والابتعاد، وكأنه أراد أن يجسد دلالة الفراق، تجسيداً بصرياً عبر تشظي الحروف، وتباعدها، كابتعادهما وتفرقهما الأبدي. وهذا دليل”أن الغوص في الأعماق الشاعرة يحتاج إلى لغة فائقة،يمكنها التغلغل في صميم الوجدان،ولكن هيهات للغة أن تتمكن من التوغل في الأعماق،لتصل إلى لغة مطابقة لعمق الشعور،ومن هنا يشترك الصمت باعتباره جزءاً من الكلام في التعبير عن الموقف الشعوري الذي يتم تصويره. وعلى هذا،فإن إيقاع اللغة يتجلى من خلال رصد التحركات الباطنية في النص الشعري،والولوج إلى أعماقه،لتحسس نبضه في الظاهر والباطن،والإرهاف لإيحاءاته في (البياض/ الصمت)،و(السواد/ الكتابة)، في محاولة لاستشفاف المعين البكر للشعور الإنساني الذي يمثله الإيقاع حين يتمكن من تحقيق التكافؤ الداخلي مع صميم الموقف الوجداني الذي يصوره النص الشعري المبدع”(51).
وتأسيساً على هذا، يمكن القول: إن البياض مقوم بصري بليغ حين يستطيع الشاعر أن يربطه بصميم تجربته،وموقفه الشعوري، ويشي من خلاله بفيض من الدلالات والإيحاءات ما كانت اللغة وحدها باستطاعتها الإحاطة به، أو كشفه، لولا هذه التقنية التي باستطاعتها كشف منعرجات الشعور وإيقاعات الذات الداخلية.
2) البياض بوصفه تظلليلاً للصور الشعرية أو المشهد الشعري:
ونقصد ب:( البياض بوصفه تظليلاً للصور الشعرية، أو المشهد الشعري): البياض الذي يتركه الشاعر بين الصور والمشاهد الشعرية لتظليلها،وتفعيلها بصرياً بما يزيد من احتدام المشهد،وتخليق دراميته، أو هو: تظليل الصورة الشعرية،لإبراز حركة الألوان،وتدفقها في القصائد التشكيلية أو القصائد اللوحة؛ ولهذا، قد يتجاوز البياض وظيفته التظليلية إلى الإيحائية،ليكون عنصراً بارزاً في اللوحة، أو عنصراً مؤثراً في المشهد الشعري الدرامي، الذي يريد الشاعر بثه للقارئ بكل توتره، وصخبه الداخلي.
ولقد لجأ الشاعر حميد سعيد في أكثر من قصيدة، إلى خلق التوتر الدرامي في مشاهده الشعرية بوساطة هذه التقنية التي أثرت في مجرى الحدث الدرامي،ليغدو أكثر دينامية وفاعلية عبر المد النقطي، وتظليل المشهد الشعري،وتخليق دراميته،وتوتره الداخلي،كما في قوله:
“ما يشبه الخراب
.. بل هو الخراب
مقابرٌ تقتحمُ الشوارع..
الموتى يعودون إلى البيوت
حفارو قبور..
يحملون وطناً إلى مملكة الموت…
وتأتي طائراتٌ دونما رويةٍ…
فتأكل الأطفال
والأنهار والنخيلْ
يعتذرُ الأمواتُ…
عما حملوا من الشظايا.. عند باب الله”(52).
هنا، يرسم الشاعر مشهده الدرامي، فيلجأ إلى المد النقطي، أو النقط الفراغية بين الأسطر،لتكون هذه النقطة أشبه بفواصل نصية مضيئة،تسهم في إضاءة الحدث،وإبراز دراميته،ولهذا، جعلها الشاعر بمنزلة البقع الضوئية التي تفعل مشهد الخراب، الذي ما زال وقعه مرتسماً أمام ناظريه. إزاء المشهد الدرامي الدموي الذي طال بلده العراق،حتى أصبحت الشوارع ذاتها أضرحة، كناية عن كثرة الضحايا،والوطن ذاته قد سيق إلى مملكة الموت،وقد أسهمت هذه الكتل الفراغية في إبراز مشاهد الطائرات،لتكون بقعاً ضوئية مضيئة تحدد ملامح الطائرات،وهي تلتهم الأطفال وتغتال مظاهر البراءة والجمال كالأشجار،والنخيل،والأطفال؛وكأن القارئ أمام عدسة الكاميرا يراقب سيرورة الأحداث،بتفاصيلها، ولقطاتها المتتابعة عبر البقع الضوئية التي تثيرها الفراغات(مساحة البياض) ،وهذا يعني أن المد النقطي، هنا، لم يأت لتظليل المشهد الدرامي،وإبراز ملمحه من الخارج،وإنما جاء عنصراً فاعلاً في تحريك المشهد، وإبراز حركته من الداخل،ليدلل على الاصطراع الداخلي وعمق المأساة التي يعانيها الشعب العراقي،من مأساة القتل،وإراقة الدماء، والدمار،والخراب. وبناءً على هذا،” فإن التوزيع التقني لتشكيلات البياض والسواد في النص الشعري الحديث، ليس محض مصادفة،وإنما نحن أمام تشكيل هندسي يشترك كل من المبدع والمتلقي في تأسيس جمالياته، فالمبدع يضع حدود البنى الجزئية للنص من خلال التوزيعات السطرية، والمتلقي يؤول دلالات تلك التوزيعات السطرية التي يتجاوز فيها المتلقي سواد الكتابة إلى بياض الصمت،وفيض المعنى، على اعتبار أن الصمت كلام من نوع آخر يترك للمتلقي أن يتم تشكيله”(53).
وقد نجد بعض الشعراء يستخدمون البياض تقنية بصرية يظللون فيها قصائدهم التشكيلية أو قصائدهم (اللوحة)، مما يجعل المشهد البصري لظلال اللوحة،مكتنزاً بصرياً بفضاءات فراغية، تزيد اللوحة جمالاً وعمقاً بصرياً، كما في هذا المقطع الشعري التالي لعبد العزيز المقالح:
” كان يشرب قهوته لاهياً
ويداعب شمس الصباح بريشته
خصلة تتوهج من شعرها
هبطت وتماهت مع ورق الرسم
هاهي تبتل باللون
تأخذ شكل خيولٍ تضيءُ حوافرها
تتضافر خارج دائرة الظل
ترحلُ في ماء أشجانها الشاردة”(54).
هنا، يرسم الشاعر ظلال اللوحة باعتماد التظليل الفراغي مقوماً بصرياً في تشكيل اللوحة؛ فالشاعر يرسم صورة الرسام،وهو يحتسي قهوته الصباحية،ويرسم بالمقابل وجه محبوبته على الورق،ويرسم جدائلها كيف تتطاير كالخيول الجامحة،لتترك بصمتها في قلبه ومخيلته،تاركة شجناً حزيناً بين فلذاته الداخلية لا يمحي بريقه الروحي أو يزول،وهنا، قام الشاعر بوساطة الفراغات البصرية بإبراز ظلال اللوحة،وتداخلها اللوني مع شمس الصباح،ودائرة الظل،مما جعل اللوحة مكتملة فنياً بمشهد رومانسي ساحر لحركة الخيول، والمحبوبة، وخصلاتها التي تتطاير مشرقة كشمس الصباح، وهكذا، تأتي مساحة البياض، لتظلل اللوحة وتزيدها اكتمالاً،ووضوحاً،وتجسيداً بصرياً يضفي على اللوحة لمسة جمالية شفيفة،وكأنها مزركشة بريشة فنان تشكيلي بارع يملك أقصى درجات الإثارة الفنية في التظليل الفني،وإلباس اللوحة ثوب الحياة،وحركتها عبر حركة الخيول،وظلالها، والمحبوبة وإشراقها بتماوج بصري أدت الفراغات، دورها في تظليلها، وتخليقها فنياً.
3) البياض بوصفه تغريباً أو تلغيزاً لرؤية القصيدة:
ونقصد ب( البياض بوصفه تغريباً أو تلغيزاً لرؤية القصيدة): البياض الذي يؤدي إلى تشويش رؤية القصيدة، بتعقيد موحياتها، فلا تبين الرؤية،وتتضح معالمها،نظراً إلى جهامة البياض وسطوته على السواد،لدرجة كبيرة،فلا تتضح رؤية الشاعر،ولا تبين مرامي القصيدة بتمامها؛ فتقع القصيدة في مطب الغموض، والتلغيز، والتشظي الدلالي، ولا نبالغ إذا قلنا: قد تسقط القصيدة من دائرة الشعرية حين يطغى البياض عليها بجهامة كبرى معقداً دلالاتها،بزوائد بصرية لا طائل منها،فتسترق نظر القارئ، محولة اتجاه رؤيته من جوهر البياض، وبلاغته على زوائده التزيينية،فيضعف أثر البياض،وتضعف فاعليته ضمن القصيدة.
ففي إحدى القصائد لمحمود درويش تطغى علامات الترقيم ومساحات البياض والسواد عليها،محولة عيني القارئ من لقطاتها الفنية الممسرحة إلى مشاهد وصفية لا قيمة لها في المسار النصي،كما في قوله:
” العراقُ، العراقُ
هنا يقف الأنبياءُ.. هنا عاجزين عن النطقِ باسم السماء
فمن يقتلُ من في العراق؟ الضحايا شظايا على الطرقات
وفي الكلمات..
العراقُ، العراقُ،
فمن أنت في حضرة الانتحارْ؟
أنا لا أنا في العراق
ولا أنتِ أنتِ
وما هو إلا سواهُ تخلى الإله عن الحائرين
فمن نحنُ؟ من نحنُ؟
لسنا سوى خبرٍ في القصيدة: ليل العراقِ طويلٌ.. طويل”(55).
هنا، تطغى مساحة البياض على السواد في القصيدة،خاصة في الأسطر الشعرية، التي يذكر فيها اسم(العراق) دلالة على الغصة الداخلية،والاحتراق الشعوري على مصابها الأليم؛ وهذا ما جعله يكثر من الصيغ الإنشائية، كالاستفهام، والتعجب، ارتداداً شعورياً منكسراً، أو صادماً،لإبراز التأسي والحزن على ما حاق بالعراق، من فتنة، وتشرذم، وضياع بين طوائفها، وشعائرها الدينية:(فمن يقتل من في العراق؟)؛ ولعل هيمنة البياض على السواد قد ظلل القصيدة بظلال تأملية حزينة، مبعثها التأمل، والاختناق الشعوري،والتشظي الدلالي، وفق مسارات عدة، منها: الدلالة على الجهل، والتشرذم، والضياع، واللاوعي بين أفرادها،ومصيره المفجع،ومنها الإحساس باليأس من واقع العراق،ومصيره المفجع،ومنها الإحساس بضياع الهوية العربية، وجهالة الإنسان العربي الذي ما عاد يعي مصيره، وموقفه الوجودي، ومنها عجز الأديان، والأعراف الدينية عن لملمة الصفوف وتوحيد الموقف، والكلمة للنهوض بالقضية العربية،والإنسان العربي،وهذه الرؤى كلها مبعثها هيمنة البياض على السواد؛ وما تشي به هذه الهيمنة من تشظي الدلالات؛ لإبراز عمق المصاب وفداحة الموقف المأساوي المؤلم، الذي حاق بالعراق، لتسقط القصيدة في فراغات لا متناهية من التأملات، والارتكاسات الصادمة والتساؤلات الجريحة،مما أدى إلى تعقيد رؤيتها، وتشظي دلالاتها وفق مسارات عدة، وهذا يعني أن مساحة البياض بقدر ما عمقت من دلالات القصيدة ورؤيتها، بقدر ما شظت دلالاتها،وبعثرت مدلولاتها، لإبراز الواقع المؤلم، وهول المصير المنتظر الذي يحيق بالعراق الحبيب،وهذا يدلنا أن ” لكل قصيدة تجربتها الخاصة بها، وهذا يفرض تشكيلاً مكانياً مناسباً لها،ومنسجماً مع خصوصيتها،ومن هنا، يرتبط إيقاع القصيدة الحديثة بحركة النص المتراوحة بين تدفق الكلام من خلال سواد الكتابة الشعرية، والإحجام عن الكلام من خلال فترات الصمت التي تتم ترجمتها إلى نقاط موحية أو فراغات محيطة”(56).
وقد نلحظ أن بعض شعراء الحداثة يغرقون في مساحات البياض، لدرجة تكاد تسيطر على فضاءات الصفحة الشعرية كلها؛ لاسيما في المواقف العاطفية،فتصطلي قصائدهم بالصور المكثفة،والدلالات الاغترابية المأزومة،فتتعقد القصيدة،وتتشعب دلالاتها،كما في المقطع الشعري التالي لمحمد الماغوط:
“تحت مطر الربيع الحار
أسيرُ يا حبيبتي
وصدركِ الشبيه بشجرة التفاح العارية
يظللني كدخان القطارات،
لقد ودعت الكثيرين..
…ودعت بلادي
وسهولها المحترقة في الليل
هجرت رفاقي
والدم ينزف من صدورهم
وأنوفهم
ولم أتنهد
كنت أغرد كاليمامة فوق الجبال
أتثاءب في مآتم الشهداء
وأحدق في أثداء الأمهات الثكالى”(57).
لقد ملأ الصمت فضاءات القصيدة بالكامل، باستثناء بعض السطور الشعرية التي لا تتجاوز الكلمتين، أو الثلاثة،مما يدل على هيمنة شبه مطلقة للبياض على السواد،إذ إن الشاعر قام في كل سطر شعري، بتظليل الصور بالبياض، لتشي بإحساسه الاغترابي الحزين،هذا من جهة، وليترك للمتلقي مساحة بؤرية،بغية تملي السواد الغامق الذي يفيض بالدلالات الاغترابية الحزينة، والمشاهد الرومانسية الحارة التي تفيض بها ذاكرته قبل الرحيل من جهة ثانية، لكن رغم ذلك أدى البياض إلى تعقيد الرؤية وتشظيها،وفقاً لأحاسيسه الاغترابية المكثفة، وصوره المكتظة بالرؤى والأحاسيس المصطرعة،وهذا دليل:” أن الشاعر العربي الحديث يتعمد في تشكيل نصه الشعري استراق اهتمام المتلقي،وجذب بصره إلى طريقة الكتابة الشعرية،وجعله يشارك في إنتاج دلالات النص، وإيحاءاته المتساوقة مع المسار الإيقاعي المتناغم مع تلك الدلالات. وهذا يفرض على القارئ متابعة حثيثة لتشكيل القصيدة على الصفحات الشعرية، بهدف معرفة دقائقها الجمالية، والتوصل إلى الإيقاع الذي يتجلى في الانسجام التام بين التجربة الوجدانية، والتشكيل المكاني لتلك التجربة”(58).
4) البياض بوصفه إيقاعاً بصرياً هشاً أو ضحلاً:
ونقصد ب(البياض بوصفه إيقاعاً لغوياً هشاً): البياض الذي يتخلل الأسطر الشعرية دون فاعلية تذكر،نظراً إلى ضحالة النص الشعري بسواده الكتابي، أو إلى ضحالة الرؤية التي يتضمنها النص، أو عدم الوعي في توجيه البياض بشكل بؤري دلالي مخصوص، يؤدي وقعه الدلالي المؤثر في النص،فيسقط النص في خندق العبثية، والهذيان، واللاوعي في تشكيله البصري واللغوي في آن، الأمر الذي يضعف النص،ويزيد من تحجره الشعري، وهذا أكثر ما نجده عند الشعراء الذين يغالون بالإيقاعات البصرية على حساب الإيقاعات اللغوية، مما يفقد النص جوهر شعريته، وخصوبته الجمالية.ففي بعض نصوص الشاعر عبد الكريم شمس الدين الهذيان واللاوعي في توظيف مساحة البياض على السواد، الأمر الذي يفقد قصائده بريقها الجمالي،نظراً إلى كثافة البياض،وعدم تفعيله بالصور النابضة بالحيوية، والابتكار،كما في المقتطف الشعري التالي:
“وعبرتُ من وطني إلى وطني
وأني لا أغالي عند بواباتهِ قلقَ الغريبْ؟
من أين؟
يسألني غريبٌ
يا لهذي الغربةِ الكبرى
ألا يكفي انتسابا
أن أرقتُ هنا عرقَ الجبينْ دمي
وأعلنتُ انتسابي؟
وهتفتُ من أعماقِ أعماقي إلى وطني
أرجعوني
وارجعوا وطني إليَّ
إني تعبتُ من التسكع خلف بواباته الناريةِ الحدقاتْ
آن لها بأن تتزاحمَ الخطواتُ على دربٍ موحدْ
وكفانا امتهانا
لستُ من سوقِ النخاسةِ مشترى
والل..
0ونُ أسودْ
وكفى ارتهانا…
ليس من حرٍّ
ويرضى أن يكونَ لغيره عبداً مقيدْ”(59).
إن المدقق بعناية- في المقطع الشعري- يدرك أن مساحة البياض لم تكن لها هذا التأثير المشع في سيرورة الدلالات التي تتضمنها القصيدة،نظراً إلى هشاشة الرؤية التي تنطوي عليها القصيدة هذا من جهة، والأسلوب الخطابي المباشر الذي جعل النسق الشعري يجري رتيبا دون تمفصلات تصويرية بارعة أو استعارات مفاجئة من جهة ثانية؛مما أفقد النص أية وظيفة جمالية أو دلالية،سوى الدلالة على ارتباطه بوطنه،وتعلقه به،وعدم انفصامه عنه مطلقاً؛وهذا الأسلوب لم يحرك البياض بمده ليكون عنصراً فاعلاً في القصيدة؛ وهذا العجز سببه ضحالة الرؤيا التي تنطوي عليها القصيدة،ونضوبها من الصور الشعرية الدافقة بالحساسية، والفن، والإثارة. فالشاعر حين يوظف البياض بوصفه مقوماً بصرياً فاعلاً فإنه يحرك البياض ليعبر عن حساسيته وحالته الوجدية بكل ما تنطوي عليه من عمق ووعي وإدراك،وهذا ما نوهت إليه الناقدة خلود ترمانيني بقولها:”إن الشاعر حين يستجدي اللغة،ليعبر عن حالته النفسية الملحة التي يريد تصويرها شعرياً يعمد إلى الصمت، باعتباره جزءاً من الكلام بعد أن عجزت اللغة عن إيجاد لغة مطابقة لعمق الشعور،تهدف إلى رسم صورة متكاملة للموقف الوجداني الذي يعيشه الشاعر”(60).
نخلص بعد هذه التعريجة البحثية إلى النتائج التالية:
1- إن استثمار شعراء الحداثة لهذه التقنية لم يكن على سوية واحدة،فبعض الشعراء أفادوا منها أيما إفادة خاصة في سياقات قصائدهم الدرامية، أو العاطفية، أو الغزلية، أو التشكيلية؛ وهذا يعود- من منظورنا- إلى مقدرة الشاعر الإبداعية ذاتها،وطريقته في تفعيل الإيقاعات البصرية، بما يعمق من رؤية القصيدة، ومردودها الفني.
2- إن فشل بعض الشعراء في استثمار هذه التقنية يعود إلى طريقتهم في التشكيل،وعدم وعيهم بالدور الفني المنوط بهذه التقنية،فيلوذون بالصمت والإغراق في مساحة البياض على حساب السواد الكتابي دون توجيه مخصوص لجوهر الرؤية التي تنطوي عليها القصيدة،فتأتي الفراغات عشوائية لا قيمة لها على الصعيد الفني،وهذا يعني أن التوظيف الفني الناجع لهذه التقنية يرمي- بالدرجة الأولى- إلى تفعيل الرؤية وتحريكها من الداخل، قبل الشكل الخارجي عبر الأشكال البصرية والإيقاعية المفتوحة،وهذا ما يجب إدراكه في أثناء عملية الصوغ الشعري،وترسيم الحالة الشعورية من عمق المعاناة وزخم التجربة.
3- إن سبب نجاح الكثير من شعراء الحداثة في توظيف هذه التقنية يعود إلى حنكة الشاعر الإبداعية ذاتها؛ولا علاقة لها بما سواها،صحيح إن تفنن البعض في التشكيلات البصرية قد أغنى فضاءات قصائدهم بمعين إيحائي فني زاخر من الفاعلية والتأثير؛ لكن الكثيرين منهم قد أفادوا منها بشكلها الفني التقني المطلوب، هذا الشكل الذي ينبع من الحس الشعوري الداخلي الذي يراود الشاعر لحظة التشكيل الشعري،مما يعني أن شعور الشاعر الداخلي قد يتحكم في المسارات البصرية في القصيدة،من توزيع (البياض/ والسواد)، وعلامات الترقيم،محققاً بذلك دلالة فنية وبلاغة بصرية لا محالة.
وبعد، فإن حساسية كل من الشاعر والمتلقي هي التي تحدد نجاح هذه التقنية، إذ إن النص الشعري الحديث الموفق فنياً هو الأقدر على تفعيل إيقاعاته البصرية من غيره؛ لأن الإفرازات الإبداعية تتضافر فيما بينها؛ مما يغني فضاءات القصيدة،ويزيد من حساسيتها الشعرية،وطيفها الإبداعي.
4- التشكيل البصري وعتبة العناوين:
لاشك في أن العنوان: هو الإشارة النصية أو العتبة البصرية الأولى التي يتلقفها المتلقي، لحظة تلقي النص الشعري؛ولذا؛ فإن للعنوان خصوصيته ومقصديته كذلك التي من خلالها يتوخى الشاعر إثارة رؤية ما، أو موقف شعري معين،يمكنه من استعادة لمحة شاملة للمتن الشعري،بإشارة نصية جزئية، قد تدلل على مضمون المتن، بأكمله،ولهذا قيل عن العنوان:(إنه ليس عنصراً زائدأً،وموضوعاً بطريقة غير قصدية)(61) أو دلالة مخصوصة؛ فالشاعر المبدع يوجه العنوان بما يدلل على المتن، ليكون جزءاً لا يتجزأ منه،لاسيما إذا أدركنا أن العنوان هو البصمة التي تسم النص؛وتمنحه خصوصيته التي لا تمحى أو تزول؛ والشاعر المبدع الحق هو من يستقي عناوينه من إيقاع تجربته الذاتية الخاصة، دون محاولة التأثر بأحد، أو التقليد لأحد،خاصة لأولئك الشعراء الذين يغالون كثيراً في زركشة عناوينهم الشعرية،وتزويقها، وبهرجتها الزائدة على حساب بعضها ومضمونها، ودلالاتها الحقيقية، فيكون ثمة هوة واسعة بين العنوان ومضمون المتن ما يؤثر سلباً على النص،ودرجة تلقيه، ومن هذا المنطلق، يتضح لنا:”أن الاهتمام بدراسة عتبات النص، ما هو إلا رد فعل للاهتمام الواسع الذي حظي به النص في النقد البنيوي،وتتمثل أهمية العتبات النصية في التعرف على الأجواء المحيطة بالنص،ومقاصد الشاعر،وموجهات تلقي نصوصه”(62).
ويعد العنوان أول العتبات النصية التي يمكننا الولوج من خلالها إلى المتن الشعري؛ لأنه الإشارة البصرية الأولى، التي تبثها القصيدة إلى القارئ،موجهة بصره إلى مضمون المتن؛ وبتقديرنا: إن العناوين الموحية المؤثرة غالباً ما يستقيها أصحابها من داخل متون قصائدهم،ليشكل المتن والعنوان كياناً نصياً متماسكاً لا ينفصم، وهذا ما جعل الكثيرين، منهم ينحرفون صوب اختيار عناوينهم من متون قصائدهم، لئلا يكون ثمة هواة واسعة بين العنوان والمتن الشعري،فيؤثر ذلك سلباً على درجة تلقيه،وإثارته النصية.
ففي قصيدة(ردني مثلما كنت) لشوقي بزيع،نلحظ انبناء القصيدة كلها على شرارة العنوان،ليكون العنوان العتبة النصية الأولى في تلقي القصيدة،ما يدل على شعرية العنوان، وعمقه في إصابة جوهر القصيدة، ومرماها الفني،وللتدليل على ذلك نورد المقطع الشعري:
“”ولدتُ على صورة النهرِ،
بيضاءَ مثلَ النعاسِ
وصافيةً كاعتلال الصنوبرِ تحت المطرْ
ولدتُ على صورة النهرِ،
لكنني مثلهُ
لم يصلني جذوري بفاكهةٍ
غيرَ فوضايَ
أو يمتثل جسدي الغضُّ
إلا لأرجوحةٍ في خيال الشجر
…………………………………………
حينما جئتني
لم أعد مثلما كنتُ
قلبي الأشدُّ نقاءً من الثلج
أضحى عدويِّ
وحول استدارة صدري
تفتح ليلٌ شبيهٌ بمجرى البراعم
في الأرض،
فاخترتُ من فتني
ما يناسبُ كفيكِ
واخترتُ من عسلي
تسعً عشرة شمساً مبللةً
بلعابِ انتظارك،
واخترتُ من عبثي ما أموه فيه اضطرابي
إذا ما رأيتكْ
لم أشأ أن يسألني سائلٌ كيف جئت ومن أين؟
وكيف صيَّرتني امرأةً لم أكنها
ودحرجني عن سرير الطفولةِ
صوتُكْ
لم أشأ أن أحبك…
….
حينما جئتني
صرتُ نهباً لما لا يرى في هبوبكَ
في الدمِ
بئراً لجمر ِتشهيكَ
مجهولة العطرَ و الاسم
تذوي على حين غفلة
سمني كي يكونَ لجسمي بديلٌ
سوى اللمس
أو ردني مثلما كنتُ طفلة”(63).
إن أول ما يتلقفه القارئ- في القصيدة- عتبة العنوان،بوصفها العتبة النصية البصرية الأولى التي تصافح بصره(ردني مثلما كنت) مستهلاً قصيدته بالحديث على لسان محبوبته، كيف كانت نقية صافية،مشرئبة الحس والجمال تفيض غنجاً، ودلالاً، وصبابة، وولهاً بجسدها البض الجميل، كيف تحولت بها من هذا الحال إلى النقيض تماماً،لما جاءها الشاعر بحبه القاتل، ليحول ينابيع البراءة، والسحر، والجمال التي كانت عليه إلى ظلال،أو وردة فقدت زهوها، وأريجها البري إلى التلال، أو غزالة شاردة في مروج الطهر، والجمال،ولهذا، طلب من الشاعر أن يردها مثلما كانت عليه طفلة في أحلامها الوردية،بريئة من أقوالها، بضة في ملمسها الجميل، أو أن يقترب منها دون أن يلامسها،لأنها فقدت بريقها الجذاب من جراء معاناتها في حبه،هذا الحب الذي أضناها وأنحل جسمها، وأرداها حبيسة الدموع، والآلام، والأحزان، ولو تأمل القارئ البناء الفني للقصيدة لأدرك أن العنوان يمثل المحرق الدلالي البصري لرؤية القصيدة، وهنا، أدى العنوان دوراً إشارياً لمضمون المتن الشعري،ولولاه لما انكشفت محاور المتن الشعري، ورؤاه على هذا الوجه الدلالي الدقيق.
وبمنظورنا: إن العناوين الموفقة فنياً هي التي تشي بمضمون المتن، أو هي التي تتأسس على رؤية المتن،لتشكل المحرق الدلالي فيه، أو الجوهر الرؤيوي الذي تنطوي عليه،ولا يهم القارئ بهرجة العناوين مهما وصلت إليه من الافتتان والجاذبية، إن كل ما يهمه في نهاية المطاف أن تؤدي العناوين دلالتها مع مضمون المتن ومحرقه النصي.
وقد يقوم بعض شعراء الحداثة- على نحو ما أشارت إليه الباحثة خلود ترمانيني- إلى استخدام العناوين الجزئية في تضاعيف النص الشعري الحديث،(64) بغية تقسيم الرؤية الشعرية على جرعات بما ينسجم ومضمون القصيدة، ومحرقها الدلالي، لتشكل هذه العناوين الجزئية المغزى الكلي للقصيدة، أو المغزى الإجمالي الذي تتضمنه، ففي قصيدة(تسع نهايات) لفايز خضور نلحظ أن الشاعر يقسمها إلى تسعة مقاطع، تبعاً للنهايات المقصودة أو المتوقعة؛ ففي كل مقطع من مقاطعها يمثل نهاية ما يرمي إليه الشاعر،وللتدليل على ذلك سنختار النهاية الأولى والتاسعة،كما في قوله:
(1)
” محتقباً دستور الهيبة،يعبرُ بي:
يملك وعياً أنظفُ من أوردة الفقهاء.
ويحفظ في جعبته أسرار الأشياء
ويتقنُ إبداع الآلاء….!!
يلعنُ أول قافلةٍ
شبعتُ من قيحِ النفط
ويرجم آخرَ قافلةٍ،قبلتها الصحراءْ………
لا يرهبه أحدٌ.. لا يستعصي أحداً.
لا يقبلُ في جمهوريات الثورةِ
غير النسوةِ البسطاءْ!!.
(9)
لجوجاً أسائلُ، في جبروت الهلاكات
عن طاقةٍ لا حتمال البقاءْ،
وأذكرُ في مهرجان الطلاقاتِ
أنا” خسرنا معاً،واحترفنا الشقاء”
وأعرفُ منذ البدايات.
أنا خسرنا رضا الله والولدين
وقبلاً خسرنا رضا الأصدقاءْ
(لتكمل دورتها الأرضُ،
لابد من قاب قوسين
تنطبقان على واحةٍ من دماءْ”(65).
إن أول ما يلفت انتباه القارئ إلى مضمون العنوان(تسع نهايات)، ليتابع ،بتشوف وتشوق ما هي هذه النهايات؟ وكيفية حدوثها؟ وآلياتها الفعلية؟ وما مقصوده منها؟ وكيف تنطوي عليه في مشاهدها الحسية/ البصرية للقارئ؟!!، لكن سرعان ما يدرك القارئ من مطالعة مضمون المتون أن هذه النهايات ليست نهايات ملموسة، أو محسوسة،وإنما بدايات مفتوحة؛واحتجاجات ثورية صارخة على الواقع العربي المتردي بالفساد، والجهل، والاستغلال،وما ران عليه هذا العصر من قرون طويلة سالفة من دموية،وسلب، وفساد،واستغلال وسفك للدماء،ففي المقطع الأول أو النهاية الأولى-كما أسماها- يحتج الشاعر على التعاليم الفقهية اللامنطقية التي يدلي بها الفقهاء وتجار الدين وأحكامهم الظالمة،كما يحتج كذلك على أولئك الذين يتاجرون بدم الفقهاء وقوتهم ويخص بالذكر تجار النفط(تجار الخليج) الذين يأكلون الأخضر واليابس،ولا يتركون لقمة عيش واحدة للبسطاء والفقراء، معلناً ثورته وصرخته الاحتجاجية العالية على كرسي الزعامات الموهومة،ويحدد رجال ثورته من النسوة والبسطاء والفقراء، وهذا دليل نهايته الأولى- بداية – إشعال فتيل الثورة، والاحتجاج للتحريض والوعي، والحث على المقاومة والتضحية ضد ملكوت الظلم، أينما كانوا في كل عصر وزمان ومكان.
أما في مقطعه الأخير(النهاية التاسعة)فقد جاء رديفاً للمقطع الأول في رؤيته الاحتجاجية الصارخة؛ ليفتح دائرة الاحتجاج على مصراعيها،معلناً ثورته على كل أشكال الجهل والظلم والتخلف،ومظاهره الدموية الفاسدة أياً كان مرجعها ومسببها الوجودي،وذروة احتجاجه وسخريته تبدت في أن حركة الأرض لا تدور في رحاها إلا على جثث الأبرياء ودمائهم الطاهرة؛وهذا دليل احتجاج الشاعر على أن العالم لا يدور دورته إلا على إراقة الدماء،وانتهاك حقوق الأبرياء،وبهذا، تتعاضد النهايات أو الفواصل الختامية جميعها، لتؤكد عنصر المقاومة، والثورة، والاحتجاح، وهذا التنظيم للمقاطع وفق نهايتها جذب المتلقي بصرياً إليها ،مشدوهاً إلى متابعة أشكال هذه النهايات وتجلياتها في كل مقطع فيها؛ لكنه في النهاية وقع تحت صدمة العنوان،وما أثاره من فتنة للقارئ، بصرياً ورؤيوياً من خلال ما وشى به كل مقطع من مقاطعها،دون أن يقف على نهاية محددة، أو رؤية متكاملة واضحة سوى ما أشرنا إليه.
وفي قصيدة( لاتغازلوا الأشجار حتى نعود) لعز الدين المناصرة نلحظ أن الشاعر يعتمد فيها تقنية العناوين الفرعية؛وقد أطلق عليها مصطلح(توقيعات)، وتحت كل توقيعة اختار عنواناً فرعياً يناسب التوقيعة التي ينطوي المتن تحتها،وقد قسم التوقيعات إلى تسعة عشرة توقيعة،تنطوي كل توقيعة على رؤية جديدة،ومشهد شعري جديد، معتمداً ترقيم التوقيعات من(1-19) كل توقيعة بمسميات جديدة تناسب وجهة القصيدة،وتنوع رؤاها الشعرية،وللتدليل على ذلك فقد اخترنا التوقيعات التالية:
“2- تدفئة:
ما لزفير الثلجِ،يهددنا بالقتل
نحنُ الأعراب،قدمنا من رمل النار،
نجلس خلف النوافذ،عند أقدامك يا أبيض
نتلذذ بالمارة في طرقات الزمهرير
ونهتف قرب التدفئة
سبحان التدفئة.
*************
3-اندماج
ياشجرة المنفى، إنني لا أنوي الإقامة
لكن البرد شديدٌ جداً،ضميني بين فروعكِ،
حتى ارتاح،
أدخلُ في جوهركِ الصلب، أمتزج مع الترائب،
آخذكِ، أمضي مع الريح
شجرةُ المنفى، يا شجرة المنفى
أقدامهم أصبحت جذوراً في الهواء
نبيذهم دماء..
دندلوا سيقانهم بطمأنينة،عند حافةِ البركةِ
أنا لا أنوي الإقامة
سأظلُّ على الخط الأبيض
مثل أهل الأعراف…!!!
18- عروس البحر
وددتُ لو أستطيع، أن أنقلَ مدينةَ الحرائقِ،
إلى مدينةِ الحدائقْ،
كي ترجعي بيروتْ
لا تغازلي الأشجار.. حتى أعود
فأنا ضالعٌ في مؤامرة الحنين الأبدي”(66).
إن المدقق- في العناوين الفرعية- لهذه التوقيعات يدرك تنوع الرؤى جميعها،لتصب في خندق واحد(خندق النفي والاغتراب)،وخندق(الموقف الإنساني النبيل)و(المعاناة الوجودية)؛وهذه التوقيعات انطوت تحت مسميات عدة منها(تدفئة- اندماج- عروس البحر)، وهذه العناوين الفرعية لا تنتمي إلى المتن النصي بصلة، إذ إن العنوان الأساسي الذي حملته القصيدة(لا تغازلوا الأشجار حتى نعود) نراه يتردد في التوقيعة الثامنة عشرة تحت مسمى موازٍ للمسمى الأول ،وهو(لا تغازلي الأشجار حتى أعود) بنقل الخطاب من جمع الذكور المخاطب إلى المفرد المؤنثة المخاطبة،وهذا يعني أن العنوان الرئيس تغلغل في المتن النصي، بإحساس شعوري التحامي بين الإيقاع البصري للقصيدة/ والإيقاع الدلالي لها،وهذه العناوين الفرعية لم تحدد طول المقطع أو قصره نهائياً،فقد يطول المقطع ويقصر،تبعاً لإحساس الشاعر وحجم الموجة التأملية أو الدلالية التي ينوي بثها، أو تأكيدها في تضاعيف متونه الشعرية،ولذلك، نجده يضع تحت كل مسمى رؤية جديدة،ومدلول جديد: ففي التوقيعة الأولى مثلاً- الموسومة ب(تدفئة) يجسد الشاعر معاناته في بلاد الغربة من قساوة الطقس وبرودته،فيزداد وقع الأسى عليه،وقراسة البرد،فيسبح بالتدفئة بدلاً من تسبيحه بالله، لشدة المعاناة والمكابدة من زمهرير الشتاء وجهامته عليه.
في حين جاءت التوقيعة الثانية الموسومة ب( اندماج) ليعلن من خلالها أنه باقٍ في طريق المقاومة والنضال،ولن يرسخ جذوره في بلاد النفي والاغتراب،وسيبقى صامداً على (الخط الأبيض)،أو المنطقة المعزولة حتى يعود إلى جذوره وأرضه.
أما في توقيعته(عروس البحر) فقد حاول الشاعر أن يؤكد نظرته الإنسانية، وموقفه الإنساني النبيل عبر إحلال السلام وتحويل الأشياء من جفافها وقتامتها وسوادها إلى ازدهارها، وخصوبتها وإشراقها،وقد رمز إلى هذا الإحساس عبر مدينة (بيروت)، هذه المدينة التي هي رمز للجمال، والإشراق، والخصوبة،وهذا دليل- من مطالعتنا لهذه التوقيعات- أنها متنوعة؛ إذ إن كل توقيعة تحمل رؤية جديدة تنطوي تحتها،ولهذا أسماها ب(التوقيعات) ليدل على اختلافها، وتنوع رؤاها؛ولعل ما يلفت الانتباه أن القصيدة السابقة قد استطاعت بعناوينها الفرعية أن تدلل القارئ على اختلاف، رؤاها بحجم الاغتراب والقلق الوجودي والإحساس المأزوم والغربة الداخلية، وهذا دليل أن لهذه التوقيعات أثرها ومدلولها الذي يربطها بالتوقيعات الأخرى،تبعاً للتجربة الشعورية التي يريد الشاعر إيصالها للقارئ ليدرك تنوعها واختلافها عبر هذه التوقيعات، ليحاكمها،كل واحدة على حدة،وينظر من خلالها إلى المتن الشعري وعلاقته البصرية بالعنوان،وهذا يمنح النص طابع الاتساق والاختلاف في آن.
ونخلص من خلال هذه التعريجة البحثية إلى النقاط التالية:
1- إن أغلب العناوين- عند شعراء الحداثة- مضبوطة بعناية،تبعاً لرؤاها ومؤثراتها الوجودية وإيحاءاتها البصرية؛ فالعنوان جزء من النص لا ينفصل عنه،وإن انفصل عنه في بعض الأحيان،فهو لإدراك تنوع الرؤى واختلافها في القصيدة الواحدة،خاصة القصائد المقطعية التي يريد الشاعر من خلالها رسم منحى شعوري معين،فتتنوع الحالات والمواقف الشعورية، تبعاً لاختلاف الرؤى والحالات الشعورية التي تنطوي عليها نفس الشاعر من قلق أو اغتراب، أو انكسار شعوري عميق، فيأتي العنوان متشظياً إلى عناوين فرعية متنوعة، تبين طبيعة هذه الحالات واختلافها من مقطع إلى مقطع آخر،ومن قصيدة إلى قصيدة، ومن مجموعة شعرية إلى مجموعة شعرية أخرى,
2- 2- إن الإيحاء البصري للعناوين-في القصائد الحداثية- يتبع طريقة تنظيمها للمقاطع بما يمثل رؤيتها وشمولية المتن لما يشي به العنوان من دلالات وإيحاءات؛ فالعنوان يتبع المتن في حالات، وينافره في حالات أخرى،وفقاً لوجهة نظر الشاعر،وطريقة نقله لتجربته،وما يريد أن يبثه للقارئ من إضاءات تدلل على المتن الشعري، أو تجعل المتن نائياً عن العنوان ،منفرداً بدلالته،ويبقى العنوان ليس إلا إشارة ضحلة لا قيمة لها في السياق النصي.
3- إن المرجعية الإبداعية الواعية والمقصدية الفنية الدقيقة هي التي تحدد نجاح العناوين، أو فشلها في تفعيل القصائد الحداثية بصرياً ودلالياً؛ فالعنوان الذي يشي برؤية القصيدة من جوهرها ومحرقها الفني، هو الأكثر التحاماً بالقصيدة،وأبلغ مقدرة على تعميق رؤيتها من العناوين الفرعية الأخرى التي تبقى لصوقات اسمية لا قيمة لها على المستويين البصري/ والدلالي.
4- إن العناوين- في أغلب قصائدنا الحداثية- قد تلعب دور المنظم، أو الدينامو المحرك لإيقاعات القصيدة البصرية والدلالية،ولهذا، يدرك الكثير من شعراء الحداثة أهمية العناوين في تفعيل قصائدهم،فيختارون منها ما يلاءم تجربتهم من داخلها،ولا علاقة لها بخارجها، فتأتي عناوينهم غاية في الدقة والإشراق والتفعيل الجمالي لفضاءات قصائدهم الشعرية على المستويات كافة.
5- إن فشل العناوين- عند شعراء الحداثة- لا يدل على فشل القصيدة؛ فالعنوان هو اللمعة الخاطفة التي تجذب المتلقي إليها، لكنها لا تحدد على الإطلاق نجاح القصيدة، وإنما تكتسب القصيدة زخرفها الإبداعي والبصري إن أحسن الشاعر في اختيارها.

6- التشكيل البصري وعلامات الترقيم:
إن لعلامات الترقيم أهمية قصوى في خدمة المنحى الدلالي البصري للقصيدة الحديثة، خاصة إذا أدركنا أن القصيدة الحديثة استعانت بالإيقاعات البصرية أكثر من الإيقاعات الصوتية في تأسيس شعريتها، مما يدل على أهمية هذه الإيقاعات في شعرنة القصيدة، وتبئير دلالاتها،وهذا يعني:” إن علامات الترقيم دوال بصرية تتفاعل مع الدوال اللغوية في إتمام المعنى،وإنتاج الدلالة،وتنظيم المفاصل المهمة في الخطاب الشعري”(67).ولذا، لاغرو أن يتوجه إليها الشاعر مفعِّلاً إيقاعات قصائده،بدوال بصرية تساعده على تقسيم المعنى إلى مفاصل رؤيوية،تكون مساعدة للقارئ على إدراك أبعاد الجملة وموحياتها ومؤثراتها الفنية،ومن هذا المنطلق” تعد علامات الترقيم من أهم الخصائص الكتابية في تحديد مفاصل النص الشعري الحديث،واستكناه مواطن الإثارة و الشعرية فيه،ولذا، أصبح ضرورياً على أي متلقٍّ للنص الشعري الحديث أن ينظر في أمر الكتابة،وطريقة رصّ المفردات،وتشكيل الكلام على الصفحات الشعرية،وذلك بعد أن اعتمد الشاعر العربي الحديث على كثير من الخصائص الكتابية في إنتاج النص الشعري الحديث،وهذا ما لم يكن معروفاً لدى الشاعر القديم الذي يهتم بالخصائص الكتابية بقدر اهتمامه بالخصائص الشفاهية،فكان يعنى بالفصل والوصل،والتقديم والتأخير،والحذف والذكر، والتكرار، لإحداث الأثر الصوتي من خلال الإلقاء الشعري،ومع ظهور شعر التفعيلة، وتراجع دور الإنشاد والسماع فيه صارت الحاجة ماسة إلى التعويل على الخصائص الكتابية المتمثلة في تشكيل المفردات والجمل الشعرية على الصفحة الشعرية تشكيلاً خاصاً يعتمد علامات الترقيم في تحديد نقاط الوقف والحركة في الجملة الشعرية”(68).
وبتقديرنا : إن علامات الترقيم تسهم في إيقاع القصيدة صوتياً وبصرياً؛ فهي تؤدي دوراً إيقاعياً يحايث الدور الذي تلعبه نبرات الصوت في تفعيل الإيقاع الداخلي للجمل الشعرية، أي أن علامات الترقيم تؤدي دور النبر الصوتي في تحريك إيقاع الجملة، على نحو ما أشارت إلى ذلك خلود ترمانيني بقولها:” إن علامات الترقيم تقوم مقام نبرات الصوت التي تفسر الأسلوب التعبيري الذي يحاول الشاعر إيصاله، ويحاول القارئ رصده، ومن هنا، فإن جملة الاستفهام تختلف في نبراتها عن جملة التعجب،والفاصلة تختلف في دلالتها عن الفاصلة المنقوطة، والنقطة الواحدة تختلف عن النقطتين، أو النقاط المتعددة، ويمكن القول: إن معظم القصائد الشعرية تتضمن علامات الترقيم بكثرة حتى إنه قلما تخلو قصيدة حديثة من علامات الترقيم”(69)هذه العلامات التي تمثل فواصل دلالية كاشفة عن مواطن الإثارة والاستثارة في النص الشعري.
وربما أن الشعر العربي الحديث يرتكز على المثيرات البصرية في تحفيز لغته؛ فهذا يعني أنه يعتمد علامات الترقيم بؤرَ ارتكاز بصرية في تفعيل الجملة الشعرية، لتدرك بتمامها البصري، وإيقاعها اللغوي،ذلك””أن الشعر العربي الحديث يستمد تقنياته الإبداعية من انحرافاته الأسلوبية التي طالت معايير البنى الموسيقية، واللغوية وصولاً إلى الشكل البصري للنص. كما أن طبيعة الشعر العربي الحديث تنشد الإفلات من القيود المؤسسة المرعية،مما يعني أنه لا يرغب في تحمل المزيد من القيود والمعايير مثل علامات الترقيم. لكن الشعر العربي الحديث استدرج علامات الترقيم لخدمة منحاه الإبداعي التجاوزي، وعاملها معاملة الدوال اللغوية،وذلك بشحنها بدلالات ووظائف جديدة تحيد عن المألوف في دلالاتها ووظائفها”(70).
ووفق هذا المنظور؛ فإن علامات الترقيم تختلف مؤثراتها ودرجات إيحاءاتها في الجملة الواحدة، تبعاً للسياقات الجديدة التي تدخل في تركيبها،فقد يكون لها دور إيجابي في بعض السياقات،وذلك حين تدخل في صلب الدلالة ومحرقها البؤري الذي يغذي الرؤية الشعرية،وقد يكون لها هذا الدور حين لا تتجاوز سياجها البصري إلى الدلالي والرؤيوي للقصيدة.
وبالنظر- في فاعلية توظيف هذه التقنية في الشعر العربي الحديث نلحظ الاستخدامات التالية:
1) علامات الترقيم بوصفها دوالاً لغوية- بصرية محركة للطاقة الشعرية:
ويندرج تحت هذا النمط مختلف الاستخدامات الفاعلة التي تحرك طاقة القصيدة الشعرية فنياً وجمالياً،من حيث الفاعلية،والإيحاء،والتأثير؛وهنا، تتجاوز علامات الترقيم شكلها البصري،لتدخل في صلب تكوينها وإنتاجها الشعري، وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري لنزيه أبو عفش:
” من أجل هذا أتيتُ يا سيدي
من أجل الأحلام أتيتْ!!
من أجل سعادة القلبِ التي تجعل الغريب يبكي
من أجل هذا أتيتْ………….
………………………………..
جئتُ أطهر تعاستي بالدمعِ
وأرقع ثوبَ حياتي بالأحلامْ
جئتُ .. أواصلُ حياتي بصمتْ..
متكئاً بمرفقي على طاولة صغيرة في زاويةِ مقهى
أكتبُ الرسائلَ والأشعار…
وأقاومُ الندمْ؟…
ألعنُ الطغاةَ والضجرَ
وأحابيلَ الحياةْ..
وأحنُّ إلى بلادٍ ضاريةٍ لا أتمنى..
حتى أن أموتَ قيها”(71).
إن أول ما يلحظه القارئ- في هذه القصيدة- هيمنة علامات الترقيم عليها، بوصفها دوالاً بصرية، تحرك سيرورة الدلالات،وتسهم في إنتاجها؛ فالشاعر يعيش حالة من عدم التوازن/ أو التوتر بين إيقاعين متداخلين: (إيقاع تطهيري) يحاول الشاعر فيه أن يؤسس عالمه الوجودي بالأحلام والآمال، مطهراً واقعه من ثوب التعاسة، والرجاسة، والألم،و(إيقاع تأملي متصدع) يرى فيه العالم يخيط ثوب تعاسته ومصيره المأزوم،عبر مفاسد الظلم وأحابيل الطغاة الذين دنسوا الوجود،وقتلوا معالم الحياة، وبراءتها بحبال غيهم وضلالهم وظلمهم المقيت،وقد اعتمد الشاعر علامات الترقيم ليست بوصفها علامات أيقونية بصرية أو زخرفية للقصيدة،وإنما بوصفها “إيقاعات دلالية تبث إيحاءاتها الدالة على هذين الإيقاعين عبر علامات الاستفهام، والتعجب، والنفط، والفراغات بين الأسطر؛ إذ إن الشاعر بعد كل فراغ يفتح مساحة من التأمل والتملي البصري للشكل اللغوي الجديد؛ ليعي المتلقي أبعاد الجملة، ومظهرها البصري،كما في قوله:) جئت أطهر تعاستي بالدمع، وأرقع ثوب حياتي بالأحلام)؛ فالشاعر ترك فراغاً- مساحة من البياض،ليتأمل المتلقي ملياً في الدلالة البصرية واللغوية للفعل( أطهر)، وما يحمل في طياته من حركات، وأفعال، ودلالات، ويلحظ القارئ أن الشاعر أراد -بهذا المد البصري النقطي- أن يترك المساحة مفتوحة، لأن الشاعر لا يريد فقط أن يطهر الوجود بأكمله من التعاسة،ويبني عالماً مليئاً بالخصوبة والأحلام والأماني الجميلة،وإنما يلعن فيها كل الطغاة والمجرمين الذين ضيعوا الوجود، وقتلوا حيوية الحياة وصفاء الكون،وإن الشاعر بهذا المد البصري جعل مساحتها الدلالية مفتوحة،وهذا ما ينطبق على باقي العلامات البصرية في القصيدة.
ولو تأمل القارئ سيرورة علامات الترقيم،وما تبثه من إيحاءات ودلالات لأدرك أن الشاعر يعبر عن حالته النفسية التي تعتصر ذاته بالفراغات وعلامات الترقيم؛ وهذا ما نلحظه في قوله:(جئت أواصل حياتي بصمت)،إذ وضع الشاعر ثلاث نقط متتالية،دلالة على حالة الانقطاع والصمت،وكأن مواصلته للحياة مواصلة شكلية متقطعة لا نبض فيها ولا حياة، ولهذا أردفها بالنقط المتتالية،دلالة على التأزم الداخلي، والجمود المقيت الذي يصل حد التحجر، والتصحر،والانغلاق،وهذا ما نلحظه في قوله:( لا أتمنى حتى أن أموت فيها)، حيث وضع الشاعر نقطتين بعد فعل التمني،دلالة على الغصة الحارقة والانقطاع الخانق الذي يعتصر ذاته في الرغبة أن يموت على أرض محايدة لا يكون فيها ظلم ولا استغلال. وكأن هذه الرغبة مجرد أمنية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع،وهذا ما جعله يعززها بالفراغات، والنقط المتتالية دلالة على عدم إمكانية حدوث هذه الرغبة على الإطلاق في هذا العالم الموشح بالمظالم،والمفاسد، وأحابيل الخداع والضلال،وتبعاً لهذا،نؤكد أهمية قول الناقد شوقي العنيزي في هذا الخصوص:”إن الكتابة المعاصرة- من هذا المنظور-كتابة واعية بذاتها، أي بكونها لعباً فنياً،قوامها التجريب، والإقامة في مفترق التأويلات،تتوق إلى تأسيس النص المغاير والمختلف عما خطه السابقون،فتضرب بعيداً في دروب المغامرة والإبداع،تتوسل باللغة فإذا هي خائنة خوانة، كلما حسب الكيان أنها تقوله، وتتكفل بالعبارة عنه أنكرته وغالطته،ولذلك كثيراً ما يعزف عنها الشاعر، ويستعيض ببعض العلامات اللغوية، فيعمد إلى استثمار البياض بأدوات التنقيط بمختلف أشكالها داخل النص،فيحذف جملة من الأحداث، لتعتيم الدلالة،أو يكف عن تعديد جماع التفاصيل، والجزئيات الصغيرة التي تثقل كاهله،ويلوذ بالصمت، وكأن هذه التفاصيل متعددة إلى غير نهاية، أو كأن اللغة نفسها عاجزة عن الإحاطة بها”(72).
وهنا، تأتي علامات الترقيم لتؤدي دلالات قد لا تؤديها اللغة ذاتها،في توجيه الدلالات بأبعاد نفسية متغورة في باطن الشعور لدى الشاعر، أراد الشاعر أن يتركها مفتوحة كانفتاح رؤاه،وتوتر أحاسيسه الداخلية واحتدامها،فيلوذ إليها تنفسياً عما يعتصره من جراح، وآلام، وتطلعات،ورؤى مكثفة لا يستطيع تحقيقها، فيتركها في حيز الفراغ أملاً في تحقيقها.

2- علامات الترقيم بوصفها دوالاً أيقونية محفزة للصور التشكيلية:
ونقصد ب(علامات الترقيم بوصفها دوالاً أيقونية محفزة للصور التشكيلية): علامات الترقيم التي تتخذ أشكالاً بصرية أشبه ما تكون بالأيقونات البصرية التي تدخل في تظليل الصور الشعرية،فتمنحها ألواناً، أو طيفاً لونياً ساحراً، يزيد المشهد الشعري إضاءة، وإشعاعاً جمالياً،وينعكس بظلاله على القصيدة التشكيلية،فيمنحها ألقها الجمالي،وإشعاعها الدلالي.
ولعل لجوء الشاعر المعاصر إلى هذا النوع من التشكيلات البصرية في بنية القصائد التشكيلية،مرده زركشة القصيدة،وتحقيق مظهر إبهارها الفني، إن على المستوى البصري،وإن على المستوى اللغوي،لتثير المتلقي -على هذا التكامل الفني- بين البلاغة البصرية والبلاغة اللغوية التي تؤدي إلى تكامل المشهد،وتحفيزه جمالياً، وللتدليل على ذلك نأخذ قصيدة( صغيرة،كبيرة علي) لشوقي بغدادي، إذ يقول فيها:
“صغيرةُ عليَّ؟!
كبيرةٌ علي؟!
أيهما أنتِ إذا حدقت في عيني
فذاب عني الثلجُ
فاشتعلتُ
فانطفأتُ
فاختبأتُ خلفَ أصغريَ؟
ومن أنا
إذ أخلقُ الجنةً
من خلال رنةِ الهاتفِ
والصدى النائي
لزرقةٍ واعدةٍ
في صوتكِ الطفليِّ؟!
إذ يرجعُ الشريطُ
نحو أول الأشياء في ثانية
كأنني الآنَ أفضُّ
عن مغارةِ النبيِّ؟!!
كي أختلي بمن تقول لي: اقرأني!!
فلا أسمعُ إلا صوتها القدسيّ
وصهلة المهرِ الذي كنتُ
ولمعةَ السرابِ صار واثقاً
يرشني بمائه الخفيّ”(73).
هنا، تظهر علامات الترقيم تشكيلاً بصرياً مصاحباً لحركة الذات، والإحساس الداخلي المصطرع الذي تضج به الذات بين أفول سنوات الشباب،وسرعة انقضائها، والحلم باستعادة الحيوية والنشاط والقوة كما كانت عليه حاله في مرحلة الشباب؛ فالشاعر، إذاً، يرسم لوحة بصرية تشكيلية لبانوراما الأحاسيس الداخلية المصطرعة بين حالتين متناقضتين:( الإحساس بالعجز والهرم والتقزم الداخلي)،و(الإحساس بالنضارة،والقوة،والإشراق الروحي) الذي يخوله أن يعشق،ويتيه صبابةً،وتهياماً،ووجداً؛ وهذه الاصطراعات والتوترات الداخلية تبدت منذ البداية:( صغيرةٌ عليّ؟!!/ كبيرةٌ علي)؛ فالشاعر ينظر إلى فتاته نظرة عجز،ونظرة تأمل منكسرة،قاصرة عن نيل مبتغاه، فإن نظر إليها من ناحية السن وجدها صغيرة عليه، لأن البون شاسع بين نضارة العشرين،ومن تجاوز في عمره الثمانين، وإن نظر إليها من ناحية القيمة،والخصوبة،والجمال فإنها كبيرة عليه، لأنها تمثل قمة النضارة، والزهو، والخصوبة، والإشراق، في حين يمثل [هو] قمة الهرم،والشيخوخة، والتقزم،والضعف؛ وهذه الأحاسيس اتسعت رقعتها في خلق التوتر الماثل في حركة الصور كلها،كما في التوترات التالية:[اشتعلت/ انطفأت]،و[كبيرة/صغيرةٌ]،و[الصدى النائي/والزرقة الواعدة]،ومن هنا، جاءت علامات الترقيم فاعلة فنياً- بوصفها علامات أيقونية بصرية فاعلة ترسم مسار اللوحة التشكيلية لبانوراما الداخل،والأحاسيس المتوترة المصاحبة لها؛ ودليلنا أن الشاعر أردف فعل القول بنقطتين(:):[ تقول لي: اقرأني] أراد أن يترك هذا الفاصل،ليوجه البصر صوب الفعل (اقرأني)،وأهمية هذا الفعل- بالنسبة- لتشكيل اللوحة الغزلية،والأثر الذي سينتجه هذا التخصيص، والبروز البصري لحركة الفعل،وكأن الشاعر أراد أن يظهر من خلال بروز الفعل صوت ذكورته المصطهج في داخله،وصوت الأنوثة الذي يذوب غنجاً، وخصوبة في حركة أنثاه،ولهذا، جاءت القصيدة بعلاماتها البصرية بانوراما اصطراعية لحركة الذات الداخلية وتوترها،وحركة النص البصرية وأيقوناتها الفاعلة في تحريك موجاتها الشعورية،وهنا
:” يتجاوز الشاعر من خلال علامات الترقيم المسار الإيقاعي المتوقع، إلى مسارات معينة يريد الشاعر أن يعبر عنها، فيتوقف أمام كلمات معينة، أو يتحرك في مواضع أخرى،فتتمازج اللغة الشعرية بفكر الشاعر، ويتجلى الإيقاع متناغماً مع الحالة الشعرية التي يتم تصويرها”(74).
وبمنظورنا:
إن علامات الترقيم قد تتجاوز دورها بوصفها أيقوناتها البصرية لتدخل في صلب الرؤيا،ومبعثها التحفيزي( الدلالي) في النص، لتكون الموجه البؤري لسيرورة الدلالات، كما في المقطع الشعري التالي لعلي جعفر العلاق:
“كنتُ وحيداً
وأمامي البحرُ،
كان البحرُ
مغلوباً
على أمره،
مثل ناقةٍ
تئنًّ،مثلَ امرأةٍ
تحنُّ،مثلَ حيرةٍ
تكبرُ،مثلَ ذئبةٍ
تزأرُ،مثلَ فكرةٍ
تضيءُ،مثلَ قطعةٍ
تموءُ، مثل لبوةٍ
تنهشُ قلبَ
الليلِ
بالأنيابْ”(75).
هنا،تؤسس علامات الترقيم الرؤيا البصرية المركبة للصور الشعرية، حيث تدخل علامات الترقيم بوصفها دوالاً بصرية،مضيئة للدلالة، كاشفة عن التراكب التصويري المكثف الذي يشي بالحالة الشعورية لدى الشاعر بما تنطوي عليه من رؤى،وتهيؤات، وأخيلة،تراود الشاعر في غزلته ووحدته الشاقة القاسية، وهذه الأخيلة المركبة تدل على حالته الكابوسية اليائسة التي وصل إليها، لهذا،يراكم الشاعر علامات الترقيم بكثافة، ويراكم معها كذلك الصور الكابوسية المتتابعة ذات الصيغ اللغوية المتحايثة،على الشكل التالي:[ تئن مثل امرأة../ تحن مثل حيرةٍ../ تكبر،مثلَ ذئبةٍ/ تزأر مثل فكرة/ تضيء مثل قطة/ تموء مثل لبوة]؛وهذه العلامات البصرية ربطت بين إحساس الشاعر الداخلي،والمد البصري للأبيات،فكانت أشبه بأيقونات بصرية تولد الدلالة،وتسهم في إنتاجها،وهي دلالة اليأس والوحشة التي تشي بعجز الشاعر، وانكساره أمام وحدته الخانقة وحالته الشعورية المتقدة،وعلى هذا النحو أسهمت علامات الترقيم في الكشف عن منعرجات الدلالة،لتتجاوز إشارتها البصرية إلى عمق المعنى،وبؤرة الدلالة.
ج- علامات الترقيم بوصفها دوالاً بصرية محرضة للقطات التصويرية والمشهد الشعري:
ونقصد ب( علامات الترقيم بوصفها دوالاً بصرية محرضة للقطات التصويرية والمشهد الشعري): علامات الترقيم التي تدخل في تحريك المشهد الشعري،وإضاءة اللقطات الشعرية، ووضعها في دائرة التفعيل البصري/ أو التملي البصري الفاعل:( المونتاج التصويري الشعري)، أي منتجة اللقطات،وتكثيف حركتها الشعرية في المشهد الشعري البانورامي أوالدرامي،لاسيما في المشهد الشعري الدرامي الذي يضج بالحوار، وتكثيف اللقطات بين الشخصيات الدرامية،عبر تداخل الأصوات واحتدامها،وتكثيف علامات الترقيم،وإبراز حدتها،كما في المقطع الشعري التالي لعلي الجندي:
“ويا موسى…
ماذا نفعل في هذا البلد الموحش،والناس يمرون بوجهك
والعينين الزائغتين.. فما يلتفتون؟
إن عرفوك تغاضوا، أو جهلوك امتعضوا..
تبدو للناس جنازة إنسان مرمي فوق رصيف الدنيا..
… فانفر يا موسى!!
ينهضُ موسى بن نصير من قعدته المخزية،
…………..

يشدُّ بقامته ما ساعده العمر التالفُ..
ويحدقُ قدماً في لاشيء
يجتزُّ من الأشجار المهزوزة غصناً و.. يسيرُ،
يلوحُ بالغصنِ بهمة شاب يتقنُ تلويحَ السيف..
………………….
اقرأ يا موسى
– اقرأ. ماذا؟!!
– إني لا أتقنُ إلا لغة السيفِ
– اقرأ بالسيف، اقرأ بالسيفِ
– اقرأ، اقرأ،باسم الفقراء.
– وتأمل موسى بن نصير من خلال الدمعِ الساطع
قسماتٍ تفصحُ عن أحرفِ تاريخٍ
يولدُ
هلل،
ثم تناول قرآنَ الأوجه وابتدأ تلاوةَ
آياتٍ من مصحفه الآتي”(76).
هنا، تؤدي علامات الترقيم- في المقتطف الشعري- دوراً فنياً لا يقل قيمة ولا أهمية عن دور العلامات اللغوية في تحفيز المشهد الشعري، فالشاعر- بداية- فتح حيز النداء الصوتي لشخصية موسى بن النصير،بأن ترك ثلاث نقط متتالية بعد المنادى:[ موسى]،تدليلاً على رجع الصدى الصوتي؛ لأن مناداته ليست بمناداة قريب،وليست بمناداة بعيد،وإنما مناداة قريب باستحضار البعيد، أو مناداة بعيد باستحضار القريب؛ لأن الشاعر في كلتا الحالتين ينادي(موسى) نداء(الحاضر/ الغائب)؛ لإبراز مشاعر التأسي والأسى،والحزن على ما آلت إليه حاله من ضعف، وهرم، وتقزم، وضعف، فيأسى أشد الأسى على حاله اليائسة:[تبدو للناس جنازة إنسان مرمي فوق رصيف الدنيا]؛وقد حاول الشاعر أن يحرك هذه الشخصية،فاعتمد صيغة الأمر والتعجب في آن، رغبة في التأفف والتقزز مما آلت إليه حاله المزرية،فآثر أن يحرك هذه الشخصية(قولاً/وفعلاً)،فاعتمد صيغة الأمر والتعجب (الإنكاري)( فانفر يا موسى) لتنهض هذه الشخصية من سكونها الذي ران طويلاً،ثم بدأ الشاعر بوساطة علامات الترقيم بوضع الشخصية التاريخية في حيز المراقبة أو التملي البصري( التفعيل البصري)، لرصد حركات هذه الشخصية مشهدياً/ أو بصرياً،عبر عدسة الكاميرا المونتاجية، التي أدت هذا الدور بتمامه علامات الترقيم،بمدها البصري،عبر الفواصل البصرية التي ترصد تتابع اللقطات،وحركتها الفعلية المشهدية التالية:[ينهض موسى من قعدته- يشد بقامته- يحدق قدماً- يجتزُّ غصناً.. يلوح بالغصن- يتقن تلويح السيف]، وهذه الأفعال الحركية يحسب المتلقي أنها وقعت تحت عدسة المراقبة البصرية، أو عدسة (الكاميرا) التي ترصد مظهر هذه الشخصية، ومحدداتها الدقيقة،من هيئة،وشكل، وإحساس، تبدى في الحوار البوحي والتفاعل معها قولاً وفعلاً:[ اقرأ يا موسى- أقرأ ماذا؟- اقرأ بالسيف- اقرأ بالسيف]؛ وهذه اللغة الحوارية أوضحتها العلامة التنصيصية،في بداية السطر الشعري، للتدليل على الشكل الحواري الماثل في الأخذ والرد؛ وهذا ما قامت به العلامة التنصيصية في مدها البصري،وأسهمت- بشكل ملحوظ- في استظهار الحوار بتفاصيله ومجرياته الدقيقة؛ ولا نبالغ إذا قلنا: إن علامات الترقيم – في المقطع السابق- أدت دورها البالغ في توليف اللقطات المتتابعة،ورصد جزئيات الحوار وتفاصيله. لدرجة أن الشاعر اعتمدها أداة موحية في رصد حركات هذه الشخصية والتحولات التي طرأت عليها، من حالة السكونية،والتقزم،والضعف، التي بدت عليه في معظم مساقات القصيدة إلى مساق رؤيوي جديد، تبدى في التشبث بالأمل في تغيير الواقع،والتنبؤ بمستقبل مشرق جديد:[ ثم تناول قرآن الأوجه/ وابتدأ تلاوة آيات من مصحفه الآتي]. وهكذا، أظهرت علامات الترقيم مسارات القصيدة ومنعرجاتها الشعورية من الداخل، ولم يقتصر دورها حيال ذلك،بل قامت في تفعيل المشهد الشعري بصرياً، بوساطة رصد ما تضمره الشخصية في داخلها؛ وما هي عليه من هيئة،وشكل على المستوى البصري، وهذا الدور لا يمكن أن يؤديه الشاعر في تحريك الشخصية مشهدياً إلا عبر علامات الترقيم،بوصفها دوالاً بصرية أيقونية تعزز مشهدية الصورة،وترصد جزئيات المشهد، ولقطاته المتتابعة،وتدلل في الآن ذاته على دراميته، أو بانوراميته، أو حركته المشهدية المكثفة.
ونخلص بعد هذه المنعرجات البحثية إلى النتائج التالية:
1- تؤدي علامات الترقيم أدواراً دلالية مهمة في نصوصنا الحداثية؛ تبعاً للسياقات الشعرية التي تدخل في تركيبها؛ فقد تؤدي تلكم العلامات دلالات بليغة في بعض القصائد،وتغييب دلالاتها عن بعض القصائد،تبعاً لشعرية النص،ورقعته الإبداعية، ودائرة الرؤية الفنية المفتوحة التي يتركها الشاعر في نصه.
2- تقوم علامات الترقيم- في نصوصنا الحداثية- بدور الرابط الموحي لتتابع اللقطات في المشهد الشعري الدرامي أو البانورامي المكثف، فتختلط الأدوار والشخصيات حيال ذلك،وتتراكم علامات الترقيم،بوصفها مفعِّلاً بصرياً لا غنى عنه في رصد تتابع اللقطات الشعرية في تناميها وحدتها البصرية.
3- تكشف علامات الترقيم عن الكثير من المنعرجات الشعورية في بنية القصيدة الحداثية؛ إذ تفعِّل علامات الترقيم دلالة بعض الصور،فتكثف إيحاءاتها ودلالاتها، وتنمي درجة شعريتها،لاسيما في المواقف المحتدمة كالمواقف الدرامية أو المشهدية.
4- لا تفعِّل علامات الترقيم رؤانا ومداركنا البصرية فحسب، وإنما تفعل أحاسيسنا الداخلية حيال تلقي النصوص الشعرية بفعالية فنية وإحساس جمالي؛ فعلامات الترقيم ليست دوالاً بصرية فحسب، وإنما هي قيم بلاغية تساعد المتلقي على رصد منعرجات الذات الشعرية عبر تتابع الفواصل والفراغات،وما تخلفه من دلالات بالغة الغنى والثراء إذا ما استطاع المتلقي فهم كنهها، وإدراك أبعادها الفنية والدلالية الموحية،وهذا يتطلب خبرة فنية وقدرة تأويلية عالية لدى المتلقي.
ثانياً- التشكيل البصري/ و التقنيات السينمائية في لغة الشعر العربي المعاصر:
إن دراسة التشكيل البصري- في لغة الشعر وارتباطه ب(فن السينما) يؤكد أهمية هذا المبحث في الوقوف على التقنيات الجديدة التي دخلت مضمار الشعر العربي الحديث، في واقعه الحداثوي الراهن، وهذا التحول في واقع القصيدة الحديثة فرض عليها أشكالاً جديدة في التعبير،وثقافة معرفية واسعة في طرائق التصوير، فما عادت القصيدة الحداثية تركن للصور الساكنة، أو الصامتة،وإنما أخذت تشتق حركتها من الصور المتحركة ومونتاجها البصري السريع، وهذا ما اضطلعت به السينما من وسائل وطرائق فنية في إبهار المشاهد بصرياً في الآونة الأخيرة، لتلقي المشهد السينمائي،بتركيز واهتمام بالغي الأثر والقيمة والفاعلية،وبهذا المقترب يقول حمد محمود الدوخي:”إن الشعر بوصفه،وجوداً موازياً لوجودات أخرى تقع تحت التأثيرات نفسها لابد أن يفيد من تقنيات الفنون الأخرى،فمثلاً استعار أسلوبي الاسترجاع، وتيار الوعي من الرواية الحديثة،وكذلك استخدم الحوار الوافد من المسرح،على أن أهم تغيير طرأ على القصيدة منذ نشوئها إلى يومنا هو تبنيها لأسلوب المونتاج الذي استحدثته السينما، وهذا الأسلوب الأخير أخذ يتعالق، ويتداخل مع الفنون الأخرى، لما له من أهمية في بنية العمل الفني، حيث أنه يتكفل في أن يؤدي الدور نفسه الذي يؤديه في السينما،وهو عملية(الانتخاب والتركيب) أي إعادة الخلق حيث أن الطبيعة تمده بالمادة الخام فقط”(77).
وبتقديرنا: إن اختلاف تيار الوعي الحداثوي في تلقي الشعر العربي الحديث قد نقل القصيدة من طابعها الصوتي المسموع إلى طابعها البصري الكتابي المرئي؛ وهذا ما جعلها تستعين بالفنون البصرية الأخرى، لتعضيد شعريتها، ولبلوغ مظهرها الأسمى في الاستثارة والتأثير، ذلك” أن انتقال البشرية من التواصل بالمرئي إشارة ورسماً إلى التواصل باللغة تحدثاً وكتابة، أضعف الاهتمام بالصورة المرئية. وقد ظلت الصورة المرئية مهمشة مقارنة مع اللسانيات بسبب القيمة التي منحها الإنسان للكلام، فالتاريخ المعيش للنوع الإنساني يقترح(في البدء كانت الكلمة) إنها تمركزية منطقية حول الخطاب: فاللغة تمجد اللغة،ولم تمجد الإنسانية اللغة إلا لاستيعابها التكوين المرئي للإنسان،وإرثه العظيم من الصور المنتجة في حقبة ما قبل اللغة، بالاعتماد على(عين الخيال) من خلال التجسيد على مستوى البصيرة. ومن هنا، فإن انتصارنا للهامشي/( الصورة المرئية) يؤكد لنا أن بحث الصورة المرئية في الشعر في حقيقته بحث(في وعن) المرئي في المسموع”(78).
ووفق هذا المنظور، استطاع الشعر الحداثي أن يتحدى ذاته،ويطور أدواته الشعرية ليفتح باب البصيرة(عين الخيال)، على باب الحقيقة البصرية(عين الرؤية)، لتكثيف مشاهده الشعرية،وتحريك الصورة من الداخل في مدها البصري وحراكها الشعوري.
وبتقديرنا: إن اعتماد الشعر العربي الحديث تقنية الصورة السينمائية المتحركة،ذات اللقطات المكثفة،قد غذى حيوية الصورة،وعضد درجة تلقيها، ورسوخها في ذاكرة المتلقي الإبداعية ؛ ذلك أن التلقي البصري يغذي القريحة الشعرية،ويعضد الفكرة في ذهن المتلقي، إلى درجة تتمثل واقعاً عينياً مرئياً،وإن بدا المشهد بصرياً متخيلاً.
وبتدقيقنا- في لغة الشعر العربي المعاصر- نلحظ تجليات التشكيل البصري وتقنيات الفن السينمائي عبر مؤثرين متداخلين يدللان على طبيعة التأثر وآليات اشتغالها وفق ما يلي:
1- التشكيل البصري / واللقطة السينمائية:
إن لجوء الشعر المعاصر في تشكيله البصري إلى الصور المتحركة،وبالتحديد، إلى الصور السينمائية المكثفة ذات اللقطات المتتابعة،وهذا ما يسمى ب(البلاغة البصرية)،ونقصد ب( البلاغة البصرية): بلاغة التشكيل البصري للقصيدة الشعرية من حيث تكثيف اللقطات،وبروزها بحراكها الفني،ونبضها الإيحائي؛ ولعل تأثر الشعر باللقطة السينمائية وليد تداخل التقنيات بين الفنون، أو ما يسمى ب(تراسل الفنون)، بحيث تتداخل التقنيات فيما بينها،لتحقيق بلاغتها الإيحائية،وخصوبتها الجمالية، أما مقصودنا ب( اللقطة السينمائية) فهي اللقطة الماثلة على الشاشة أو اللقطة التي تبرز على الشاشة بروزاً تاماً بأبعادها البصرية كافة دون انقطاع، أو انتقال إلى سلسلة الصور الأخرى، أو اللقطات الأخرى،وهي اللقطة المفردة التي تبرز للمشاهد لحظة تلقي المشهد،وقد عرف(تيموثي كوريجان) اللقطة السينمائية بقوله: هي الصورة المفردة التي نراها على الشاشة قبل القطع والانتقال إلى صورة أخرى”(75).
وبتقديرنا: إن تنوع مشارب الشعرية،واختلاف مؤثراتها البصرية قد أدى إلى بروز أشكال جديدة من التقنيات، وأبرزها دخول اللقطات السينمائية إلى حيز الشعر؛ فالشاعر ما عاد يكتفي بالصور الحسية البصرية بطابعها الدينامي، وحراكها الشعوري المكثف، وإنما أراد أن يحركها بصرياً، لتحقق عنصر تأثيرها في المتلقي؛ وهذا ما سنلحظه من خلال تتبعنا للتشكيلات البصرية في الشعر العربي الحديث، بوساطة اللقطة السينمائية أو محايثة اللقطة السينمائية في رسم المشهد وتصوير الموقف الشعري، لنقف على اللقطات التالية:
1) اللقطة القريبة:
ونقصد ب( اللقطة القريبة): اللقطة التي تقترب من المشهد اقتراباً تاماً بحيث تبين أبعاد المشهد بأدق تفاصيله، وكأن الشاعر يقترب بعدسة الكاميرا من المشهد، بحيث يقرب اللقطة لتركز على ملامح بارزة في المشهد كلون الوجه، أو العينين في الشخصية البانورامية التي تدور حولها أحداث المشهد،ويرى كوريجان أن الخاصية الرئيسة للقطة القريبة أنها تنقل المتفرجين لتقربهم من الشخص، أو الشيء المطلوب التركيز عليه،مع استبعاد البيئة المحيطة به خارج حدود الصورة”(80).
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية اللقطة القريبة قصيدة( الخبز والديوان) لجوزف حرب، إذ يقول:
“كنا معاً
ذات مساء
نصعدُ الدرج
ربطةُ خبزٍ
في يده
وفي يدي
مخطوطةُ الديوانْ
وكان
بانتظار خبزه الجميعْ
الأم،والشيخ العجوز،والولدْ
أما أنا،
فليس بانتظار ديواني أحد”(81).

هنا، يقوم الشاعر بتقريب عدسة الكاميرا من المشهد الشعري المراد تصويره بدقة للمشاهد،وهو المشهد البؤري الذي تمحورت رؤية القصيدة حوله، إلا وهو مشهد الشاعر الذي يحمل مخطوطة الديوان في يديه،ومشهد(الرجل الطيب) الذي يحمل ربطة الخبز. ولو تأمل المشاهد هاتين الصورتين، لتمثل المشهد بتمامه،ولأحس قرب المشهد من إدراكه الذهني وتمثله البصري؛ وقد عمل الشاعر- هنا- دور (المونتير/ المصور) في تقريب عدسة الكاميرا،ليرصد المشهد بتمامه عبر إلقاء الضوء على لقطتين متنافرتين أو متضادين:[ لقطة الشاعر وحيداً مع مخطوطته]،و[لقطة الرجل مجتمعاً مع أسرته وحولهما ربطة الخبز]؛ وقد وظف الشاعر تقنية اللقطة القريبة للمتلقي/ لمشاهد المشهد المراد تصويره بدقة، وكأنه عدسة الكاميرا بأبعاده كافة، وهذا دليل أن اللقطة الشعرية تحاول أن تحايث الحياة بواقعها العياني البصري المرئي كما هي اللقطة السينمائية رغم اختلاف كل منهما في طريقة التعبير،وبهذا الخصوص يميز الناقد عز الدين المناصرة( اللقطة الشعرية عن اللقطة السينمائية) بقوله:
“إذا كانت اللقطة السينمائية هي الخلية الأولى- في المونتاج حسب آيزر نشتاين- فالكلمة هي الوحدة الصغرى في اللغة. وإذا كان النص السينمائي مكوناً من مجموعات لقطات فإن النص الشعري مكون من مجموعة مفردات لغوية،وإذا كانت العلاقات بين مجموع اللقطات هي التي تشكل المنظور الجمالي للفيلم فإن العلاقات بين العناصر الشعرية في الشعر هي التي تقيم البناء الجمالي للنص، وإذا كانت الفجوة بين التباينات والتناقضات هي التي تخلق الشاعرية في الفيلم؛ فالأمر نفسه يحدث في النص المكون،الفارق هو في المادة المستعملة،وفي منظور الشاعر،ومنظور المخرج، أي في الخصوصية التي يضفيها المبدع على الإنتاج، فالسينما تحاول بكل الوسائل التشبه بالحياة،وكذلك يفعل الشعر، لكن هذا التشبه بالحياة في السينما ليس انعكاسياً إلا في حالة التشبه الضعيف،حتى لو كان متحركاً، أما التشبه في الشعر بالحياة فهو أكثر تعقيداً، لأنه مليء بالانزياحات عبر الاستعارات،وعبر التشكيل الاستعاري حيث يصاغ المنظور الجمالي العام للنص”(82).
وبهذا الأسلوب المقارن يضعنا المناصرة على دائرة الوعي الفني للأثر الذي تولده اللقطة الشعرية مقارنة باللقطة السينمائية؛ فاللقطة الشعرية تصاحبها الحركة، وخصوبة المشاعر؛ خاصة اللقطة القريبة التي تدلل على المشهد بكامل تفاصيله،وحيثياته الصغيرة،وللتدليل على ذلك نأخذ اللقطة الشعرية القريبة من المقطع الشعري التالي لشوقي بغدادي:
حين شدَّ على أذنها لاعباً
بين إبهامه وسبابته
صرخت،وهي تضحك هاتفةً
– ليس أذني… لا.. تجرب
جميعي طوع بنانك إلا هنا..
وأشارت إلى أذنيها
وها أنذا أشاهدُ
ليس أصدق مني في الوصف
أمهر في الرسم
أجهد كي أتوسل شهقتها
فأراني أقلدها
آه منها التي لا تُقَلَّدُ
لا تسترد
وهي كتدللها ورق أو قلم؟!!”(83).
هنا، يقوم الشاعر بالتقاط صورة حيوية من حيز الواقع الحياتي المعتاد،وهي(صورة فرك الأذن) أثناء المزاح أو اللعب، أراد الشاعر أن ينقلها بعدسة الكاميرا للمشاهد،بكل طزاجتها الشعورية وحراكها البصري،ليبث من خلالها لواعج حبه وإعجابه وتقديره وولعه بهذه الأنثى،واللقطة الجمالية التي التقطها من خلال تدللها ودلعها الآسر،ولو دقق المشاهد في هذه اللقطة لأدرك أن الشاعر قام بداية بتقريب عدسة الكاميرا من أذن فتاته، ثم حركة اليد التي لامستها، أو الشهقة الجمالية التي خرجت من فمها إثر هذه الملامسة،وبهذا الأسلوب التصويري المشهدي التفصيلي، استطاع الشاعر أن يعمق شعرية الصورة،وينقلها من حيز الحس والشعور إلى حيز التمثل البصري أو التملي البصري لجزئياتها،وكأن القارئ أمام مشهد سينمائي أو لقطة سينمائية مجسدة بصرياً. وهذا ما يحسب للشاعر في لقطته القريبة التي حركت المشاعر،وداعبت الأحاسيس كما لو أنها ملتقطة بصرياً أمام عدسة الكاميرا.
2) اللقطة القريبة جداً:
ونقصد ب(اللقطة القريبة جداً): اللقطة التي تقترب من المشهد إلى حد الالتصاق تقريباً،لتركز على جزء يسير منه دون أن تحيط بتمامه، أي تركز على جزء محدد فقط،وهذا ما أشار إليه محمد الصفراني في قوله:
” نعني باللقطة القريبة: اللقطة التي تقترب من الكادر المراد تصويره بدرجة عالية جداً مركزة على جزء محدد منه، كأن تبيِّن تفاصيل الرأس مثل العينين، أي أن اللقطة القريبة بانتقائها موضوعة معينة من الشيء المراد تصويره”(84).
وتؤدي اللقطة القريبة جداً دورها التحفيزي البصري إذا ما استطاع الشاعر إخراجها من دائرة المشهد الروتيني الضحل إلى طابع دينامي حركي مثير، كما في المقطع الشعري التالي لعز الدين المناصرة:
” عمتي آمنة
أخرجت بيضة زائدةً
من ثنايا القميص
لتلك التي طُلِقَت طلقة بائنة
كان يوم خميس”(80).
هنا، يقرب الشاعر- في هذا المشهد- الكادر المراد تجسيده بصرياً، بجعل عدسة الكاميرا ملاصقة له تماماً، لترتسم اللقطة بتمامها أمام عينيه، ببروزها البصري الماثل للعيان،وهو إبراز صورة العمة،وهي تخرج بيضة من ثنايا قميصها، فالشاعر لم يوجه عين الكاميرا على الوجه والشفتين، أو ملامح العينين،وإنما اختار لقطة قريبة جدا،وهي لقطة تفصيلية تركز على القميص والبيضة التي أخرجتها العمة من ثنايا القميص،وقد لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة القريبة جداً لإبراز المشهد المراد تصويره بملمحه البصري العياني المباشر.
وقد يلجأ بعض شعراء الحداثة إلى اللقطة القريبة جداً للتدليل على بانورامية( الصورة) وحركية المشهد على شاكلة المقطع الشعري لجوزف حرب:
“هوى
بعد طلقةِ نارٍ عليهْ
ولم يمتثلْ
رافعاً في الهواءٍ يديهْ
هوى
للشموس يؤدي التحيةْ
فصارت دماه على الأرض
ورداً
وسنبلةً فوقه البندقيةْ”(86).
هنا، لقد حاول الشاعر بمنتجة(بانورامية) تقريب عدسة الكاميرا،وتبعيدها من الكادر المراد تصويره لإبراز درامية المشهد، وحركته البانورامية المفتوحة بصرياً،وذلك بتقريب عدسة الكاميرا من مشهد الشهيد، ليغدو في وضع التملي المطلق للكاميرا ، أثناء سقوطه مضرجاً بدمه، وقد لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة القريبة جداً، ليجسد المشهد بصرياً أمام المشاهد،وكأنه يحدث بعين الحقيقة(الرؤية البصرية) المرئية أمامه، ليتأثر بالمشهد،ويتفاعل معه،مدركاً مأساويته وتراجيدته.
3) اللقطة المتوسطة:
ونقصد ب( اللقطة المتوسطة): اللقطة التي يتم فيها تصوير المشهد من مسافة ليست بالبعيدة،وليست بالقريبة، أي من مسافة متوسطة تقع في منتصف اللقطتين( اللقطة القريبة/ واللقطة البعيدة)،وهذه اللقطة لا تبين كل ملامح المشهد،وإنما معظم جزئيات المشهد، وإن بدت كلها ممثلة بصرياً للمشاهد، لكن حركة الكاميرا تحيط بمعظمه دون أن تلم بعناصره كلها.
ومن أبرز خصوصيات اللقطة المتوسطة أنها تركز على جزئيات محددة من الشخصية، لدرجة تدلل على قيمة بصرية أو موقفية ما تحيط بالشخصية، والمشهد الشعري،ولهذا يرى تيرسن سان”أن اللقطة المتوسطة هي لقطة للجسم أساساً يتم فيها استبعاد البيئة المحيطة به، وبدا يصبح الجسم محور الانتباه،ولهذا، اللقطة فائدتها القصوى عند تطوير العلاقات بين الأفراد، وإن كان ينقصها التركيز النفسي الذي توفره اللقطة القريبة”(87).
وبمنظورنا: تختلف اللقطة الشعرية المتوسطة عن اللقطة السينمائية في أن اللقطة الشعرية لقطة تأمل، وتخيل، أو تساؤل، في حين اللقطة السينمائية لقطة ناطقة، وكأنها حقيقة ماثلة للمشاهد بواقعها المشهدي العياني المباشر.
ومن القصائد الحداثية التي لجأت إلى تقنية اللقطة المتوسطة قصيدة (تشكيلات رعدية) لعز الدين المناصرة،وفيها يقول:
” قال لي: وهو يرشف فنجان قهوته،
يرحلونْ
قال لي- وهو يرفع جبهته للسماء
يغازلُ سربَ النوارس،
مرَّت على جهة البر حيث الرعودْ
سيدي: إن هذي السطوح
لاتشابه قلبي ولا الشجرات
يشابهن سرب البنات
ولا الرسم يشبه وجهي
ولا السوق تشبه سوقي
ولا الزيزفون ولا الذكريات
قال لي وهو ينهي مواعظه القدسية: إني أخاف
أرى أن قلبي وقلبك ،شابا،
وزيتوننا في نشافْ
وأهرقُ من جرحه من حواشي العيون
دمعة في المتون
قال: إني أخاف”(88).
هنا،يجري موقفاً حوارياً مع إحدى الشخصياتـ ولترسيم المشهد بعدسة الكاميرا يقوم الشاعر بتوجيه كاميرته نحو المشهد الحواري فلا يقترب من الشخصية ليبين ملامحها،وإنما يركز على مقولها: إذ لاتهمه الشخصية ذاتها بقدر اهتمامه بمقوله؛ واللافت أن الشاعر وجه الكاميرا صوب بؤرة المشهد،ممثلاً بالشخصية،متتبعاً بعين الكاميرا تفاصيل القول عبر إبراز حركة الفم مشهدياً،إذ ركز عين الكاميرا إلى الوجه للتركيز على عيني الشخصية والفم،لإبراز مقولها الفعلي،وحسها الشعوري المرافق لمقولها،وقد أبدى مشهدياً هذا التأثر، من خلال الدموع التي انسابت من عيونه أسى وحسرة من هول المصير المنتظر،مردفاً بمقوله الجارح:إني أخاف. فالشاعر استبعد كل الجزئيات المحيطة بالشخصية ليركز على مقولها،مما جعل اللقطة ليست بالقريبة،وليست بالبعيدة: (لقطة متوسطة)،وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( اللقطة المتوسطة، ليجسد للمشاهد المشهد الشعري المراد تجسيده بصرياً،محققاَ أقصى درجات التفاعل،حين يرى المشهد بارزاً بروزاً عيانياً مرئياًأمام ناظريه،فيتأثر بالمشهد،وكأنه واقع، أو حقيقي لاشك فيه. وهذا دليل أن اللقطة الشعرية لقطة تأملية تضج بالأحاسيس، لأنها تنقل المشاعر،في حين أن اللقطة السينمائية لقطة عيانية تبرز الحركات أكثر من المشاعر،وبهذا تختلف اللقطة الشعرية عن السينمائية في أن الأولى: تأملية- تخييلية أكثر من كونها واقعية، في حين أن اللقطة السينمائية لقطة حية مبثوثة بحراكها البصري أكثر من حراكها النفسي/ أو الشعوري،وهي –لذلك- شديدة التأثير في المشاهد.
ومن القصائد الشعرية التي لجأت إلى تقنية( اللقطة المتوسطة) قصيدة(لذات غير شعرية) لشوقي بغدادي:
“كنتُ أرقبه
حين جوف كفيه
ثم أكبَّ على النبع
يشربُ حتى ارتوى
كدتُ أشربُ صرختهُ
حين رشَّ البقايا على وجهه
ثم مال إلى الخلفِ يشهقُ
حتى استوى
كنتُ أغبطه وأغمغمُ في خجل
كيف أصنع مثلك ياماءُ”(89)
هنا، يقترب الشاعر في هذا المشهد من الشخصية المراد تصويرها،فيرسم حركتها مراقباً بدقة لقطة الشرب عبر توجيه الكاميرا صوب حركة الكفين،والفم، وانكباب الشخصية لتشرب من ماء النبع،فالشاعر إذاً يوجه كاميرته نحو المشهد،مراقباً تفاصيله الجزئية،بعدسة مونتاجية تقرب المسافة لتبرز ملامح الشخصية من حيث انكبابها على الماء واستوائها في الشرب: بلقطة مونتاجية متوسطة ترسم الحركة بتفاصيلها التامة وبهيئتها الماثلة للعيان،وكأن الشاعر يوجه عين الكاميرا/ أو عين الخيال إلى حركة الشخصية(استواء/ وانحناء) كما تبدو للمشاهد لتمثيل الحركة بتمامها ومثولها البصري الواضح. وقد لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة المتوسطة ليبرز المشهد بمثوله العياني البصري المشاهد محققاً ذروة التأثير عندما يمثل المشهد مثولاً عيانياً واضحاً مما يجعله قريبا من إدراك المتلقي/ أو المشاهد فينفعل به ويتأثر.0
4) اللقطة البعيدة: ونقصد ب( اللقطة البعيدة): اللقطة التي تصور المشهد عن بعد، بحيث تلتقط المشهد بأكمله دون أن تدقق في التفاصيل،وهي لقطة مشهدية تامة تحيط بالمشهد من جوانبه كلها دون أن تغرق في تفاصيله الجزئية،وسميت هذه اللقطة بالبعيدة،لأن الشاعر فيها لا يركز على التفاصيل،وإنما يركز على مختلف أجزاء المشهد مجتمعة،ولهذا”تقترب اللقطة البعيدة في خواصها المميزة من اللقطة البعيدة جداً إلا أنها تتميز بوضوح أكثر لتفاصيل حركة الإنسان وإدراك أقل للبيئة المحيطة به،ويصبح في إمكان المتفرج أمن يركز انتباهه على كل ممثل على انفراد”(90).
وبتقديرنا:
إن اللقطة البعيدة أكثر إلماماً بالمشهد من غيرها من اللقطات،لتعطي إشارة ما أو رؤية بصرية تعبر عن الموقف تعبيراً صادقا وشاملاً في الآن ذاته.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية اللقطة البعيدة قصيدة( تشكيل) لشوقي بزيع،وفيها يقول:
“غيمٌ وشباكان من مطرٍ
وخمس أصابعٍ
في الريحٍ
وامرأةٌ
وسهلُ
لا نسرٌ يأتي كي يذِّهب حزنها
مثل الضفيرةِ في المساء”(91).
هنا، يقوم (الشاعر/ المصور) في رصد المشهد الذي أراد تصويره،فيرصد المشهد بكليته( الغيم- خمس أصابع- امرأة- سهل)؛ وهذه المسميات لا تحيط بهما عين الكاميرا إلا إذا ابتعدت عن الكادر المراد تصويره مسافة ما،لتتضح هذه الأشياء،وتتضح زوايا رؤيتها؛ واللافت أن الشاعر اكتفى بملمح رومانسي عام للمشهد دون أن يحدد زاوية البعد،لأن المشهد كان تاماً وواضحاً،وقد لجأ الشاعر/ المصور إلى تقنية اللقطة البعيدة،ليصور المشهد بتمامه دون انقطاع أو تشويش بصري،وبهذا ، يحقق الشاعر التفاعل الذي يريده من لقطته البعيدة التي تجعل المشهد تاماً وواضحاً في الآن ذاته. وهذا دليل أن الشاعر يمنح الحياة لمشاهده في تمثيله للواقع دون أن يحايثه بتمامه، في حين أن الصورة السينمائية/ أو اللقطة السينمائية تعايش الواقع،ويتحول الواقع فيها إلى شبه واقع؛وتغدو اللقطة صورة مجتزأة من الحياة.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية( اللقطة البعيدة) قصيدة(وليلٍ كموج البحر) لعلي جعفر العلاق،وفيها يقول:
“أرى عبر المدى رجلاً
يسيلُ العودُ في أحضانه امرأةٌ
وودياناً، أرى في الفلوات
العودَ ينهضُ صافياً
حراً
وتخلعُ غيمها امرأةٌ
هضابٌ ينحني
يعلو فحيحُ الماء
تعلو السفنُ الغرقى
وتهبطُ”(92).
هنا، يقوم (الشاعر/ المصور) عن بعد بتوجيه عين الكاميرا إلى المشهد المراد تصويره،موجهاً عين الكاميرا إلى الصور والمشاهد المتفرقة(صورة الرجل/ والعود/ والوديان/ والمرأة/ والسفن)؛ ثم يحاول التغور أكثر في إبراز ملامح المشهد بكليته، عبر حركة السفن الغرقى متتبعاً حركتها،وهي تعلو،وتهبط،تم ترتفع وتهبط بحركة دورانية متناوبة؛وبذلك يتضح مشهد القلق والتوتر الذي يعيشه عبر إبراز هذه اللقطات. وقد لجأ (الشاعر/ المصور) إلى تقنية اللقطة القريبة ليجعل المشهد مرئياً بصرياً بحراكه البصري/ وصخبه الشعوري الذي يراود الذات لحظة المشاهدة؛وهذا دليل أن الشاعر حين يتعامل مع الواقع لا يأخذه عيانياً بشكل مباشر؛وإنما يغذيه بعين الخيال أو عين البصيرة؛مما يمنح المشهد الشعري طابعاً عميقاً لا يغدو المشهد مجرد شكل وجودي سطحي لا قيمة له؛ فهو نابض بالحياة؛ حتى وإن شاكل الحياة، أو تجرد عنها، على عكس الصورة السينمائية التي تأخذ المشهد،وكأنه حي،وصورة ملتقطة، تحايث الواقع بتمامه وكماله.
5) اللقطة البعيدة جداً
ونقصد ب( اللقطة البعيدة جداً): اللقطة التي تصور المشهد عن بعد،بحيث تبتعد عن الكادر المراد تصويره مسافة كبيرة جداً،لتتضح مساحة الرؤيا المكانية لمجريات الأحداث بأبعادها كافة؛ هذا من جهة،ومن جهة ثانية، لتعطي ملمحاً بصرياً شاملاً لأحداث المشهد التي تدور حوله رحى الشخصيات في احتدامها وحوارها الدرامي المكثف؛ وغالباً ما يتم استخدام اللقطة البعيدة جداً في المواقف الدرامية، أو المشاهد البانورامية المحتدمة التي تضج بالشخصيات، والأحداث، والمواقف المأزومة.
ويرى(تيرسن سان) أن هناك ثلاثة أغراض لاستخدام اللقطة البعيدة جداً تتبدى فيما يلي:( الأول توضيح المكان العام لأحداث الفيلم. والثاني: إلقاء نظرة شاملة على ساحة الأحداث أثناء الفيلم، خاصة حين يلزم إدراك حجم معركة معينة،ومدى حدتها. والثالث عندما يكون من الضروري عزل إنسان عن بيئته أي عرض موقف فلسفي بصورة مرئية”(93).
وبمنظورنا: إن اللقطة البعيدة جداً تستخدم لأغراض فنية أبرزها إعطاء نظرة شمولية للمشهد الشعري المراد تصويره، لتمثيل هذا المشهد بكليته أمام المشاهد، لعله يعطي موقفاً معيناً، أو يحدث رؤية ما تؤكد تفاعله مع المشهد،واندماجه معه.
وللتدليل على فاعلية هذه اللقطة نأخذ المقطع الشعري التالي لأمل دنقل:
“رخاوة النعاسِ تغمرُ المسافرينً في قطار الليلْ
.. وفي حقول قريةٍ بعيدةْ
شقَّ السكونَ- فجأةً- عواءُ ذئب.
وانعقدَ الحليبُ في الضروع
وانطلقت رصاصةٌ: فكفتِ الأشياء- بعدها- عن الوجيب
هنيهةٌ ثم استعادتْ نبضها الرتيب
وكانت الليلةُ.. لا تزال مقمرة!! كان النشيد الوطني يملأ
المذياع منهياً برامج المساء
وكانت الأضواء تنطفي.
……………………….
وفي الصباح،والنشيد الوطني يملأ الأسماعْ
كان فراش الحقلِ يبدأ النشيجْ
وكانت الأصواتُ في القرى جنائزية الإيقاع
ورحلةُ الموال في الضلوع تفردُ القلوع
أدهمٌ مقتولُ على كل المروج
أدهمٌ مقتولٌ على الأرض المشاع
وكان وجهه النبيل مصحفاً عليه يقسمُ الجياعْ”(94).
إن المشهد الشعري الذي أراد الشاعر تصويره مشهد مكثف اللقطات،متوالي الحالات، مكتظ بالصور المتلاحقة أو المتتابعة، لهذا، عمد (الشاعر/ المصور) بالابتعاد عن المشهد المراد تصويره مسافة كبيرة جداً، ليأخذ صورة متكاملة/ أو نظرة شمولية على واقع الحدث، أو ساحة مجريات الحدث، لهذا، التقط المشاهد التالية:[ القطار- حقول القرية- عواء الذئب-صوت رصاصة- الأضواء تنطفئ بالتدريج- الليلة المقمرة- أدهم المقتول]، ليجعل المتلقي/ المشاهد يعيش في جو الحدث،وكأنه مجسد بصرياً أمامه بعدسة مونتاجية؛ ترصد مجريات الحدث عن بعد؛ فالشاعر/أو المصور ما أراد من هذه اللقطات المتتابعة سوى أن يسلط العدسة على محرق المشهد البانورامي المشوق أو اللامرتقب،وهو(مشهد مقتل أدهم) وهو ملقى على المروج،وهو المشهد المفاجئ الذي عليه تنعقد باقي اللقطات، والرؤى، والأحداث؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( اللقطة البعيدة جداً)، ليجسد للمتلقي مشهد مقتل أدهم تجسيداً بصرياً يدلل فيه على عنصر المفاجأة والدهشة البصرية أو ما أسميناه ب( عنصر التشويق بالفيلم)، وذلك رغبة في نسج اللقطة البانورامية المفتوحة التي توحي للقارئ بإيحاءات بصرية قمة تجذبه إلى دائرة الحدث والموقف الشعري معاً؛ وهذا ما قصده الشاعر بلقطته البعيدة جداً أن يخلق عنصر المفاجأة والدهشة بوساطة مراكمة اللقطات والأشياء وتوجيه عين الكاميرا على جوهر الحدث ،ممغنطاً بذلك الرؤية البصرية أو الشعرية المقصودة.
6) اللقطة البانورامية المفتوحة:
ونقصد ب( اللقطة البانورامية المفتوحة): اللقطة التي تضج بالحركة، وتتحرك في اتجاهات عدة،لالتقاط المشهد الشعري بكامل أبعاده، ومؤثراته البصرية؛ وسميت هذه اللقطة بالبانورامية المفتوحة، لأنها تحاول أن ترصد المشهد من جوانبه، راصدة حراكه الشعوري واحتدامه المشهدي.
وللتدليل على فاعلية هذه اللقطة نأخذ المقطع الشعري التالي لمحمد عمران
:”كان امرأةٌ من سرابٍ وماءْ
نصفها شجرٌ ليلكيُّ ونصفٌ هواءْ
كانت امرأةٌ من ظلال
ذات صبحٍ بهي
حملتها إلي الغصون الصديقة
فاشتعلت في يدي
واحترقنا معاً في الضحى الذهبي
ثم جاء المساءْ
كانت امرأةً للغناء الخرافي أو للبكاءْ”(95).
هنا،يقترب الشاعر في عدسة الكاميرا من المشهد المراد تصويره بعناية،وقد أخذ صورتين متناقضين لفتاته:( صورة مبتسمة) تمثل قمة الإشراق، والحيوية، والنضارة، وصورة حزينة دامعة تمثل قمة الحداد والحزن،وقد تلاعب الشاعر بالكاميرا راصداً مشهد المرأة في صورتيها المتناقضين، ليترك مساحة الرؤيا مفتوحة على مصراعيها؛ وبمنظورنا: لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة البانورامية المفتوحة ليجسد الحالة المشهدية الجمالية لفتاته في كلتا الحالتين مبيناً جمالها وسحرها وألقها في عينيه.
ومن القصائد الحداثية التي احتفت بمثل هذه اللقطة قصيدة( صوتها ضمة برق فوق نيسان) لشوقي بزيع،وفيها يقول:
” صوتها مئذنةٌ تركضُ في سهلٍ
وحبلٌ من ضباب
يتدلى من وصايا الأنبياء
صوتها العشب الذي يوطأ بالأرواح
والماءُ الذي يرشحُ
من حزن التماثيل
*صوتها ضمةٌ برقٍ فوق نيسان
بقايا فرسٍ تصهلُ
صوتها حبة رمانٍ على صيدا
وسيفٌ أرجواني على صور”(96).
هنا، يصف الشاعر صوت المطربة(فيروز) فيرى فيه كل معاني الخصوبة والسحر والجمال،ولذا تتراءى أمامه صوراً عديدة،ولقطات مكثفة مفتوحة تشي بالتتابع والتفصيل والاحتدام كما في المخطط التالي:
*لقطة أولى(مئذنة تركضُ في سهل)
لقطة ثانية(جبل من ضباب)
لقطة ثالثة( العشب الذي يوطأ بالأرواح)
لقطة رابعة( الماء الذي يرشح من حزن التماثيل)
لقطة خامسة(ضمة برق فوق نيسان)
لقطة سادسة(بقايا فرس تصهل)
لقطة سابعة(حبة رمان على صيدا)
لقطة ثامنة(سيف أرجواني على صور)
إن هذه اللقطات المفتوحة تدلل على مركزية اللقطة البانورامية المفتوحة التي ولدت كل هذه اللقطات؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة البانورامية المفتوحة ليحيط بالكادر المراد تصويره إحاطة تامة وبرؤية بصرية مفتوحة تشي بالتنوع والاختلاف.
7) اللقطة التتبعية أو التفصيلية:
ونقصد ب( اللقطة التتبعية أو التفصيلية الكاشفة): اللقطة التفصيلية التي تتبع المشهد،فتحيط بكامل لقطاته، وتفصيلاته المشهدية،وهي لقطة مقربة ومبعدة للمشهد الشعري المجسد؛ وسميت هذه اللقطة بالتكثيفية أو التتبعية لأنها لقطة متحركة تؤخذ عن قرب وعن بعد. وتقوم هذه اللقطة بوظيفة فنية تقرب المشهد وتبعده في الآن ذاته،لتحيط بالمشهد من جوانبه كلها مهما تكاثفت اللقطات، أو تراكمت ، أو احتدمت.
وتعد هذه اللقطة من أ”كثر اللقطات حركة في قصائدنا الحداثية،لاسيما القصائد الغزلية أو الدرامية المشبوبة بالتوتر والاحتدام؛ وقد لجأ الكثير من شعرائنا المعاصرين إلى هذه التقنية لإبراز الاصطهاج الداخلي والتوتر النفسي، إزاء الكثير من المواقف السياسية الفاسدة التي تدفع الشاعر إلى اعتماد اللقطات المكثفة، تعبيراً عن هذا التأزم الداخلي والاحتجاج الصارخ عبر لكثيف اللقطات والأصوات الدرامية في القصيدة.
ففي ديوان(مهرجان الأبواب) لعبد الكريم الناعم تطغى مثل هذه اللقطات على قصائده،حتى لتكاد تسم ديوانه بها، وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع التالي:
“أحرفي بعض المفاتيح على طلسمها ينعقد اللوز
الغزلان بغامٌ في كتابي آن يسري في زواريبي اللظى
الأقواسُ لا تحتمل الزرقة في الأفق
أنادي في الزوايا:
أتقرى معاجم ما بي؟ّ!
آآآآه يااااااالله
أدركني على آخر تخم
لقد ضيعتُ بابي”(97).
هنا، يوجه (الشاعر/ المصور) عدسة الكاميرا على مجرى الحدث،ليلتقط صورة بوحية من الصور المرتسمة أمام مخيلته لحظة الهذيان،وحالة السكر الروحي التي تملكته،وغيبت الأشياء من حوله، فأصبحت اللقطات تجري أمام عينيه شريطاً من الرؤى المتداخلة التي جعلته يتيه عن دربه وطريقه إلى الخلاص،وقد يلاحظ القارئ أن الشاعر اعتمد اللقطات التكثيفية لتبيان إحساسه الداخلي، وحالة التهيام والسكر الروحي القصوى التي تملكته لحظة الوصول إلى قمة الوجد والوله الصوفي؛ وهذا دليل أن اللقطة التكثيفية لقطة غائمة مليئة بالصور المتداخلة التي ترصد الحس الداخلي والرؤى المتداخلة التي لا تكاد تبين بتفاصيلها، دليلاً على تلك الحالة الوجدانية لدى الشاعر لدرجة أغلقت بصيرته،وأسدلت رؤاه بلقطاتها المكثفة التي لا تكاد تتضح أو تبين.
ومن القصائد الحداثية ما تكتظ باللقطات التكثيفية التي تحرض المشهد، وتستثير العين الرائية خاصة في المقطع الشعري التالي لمحمد وحيد علي:
وكان المساء جميلاً
وكانت على شرفة البحر تلهو الغزالة مزدانة بضفائرها الزاهيات
وصفصافها الضوء يهفو خضيلاً، كأني أودع
هذي الشوارعَ والواجهات وأرصفة اللاذقية
والشجر المقاولُ يتبعني وأنا مغمض الروح
لكن قلبي يدق ويجرح كل الصخور التي مزقت جسدي
يا إلهي لماذا استحال المساءُ قتيلاً؟”(98).
هنا، يتراءى أمام الشاعر كل شيء متحركاً وجميلاً؛ ولذا، قام (الشاعر/ المصور) بتوجيه عدسة الكاميرا إلى جميع الأشياء المحيطة به،ليلتقطها مأخوذاً بها،ومزهواً بمنظرها الرومانسي الجميل وذكرياتها الخلاقة:[ شرفة البحر- الصفصاف- الشوارع – الواجهات – أرصفة اللاذقية- الشجر المتفائل]؛ وسرعان ما يدرك المشاهد أن الشاعر تتبع جزئيات المشهد ليحيط بها، فهو لا يريد لهذه اللقطات المتفرقة أن تمحى من ذاكرته ،وتغيب أو تنقطع عن ناظريه ولو برهة واحدة؛ لهذا وجه عدسة الرؤيا(عين الكاميرا) صوبها متتبعاً جزئياتها بالتفصيل،وملتقطاً كل زوايا الرؤيا الممثلة أمام ناظريه لجزئيات المكان؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( اللقطة التفصيلية أو التتبعية) ليجسد هذه الصور الجمالية أمام ناظريه،وكأنها حقيقة بصرية،شأنه في ذلك شأن الشاعر ذاته في التتبع والتفصيل والتلذذ بما يراه.
8) اللقطة التجمعية/ أو التكثيفية:
ونقصد ب( اللقطة التجميعية أو التكثيفية): اللقطة المكثفة التي تجمع العديد من الرؤى والصور في مشهد واحد. وهذه اللقطة التجميعية من أشد أنواع اللقطات جذباً للمتلقي/ المشاهد،نظراً إلى تداخل مجموعة من الصور والرؤى المتداخلة،لدرجة تدفع المتلقي إلى إعمال حواسه مجتمعة، لتملي المشهد،وفك طلاسمه،بالتدقيق ملياً في الصور المتداخلة وخيوطها التي لاتكاد تبين أو تتضح.
وتعد اللقطة التكثيفية من اللقطات المثيرة “(للمتلقي / المشاهد) بسبب تقريبها وتبعيدها وبروزها واختفائها؛ ونشير إلى أن هذه اللقطة أكثر ما تستخدم في الدعاية والإعلام في الكثير من البرامج التلفزيونية،ولهذه اللقطة قيمتها القصوى في القصيدة التشكيلية أو المشهدية البانورامية، خاصة إذا ما استثمرها الشاعر في السياق الدرامي.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية:( اللقطة التجمعية/ أو التكثيفية) قصيدة (الطيران) لشوقي بغدادي، وفيها يقول:
كان العصفور قريباً يتقاقز
وهو يوزع زقزقة تشبهني
والفجر يمهد بين شقوق الجبل
لشمسٍ أعرفها
لكن ما زالت تدهشني
كنت أزقزق منتظراً
كي أفرد أجنحتي
وأطير بلا هدف
ثمة في السفح الممتد إلي
إشارات غامضة
والوادي الصاعد نحوي
يغري بالغوص
ولكني كنت أريد الطيران
فقاومت وفزت على بدني”(99).
هنا، يوحد( الشاعر/ المصور) عدسة الكاميرا صوب المشهد المراد تصويره:(وهو مشهد العصفور، وهو يتقافز مزهواً بحركته أمام عيني الشاعر)، ثم يحاول الشاعر أن يقلده،فيوزع اللقطات،تبعاً لأحاسيسه المكثفة، لقطة تكثيفية للفجر- ولقطة أخرى للشمس، ولقطة للسفح،ولقطة للوادي في مشهد واحد، وصورة واحدة؛ فالشاعر/ المصور) كثف اللقطات، رغبة في عكس ما في داخله على الخارج، إذ كثف اللقطات المتتابعة تبعاَ لأحاسيسه الداخلية التي تريد التحرك بكل اتجاه رغبة في الطيران، والتحليق بفرح مع زقزقة العصفور ومشاركته أحاسيسه، والتحرك مع حركته،وكأن صورة العصفور صورته المعكوسة، وصوته الداخلي الذي ينتشي طرباً بمباهج الطبيعة، وتجلياتها الخلاقة.
وقد لجأ الشاعر إلى تقنية اللقطة المكثفة،لإبراز ما يعتمر في داخله من أحاسيس دافقة بالحركة،ارتداداً بصرياً/وشعورياً لما يرتئيه من مظاهر جمالية تبدت أمام عينيه، بوساطة زقزقة العصفور،وحركته المتموجة الحرة التي نبهت ما في داخله،وأثارته حتى تفاعل معه وتقافز مع حركته الطيرانية وزقزقته.
ونخلص بعد هذه التعريجة البحثية إلى النتائج التالية:
1- إن تأثر شعراء الحداثة باللقطات السينمائية جاء مركَّزاً وفاعلاً من خلال تحريك المشاهد الشعرية لتتمرأى أمام المتلقي/ المشاهد، وكأنها مشاهدة بصرياً، أو مبثوثة على الشاشة الصغيرة بتمليها البصري وحراكها المتتابع، لدرجة أن اللقطة الواحدة أحياناً تكتظ بالحركات والإضاءات والإيحاءات البصرية المتتابعة دون انفصال أو انقطاع؛ وهذا أكثر ما نلحظه في اللقطة التتبعية أو التفصيلية.
2- إن تأثر شعراء الحداثة بالسينما، أو اللقطة السينمائية لم ينعكس فقط على صورهم الشعرية ولقطاتهم فحسب،وإنما انعكس على التشكيل البصري العام لفضاءات نصوصهم الشعرية؛ فالشاعر يراكم الصور،ويفصِّل فيها،كما لو أنه يبثها على شريط سينمائي، أي أن اللقطة الواحدة سرعان ما تتبع الأخرى، لتمثيل المشهد بوضوح من أجل أن تتضح الرؤية المشهدية،وتكتمل أبعاد الحدث والموقف الشعري الملتقط.
3- إن ثمة شعراء تغريهم اللقطة السينمائية لدرجة كبيرة، فيلجأون إلى تكثيف مشاهدهم الشعرية وتشعيبها؛ وتعدد مؤثراتها المشهدية، فاللقطة الواحدة يشعبونها إلى عدد كبير من اللقطات، بحيث تنفتح آفاق الرؤية المشهدية لديهم،على صور متداخلة ومشوهة أحياناً، فلا تتضح حدود اللقطة وأبعادها وأبعادها، مما يؤدي إلى تشويش المشاهد/ المتلقي، وتشويش المشهد الشعري الكلي الملتقط، وهذا يعود من منظورنا إلى ولع شعراء الحداثة باستخدام مختلف التقنيات الفنية لجذب المتلقي؛ فأغلب الشعراء يتخذون هذا المنحى بقصد جذب المشاهد بأي طريقة كانت حتى ولو أدى ذلك إلى تشويش المشاهد وإبهامه بشعرية المشهد، إذ يتيه المتلقي بالمشاهدة دون تفعيل حقيقي للمشهد الشعري الملتقط، وهذا ما ينعكس سلباً بالتأكيد على دقة المشهد بسبب زوغان اللقطة المتحركة،وعدم ثبات عين الرؤية المشاهدة على أبعاد رؤيوية مشهدية محددة.
رابعاً- التشكيل البصري/وفن المونتاج الشعري:
” قد لا يختلف اثنان على أن أواصر الائتلاف ما زالت قائمة بين مختلف الفنون على الإطلاق، فكيف ذاك في فنين متحايثين تماماً في الأسلوب ،وطريقة البناء، والمنحى، والشكل الفجائي المغري، أي في التشكيل وطريقة توظيف الخيال(فن الشعر/ وفن السينما)، ويعد (فن المونتاج الشعري) من أبرز مظاهر تأثر الشعر بالسينما خاصة إذا عرفنا أن:”فن المونتاج السينمائي: يعني حرفياً التجميع، أو التركيب. وهو سلسلة من الصدمات المترابطة والمنتظمة في تتابع معين،وموجهة إلى مشاهد من أجل هدف توليد رد الفعل المرغوب فيه، إنه ذاك التتابع الذي يولد المعنى؛ أما الصورة المفردة، أو اللقطة بذاتها فلا دلالة لها، بل تكون مشبوبة بالغموض، ولكن عندما ترتبط لقطة بلقطات أخرى في تسلسل حينئذٍ يصبح الفيلم ذا معنى”(100).
ووفق هذا التصور، يمكن أن نعرف(فن المونتاج الشعري) بأنه فن توليف اللقطات والجمع فيما بينها بأسلوب مشهدي متتابع، ومنظم بسلسلة من اللقطات المتضافرة والمتواشجة فيما بينها، في رسم المشهد الشعري وإبراز ملامحه البصرية، شريطة أن يدلل على معنى، أو رؤية مكتملة.
وقد عرف الباحث حمد محمود الدوخي(المونتاج الشعري) بقوله: “هو عملية تدليل على القيمة الشعرية المتحققة من خلال النص وفق اشتغال مستفيد من البنية البصرية(السينمائية)،وهذا ما يمثل، أو يعمل على تمثيل الكل الشعري عن طريق الاستعانة بتقنية(المونتاج السينمائي)”(101).
إن هذا التعريف على ما فيه من شمولية، وإدراك فإنه لا يحدد المونتاج الشعري في آليته، وفنيته المرجوة في الصياغة والتركيب،وهذا ما تلفاه الباحث محمد الصفراني في تعريفه لفن المونتاج الشعري، بقوله:”فن المونتاج هو فن صياغة، وتركيب،وترتيب الصور/ اللقطات، في تسلسل فني؛ لتؤدي دلالة بصرية ذات مغزى فكري وفني يجسد مضمون النص المراد تصويره للمتلقي/ المشاهد”(102).
ونظراً لوضوح الرؤيا البحثية لدى الصفراني فقد آثرنا الاقتداء بهديه في تجليات(المونتاجات الشعرية) كما تبدت، واتضحت لنا في بحثنا عن(فن المونتاج الشعري في الشعر العربي الحديث)،وقد تبدت في الأشكال المونتاجية التالية:
1) المونتاج المتوازي:
ونقصد ب( المونتاج المتوازي):موازاة لقطة بلقطة أخرى في المشهد الشعري الواحد، لإجراء المقارنة بين اللقطتين في القيمة والأثر الذي تخلفه كل لقطة في نفس المشاهد. وقد عرَّف محمد الصفراني هذا النوع من المونتاج بقوله:”المونتاج المتوازي: هو المونتاج المنبني على تقنية التوازي. وذلك بأن يعرض المونتير(حدثين) يتعلقان بطرفين مختلفين بالتناوب،فيقدم لقطة للطرف الأول، توازيها لقطة أخرى للطرف الآخر،وهكذا”(103).
ومن النصوص التي تدلل على (تقنية المونتاج المتوازي) نص لعبد القادر الحصني يقول فيه:
“أنا مفردٌ مثل قلبي
و(حمصُ) التي أيقظتني على الحبَ واللهِ
لما تزل في المساءِ تذوبُ حناناً
وتهمي طيوباً ملونةً
من عيونِ النساءِ
وهنَّ يطرزن أغطيةً للصلاةِ، ويمنحنها للصبايا
أنا مفردٌ مثلَ قلبي
ولي زمنٌ فيه كل الذين أحبُّ
ولي زمنٌ ليس فيه سوايا”(104).
هنا، يقوم (الشاعر/ المونتير) بالتقاط صورتين متوازيتين متضافرتين عن(ذاته/ ومدينته)؛ الأولى صورة عن مدينته التي تربى في أحضانها،فيعدد اللقطات الجمالية، ويوجه عدسة الكاميرا صوب نسائها ومسائها، وفتياتها اللواتي يطرزن لوحتهن بجمالهن، ولقطة(زمكانية ) لزمنه الذي قضاه في مدينته( حمص)،وهو الزمن الذهبي الذي تجسدت فيه كل معالم الألفة، والمحبة لذويها من أصدقاء، وخلان، وأحبة، ولقطة أخرى لزمنه الخيالي الذي يمثل له الزمن البائس الحزين،وفيه لم يستطع أن يؤسس حبيباً، أو صديقا،ً أو خلاً وفياً يبدد عنه شبح الوحدة، واليأس الخانقة؛ وهنا، يوازي الشاعر بين اللقطتين لإدراك الفرق الشاسع بين الزمنين بمونتاج شعري خصب، وغني باللقطات المتوازية المتتابعة الموحية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية(المونتاج المتوازي) قصيدة( الخوف والقصيدة) لحميد سعيد،وفيها يقول:”
كأنني وجدت في معرة النعمان
ما ضيعتُ من أسئلةٍ.. وما فارقت من بلدان
كأنني اقتحمت محبسين
معتذراً للشيخ عما كان
………………………..
كأنني وجدتُ شيخي الجليل بانتظاري
يفتحُ بابَ داره لي
بعد أن فقدت داري
يشركني في ما لا يرى
تقترب القصيدة البيضاءُ من أصابعي
تدخل أوراقي..
كما الرياحُ في فضاء الشجر الثقيل
خلسةً
يقول لي : اقتنصها
وقل لها.. كل الذي تريد أن تقول
لا تخف
فليس من وشيجة تجمع بين الخوفِ والقصيدة”(102).
هنا، يقوم (الشاعر/ المونتير)- في هذا النص- بتصوير محادثة ذاتية بوحية،مع شيخ المعرة وفيلسوفها الأول( المعري)، مستخدماً تقنية السرد والحوار في التدليل على حالة الموازاة هذه؛ وهنا، يصور(المونتير/ الشاعر) شخصية المعري البوحية، وإحساسه الداخلي إزاءها في عملية تشكيل القصيدة عند كليهما؛ وهنا، يستخدم الشاعر تقنية( المونتاج المتوازي): لإجراء الموازاة المشهدية الفاعلة، بين صورته المهزوزة،وصورة المعري الواثقة في بث ما يريد في قصيدته من دون خوف، أو وجل، وهذا الإحساس للمتلقي بوساطة (المونتاح المتوازي) الذي زاد من أثر الشخصية معاً في تعميق المفارقة،وإبراز حدتها، وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( المونتاج المتوازي)، لتعميق المفارقة المشهدية بين الشخصيتين،وإبراز ملمحهما المختلف.
2) المونتاج التضافري:
ونقصد ب( المونتاج التضافري): المونتاج الفني الذي يتأسس على تقنية التضافر بين اللقطات،بحيث تتضافر اللقطات فيما بينها، لتكوين المشهد الفني الشائق الذي يثير (المتلقي/ المشاهد) باللقطات المنسجمة فيما بينها،لتعزيز شعرية المشهد وحراكه البصري الآسر.
ويعد المونتاج التضافري فاعلاً في إبراز المشاهد العاطفية التي تتطلب انتقالاً جمالياً بين اللقطات، بحيث تتضافر اللقطات، لإبراز صفات المحبوبة وإيحاءاتها الجسدية التي تثير المشاهد/ المتلقي، وتعزز درجة تمليه البصري للموقف الشعري المجسد.
ومن القصائد الشعرية التي لجأت إلى تقنية( المونتاج التضافري) في تأسيس حركتها المشهدية الشائقة القصيدة التالية لمحمد عمران:
: وأنت التوتةُ الخضراء في داري
وأنت عريشةً العنب
وأنت السنديانةُ بين أشجاري
وأنت الشهد في طبقي
وأنت على نهاري باقةٌ الحبق
وباسمك أنسج الأيام أغنيةً وأشربها..
وباسمكِ أوقظُ الأحجارَ في شفتي وأرمقها
وباسمكِ وهي في المرعى خرافي ترشف العشبا”(106).
هنا، يؤسس(الشاعر/ المونتير) المشهد الشعري على تقنية( المونتاج التضافري) في رسم المشهد الرومانسي بلقطات متضافرة، مشتقة من حقل الطبيعة:[ التوتة الخضراء- عريشة العنب- السنديانة بين أشجاري- الشهد في طبقي- باقة الحبق]، وقد ولَّف الشاعر بين اللقطات، بما يدلل على تضافرها وانسجامها؛ لإبراز المشهد الرومانسي الشائق الذي يليق بالسياقات العاطفية، ومواقفها الترسيمية المثيرة، وإن المشاهد/ المتلقي سرعان ما يدرك التضافر والانسجام بين اللقطات،لأنه ليس ثمة لقطة ناشزة فيما بينها،وهذا دليل أن الشاعر لجأ إلى تقنية(المونتاج التضافري) عن وعي وإدراك، لإبراز المشهد الرومانسي بصرياً، وتحقيق أثره الجذاب للمتلقي المشاهد، لشد رؤيته إلى المشهد الشعري بانجداب وتأمل.
وما من شك في أن (المونتاج التضافري) تقنية فنية اعتمدتها السينما في دبلجة مشاهدها المتحركة خاصة المشاهد البوحية العاطفية الحارة، التي تتطلب سرعة في المشاهد والأحداث والمواقف الحادة .ولعل تأثر الشعراء بهذه التقنية دليل وعي واهتمام في نقل صورهم الشعرية من حيز اللامرئي إلى حيز المرئي/ المشاهد. لأن ذلك يمتن أواصر التفاعل والاندماج بين(المتلقي/ المشاهد)والمشهد الشعري العاطفي المحموم؛ وقد نلحظ أن بعض الشعراء يستخدم (المونتاج التضافري) في السياقات التراجيدية، خاصة المشاهد المأساوية الدموية القاتمة، لإبراز جانب التأثر والتأثير لدى المتلقي.ومثالنا على ذلك قصيدة( استراحة) لجوزف حرب:
” أطلقوا
عشرَ رصاصاتٍ
على كل رجلْ
قطعوا أيديهم
قطعوا
أرجلهم
أشعلوا
بعض السجائر
أطفأوها
بالدماءْ
ومضوا”(107).
هنا، يقوم( الشاعر/ المونتير)- في هذه القصيدة- بتصوير مشهده التراجيدي الدموي على سلسلة لقطات متضافرة ومنسجمة فيما بينها، في إبراز المشهد الإجرامي الذي قام به ثلة من القتلة وفق لقطات متضافرة منسجمة؛ نمثل لها بالشكل التالي:
• لقطة (1)…………………….( أطلقوا عشر رصاصات على كل رجل)
• لقطة(2)…………………….(قطعوا أيديهم)
• لقطة (3)…………………..( قطعوا أرجلهم)
• لقطة (4) ……………………أشعلوا بعض السجائر
• لقطة(5)…………………….أطفأوها بالدماء
• لقطة(6)………………….مضوا
إن كل لقطة من هذه اللقطات منسجمة فيما بينها، لإبراز الجانب الوحشي الدموي، وتبيان فظاظته، إذ إن (المشاهد/ المتلقي) سرعان ما يدرك انسجام اللقطات وتضافرها فيما بينها، لتجسيد المشهد الإجرامي بصرياً أمام عينيه،وكأنه ماثل بكل أدواته الإجرامية وفظاظته على النفس، رغبة منه في جذب المشاهد، وتحريك مشاعره وإثارة حميته الداخلية في الاحتجاج والاستهجان؛ ومن هذا المنطلق يمكن أن نعد تقنية( المونتاج التضافري ) من التقنيات المونتاجية المؤثرة في تحريك المشهد الشعري،وتعميق أثره الفني في المتلقي/ المشاهد. لاسيما إذا أدركنا أن المونتاج التضافري يوسع تناغم اللقطات وتفاعلها في المشهد الشعري،ليغدو المشهد متحركاً بصرياً،بإثارته وحراكه المشهدي.
3) المونتاج التنافري/ أو المونتاج المتصدع:
ونقصد ب( المونتاج التنافري): المونتاج الفني المؤسس على إيقاع الاختلاف والتنافر، بحيث تأتي اللقطات متنافرة، لا رابط فيما بينها، دلالة على تصدع المشهد/ واحتدام لقطاته،وتبعثر إيحاءاته، ودلالاته الفنية.
ويعد( المونتاج التنافري) تقنية فنية مغرية في السينما، خاصة في السياقات الدرامية الحادة التي تتطلب تنافراً في المشاهد، بين مشهد تتجسد فيه كل مظاهر البراءة والطيبة والوفاء، والآخر تتجسد فيه كل مظاهر القتل، والغدر، والخيانة؛ والملاحظ أن تأثر بعض الشعراء بهذه التقنية جاء وليد تأثرهم بالمشاهد الدرامية الحادة التي تتطلب إبراز المفارقة في صورهم، لتعزيز وقعها الإيحائي المتنافر في ذهن (المتلقي/ المشاهد)، بعد أن ترسخت أمام عينيه لقطاتها المشهدية المتنافرة، أو المصطرعة فيما بينها.
ومن الشعراء من لجأ إلى تقنية( المونتاج التنافري) في مشاهده الشعرية، تدليلاً على تشظي الرؤية، أو رغبة منه في ابتعاث إيقاع السخرية، والتنديد في مشاهده الشعرية المتنافرة ولقطاتها المتباعدة، التي تشي بالتنافر والاختلاف، ومثالنا على ذلك المقطع الشعري التالي لمحمد الماغوط:
“يا معيلي أيام المحنة
أيها المطرُ والرعبُ والرصاصْ.. انظر
النجومُ والبراغيث على قمة الجبلِ
فمٌ مقابلَ فمٍ
ونسرٌ مقابل نسرٍ
والأبوابُ الزجاجيةُ الصفراءُ
تمنعُ الشوارعَ الملتهبةَ من السفر
من التقيؤ تحت الطاولات والستائرْ”(108).
هنا،يلجأ( الشاعر/ المونتير) إلى تقنية( المونتاج التنافري)،للتدليل على تصدع المشهد،وتشظي لقطاته واحتدامها، عبر اللقطات المتنافرة التالية:( المطر/ الرصاص)،و( النجوم/ البراغيث)،و(الشوارع/ الملتهبة)؛ فالشاعر لم يجد وسيلة تقنية تدلل على هذا التشظي والقلق الداخلي سوى تقنية(المونتاج التنافري) التي أسهمت في إحداث الأثر النفسي المطلوب في حركة المشاهد، عبر تنافر اللقطات وتباعدها؛ والملاحظ أن الشاعر تعمد استخدام هذه التقنية، لإبراز درجة الاحتدام الشعوري، والقلق الداخلي التي تعتصره،أو عكسها على مشاهده الشعرية،عبر فوضى المسميات،وخلخلة اللقطات، وبعثرتها إيذاناً بتشظي الذات،وانكسارها الداخلي المتوتر.
ومن القصائد الحداثية التي لجأت إلى تقنية(المونتاج التنافري) قصيدة( شبيه بأول هذي البلاد) لعلي جعفر العلاق، وفيها يقول:
” أينا كانَ مرآة صاحبهِ
ياصدايَ الحميم؟
أيهذا الذي يتمشى معي،ويشاركني النومَ
……………………………..
يحرسني من جنون النقيضين:
من ضجة الضوء
أو دهشةِ العتمةْ
ويقاسمني نشوتي، أو شرودي
في زحمة الناسِ ،لولاكَ
ما كان لي جسدٌ أو رمادْ
ولولاي لستَ سوى
كلمةْ”(109).
هنا، يبني( الشاعر/ المونتير) مشهده الشعري على تقنية( المونتاج التنافري/ أو المتضاد)، لإجراء محاورة فنية ذاتية كاشفة عن مكنونها العميق عبر المحاورة البوحية مع ظله( إيقاع ذاته الداخلية)؛ ولذلك قام(الشاعر/ المونتير)، بتوليف الصور واللقطات المتنافرة،لإبراز مشاعره الداخلية المحتدمة ورؤاه المصطرعة عبر المتنافرات التالية:( ضجة الضوء/ دهشة العتمة)،و(نهار الهشاشة/ لحظة طيش)،و(نشوتي/ شرودي)،و(جسد/ رماد)؛ إن هذه اللقطات/ والثنائيات المتنافرة جاءت، لتدلل على معاناته الداخلية،ومشهده الشعوري المأزوم الذي جعله يفقد الثقة بكل من حوله،وينغلق على ذاته بأن يتخذ ظله خليلاً أو أنيساً، بدلاً من ألفة الآخرين وأنسهم واعتيادهم، وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( المونتاج التنافري) لتجسيد مشهد المحاورة اليائسة بصرياً للمتلقي /المشاهد، للتدليل على صورته القلقة/ أو المصطرعة بين(الوحشة/ والأمل)،وإبراز معالمها النفسية القلقة أو المتوترة. وهذا يعني أن المونتاج التنافري هو لإبراز حركة اللقطات، وكشف تضادها وعمق المفارقة فيما بينها.
4) المونتاج التراكمي:
ونقصد ب( المونتاج التراكمي): المونتاج الفني المؤسس على تقنية( التراكم)، بحيث يقوم( الشاعر/ المونتير)، بمراكمة عدد من اللقطات في المشهد الواحد، بغية الضغط البصري على مشهد تراجيدي مؤثر؛ أو موقف غزلي مصطهج، أو لحظة شعورية حارة. وسمي هذا( المونتاج) ب( المونتاج التراكمي)، لأن (الشاعر/ المونتير)، يراكم الكثير من اللقطات في المشهد الشعري الواحد، لخلق رؤية مشهدية بالغة الإثارة والتشويق.
ويهدف الشاعر- من جراء استخدام هذه التقنية- إلى جذب المتلقي/ المشاهد، إلى مشهده الشعري، ليتمثله،ويتفاعل مع مؤثراته البصرية،ولقطاته المتراكمة بكامل تفاصيلها وتتابعها المشهدي، التي سرعان ما تشي بتكثيفها وتتابع لقطاتها، بعمق المشهد وإثارته،وتشويقه الفني.
ويعد هذا المونتاج من المونتاجات المؤثرة في السينما؛ إذ يراكم المونتير اللقطات للإحاطة بالموقف إحاطة تامة،وخلق مشهد درامي مؤثر وشائق فنياً، لدرجة يدفع المشاهد لملاحقة اللقطات بصرياً،متوقعاً نهاية في ذهنه تواشك رؤاه وأحاسيسه وتوقعاته المسبقة.
وللتدليل على فاعلية هذه التقنية نأخذ المقطع الشعري التالي لعبد العزيز المقالح:
” مطرٌ من الكلمات والأضواءِ
يرقصُ بين ظلي والدماء.
عيناه تحتضن السماء
شجرٌ بلا ماءْ
وأطفالٌ على المرآةِ: تهتفُ: ماءْ.. ماءْ
وأنا طريحٌ فوقَ نار العشقِ تسبقني استغاثاتي
نداءاتي إليه”(110).
أول ما يبدأ ( الشاعر/ المونتير)- في المقطع الشعري- بمراكمة عدد من اللقطات في المشهد الواحد، بغية تكثيف مشاعره المتدفقة، ورؤاه المتزاحمة في الموقف العاطفي المحموم الذي يعانيه، فيراكم اللقطات،ويكثفها، لخلق مشهد مؤثر فنياً،وفق المخطط التالي:
• لقطة(1)…………………………..( مطرٌ من الكلمات والأضواء)
• لقطة(2)………………………….(يرقص بين ظلي والدماء)
• لقطة(3)………………………….( عيناه تحتضن المساء)
• لقطة(4)………………………….(شجر بلا ماءْ)
• لقطة(5)…………………………..( أطفال على المرآة تهتف: ماءْ.. ماءْ)
• لقطة(6)………………………….(أنا طريحٌ فوق نار العشق).
إننا نلحظ- من المخطط السابق- أن اعتماد الشاعر تقنية( المونتاج التراكمي) قد أسهم- بشكل ملحوظ- في استثارة المشهد عبر مراكمة اللقطات، وتتابعها المكثف،وقد لجأ الشاعر إلى هذه التقنية،لتعزيز شعرية المشهد، وتجسيده بصرياً بدفقه الشعوري العاطفي الحار، ولقطاته المتداخلة التي تبعث إشعاعاتها الساطعة في عين المشاهد.
ومن المقاطع الشعرية البارزة التي اعتمدت هذه التقنية المونتاجية في تخليق المشهد المؤثر المقطع الشعري التالي لحميد سعيد:
” ما يشبه الخرابُ.. بل هو الخرابُ
الموتُ في انتظار كل حي عند كل باب
دمٌ على المسلةِ الأولى.. على الملحمةِ الأولى.. على القبابْ
دمٌ على الترابْ
دمٌ على حدائق الله، على الجوري، والصندلُ، والنعناع”(111).
هنا، يجري (الشاعر/ المونتير) لقطاته المكثفة( المتراكمة)، باعتماد تقنية ( المونتاج التراكمي) لرصد مشهد الخراب الذي طال بلده العراق، متأثراً بهذه المشاهد الدموية التي تجسدت أمام عينيه بكوابيسها الخانقة وخرابها الداخلي، وهذه اللقطات دفعته إلى تجسيدها ورصدها في كل الأماكن،وما خلفته من لقطات،وصور مؤلمة تركت أثرها في عين( المتلقي/ المشاهد) على شاكلة المخطط التالي:
• لقطة(1)…………………….( الموت في انتظار كل حي عند كل باب)
• لقطة(2)……………………(دمٌ على المسلة الأولى، على الملحمة الأولى، على القباب)
• لقطة(3)………………….(دمٌ على التراب)
• لقطة(4)………………….( دمٌ على حدائق الله، على الجوري،والصندل، والنعناع)
نلحظ- من المخطط السابق- اعتماد (الشاعر/ المونتير) تقنية ( المونتاج التراكمي) تقنية فنية مؤثرة في تجسيد مشهد الخراب ، تجسيداً بصرياً للمتلقي/ المشاهد،لإبراز كل مظاهر الأسى، والتأثر بهذه المشاهد الدموية المرعبة التي ما زال أثرها البصري ماثل أمام عينيه. وعلى هذا الأساس تعد تقنية( المونتاج التراكمي) من أبرز التقنيات المؤثرة في تخليق المشاهد العاطفية المحمومة والمؤثرة. تلكم المشاهد التي تتطلب تكثيفاً في اللقطات، لإبراز ملمحها العاطفي المتوتر
5) المونتاج التفصيلي أو التوضيحي:
ونقصد ب( المونتاج التفصيلي/ أو التوضيحي):
المونتاج الفني الذي يؤسسه( الشاعر/ المونتير) على التفصيل والتوضيح، بحيث يقوم (الشاعر/ المونتير)،بإضفاء بعض اللقطات على المشهد، لتوضيحه إثر اللبس والغموض الذي لازمه لحظة المشاهدة من دهشة واستغراب، فتأتي اللقطات كاشفة عن هذا اللبس،ومزيلة لبراثن هذا الغموض.
وأكثر ما تفيد هذه اللقطات فك طلاسم المشهد، والإجابة عن الكثير من تساؤلاته المفتوحة التي ولدها لحظة المشاهدة.
ويهدف الشاعر- من جراء استخدام هذه التقنية- فتح دائرة التفاعل بينه وبين المتلقي/ المشاهد، ليلحظ ما ولده المشهد من إثارة وتساؤل لديه واستفهامات لا حد لها.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية( المونتاج التفصيلي أو التوضيحي) قصيدة( قرنفلة للمطر القادم خلسة) لفايز خضور،وفيها يقول:
” إنها تمطرُ الآنَ
ألمحُ جثةَ أرضٍ،تفككُ أزرارَ قمصانها:
عروةً،عروةً، تتعرى،وتمنحُ للبردِ قنبلتي صدرها.
من ترى داهمَ الكونَ؟!
من فجَّر الكونَ؟!
.. منْ.. إنها تمطرُ الآن؟!”(112).
هنا، يقوم (الشاعر/ المونتير)- في المقطع الشعري السابق- باعتماد تقنية( المونتاج التفصيلي/ أو المونتاج التوضيحي) في كشف المشهد،ورسم ملامح الصورة الفنية بدقة لديه، لتتحدد معالم المشهد بالتفصيل؛ ف( المونتير) أوقف عدسة الكاميرا على المشهد، وتتبع لقطاته بالتفصيل:( تفكك أزار قمصانها عروة عروة)، ثم تابع منتجة اللقطات وإيضاحها(تمنح للبرد قنبلتي صدرها)،وهذا التفصيل أدى إلى رصد ملامح المشهد بكامل حراكه البصري، وحسه الشعوري، وتساؤلاته المفتوحة:(من داهم الكون؟!/ من فجر الكون؟!!).
والملاحظ أن الكثير من القصائد الحداثية لجأت إلى هذه التقنية في تجسيد المشهد،ورسم ملامحه بدقة، ومثالنا على ذلك المقتطف الشعري التالي لمحمد عمران:
” أسمعُ سيغاتا تئن تحتَ الخيلْ
تحتَ حطامِ الليلْ
ألمحُ سيغاتا مبتورة الساقين
تزحفُ حدَّ العينْ
أشمُّ سيغاتا مجمرةً للدمع
تموتُ مثلَ الشمعْ”(113).
هنا، لجأ( الشاعر/ المونتير) إلى تقنية( المونتاج التفصيلي)، لرصد المشهد بدقة عبر اللقطات التفصيلية التي تحدد مثيرات الحركة( البصرية/ السمعية) في آن معاً، ف( الشاعر/ المونتير) قام بوساطة تقنية( المونتاج التفصيلي)، برصد المشهد الدرامي الأسطوري الذي أقامه الشاعر بين الشخصيتين الأسطوريتين( شاهين/ سيغاتا) عبر اللقطات التفصيلية التالية:
• لقطة(1)………………..( أسمعُ سيغاتا تئنُّ تحتَ الخيل)
• لقطة(2)……………….(ألمحُ سيغاتا مبتورةَ الساقين)
• لقطة(3)……………..(تزحف حد العين)
• لقطة(4)……………..(أسمع سيغاتا مجمرة للدمع)
• لقطة(5)…………….(تموت مثل الشمع)
إن أبرز ما يلحظه( المتلقي/ المشاهد)- من المخطط السابق- سلسلة اللقطات التفصيلية التي ترصد المشهد بتفاصيله التراجيدية الدموية، عبر اللقطات المتتابعة للمشهد التراجيدي الدموي لسيغاتا،وقد استطاع( الشاعر/ المونتير) بوساطة( المونتاج التفصيلي) رصد المشهد بدقة، وتجسيده بصرياً بكل حراكه النفسي( البصري/ السمعي)معاً، لإثارة المتلقي/ المشاهد، وجذبه إلى المشهد بتأثر وانتباه.
6) المونتاج التناوبي أو (المتناوب):
ونقصد ب( المونتاج التناوبي): المونتاج الفني الذي يؤسسه( الشاعر/ المونتير) على تقنية(التناوب)، بحيث يقوم( الشاعر/ المونتير) بالتركيز على لقطتين متناوبتين، تؤثران معاً في مجرى الحدث الذي أثاره المشهد، ليتخذ المشهد طابعاً (درامياً/ أو اصطراعياً) متوتراً، بغية جذب المشاهد، واستثارة ما في داخله من أحاسيس، ورؤى معبرة عن مظاهر التفاعل والتأثر.
ولعل أبلغ ما يثيره (المونتاج التناوبي)- في (المتلقي/ المشاهد) من أحاسيس ومؤثرات فنية –فتح دائرة الاستغراب والتساؤل عن مضمرات المشهد وخلفيته الفنية،وما هو مراد(الشاعر/ المونتير) من إبراز هذا التناوب الحاصل بين لقطتين متواترتين بين الحين والآخر،في المشهد الشعري،ومؤثراته الفنية.
ومن القصائد التي لجأت إلى تقنية( المونتاج التناوبي)أو (المونتاج المتناوب) قصيدة( أثر الفراشة) لمحمود درويش،وفيها يقول:
” أثر الفراشةِ لا يُرَى
أثرُ الفراشةِ لا يزول
هو جاذبيةٌ غامضٍ يستدرجُ المعنى،
ويرحلُ حين يتضحُ السبيلُ
هو شامةٌ في الضوءِ تومئ حين يرشدنا إلى الكلماتِ باطننا الدليلُ
هو مثلُ أغنيةٍ تحاولُ أن تقول، وتكتفي بالاقتباس من الظلال ولا تقولُ
أثرُ الفراشةِ لا يُرَى
أثرُ الفراشةِ لا يزولُ”(114).
هنا، يقوم( الشاعر/ المونتير)- بوساطة تقنية (المونتاج التناوبي)- بمنتجة اللقطات، لتخليق المشهد الشعري المؤثر عبر لقطتين متناوبتين، تمثلان جوهر المشهد،وإن تناوبتا عليه في الاستهلال والختام، هما اللقطة(البدئية – الاستهلالية) الكاشفة عن مشهد الفراشة، وما حلفته من أثر في عين المونتير/و المشاهد معاً،واللقطة الختامية التي جاءت كذلك، لتدل على أثر الفراشة، وما خلفته من ظلال وإيحاءات ودلالات ومعانٍ دون أن تومئ، أو تشير، أو تقول، وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( المونتاج التناوبي)، لإثارة المشاهد باللقطتين معاً، بوصفهما مركز جاذبية المشهد،ومكمن ارتكاز الفيلم،ومحور ارتكاز القصيدة،وتكاملها الفني، لأنهما تناوبتا في الاستهلال والختام.
وبتقديرنا: إن المونتير في الفيلم يعيد المشهد البدئي في الختام ، أو بالتناوب بين لقطات الفيلم معتمداً هذه التقنية،ليبرز أثر هذا المشهد في تحفيز لقطات الفيلم ودورته المشهدية،وقد استقى الشعراء هذه التقنية في مشاهدهم الشعرية، لتخليق الصورة المشهدية البالغة التي تترك أثرها الدائم في المتلقي/ المشاهد، كما لو أنها محرق تغذية الصور المشهدية في تكثيف رؤية القصيدة، أو توجيه أحداث الفيلم.
7) المونتاج المقارن:
ونقصد ب( المونتاج المقارن):
المونتاج الفني الذي يؤسسه( الشاعر/ المونتير) على المقارنة بين مشهدين متباينين في المغزى والدلالة، بغية تعميق حدة المفارقة بينهما، ليدرك المشاهد أثناء تلقي المشهدين المفارقة بينهما،وذلك عندما يجري المقارنة بين دلالة كل مشهد على حدة، وما يرمي إليه من رؤى، ودلالات، وإيحاءات، مفارقة للمشهد الآخر.
ومن القصائد البارزة التي لجأت إلى هذه التقنية قصيدة( بابان) لجوزف حرب،وفيها يجري الشاعر مقارنة شعرية بليغة بين( باب بيت الحبيبة)و(باب قبر الأم) والمفارقة بينهما، إذ يقول:
“باب بيت الحبيبة:
ولما ودعته بكتْ كناي أو بنفسجة.
ومالت وهي تغمزه: سيبقى الباب مفتوحاً لترجعَ
آه كم جلستْ أمام َ البابِ وانتظرتهُ
كم ظنَّتْ بأنَّ الريحَ، ليلاً، صوتُها من بعدِ ما قد صار
مبحوحاً.
وكم ظنتْ شتاءَ الفجرِ في أيلولَ
دقاتٍ،وغصنُ الحورِ بعدَ غروبِ الصيفِ
تلويحاً
وكم سنةٍ طوتْ سنة ولم يرجعْ
وقد ماتتْ،وظلَّ البابُ
مفتوحا.
باب قبر الأم
وكم سنةٍ طوتْ سنةً،ولم يرجعْ
ولما أمُّه دخلتْ سوادَ الموتِ، قالت
وهي تدمعُ بين جاراتٍ وأحبابٍ
ضعوا في النعشِ حينَ أموتُ
صورتَه بأثوابي
وخلوا كلَّ بابٍ من
بلادِ الأرضِ مفتوحاً لعودتهِ
سوى بابي”(115).
هنا، يجري( الشاعر/ المونتير) مفارقة مشهدية كاشفة، أو علامة مشهدية فارقة بين مشهدين، أو موقفين متباينتين: مشهد( باب بيت الحبيبة)، وما يتضمنه من لقطات،ورؤى، ومشاعر عاطفية متقدة، تدلل على تمثيل الحب خير تمثيل ببواعثه ولواعجه في قلب الحبيبة، إزاء رحيل حبيبها،وانتظارها الطويل له دون أن تفقد الأمل،وتغلق الباب بانتظاره، حتى ماتت ومازال الباب مفتوحاً، تدليلاً على وفائها، وإخلاصها له حتى النهاية.
أما مشهد( باب قبر الأم)، وما يتضمنه من لقطات، ورؤى، وأحاسيس عاطفية محمومة تدلل على هيجان النفس، وما رافقها من دموع الأسى، والحزن، والانتظار الطويل لمجيئه حتى ماتت،فأغلقت كل شيء في حياتها، حتى باب انتظاره،ولم تترك من أثر له، حزناً، وأسى، وحقداً على عدم مجيئه إليها، واهتمامه بها، سوى صورة له بين أثوابها، تدلل بها على قلبها المنكسر، والحرقة المريرة إزاء انتظاره،ووفائها له.
وإن المشاهد/ المتلقي سرعان ما يدرك أن اعتماد( الشاعر/ المونتير) هذا المونتاج المقارن جاء فاعلاً في إبراز حدة المفارقة بين المشهدين، ليتمثل المشاهد هذه المفارقة بصرياً، ويعي أبعادها الفنية.وهكذا يؤدي (المونتاج المقارن) دوراً فنياً ملحوظاً في تعميق المشهد الشعري من خلال المقارنة بين المشهدين أو اللقطتين المتضادتين أو المتقابلتين،ليزيد من عمق الرؤية، وقوتها في تعميق الحدث ،وإثارة بلاغته المرجعية.
8) المونتاح التضادي/ أو المتضاد:
لاشك في أن المونتاج التضادي أو المتضاد من المونتاجات المؤثرة في بنية القصيدة المعاصرة التي اعتمدت التلاعب باللقطات والمشاهد الدرامية المصطرعة، لتعميق الحدث الشعري ،وإبراز لعبته الدرامية المتحركة، وقد عرف الناقد محمد الصفراني هذا النوع من المونتاجات الشعرية، بقوله:” هو المونتاج المنبني على تقنية التضاد، وذلك بأن يقدم المونتير عدداً من اللقطات المتضادة، بحيث تتميز اللقطة بتضادها مع اللقطة الأخرى، بهدف إبراز حسن كل منها على حدة”(116).
وتعد تقنية( المونتاج التضادي أو المتضاد) من التقنيات المونتاجية المؤثرة في تحفيز اللقطات فيما بينها،وتعضيد درجة إيحاءات المشهد المتضمن لها، فاللقطة لا تتحدد جماليتها وفاعليتها القصوى إلا بنقيضها،وما تثيره من مفارقات، وتناقضات كثيرة تثري الرؤية،وتغذي الدلالة.
ومن المقاطع الشعرية الدالة في هذا المقام المقطع الشعري التالي لمحمود درويش:
” هل كل هذا أنت؟ غامضةٌ وواضحةْ
وحاضرةٌ وغائبةٌ معاً؟!!
عيناكِ ليلٌ حالكٌ.. يضيئني
ويداك باردتان ترتجفان،
لكن،توقدان الجمر في جسدي
وصوتك نغمةٌ مائيةٌ.. وتذيبني في الكأسِ
أنت كثيفةٌ وشفيفةٌ،وعصيةٌ وأليفةٌ
عذراءُ، أمٌّ لابنتين: وقصيدةٌ أودى بصاحبها خيالٌ قاصرٌ!!”(117).
هنا، يوجه( الشاعر/ المونتير)- في هذا النص/ الفيلم- أنظارنا منذ البداية إلى سلسلة اللقطات المتضادة، عبر تحريك المشهد بالثنائيات الضدية:(غامضة/ واضحة)و(حاضرة/ وغائبة)؛ وهذه الثنائيات بدأت في التمهيد لسيرورة اللقطات الضدية المتتابعة للحبيبة، التي توالت فيما بينها، لتعميق حدة المفارقة بين اللقطات، وما تشي به من دلالات مفارقة للمعتاد؛ ف( عينا المحبوبة) رغم ظلامهما الدامس يضيئان ليل الشاعر،ويداها الباردتان رغم تجمدهما القارس توقدان في جسده الدفء والجمر، وصوتها رغم نغمته المائية وانسيابه العذب الشفيف يذيبه في الكأس، إن هذه اللقطات المتضادة جاءت لتعميق حدة المفارقة في أوصاف الحبيبة،وما تثيره في نفس الشاعر من رؤى، ومشاعر، وأحاسيس محتدمة، توقد داخله وتؤججه عاطفياً، وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( المونتاج التضادي/ أو المتضاد) ليجسد للمتلقي المظاهر الجمالية للحبيبة بصرياً، بكل ما تضج به من لقطات ومشاهد ساحرة.
وبتقديرنا:
إن لجوء شعراء الحداثة إلى هذه التقنية المونتاجية، لتوجيه مسارات المشهد بين دلالات متناقضة أو متباينة، بقصد إثارة عنصر جاذبيته الفنية للمتلقي/ المشاهد، وهذا لن يكون بتمام مغنطته المشهدية إلا بالتضاد بين اللقطات، لإبراز حدة المشهد، وتجاذبه الفني. وبقدر ما يكون الشاعر بليغاً في اختيار اللقطتين المتضادتين، يحقق مشهده الفني عنصر جاذبيته وغناه الفني. لأن المتضادات لا يبين تأثيرها الدقيق إلا بمقابلتها بنقيضها.
9) المونتاج المركب أو العنقودي:
ونقصد ب[ المونتاج المركب( العنقودي)]: المونتاج الفني الذي يؤسسه (الشاعر/ المونتير) على التركيب والتتابع المشهدي، حيث يقوم ( الشاعر/ المونتير) بتركيب اللقطات، بالارتكاز على بعضها البعض،وفق سلسلة مشهدية مترابطة، بحيث ترتكز اللقطة الثانية على الأولى مثلاً،والثالثة على الثانية، والرابعة على الثالثة، وهكذا دواليك، ليكتمل المشهد، وتتضح لقطاته المترابطة،وهذا يدل على تضافر اللقطات وتراكبها المتتابع، ليكتمل المشهد بتمامه وتفاصيله ودقائقه الصغيرة.
وسمي هذا المونتاج المركب بالمونتاج العنقودي، لأن( الشاعر/ المونتير) يركب اللقطات، بالارتكاز على بعضها البعض، لتتخذ شكل العنقود، بتفرع لقطاتها، وارتكازها على بعضها البعض، في المونتاج، والتتابع، والتواشج المشهدي بين اللقطات، وبقدر ما تنسجم اللقطات المركبة مع بعضها بعضاً تحقق عنصر جاذبيتها ومتعتها المشهدية.
وأكثر شعراء الحداثة- على الإطلاق- تأثراً بهذا المونتاج الشاعر الكبير( أدونيس)،ويليه الشعراء التالية أسماؤهم: محمد عمران، وجوزف حرب،وفايز خضور،وعلي الجندي. وللتدليل على ذلك نأخذ المقتطف الشعري التالي لأدونيس:
” الجدار يصيرُ دمعاً
والدمعُ ضحكاً
النهارُ يكتهلُ حنيناً إلى الموت
كل شيء يسافرُ تحت رايةِ البراعم
براعم النشور والقبر
العش والمطر
الزرع والحصاد
الشوارعُ قاماتٌ يكسوها الحلم
الحلمُ طائرٌ مليءٌ بالمخالب يعيش في سقف الأيام”(118).
هنا، يقوم (الشاعر/ المونتير)- في المقطع الشعري السابق- بتركيب اللقطات، بالارتكاز على بعضها بعضاً، بحيث تبدو اللقطة الثانية وليدة الأخرى، ونقطة ارتكازها؛ وهذا التركيب في اللقطات يجعل المشهد مركباً، ومتصلاً لا انفصال فيه، ولا انقطاع رغم تباعد دلالة اللقطة،ودرجة إيحاءاتها،وتشظيها الدلالي، ولإيضاح ذلك نمثل لهذا المونتاج المركب بالمخطط التالي:
• لقطة (1) ……………..( الشوارع قامات يكسوها الحلم)………..لقطة مركبة( الحلم طائر مليء المخالب يعيش في سقف الأيام).
• لقطة(2)………………( الجدار يصيرُ دمعاً).. لقطة مركبة:(الدمع ضحكاً).
• لقطة(3)…………….(كل شيء يسافرُ تحت رايةِ البراعم)… لقطات مركبة متتابعة( براعم النشور والمطر)( القش/ والمطر”)،و( الزرع/ والحصاد).
يتضح لنا – من المخطط السابق- أن الشاعر اعتمد تقنية( المونتاج المركب)، لتنويع دلالات المشهد الواحد، وتعقيد الإيحاءات التي يشي بها؛ وقد لجأ الشاعر إلى تقنية( المونتاج المركب) ليدلل على الحالة الشعورية المأزومة التي ينطوي عليها،ويجسدها بصرياً عبر المشاهد المركبة.
ومن الشعراء من اعتمد هذه التقنية المونتاجية كأداة فنية لمراكمة المشاهد، وتركيبها،ومثالنا المقطع الشعري التالي لمحمد عمران:
” في الغابةِ الزرقاء
رأيتُ جنيةْ
ترقصُ في الأشجار
وكانتِ الأشجارْ ترقصُ فوقَ الماءْ
وكان قلبُ الماء يرقصُ في الأسرارْ
وكانت الأسرارُ زرقاء والأشجار زرقاء”(119).
هنا، يضعنا( الشاعر/ المونتير) أمام لقطات مركبة تركيباً مزجياً، أو تركيباً عنقودياً، إذ تنبني اللقطات على بعضها البعض، إيذاناً بتركيب المشهد، أو مزج اللقطات،وهذا المونتاج- من شأنه- أن يشد المتلقي/ المشاهد إلى هذه اللقطات المركبة تركيباً مزجياً فوق بعضها بعضاً،مترقباً نهايتها ومشهدها الكلي،وفق المخطط التالي:
*(مشهد الغابة الزرقاء)………….. لقطة(1)…( رأيتُ جنية).
*………………………………لقطة(2)..( ترقص في الأشجار)
*……………………………….لقطة(3)..( كانت الأشجار ترقص فوق الماء)
*……………………………..لقطة(4)..(وكان قلب الماء يرقص في الأسرار)
*……………………………لقطة(5)..(وكانت الأسرار زرقاءْ)
*………………………….لقطة(6)..(والأشجار زرقاء).
يتضح –من المخطط السابق- أن كل لقطة ترتكز على الأخرى في سيرورة مشهدية مركبة قصدها الشاعر قصداً، لتجسيد الرؤية بصرياً أمام المتلقي، مشدوهاً إلى متابعة المشهد، بكل لقطاته المركبة المتتابعة، ليقف على قرارها النهائي أو الأخير.
10) المونتاج التجزيئي أو المجزَّأ:
ونقصد ب( المونتاج التجزيئي أو المجزأ): المونتاج الفني الذي يقوم على تجزئة اللقطات إلى لقطات صغيرة، ليكتمل المشهد بالتدريج،ويمثل في ذهن المتلقي/ المشاهد قبل رؤيته مكتملاً بصرياً. ويقوم(المونتير/ الشاعر) بوساطة( المونتاج التجزيئي ) ترك المشهد مفتوحاً، ليترك للمتلقي/ المشاهد فرصة إعمال ذهنه في تكميل المشهد على الشاكلة التي يتوقعه فيها، كما لو أنه على دراية مسبقة بخلفية هذا المشهد،وما ينطوي عليه من دلالات وإيحاءات بليغة.
والجدير بالذكر أنه غالباً ما يلجأ( المونتير) في السينما إلى هذه المشاهد، ليحرك المشاهد ذهنياً قبل إدهاشه البصري، ولذا، فإن أغلب الشعراء باعتمادهم هذه التقنية أثاروا قصائدهم،وبمنظورنا ما أتت عند أغلبهم إلا بوصفها الخلفية الشعورية لما أحسوه،أو شاهدوه من مشاهد مفتوحة على شاشة السينما، تركت هذه المشاهد ظلالها وصداها في ذاكرتهم الإبداعية المستكينة فترة من الزمن،ثم تم استرجاعها في ذاكرتهم الإبداعية، من جديد عبر مشاهد ولقطات مجزأة، أدت دورها الفني كما أدته المشاهد السينمائية المجزأة في مخيلته من سابق.
وفي تصورنا:إن الفنون جميعها متلاقحة ومتداخلة ومتفاعلة في تقنياتها ومؤثراتها الفنية،وإن أي فن من الفنون لا ينفصل جذرياً عن الآخر، بل إن كل فن يغذي الفن الآخر، وإن بدا منفصلاً عنه تماماً،وإن كثيراً من الشعراء يمارسون فنوناً أخرى إضافة إلى فن الشعر، كالرسم، والنحت،والتمثيل،والموسيقا، والرواية،والمسرحية، والغناء،وغيرها من الفنون.
ولا شك في أن أثر هذه الفنون يمتد -دون أدنى شك- إلى حقل أشعارهم، إن هم أدركوا ذلك أم لا، وإن اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا. لأن الفنون جميعها- في النتيجة- ما هي إلا ابنة المخيلة الإبداعية الفذة؛ وما الفن إلا الإفراز الفعلي الخصب لهذه المخيلة الخلاقة أو الفذة.
ومن أبرز الشعراء تأثراً- بهذه التقنية المونتاجية- محمد عمران، وفايز خضور، وجوزف حرب، وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري التالي لمحمد عمران:
“هو الحبُّ يطلعُ من شجر البحر طفلاً
لهُ جسدُ ساحليٌّ
وعينانِ من زهرِ البرتقالِ،ووجه من الريحِ
من خفق أجنحةِ العشبِ
في شفتيه بساتينُ ماءٍ
ومملكةُ من لغات المطرْ”(120).
هنا، يقوم (الشاعر/ المونتير)- منذ البداية- بتجزئة اللقطات إلى عدد من اللقطات التفصيلية التي تفصل المشاهد واللقطات الخاصة إلى لقطات جزئية، ثم يجزئ اللقطات الجزئية، إلى لقطات أصغر وأدق. وهكذا دواليك لرسم ملامح المشهد بدقة وتفصيل، كما في المخطط التالي:
*( الحب)…………. لقطة جزئية( يطلع شجراً)
*……………………(له جسدٌ ساحليٌّ)
*………………….( عينان من زهر البرتقال)
*………………….( وجهٌ من الريح)
*…………………( من خفق أجنحة العشب)
*…………………(في شفتيه بساتين ماء)
*………………..( مملكةٌ من لغات المطر)
إننا نلحظ- من المخطط السابق- أن اللقطات التجزيئية تنقسم إلى لقطات أدق ، في رسم ملامح هذا الطفل الذي خرج من شجرة الحب بجسد ساحلي،وعينين من زهر البرتقال، ووجه من الريح،وشفتين من بساتين الماء،ومملكة من لغات المطر. وقد اعتمد( الشاعر/ المونتير) تقنية( المونتاج التجزيئي أو المجزأ) ليجسد (للمتلقي/ المشاهد) كل جزئيات المشهد بأوصافه الدقيقة تجسيداً بصرياً لا لبس فيه ولا غموض. وهكذا يؤدي المونتاج المجزأ فاعليته في تعميق المشهد من خلال بلاغة الرؤية الشعرية ،ومنتوجها التفصيلي الدقيق على مستوى المشهد الكلي (العام) الذي يلتقطه(الشاعر/ المونتير).
11) المونتاج البؤري المركز:
ونقصد ب( المونتاج البؤري المركز): المونتاج الفني المؤسس على توجيه عدسة الرؤية إلى المشهد المحرقي في الفيلم، أو محرق الدلالة في القصيدة؛ بحيث يقوم(الشاعر/ المونتير) بتوجيه اللقطات المركزة، صوب المشهد البؤري الذي تدور أحداث الفيلم، لتركيز انتباه( المشاهد/ المتلقي) إلى المغزى الجوهري الذي تدور عليه أحداث المشهد،وتنعقد، دون أي تشويش، أو صخب مشهدي، يشتت أواصر الرؤية المشهدية أو يشظيها؛ وبقدر ما يكون( المونتير/ الشاعر) دقيقاً في بث اللقطات المركزة ( المعبرة)، يأتي المشهد مركَّزاً وفاعلاً في كشف عمق الحدث،ودلالة الرؤية المشهدية التي يتضمنها المشهد.
وغالباً ما يلجأ( المونتير)/ (الشاعر) إلى هذا النوع من المونتاجات المركَّزة، ليحقق الفيلم عنصر جاذبيته عبر المشهد المحرقي المؤثر الذي تدور حوله أحداث الفيلم، محققة عنصر تشويقها، وجاذبيتها المشهدية، ومغزاها الفني.
وبرأينا: إن الشاعر حين يوجه عدسة الكاميرا صوب المشهد البؤري المُرَكَّز يستثير المتلقي إلى جوهر القصيدة،ومشهدها التصويري المؤثر؛ فاللقطة لا تحقق إثارتها القصوى إلا حين تكون موجهة إلى حدث معين، أو إلى مشهد مؤثر؛ وهذا يتطلب خبرة في جذب عين المشاهد إلى جوهر الفيلم- مساحة القصيدة، بكل ما تستثيره من مشاهد بؤرية مُرَكَّزة، مبئِّرة للحدث والمشهد الشعري.
ومن المقاطع الشعرية الدالة في هذا المقام المقطع الشعري التالي لنزار قباني:
“اسمها في فمي.. بكاء النوافيرِ
رحيلُ الشذا.. حقولُ الشقيق
حزمةٌ من توجعِ الرصدِ..
رفٌّ من سنونو يهمُّ بالتحليق
كنهورِ الفيروزِ يهدرُ في روحي
وينسابُ في شعوري العميق كلهاثِ الكروم”(121).
هنا، يضعنا( الشاعر/ المونتير) عبر تقنية( المونتاح البؤري المركز) على لقطة بؤرية/أو صورة مركبة تنبني عليها اللقطات الأخرى جميعها؛ وهي الجملة البؤرية الأولى(اسمها في فمي)؛ وعليها بالتأكيد تنبني اللقطات الجمالية الأخرى،وتنعقد بتلاحم وانسجام، كما في المخطط التالي:
*(اسمها في فمي)……………..(بكاء النوافير)
*……………………………(رحيل الشذا)
*……………………………(حقولُ الشقيق)
*……………………………(حزمةٌ من توجعِ الرصد)
*……………………………(رفٌّ من سنونو يهمُّ بالتحليق)
*…………………………..(كنهور الفيروز يهدرُ في روحي)
*………………………….(كلهاث الكروم)
يتضح لنا- من المخطط السابق- أن الشاعر اعتمد تقنية( المونتاج البؤري المركَّز) لتجسيد إحساسه الجمالي بها بصرياً،ليدرك (القارئ/ المشاهد) لذة ما تولده محبوبته في داخله من أحاسيس، ورؤى، وأخيلة،ولقطات مركبة عندما ينطق باسمها، ويترقرق على شفتيه. وهذا يعني أن المونتاج البؤري المركز من فواعل اللقطات والمشاهد المتحركة التي تكتظ باللقطات المتداخلة لتقف على النقطة المركزية في حركة المشاهد،وهذا ما يكسبها القيمة والأثر المشهدي المطلوب للتأثير بالمتلقي.
12) المونتاج المشهدي الصادم:
ونقصد ب( المونتاج المشهدي المفاجئ/ أو الصادم): المونتاج الفني المنبني على اللقطات الصادمة، أو المفاجئة للمتلقي/ المشاهد)، وبقدر ما يفاجئ( الشاعر/ المونتير) المشاهد بلقطات مواربة أو مختلفة في نسقها المشهدي يجذب انتباه المشاهد إلى هذه اللقطات المفاجئة، فتترسخ مثل هذه اللقطات أكثر في ذهن المتلقي،نظراً إلى إقحامها المفاجئ على المشهد الشعري، فتؤدي دورها المشهدي المثير لا محالة في تحريك المشهد،وكسر رتابته، وسيرورته المشهدية المألوفة بلقطة مفاجئة تحرك المشاهد،وتبعث في داخله متعة (المتابعة/ المشاهدة) بحرص وانتباه.
وغالباً ما يلجأ (الشاعر/ المونتير) في الكثير من مشاهده السينمائية إلى إدخال بعض اللقطات المفاجئة( لقطات غريبة عن المشهد)، إلى المشهد مباشرة لتفعيله،وكسر رتابته؛مما يزيده إثارة، وجاذبية، وخلخلة غير متوقعة أو مقصودة على الغالب، لابتعاث عنصري الاستثارة، والتشويق، وتحقيق التأثير الفني المطلوب.
ومن القصائد الدالة في هذا المقام قصيدة( شبيه بأول هذي البلاد) لعلي جعفر العلاق،وفيها يقول:
“ومضينا معاً..
كم سهرنا على بعضنا توأمين
طريين كالغيم،
كم كنت تحرمني من خطايايَ..
كم كنتُ أحميكَ مني:
أمشط أيامكَ البيضَ
أغمر أحزانها بالحلي، أعلقها
عالياً،فوق نهرٍ صغيرٍ
صغيرْ
وطناً قاسياً
كالحريرْ”(122).
هنا،يعمد( الشاعر/ المونتير) في منتجة اللقطات على تقنية( المونتاج المفاجئ أو الصادم)؛ ويلحظ (المتلقي/ المشاهد) أن اللقطات جاءت متوافقة،منسجمة في حركتها ودلالاتها مع بعضها بعضاً، إلى أن جاءت اللقطة المفاجئة التي زادت شعرية المشهد،ورفعت أسهمه الجمالية باللقطة التشبيهية المفاجئة: كا( الحرير)، فاللقطة جاءت صادمة للمتلقي، حين ارتسمت في مرآه اللقطة/ وضدها:[ وطناً قاسياً/ كالحرير]، وقد اعتمد( الشاعر/ المونتير) تقنية( اللقطة الصادمة) لتحريك المشهد الشعري وتفعيله بصرياً.
ومن القصائد الدالة على فاعلية هذا المونتاج قصيدة(زلابيه) لجوزف حرب:
” أذكرُ أني
عندما كنتُ ولدْ
كنتُ أرى ليلاً يدي أمي
وهي تعجنُ الطحينْ
ثم تمدُّ في الضحى عجينها أصابعاً
لها بياضُ الياسمينْ، ونكهةُ الأحدْ
أذكرُ أني
عندما كنتُ ولدْ
رأيت أمي قد غدت في البيت
بحراً،والعجينْ
صارَ زبدْ”(123).

هنا، يبني (الشاعر/ المونتير) فضاء قصيدته/ مساحة الفيلم على تقنية( المونتاج المشهدي المفاجئ)، إذ بنى مشهده الشعري كله على مثيرات هذه اللقطة المشهدية الصادمة، ودليلنا أن اللقطات جاءت منسجمة فيما بينها في حركتها ورؤاها، إلى أن جاءت اللقطة الختامية المشهدية الصادمة:( والعجين صار زبدْ)،وقد رفعت هذه التقنية من شعرية المشهد، وفعلت درجة إثارته المشهدية في (المتلقي/ المشاهد)؛ نظراً إلى ما أحدثه من مفاجأة غير متوقعة في رؤاه، وقشعريرة أدهشته وحركت ما في داخله من رؤى وأحاسيس وعلائم استغراب، ودهشة، مردها اللقطة الصادمة وحركتها الفنية اللامتوقعة. وهكذا يؤدي (المونتاج المشهدي الصادم) قيمة بلاغية مشهدية مؤثرة تنحفر في ذهن المتلقي فترة طويلة من الزمن لاسيما عندما تأتي اللقطة الصادمة بليغة مفاجئة للمشاهد، نظراً إلى غرابتها ودهشتها الصادمة.
13) المونتاج التتابعي/ السريع:
ونقصد ب( المونتاج التتابعي/ السريع): المونتاج الفني الذي يؤسسه الشاعر/ المونتير على تتابع اللقطات، بحركة مشهدية سريعة في المشهد البانورامي المحتدم،لتنبيه (المتلقي/ المشاهد) إلى المفصل البارز في الفيلم، فيسرع اللقطات بمنتجة بصرية سريعة، إيذاناً بالتفعيل البصري للمشهد،وتنبيه المشاهد إلى أنه ثمة حدث مؤثر ينطوي عليه المشهد، فيسرع المونتير في اللقطات إشارة إلى عمق الحدث الذي يتضمنه المشهد.
وبقدر ما يسرع( الشاعر/ المونتير) في اللقطات يأتي( المونتاج التتابعي) سريعاً في تفعيل منتوجه الفني،والتنبيه إلى سيرورة المشهد، وقيمة الحدث الذي يتضمنه.
ومن الشعراء من تأثروا بهذه التقنية إلى حد كبير،ونذكر منهم: سميح القاسم،ومحمود درويش، وجوزف حرب،وممدوح عدوان، وفايز خضور..إلخ.
ومن المقاطع الشعرية الدالة في هذا المقام المقطع الشعري التالي لسميح القاسم:
” فراشة ُ روحكِ تخفقُ مبهورةً بالرحيقِ
الشهيِّ..
على فمكِ الأرجواني
سيارةً تسبقُ الضوءَ في الشارعِ العام..
تضربُ عصفورةً..
يتناثر في الريحِ ريشَ الأغاني القديمة
فيلمٌ قديمٌ على شاشِةِ التلفزيون
فاتنُ تخفقُ مثلَ الفراشةِ بين ذراعي فريد
أنت مريضٌ.. فراشة روحكِ تخفقُ
رفُّ العصافير يخفقُ
قلبكِ ما زال يخفقُ ما يحدثُ الآن موتٌ سريعٌ
يمرُ ببطءٍ”(124).
هنا، يوجه (الشاعر/ المونتير) أنظارنا-منذ البداية- إلى اللقطات المتتابعة السريعة التي تجري أمام عينيه، إثر المرض الشديد الذي داهمه،فبدأ ينظر من شرفة المشفى إلى الشارع،ثم راح يمنتج اللقطات،ويُسرِّعها تجسيداً بصرياً للدلالة عما يعانيه من ضيق واختناق،وقد وظف الشاعر تقنية( المونتاج التتابعي السريع)، ليسرع اللقطات عسى ولعل لحظات الليل البطيئة التي رانت على صدره تنقضي بسرعة،ولو تابعنا سيرورة اللقطات لأدركنا تتابعها ومونتاجها البصري السريع، كما يلي:
*(مشهد المرض الذي داهمه)…..لقطة(1)…(فراشة روحك تخفق مبهورة بالرحيق).
*………………………..لقطة(2)…(سيارةٌ تسبق الضوء في الشارع)
*………………………لقطة(3)..(يتناثر في الريح ريش الأغاني القديمة)
*……………………..لقطة(4)..(فيلم قديم على شاشة التلفزيون)
*…………………….لقطة(5)..( فاتن تخفق مثل فراشةٍ بين ذراعي فريد)
*……………………لقطة(6)..(أنت مريض فراشة روحك تخفقُ)
*…………………..لقطة(7)..(رفُّ العصافير يخفق)
*…………………..لقطة(8)..(موتٌ سريعٌ بطيء).
هنا، يتضح لنا – من المخطط السابق- أن الشاعر اعتمد تقنية( المونتاج التتابعي السريع) في منتجة اللقطات،وتسريع حركتها المشهدية، تدليلاً على ضجره،وتأففه من مرضه الشديد الخانق، وليله السرمدي الطويل الذي تجمدت لحظاته، وبدأت تمر ببطء شديد؛ وهو يعاني وحشة المرض وحيداً، فيلجأ إلى تسريع اللقطات، للخلاص من هذا الضيق، وقد عمد الشاعر إلى تقنية( المونتاج التتابعي السريع) لتجسيد حالته الخانقة بصرياً عبر تتابع اللقطات، وسرعة جريانها،ودلالاتها المشهدية الخانقة بالتأفف والضجر. وهذا دليل أن المونتاج التتابعي السريع من مغريات القصائد المشهدية التي تتعدد لقطاتها، وتتراكم مشاهدها في تجسيد المشهد والحدث الشعري البليغ.
14) المونتاج المتحول/ أو المنحرف:
ونقصد ب( المونتاج المتحول/ أو المنحرف): المونتاج الفني المؤسس على تقنية الانحراف أو التحول؛ إذ يقوم (الشاعر/ المونتير) ببناء لقطاته المشهدية على الانحراف في حركة المشاهد،لتعزيز شعريتها،وتخليق إثارتها المشهدية عبر الانحراف والتحول في سيرورة المشاهد من لقطة إلى أخرى مواربة في المشهد،لإثارة المشهد،وتعزيز شعريته،وجاذبيته المشهدية.
ويهدف(الشاعر/ المونتير)- من جراء استخدام هذه التقنية- جذب المشاهد بوساطة هذه اللقطات المواربة التي تؤدي دورها البالغ في الاستثارة والتأثير.
ومن القصائد الدالة في هذا المقام قصيدة (تحية) لجوزف حرب:
“سرقَ التاجرُ
يوماً مزرعهْ
سرقَ الجائعُ
يوماً لقمةً من مزبلهْ
عندما التاجرُ حيَّانا
رفعنا القُبَّعة
عندما الجائع حيَّانا
رفعنا المقصلهْ”(125).
هنا، يقوم ( الشاعر/ المونتير)- في توجيه سيرورة المشاهد صوب اللقطة الختامية المواربة التي شدت جميع اللقطات إليها،نظراً إلى مؤثرها المشهدي البالغ الإثارة والعمق والتحفيز،إذ إن الشاعر ما قصد أن ينقل لنا مشهداً تعبيرياً معتاداً، أو مألوفاً لدينا من حيث واقعيته،وإنما أراد أن يصدمنا باللقطة الختامية،ليدلل من خلالها على ازدواج المعايير التي نحكم من خلالها على الآخرين؛ فالأولى أن نرفع القبعة لهذا الفقير الذي يرضى أن يقتات من فتات الأغنياء،لا أن نرفع القبعة للسارق الغني الذي يعيش على دم الفقراء؛ لكن الشاعر عكس المشهدين، لزعزعة المشهد وقلقلته،وبث دلالاته العميقة،والسخرية من أحكامنا المغلوطة،ورؤانا المعكوسة. وهذا يعني أن المونتاج المنحرف هنا أثار حساسية الرؤية المشهدية ،وكثف من شعرية اللقطات في نسقها المشهدي العام.
وتبعاً لهذا، جاء المونتاج المتحول أو المنحرف فاعلاً في تجسيد مراد الشاعر الفني من الانحراف والانزلاق في حركة اللقطات والمشاهد بما يخدم الرؤية المشهدية ومردودها الدلالي والفني.
15- المونتاج المؤتلف/ أو الملتحم:
ونقصد ب( المونتاج المؤتلف/ أو الملتحم): المونتاج الفني القائم على التآلف والالتحام في حركة اللقطات والمشاهد، لتأتي اللقطات ملتحمة لا انفصال فيما بينها، خاصة اللقطات التوصيفية،أو التعريفية التي ترصد أجواء المشهد، وخلفيته الفنية ومؤثراته المكانية من تجسيد للمكان وترسيم لأبعاده الفيزيائية. وأكثر ما يستخدم (الشاعر/ المونتير) المونتاج المؤتلف في إبراز المشاهد الملتصقة التوثيقية التي لا تتطلب انزلاقاً فنياً حاداً في حركة المشاهد، فتأتي هذه المونتاجات مؤثرة في مجرى الكشف والتوصيف المشهدي عن الشخصية المؤثرة في مجرى( الفيلم/ أو الحدث الشعري البانورامي المفتوح).
ومن المقاطع الشعرية الدالة في هذا المقام لنزار قباني:
” حبُّكِ ينمو وحده
كما الحقولُ تزهرُ
كما على أبوابنا ينمو الشقيقُ الأحمرُ
كما على السفوح ينمو اللوزُ والصنوبرُ
كما بقلبِ الخوخِ يجري السكر”(126).
هنا، يضعنا( الشاعر/ المونتير) أمام سلسلة من اللقطات الملتحمة في سيرورة لقطاتها وتشبيهاتها المتداخلة،في تصوير حب الحبيبة في تطوره ونموه،ولئن كان الشاعر مغرقاً في اختيار التشبيهات الملائمة واللقطات الملتحمة،فقد بدا المشهد وصفياً، وإن غلب عليه الإثارة المشهدية من خلال اللقطات الجمالية المشتقة من حقل الطبيعة. وقد اعتمد الشاعر تقنية( المونتاج المؤتلف / أو الملتحم) لتجسيد مراحل نمو الحب عند الحبيبة، تجسيداً بصرياً بكل مظاهره الجمالية،وانتشائه المشهدي المثير للرائي بصرياً.وهذا يعني أن المونتاج الملتحم هو من المونتاجات المؤثرة في تحريك الرؤية الشعرية وتعميق شعرية المشهد، لاسيما عندما يكون المشهد مكثف الرؤى، خصب الدلالة.
ومن المقاطع الشعرية الدالة على فاعلية هذه التقنية المونتاجية المقطع الشعري التالي لمحمد القيسي:
” يمرُّ من أمام دارنا القطارُ
يمرُّ التلاميذُ عند الضحى
ويلعبُ الصغارُ
تمرُّ الليالي سعيدة
وأبكي أنا
لأني هنا وحيدٌ
وداري بعيدة”(127).
هنا، يبني(الشاعر/ المونتير) لقطاته على الالتحام والتضافر بين اللقطات، للدلالة على ما يعانيه من جراح النفي، والحرقة، والاغتراب،شأنه في ذلك شأن الكثير من شعراء فلسطين الذين عانوا الغربة وجراحها الشيء الكثير؛ ولذلك احتفت قصائدهم باللقطات التصويرية الملتحمة(المتتابعة) التي تفوح بشتى مظاهر التوق والحنين إلى الديار والأهل والحبيبة؛ومن هذا المنطلق، جاءت تقنية( المونتاج المؤتلف / أو الملتحم) فاعلة في تجسيد مظاهر حنينه إلى الوطن، تجسيداً بصرياً للمتلقي / المشاهد بكل حرارتها العاطفية، وإحساسها الاغترابي المأزوم. وهذا دليل أن المونتاج المؤتلف أو الملتحم من فواعل المونتاجات المؤثرة في إصابة عمق الدلالة المحركة للمشهد الشعري، مما يحقق للمشاهد قيمتها البليغة وإثارتها المحفزة للمتلقي،لاسيما في المشاهد الدرامية المتوترة التي تضج بالحركة والصراع.

وأخيراً، نخلص من هذه التعريجة البحثية المستفيضة إلى النتائج التالية:
1- إن أغلب شعراء الحداثة استخدموا تقنية المونتاج دون دراية، أو وعي فني مسبق، وما تقاطر هذه التقنية في أشعارهم بزخمها الواسع دليل وعي مسبق،وما تطورها عند البعض إلا بدافع فني تنماز به الذات المبدعة الخلاقة عما سواها بالتقنيات، والوسائل، وطرائق التعبير المبتكرة؛ وهذه التقنية شأنها شأن الكثير من التقنيات التي تولدت في نصوصنا الحداثية دون وعي مسبق بأهميتها وقيمتها الفنية،أي جاءت نتيجة ثقافة بصرية مكتسبة من الشاشة الصغيرة. ”
2- إن تأثر الشعراء بالصور المتحركة التي تستدعي التخليق والتبصير(استثارة عين الرائي) دفعهم إلى التلاعب بالصور الفنية بصرياً،فقادهم حدسهم الفني إلى تخليق الصور السينمائية، ذات الحراك البصري الواسع التي تنطوي عليها المشاهد السينمائية في حركة مونتاجاتها الفنية السريعة،وتقطيعها المؤدلج فنياً، تبعاً لزخم الصورة،والمشاهد واللقطات المتراكمة التي تحفل بها المشاهد السينمائية والبانورامية المفتوحة.
3- قد لا يختلف معنا اثنان: في أن تقنية(المونتاج) ذاتها،وإن كانت غائبة عن وعي الكثير من شعراء الحداثة- جاءت حاضرة بقوة في نتاجاتهم الشعرية،ومرد ذلك يعود – من منظورنا- إلى ولع شعراء الحداثة أنفسهم في تحريك الصورة، تبعاً لحراكهم الداخلي، وذواتهم القلقة المتسائلة دوماً التي لا تكاد تستقر على موقف، أو تركن لثابت دوماً؛ فالانزلاق والرجرجة والاختلاف، خاصية ملازمة لشخصية الشعراء فكيف الحال بنتاجاتهم الشعرية؟!! وبمشاهدهم المتحركة التي تبحث عن متغيرها البصري أو المشهدي كما هو حال متغيرها الوجودي والكوني.
4- إن أغلب( المونتاجات الشعرية) تحقق قيمة فنية بليغة في النص الشعري الحديث، شريطة أن تُفعَّل المشهد الشعري والرؤية المشهدية لدى المتلقي، وإلا فإنها سرعان ما تسقط مثل هذه المونتاجات في رتابة اللقطات الساكنة أو اللقطات الغوغائية البصرية السريعة اللامنظمة فنياً؛ مما يضعف أثرها في المشهد الشعري،ومن ثم تفقد هذه التقنية دورها وفاعليتها الفنية في الإثارة والتحريض، والمكاشفة المشهدية العميقة.
5- إن ثمة شعراء يملكون رؤية مونتاجية ثاقبة في منتجة مشاهدهم الشعرية، لدرجة تفوق لقطاتهم المتحركة أو المبرمجة سينمائياً الكثير من اللقطات والمشاهد السينمائية ،وتطغى عليها أحياناً. كما في الكثير من قصائد( محمود درويش، وسميح القاسم، وجوزف حرب، وشوقي بزيع، وعبد العزيز المقالح، وفايز خضور….إلخ.
6- تتنوع المونتاجات الفنية- في قصائد شعراء الحداثة كثيراً، لكن رغم تنوعها واختلافها فأنها تأتي منحدرة من جذر مونتاجي واحد أو شائع هو( المونتاج التفصيلي/ أو التتابعي)؛ فالمونتاج(التراكمي/ والمونتاج التفاعلي/ والمونتاج التضافري/ والمونتاج المتوازي ما هي إلا حصيلة هذا المونتاج في مناحيه، وتطوراته الكثيرة؛ وبمنظورنا: مهما اختلفت المونتاجات وتعددت لا دور لها إلا إذا حركت المشاهِد، وأكسبته إدراكاً بصرياً أو تأثراً فنياً ملحوظاً عبر اللقطة المفاجئة أو المشاهد البؤرية المُركَّزة التي تستقطب المتلقي / المشاهد، وتجذبه فنياً.

الحواشي:
(1)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،مخطوطة، أطروحة دكتوراة جامعة حلب،ص190.
(2) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي،ط1، بيروت،لبنان،ص18.
(3)المرجع نفسه،ص22.
(4)المرجع نفسه،ص130. وانظر: العسكر،فهد،1998- الإخراج الصحفي أهميته الوظيفية واتجاهاته الحديثة، مكتبة العبيكان،الرياض السعودية، ص106.
(5)المرجع نفسه، ص171.
(6)المرجع نفسه،ص172.
(7)بزيع،شوقي،2005- الأعمال الشعرية،ج2/ص566.
(8)بغدادي،شوقي،2008- ديوان الفرح،دار الرائي ط1،دمشق،ص94-95.
(9)كريم،فوزي،2007-ليل أبي العلاء،دار المدى، دمشق،ص85.
(10) يوسف،سعدي،1979- الأعمال الشعرية،دار الفارابي،بيروت،ص348.
(11) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص172.
(12) العلاق،علي جعفر،2008- أيام آدم،دار كنعان،دمشق،ص9.
(13)سعيد،حميد،2005- من وردة الكتابة إلى غابة الرماد،دار أزمنة، الأردن،ط1،ص52.
(14) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص175.
(15) بغدادي،شوقي،2008- ديوان الفرح،دار الرائي،دمشق،ص77-83.
(16) المصدر نفسه،ص78-79.
(17)شمس الدين،محمد علي،1999-منازل النرد، دار الانتشار العربي،بيروت،ط1،ص67-68.
(18) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص176.
(19)المرجع نفسه،ص176.
(20)قباني،نزار 1973- الأعمال الشعرية الكاملة، ج1/ص161-162.
(21) أدونيس،علي أحمد سعيد- ديوان أغاني مهيار الدمشقي،ص311.
(22) أبو عفش،نزيه،1978- أيها الزمن الضيق أيتها الأرض الواسعة،منشورات اتحاد الكتاب العرب،دمشق، ط1،ص107-110.
(23) الجندي،علي،1969- الحمى الترابية،ص167-168.
(24)المناصرة،عز الدين،2006- الأعمال الشعرية،ج1/ص456.
(25)الحصني،عبد القادر،1998-ماء الياقوت،مركز الإنماء الحضاري حلب،ط2،ص39-40.
(26) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص39.
(27) المرجع نفسه،ص39-42.
(28) دنقل، أمل،1973- البكاء بين يدي زرقاء اليمامة،ص65-66.
(29) الماغوط،محمد، 1971- الآثار الكاملة،دار العودة،بيروت،ص78-79.
(30)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص192-193.
(31)الصفراني، محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، ص43-44.
(32) المناصرة،عز الدين،2006-الأعمال الشعرية،ج1/ص468.
(33)عبد الصبور،صلاح،1988- الديوان،دار العودة،بيروت،ج3/ص465.
(34) خضور،فايز،2003-ديوان فايز خضور،ص229.
(35) بزيع،شوقي،2005- الأعمال الشعرية،ج2/ ص546.
(36)العلاق،علي جعفر،2006-سيد الوحشتين،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،000ط1،ص59-60.
(37) الأيوبي،ياسين،1983-قصائد للزمن المهاجر،دار الرائد العربي،بيروت، ص127.
(38)كريم ،فوزي،2007- ليل أبي العلاء،ص37.
(39)بزيع،شوقي،2005-الأعمال الشعرية،ج1/ص232.
(40)الماغوط،محمد،2007-شرق عدن غرب الله،نصوص جديدة،دار المدى،دمشق،ط2،ص123.
(41)العلاق،علي جعفر،2006-سيد الوحشتين،ص37.
(42) عدناني،محمد،2006-بنية اللغة في المشهد الشعري المغربي الجديد(1990-2003)،مجلة عالم الفكر،ع3،مج34،يناير-مارس،ص104.
(43) المرجع نفسه،ص104-105.
(44)المرجع نفسه،ص105.
(45)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص214.
(46)المرجع نفسه،ص215-216.
(47)بزيع،شوقي،2005- الأعمال الشعرية،ج1/ ص276.
(48) المصدر نفسه،ص276-277.
(49) ترمانيني،خلود،2004-الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص218.
(50)بزيع،شوقي،2005-الأعمال الشعرية،ج1/ص277-278.
(51)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص225.
(52)سعيد،حميد،2008-مشهد مختلف،دار الأزمنة،عمان، الأردن،ط1،ص20-21.
(53)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص226.
(54)المقالح،عبد العزيز-بلقيس وقصائد لمياه الأحزان،وزارة الثقافة والسياحة،صنعاء، اليمن،ص234-235.
(55)درويش،محمود،2008-أثر الفراشة،مطبعة دار الريس،بيروت،ط1،ص190-191.
(56)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص226.
(57)الماغوط،محمد،1971-ديوان محمد الماغوط،دار العودة،بيروت،ص199-200.
(58) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص223.
(59)شمس الدين،عبد الكريم،1997- الأعمال الشعرية،دار الحداثة،بيروت،ط1،ص450-452.
(60) ترمانيني، خلود،2004-الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص224.
(61)ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص226.
(62) الصفراني ،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص133.
(63) بزيع، شوقي،2005- الأعمال الشعرية،ج2/ ص845-849.
(64) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص229.
(65)خضور،فايز،2003- ديوان فايز خضور،ص461-467.
(66) المناصرة،عز الدين،2006- الأعمال الشعرية،ج1/ ص287-299.
(67)الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص200.
(68) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص 203.
(69) المرجع نفسه،ص203-204.
(70) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص200.
(71) أبو عفش، نزيه، 2003- الأعمال الشعرية،ج2/ ص353.
(72)العنيزي،شوقي،2009- لعبة الغموض وتناثر المعنى،مجلة عمان، ع163،ك2،ص79.
(73) بغدادي،شوقي،2008- ديوان الفرح،ص97-98.
(74) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص213.
(75) العلاق، علي جعفر،2011- ديوان(ذاهب لاصطياد الندى)،دار فضاءات،ط1، الأردن، ص13.
(76) الجندي،علي،1978- النزف تحت الجلد، اتحاد الكتاب العرب،دمشق، ص102-106.
(77)الدوخي،حمد محمود،2009- المونتاج الشعري في القصيدة العربية المعاصرة،اتحاد الكتاب العرب،دمشق، ص15-16.
(78)الصفراني،محمد،2008-التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص227.
(79)تيموثي،كوريجان،2003- كتابة النقد السينمائي، تر: جمال عبد الناصر،ط1، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ص55.وانظر: الصفراني،محمد،2008-التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، ص231.
(80) المرجع نفسه،ص35،نقلاً من التشكيل البصري، ص232.
(81)حرب، جوزف،1994- الخصر والمزمار،دار الآداب،بيروت،ط1،ص206-207.
(82)المناصرة،عز الدين،2006- شعرية المنهج المونتاجي(علم الشعريات)،ع61،مجلة كتابات معاصرة، ص 19.
(83) بغدادي،شوقي،2008-ديوان الفرح، ص137.
(84) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص233.
(85)المناصرة،عز الدين،2006- الأعمال الشعرية ج2/ ص351.
(86) حرب،جوزف، 1994- الخصر والمزمار، ص252.
(87) سان، تيرسن- الإخراج السينمائي، ص95. نقلاً من الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص234.
(88) المناصرة، عز الدين،2006- الأعمال الشعرية،ج2/ ص305.
(89) بغدادي،شوقي،2008- ديوان الفرح،ص135-136.
(90) الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص236.
(91)بزيع، شوقي،2005- الأعمال الشعرية،ج2/ص481.
(92) العلاق، علي جعفر،2011- ذاهب لاصطياد الندى،ص82-83.
(93) تيرسن، سان،الإخراج السينمائي، ص93. نقلاً من الصفراني، محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث، ص237.
(94) دنقل، أمل، 1973- البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، ص96-99.
(95) عمران، محمد،2000- الأعمال الشعرية الكاملة،منشورات وزارة الثقافة،دمشق، ج4/ ص183.
(96) بزيع، شوقي،2005- الأعمال الشعرية، ج2/ ص448-450.
(97) الناعم، عبد الكريم، 2009- مهرجان الأبواب، ص89-90.
(98) علي ،محمد وحيد،2008- ضياء الحالم،اتحاد الكتاب العرب، دمشق،ص113-114.
(99) بغدادي، شوقي،2008- ديوان الفرح،ص121-122.
(100) أيزا برجر، أرثر،2003- النقد الثقافي، تر: وفاء إبراهيم،رمضان بسطاويسي،ط1، المجلس الأعلى للثقافة مصر، ص76.
(101) الدوخي، حمد محمود،2009- المونتاج الشعري في القصيدة العربية المعاصرة، ص31.
(102)الصفراني،محمد،2008- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص250.
(103) المرجع نفسه،ص250.
(104) الحصني،عبد القادر، 1998- ماء الياقوت،مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط2، ص9.
(105) سعيد،حميد،2011- قصيدة( الخوف والقصيدة) مدونة في كتاب(مسارات الإبداع الشعري) : شرتح،عصام،ص177-181.
(106) عمران، محمد،2000- الأعمال الشعرية الكاملة، ج1/ ص88.
(107) حرب،جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت، رياض الريس، للكتب، والنشر بيروت، ط1، 408-409.
(108) الماغوط، محمد- الآثار الكاملة،دار العودة، بيروت، ص166-167.
(109) العلاق، علي جعفر،2011- ذاهب لاصطياد الندى، ص224-225.
(110) المقالح،عبد العزيز، بلقيس وقصائد لمياه الأحزان،وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، اليمن، ص224-225.
(111) سعيد، حميد،2008-مشهد مختلف،دار أزمنة، الأردن، عمان، ط1،ص15- 17.
(112) خضور، فايز،2003- الديوان، ص245.
(113) عمران،محمد،2000- الأعمال الشعرية الكاملة، ج1/ ص62-63.
(114) درويش، محمود،2008- أثر الفراشة،ص131-132.
(115) حرب ،جوزف،1994- الخصر والمزمار، ص38-39.
(116) الصفراني، محمد،2000- التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث،ص255.
(117) درويش، محمود ،2008- أثر الفراشة، ص159.
(118) أدونيس، علي، أحمد سعيد،1971- الآثار الشعرية الكاملة،ج2/ ص179-180.
(119) عمران، محمد، 2000- الأعمال الشعرية الكاملة، ج3/ ص112.
(120) المصدر نفسه، ج3، ص78-79.
(121) قباني، نزار- الأعمال الشعرية الكاملة،ج1/ ديوان ( قصائد متوحشة) ص38.
(122) العلاق، علي جعفر،2011- ذاهب لاصطياد الندى، ص63-64.
(123) حرب،جوزف، 2008- كلك عندي إلا أنت،ص50-51.
(124) القاسم ،سميح، 2004- الأعمال الشعرية، ج4/ ص363.
(125) حرب،جوزف، 1994- الخصر والمومالار،ص250.
(126) قباني، نزار- الأعمال الشعرية الكاملة،ديوان الرسم بالكلمات،ج1/ ص475-476.
(127) القيسي، محمد،2002- كتاب الحصى والماس، وزارة الثقافة، دمشق، ص177- 178.

عدد المشاهدات:(87)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية