التعالق الوظيفي وخبايا المسرود../ الروائية نضال القاضي وسيرة ظل .. بقلم: مقداد مسعود |

التعالق الوظيفي وخبايا المسرود../ الروائية نضال القاضي وسيرة ظل .. بقلم: مقداد مسعود

1-2
أهدتني القاصة والشاعرة والروائية : نضال القاضي نسخة ً ورقية ً من روايتها في 30/ 5/ 2011 في مهرجان المربد الشعري ..بعد شهر أنتهيت ُ من قراءة بعض هدايا المربد .. ثم تناولتُ روايتها ،حين أنتهيت من المرقمة (1) من الفصل الأول(الدعسوقة )..تأكد لي أن هذا العمل الروائي يتميز بهندسة سردية حاذقة ..حين أنتهيت من الرواية : توفرت لدي ثريا من الهوامش صيرتها مصابيح قراءتي المنتجة … ليس كسلا ..بل خبرتي في القراءة أو صتني بالتريث !! لكن .. مَن صيّر التريث مرجئة ً طيلة هذه السنوات ؟! لقد عدت للرواية بقراءة أخرى عابرا فيها غابات سرد ومنعطفات وأرباض .. وغفوة أودية ..
(*)
في خريف 2016، بدأت قراءة ً جديدة ً ، ودخلتُ الرواية منحنياً كما (انحى سطيفان يلتقط ورقة نباتية ../ 137) وسأنظر إلى الرواية كما نظر اسطيفان للورقة (من خلال عدسة مكبّرة) وستتدفق انتاجية قراءتي كما تخيل سطيفان (درجة الذكريات فيها ..)..هنا عظمة الكدح السردي للروائية نضال القاضي .. وهي تختار لنصها الروائي قراءة نوعية متفرغة للتأني في طوافها ضمن الفضاء الروائي ..قارىء مغمور بتجربة قراءاتية غزيرة حين يرى ورقة شجرية بأصبعه يسمع (هسهسة صوتها الذي يصلنا بريئا تحمله الريح إلينا ) هو القارىء الذي سوف يسأل نفسه وهي يتأمل شجرة خسرت الكثير بسبب التكيف البيئي : أين عقلها ..؟ هل هو جزء من منظومة خاصة بالكائن لها استقلاليتها؟ !
(*)
أرى حركتين في الرواية :
*حركة فيزياوية تقوم بها البطلة ، فهي قادمة من مكان ..إلى مكان فيه منزل ستوقظه هذه الزائرة..
*حركة جوانية تنتظر تشغيلها بفعل قراءة الزائرة القادمة للمخطوطة الراقدة تحت أغبرة المكان المهجور ..
بالحركتين : تم تشيد الصرح الروائي (سيرة ظل )..
(*)
المشترك الاتصالي : هو النسيج السردي المتماسك والمتدفق بجمالية باذخة لاتأخذه غفوة ٌ أو ترهل ..فسيادة السرد تحيك حتى الحوارات سردا في مصفوفتها .. والتاريخ موجود ولكن بشرط المسافة الفاصلة بين المؤرخ والروائي . والحقيقي موجود ولكن بشرط الإبداع الذي يجعل الحقيقي مرّكبا وبمخيال ومتوفراً حسب شبكة معقدة من العلائق الفنية الوظيفة .. ففي الرواية : المنتهك الأكبر هو الحقيقة ..ولولا الإنتهاك الإبداعي لما شمخت الرواية كصرح مسرود .. وهكذا فالمسرود الروائي تخلى عن السرد الحكائي وأكتفى بحركة المشكال الملوّن وماتسرده حركة المشكال من خلال شظاياها الملوّنة وهذا ماقامت به الروائية نضال القاضي في روايتها (سيرة ظل ..)..و بشهادة فعل السرد في (بستان هبوب )(فنحن لانقول الأشياء نفسها وإذا قلناها فمؤكد ليس بأسلوب محدّد بعينه أو في سياق معمول به ./ 72).. فبياض المدونة ستضيئه سبّابة تبرز من عباءة صوف السرد حول جسد أدمن عتبة الباب أو عتبة النص أو عتبة فن الوجود ، ستشفط سبّابة الصوف كل طاقاتها الجسدانية والروحية وتثبتها في الرغبة بالشيء ورغبتها هي يقظة الصوف في سرده المحلوم نصا ..وسيترك نول الغزل فجوة تتسرب منها خضرة البستان ربما لملاحقة بقعة دم (تمشي على قدمين ، وتتسع في الأماكن ذاتها../ 72).. يبدأ الفضاء الروائي مغموراً بمياه راكدة وهذا الركود يغلّف مسطحات النص الروائي أيضا ، وستكون وظيفة القراءة النوعية تشغيل النص / ترجيج الركود ، وبالطريقة هذه ستخلع القراءة عن الكتل الترابية الجافة والهائلة المقتلعة من مكانها ..ستخلع (سنوات قريبة ً وبعيدة ً تُركت بِكراً مكشوفة في العراء../9).. ومع إستعادة بكارة الأشياء ،ومع تقليب أو تجريف المكان : يستيقظ المكين من غفوة التراب نافضا عنه مستعمرات السراخس وعيدان القصب وروزنامة الأشياء وصمم الأحجار..(فأن طيفا من تلك السنوات يحوّم في المكان ../9) وعورة الطريق الترابي في الصفحة الأولى تومىء بلطف إلى وعورات تتضافر منها مصفوفة السرد الأنيق الجميل ..
(*)
لا ينوجد شخوص الرواية بطريقة تآلفت معها القراءة النمطية ، سرد نضال القاضي يتناول الحدث والأشياء والبشر: بطريقة مغايرة ، ليس هناك مركزانية شخصية محورية ، وكل مايجري أشبه بإقتناص لحظة شبحية لشخوص استحالت اشباحا ً بمؤثرية تراكمات مؤثرية الزمن وكأنها تتفق مع أطروحات آلا ن روب غرييه في السعي إلى رواية (بصرية وصفية ) وهكذا يتحين التراسل المرآوي بين الأدب / الرواية وبين الواقع الشديد السطوع كظهيرة صيف جنوبي .. ويمتد بدلا عن ذلك خيط قوي :
بين قراءة للحياة أنتجت رواية ————- قراءة منتجة تستضيء بالرواية وتضيئها في الوقت نفسه ..
(*)
لحظة الرواية : ربما تكون أقل من حجم قطرة ماء تسقط من غيمة نحو الأرض ، لكن كاميرا السرد تلتقط هذه اللحظة / القطرة وتعرضها لنا بالحركة السينمية البطيئة . إذن هي حركة عروج بالمقلوب أو حركة عمودية تنطلق من منعرج إلى مهبط ..وتنضد بعد ذلك أفقيا في المطبوع الروائي .. والطريق من المهبط إلى المنزل ليس قصيرا كما تصور السارد ..(غير أن ّ بضع الخطوات التي ظننت لم تكن بضع خطوات فقد استغرقت وقتا أطول مما كنت أتوقع كي أبلغ عتبة المنزل ../10)..لكن هذا الظن لايتوفر للقارىء النوعي فهو مع الصفحات الأولى يشعر عكس ذلك ، ثم يتلذذ بالمسافة السردية وتكون هذه المسافة : غايته وليس الوصول إلى المنزل وسيقرع كائن نصي جرسا ماوراء النص .والمسافة : مسافتان : جوانية ———— برانية
تغوص المسافة في أزمنة عراقية وأمكنة ..وتعود إلى المبتد أ .فالرحلة التي بدأت في ص 9 سنعود إلى في ص 140..وبشهادة المؤلفة نضال القاضي ذاتها
(أمام ناظري الشخصيّة التي تركتها عند الترعة عصيّة مركبة ،وأنا أحتاج أن أمسك برأس الخيط كي أبدأ روايتي ../ 140) ليس الشخصية وحدها مركبة فالتركيب هو من أهم السمات الجمالية في هذا النسيج المسرود تروية ً ..
(*)
صوف السرد يتمرى فيرى في طين التكوين ، الباب يسرد حركته هواء الليل والقمر يسرد المسطح المائي بفضته الرقراقة ..(فتبدو المرآة غير معنية بالمكان
فالأجسام التي تقف أمامها تتلاشى صورها ../ 12..) ..وللمرآة مسردتها (..رسوم وكتابة مقلوبة كما لو كانت قد نسخت عن مرآة ../14)..ثمة كيس لبيوض الدعسوقة يتدحرج للوراء وهو يسحل خلفه (أصوات أختلطت ببعضها وجعلت تخفت مبتعدة ثم انقطعت ../ 12) وفي غبار المكتبة الصامتة ثمة كيس لبيوض السرد ، يترجى أن يفقسه فعل قراءة ، تلتقط يد السارد برفق تفتحه بحذر وببطء تفتحه وبشهادة اليد الساردة ..(تتكسر حافاته الرقيقة بين أصابعي لتأخذ مصيرها إلى جانب ما وجدته من ممحيات ومقطعات ../ 14)..
(*)
تضخ رواية نضال القاضي : كماً هائلا من العلاماتية المرنة بتوقيت السطر الأول من الصفحة الأولى ، فالعين لاترى الأشياء عارية ، بل المخيلة تستبق مع العين في الرؤية ..(عين ماء وضربة ريشة خاطفة ، لطخة سوداء تمتد فوق رؤوسنا يسمّونها الليل ، العين محددة بباب خشبي ومجدولة حافاتها بأسلاك وطحالب ولاأدري من منهما يسحل الآخر هي أم القمر ؟../ 9).. وهناك علاماتية يتم تشغيلها بنظام الإحالة التكرارية فما يجري في الصفحة الأولى من الرواية سيتكرر سرده في ص44 مع توسيع البؤرة ، وها نحن نثبت الوحدتين السرديتين :
*(طريق ترابي يظهر تتواصل فيه أعمال حفر وتجريف حيث بدت الكتل الترابية الجافة والهائلة المقتلعة من مكانها /9)…
*(انحدار شديد في التربة إثر عمليات مسح وحفر وتجريف قامت بها الآلية العسكرية الانكليزية لتأمين المواصلات ../ 44)
في المسردة الثانية يتسع فضاء الرؤية وتظهر بصمة المتغير فما يجري هو سيادة الطرق والأ قتصاد للأمبريالية وهي نقلة من مستعمرة السراخس ..إلى مستعمرة العراق بريطانياً..
*نضال القاضي / سيرة ظل / المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت / ط1/ 2009

عدد المشاهدات:(3)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This blog is kept spam free by WP-SpamFree.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية