الصبي والنهر قصة قصيرة بقلم: عبد الفتاح المطلبي |

الصبي والنهر قصة قصيرة بقلم: عبد الفتاح المطلبي

عبد الفتاح المطلبي :

عيونُها التي بدت مثل خرزات سود شابها الضباب ربما أسدلت الستار دون الدنيا قبل أن تموت تُرى هل فكرتْ بالنار التي ستأكلها قبل تلك الأفواه ، ربما سنحت لواحدٍ من جنسها الفرصةَ ليرى المصير المرعب ، ربما انزلق من يد الصائد وهو يشوي رفاقه ثم أخبر الجمع بما رأى ، وهل للأسماك من ذاكرة، لاأظن فما نفع ذاكرةٍ لاتدفع خطراً .
تذكر وجه أمه الباسر هدأ روعه فشعر بامتنانٍ للرجل الغريب،وضع السمكات على الأرض، لمح التماعةَ فرحٍ في عينيها وربما شيئاً من الفخر أيضا ، راحت تجهزُ طحينَها في وعاء العجين بهمةٍ أشعرته بسعادةٍ غامرةٍ ثم عادتْ وقلّبتْ السمكات و لم يزلن مسلوكاتٍ في الحبل يتدثرنَ بسكينة الموت.
– السمكات صيد البارحة !

تبخرت مسحة الفخر من وجهها كما لاحظ ذلك .
– من أين لك؟ …هل..؟

– هذا صيدهم من الليلةِ البارحة ، بادلته بصيدي الذي لقفتهُ شباكهم….وما كانَ بيدي أن أفعلَ شيئاً

لمعت في رأسها ذكرى كانت هاجعة ، تذكرت أن لكلِّ امرئٍ نصيبه …، تداعت الذاكرة مثل جدارٍعتيق راحت تنهالُ أحجارُهُ على دماغها المتعب ….فكّرت… و أنتِ ألم تستبدلي صيدكِ ورضيتِ بالبديل؟
– عندما انعطف النهر نحو القرية، من هناك بثثتُ كريات الزهر ورحت أنتظر … مرت أرباع الساعات وأنصافها طويلةً.. أنتظر زعنفةً تشق وجه الماء..الإنتظارُ ممضٌّ يا أمي

تَذكّرَتْ كيف كانت تطارد صيدَها بصبر، الإنتظار الطويل ، تنصُبُ الأحابيلَ ، تعتني بالجدائلِ ، تتمايل في الذهابِ والإياب ِ نحو النهر وتنتظر .. وكان عليها أن تقنع نفسها بأن الذي حدث كان وما يزال يحدث دائما ، تحتاج النساء في كل مكان لكي يكنّ نساءً فاتنات أن يشعرن باهتزاز أردافهن ولو على سبيل التذكير بأنهن حفيدات تلك التي كانت تحت شجرة التفاح ، نساءُ القريةِ كلهنّ جميلتهنّ وقبيحتهنّ يسلكنَ (الحرثةَ) إلى النهر وعلى رؤوسهن الوقاء والبرميل فالرجال عندما يعودون يريدون ماءَ (الحِب )*صافياً والقُلّةَ تحت الناقوط لهذا ولأسباب أخرى خرجت إلى شريعة النهر، عيناها تنظران إلى ردفي (ملكية) اللتين تشبهان المطحنة ، تحاول التقاط الحركة وافتعالها فراحت تطرق الأرض بقدميها الحافيتين على أنغام تلك الهزات الموزونة وعندما أحست بأنها تقترب من براعة ملكية شعرت بالرضا عن نفسها فما حصل اليوم يدحض ما استشعرته الليلة البارحة قبل أن يمضي إلى سبيله،كادت أن تلمسَ قلبَه ، تبعت طريقَهُ أينما حل … قذفت عليه أريجَ عطرِها بين الحين والآخر ، حتى إذا ظنت أن الخيطَ يراود سَمِ الخِياط … اصطادته شباكُ الأخرى و أحابيلُها…كل شيءٍ قسمة ونصيب وكانت من نصيب المرحوم ….
– أمي…أمي…..بعد الإنتظار لمحته يسبح بين الماء والماء .. لمحت ظهره الأسود ، كان شبوطا لم أر له مثيلا.
– لماذا يسهل خداع السمك …ألا يتذكر.؟….
يومٌ عسيرٌ … الجوع يمزق أمعاء الصغيرين … الحرب أخذته ولم يعد .. توطنت الحرب من قبل بناء بيت جديد … بدتْ كالخريف يغيب ويظهر وفي كل غياب تنبت روح … وفي كل ظهور تأكل الحرب ما نضج …. الحقل مليء بالشجيرات الخضر بيدَ أن الصيف يكفل يباسها ، في الشتاء تحترق حطبا …، مشقاف السمك معلقٌ في حجرة الطين.. لقد رأى أباه ذات يوم كيف يلفّ قبضتهُ على مقبض المشقاف ، رآه أيضا كيف يصنع العجينة وكيف يدس فيها مسحوق الزهر فكبرَ..ولما قالتْ له أمهُ ذات يوم : أنت الآن رجل البيت كبر أيضا حتى شعر أن قبضته تستطيع القبض على المشقاف بقوة
نهر (الجادل)…. يتلوى من (الصدور) إلى (الذنايب) ..من حد هذه الصفصافة كان أبوه يلقي كرات العجين المخلوط بالزهر ..تبع خطوات أبيه وكأنه معه:
-لاتُلقِها في وسط النهر .. اجعلها أقرب إلى الجرف ولا تمل الإنتظار ، نحن دائما ننتظرُ شيئاً.. ننتظر الصبح لنسعى … ننتظر الليل لننام … ننتظر … وننتظر…
– أنتظر ….أنتظر… ما الذي أنتظرهُ الآن ….
هذا شبوط كبير … قوي لم يأكل كثيرا من كريات الزهر … لم يفقد صوابه كليا ..
بين الماء والماء…. يرى الصبي ظهره الأسود … لكنه ما زال لا يُرام.. يختفي بين عشبة ( قراط الخيل)* المتدلية أطرافها فوق الماء …. ينتظر طويلا … يرى مويجة تعكر صفو الماء … يتبعها … أبوه كان يتركه يشق الماء بزعنفة ظهره ، يمهله كثيرا ، ينفق كثيرا من الوقت .. ينحدر معه مع مجرى الماء …وكان المشقاف دائما في قبضته
هاهي قرية الجادل تظهر ذؤابات أكواخها من بعيد …. لابد من الحصول عليه
على بعد خمسين أو ستين خطوة … فاجأته عوارض شبك يقطع النهر ….
رأى بعينيه كيف يتجه الشبوط إلى الشبك المنصوب …يستسلم لعيون الشبكة…وكأنه يستغيث بها مما ألمّ به…
الرجال واقفون قرب الأكواخ …. ينظرون ..
جلس قبالة الشبك وقد انتفخت عيناه حزنا، طفرت دمعة حارّة على خده ، تذكر أمه والطفلين ..والجوع
هل يرجع خالي الوفاض..
الشيخ المسن يراقب الصبي …
– تعال يا ولد ، خذ تلك السمكات واذهب

– …..

يمسك الخيط الذي سلكت فيه… يستدير راجعا ، وبين خطوة وأخرى .. يلتفت صوب الشبكة ..
– لا تلتفت .. لم يكن رزقك ….. إقنع بما حصلت عليه واذهب

كلما نظر إلى المشقاف ظن أن قبضته الصغيرة تستطيع احتواء المقبض لكنه لم يجرب بعد ربما في المرة القادمة.
– قالت في سرّها : هل من مرةٍ قادمة ليتني بلاذاكرة …

عدد المشاهدات:(3)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية