همس الليل (قصة قصيرة) بقلم: ستار عبد الحسين الفتلاوي |

همس الليل (قصة قصيرة) بقلم: ستار عبد الحسين الفتلاوي

ستار عبد الحسين الفتلاوي :

كائنات الليل تفتح نواويسها , وتخرج من تحت كل حجر ومدر . يصدر عنها همس مرعب وغير مفهوم .. يمتزج مع رفرفة جناح .. حفيف ارجل محتكة .. قرقرة حنجرة .. صيحة يتيمة . تشراب اذان الكلاب , وتعوي بنات اوى عواءا حزينا , يبدو منسجما تحت جلباب الليل القاتم .
بزغ من جهة الغرب قمر صغير مراهق ، معلنا على استيحاء بدء خلافته الليلية .تنهدت المرأة الواقفة خلف التنور وقالت :كان افول النهار سريعا .. أه أنها أيام الشتاء الأولى
.صفقت المرأة قرص العجين الأخير ، وبحثت بطرف عينها عن الكلب .استقبل نظراتها بمسكنة ذليلة ، هز لها ذنبه أكثر من مرة ,وكانه فهم ذبذبات الخوف التي تنطلق من أعماقها. تمدد باسترخاء  في حوش الدار بسطا قدميه الأماميتين امام وجهه .شعرت المرأة انها ليست وحدها في هذا العالم ذي الصور المتراقصة  .قالت :هنالك مخلوق ما يشاركني هواجسي الليلية .أحست بلسعة مؤلمة في يدها . تهاوى قرص العجين على النار, وهي تحاول الصاقه  بجدار التنور . تكور القرص على نفسه , مصدرا  نشييجا متواليا  . لم تحرك المرأة ساكنا لالتقاطه ..اكتفت بالتحديق فيه وهو يتفحم . تلعق ظاهر يدها المحروقة ,فعلت ذلك مثل قطه مهملة تلعق جراحها .     سمرت نظرها على قطعة العجين . أخرجت أخر قرصي خبز من التنور, ونشرتها على الطبق .  حطت بومة برتقالية على سعفة النخلة القريبة . كان صوت جناحيها مثل طبطبة على ماء راكد … طار قلب المرأة   . نزلت قشعريرة باردة الى أحشائها والأعماق الدفينة لأعماقها . رفعت رأسها فاصطدمت بوجه البومة الدائري . استدار رأس البومة دورة كاملة  ,  أصبحت عيناها في الأسفل ومنقارها إلى الأعلى . تذكرت حكاية جدتها عن البومة المعذبة
–       يمه البومة كانت في قديم الزمان امرأة
رددت المراة في سرها : حتى في الحكايات يسلببوننا من كياننا الإنساني .. يجعلون منا مخلوقات جاءت بمحض الصدفة أو أو ردة فعل لشيء ما . انا مقتنعة بأن البومة كائن جميل . الا أنني من المستحيل أن أغير قناعات تجذرت في أذهان الآخرين .. ثم لماذا لا يشبهوننا بكائن أو طائر أجمل , أو على الاقل يكون مقبولا عند الناس !!
عادت بذهنها تسأل جدتها : ولماذا صارت المرأة بومة ؟
قالت : لقد استهانت بنعمة الله .. استهانت بالخبز الذي هو نعمة عظيمة , فجعلها الله في هيئة هذا الطائر ، وعذابها الأبدي أنها لا ترى النور فحياتها في ظلمة الليل  .
ضحكت المرأة وقالت :  يالعقلية البدوي الذي يريد المراة محظية ليلية , يخجل من ظهرها العلني . كيف كنا نصدق مثل هذه الحكايات المتوارثة أنا أرى أن البومة خلقت هكذا .. لا يمكن أن تكون ممسوخة أو معذبة ، قد أكون خائفة من وجهها الدائري ونظرتها الإنسانية التي تخترقني ، لكنها تبقى طائرا ضمن الكائنات الليلية .
كان هناك دخان أزرق يشكل ما يشبه الغيمة عند قمة النخلة . أشعة القمر تتسلسل عبر شجرة السرو الشائكة كأنها فضة مصهورة , وتعطي غيمة الدخان الزرقاء هالة مضيئة .. تجعل البومة المسكينة تسبح خلالها مثل طائر من عالم أخر . ينذر بالشؤوم والدمار .
أنحنت المرأة تلملم أقراص الخبز التي نشرتها على الحصير . نفضت الطبق  – المصنوع من الخوص ــ من بقايا الطحين . صفت أقراص الخبز الطازج في منتصفه وعلى أطرافه . البخار مازال يتصاعد من بعض الاقراص .
أمتلأ أنفها الصغير برائحة الخبز .
تنهدت وقالت :شبعت من الرائحة وكأني أكلت كل ماخبزته ولكن فايق سيأتي الليلة ويفتح شهيتي للأكل .
طارت البومة فجأة .. تركت غيمة الدخان الزرقاء تتلاشى شيئاً فشيئاً .مرت بخفة فوق رأسها   . رفعت قامتها تحمل بيدها طبق الخبز,  رأت فايق يتسلق النخلة بصمت ، وقد أسند ظهره الى ليف ( تبليتهِ ) .
كان ينظر اليها وعلى وجهه تلك الابتسامة . لم تكن نائمة ،ولم تكن في متاهة حلم . لقد رأته وعيونها مفتوحة صرخت بهِ : فايق ماذا تفعل في الأعلى ياحبيبي .. ياكل أهلي واقاربي ليس ذا وقت جني الرطب!!
أبتسم بوجهها , يحيط بهِ صمت ملائكي . تلاشت صورته يبتلعها سكون الليل .
تراقصت بعض الظلال بفعل أنفراج أغصان شجرة السرو، كانت نسمة باردة تؤذن ببداية الشتاء. أرتفعت خصلات شعرها من على وجهها .وضعت طبق الخبز على حافة التنور اليمنى . غمست يديها بماء البلالة الموضوع على الحافة اليسرى .نظفت أثار العجين على نهايات أصابعها . بدأت سعفات النخل بالتراقص والحركة , بعد أن كانت كل النخلات ساكنة لا ترمش .. هزت اهدابها الخضر . أصبح لحركتها هسيس يشبه البكاء.
قالت : من ينظر الى حركة السعفات يرى كأنها تلعق وجه السماء ,أو كأنها تكنس غبار الليل ,وتطرد بعض االغيمات الى أفق أخر. خفت الحركة  لأقل من لحظة , توقفت كائنات الليل عن معزوفتها الحزينة . رددت المرأة المتوحدة مع مخاوفها ترنيمتها  :(أه..أه على المشه ولا كال مودعكم الله …أه…أه على النسانه …)
سطعت النجوم في السموات البعيدة .. متلالئة .. متراقصة .أخذت مواقفها الأزلية كأنها كاميرات مراقبة تراقب موجودات العالم السفلي .تلألأت صفحة السماء .. بقمرها بنجومها بالبريق الفضي اللامع .. تلألأت مثل أمرأة مفتونة بجمالها ،ومدركة لتأثيرها الغامض في كل ما يحيط بها.

**********
وقفت شجرة التين بفروعها الثلاث , مثل شخص غارق في الابتهال . على فرعها القريب من الارض اصطفت الدجاجات في مجموعة متقاربة . رفرفت أحداهن وسقطت الى الأرض . ضحكت المرأة وقالت: يالكِ من حمقاء في كل يوم أنت الوحيدة التي تسقطين!
كانت المرأة ترى أن الدجاجة الحمقاء غزيرة البيض ،هكذا كانت تعتقد بحكم تجربتها .. عادت الدجاجة الى مكانها بصعوبة .ومن حائط الزمن الغابر اطلت امرأة .. شقت السعفات اليابسة فوق حائط الطين ، لم يكن بالإمكان تمييزها عن لون السعف الاسمر . رأس ويدان تنوء بسني العمر المضني ، شقت كفن الصمت بصوتها .
–       ((يمه حنان مايصير تتأخرين بالخبز بعد المغرب)) .
–       ((والله عمه أنتظرت حتى ينام علاوي وبعدين خبزت  ))
–       ((يمة أذا تخافون أجي أبات يمكم )).
رفرفت عيون حنان مثل فراشة في شبكة عنكبوت .فاذا قالت : نعم   لوجب عليها ان تحتمل شخير عمتها وهمهماتها المبهمة عند النوم ،اي لن يكون بأمكانها أن تحلم بعودة فايق. أعتقدت أن وجود طرف ثالث سيسد باب الحلم عليها .
قالت :
-لا …لا عمه.. تعودت وحدي وعندي أمل أن فايق سيأتي هذه الليلة .
-((زين يمه هاي ( روبه) العلاوي وهاي طاسه دهن حر الكم )).
– أشكرك عمة .
انسحبت المرأة كما جاءت مثل سمكة تتقهقر ببط الى الخلف .
نفضت حنان ثوبها الذي كانت بزرقة سماء صافية .أنتفض الطاووس المتربص في حضنها . نشر أجنحته على فخذيها ، فتلألأ ت الخرزات البيض التي ترسم حدود عالمه . أنطفأ لون صدره وبطنه وضاع بريقهما في طية الثوب داخل ساقيها .
أستطالت رقبته لتلامس أطراف صدرها ,وتحت ذقنها الصغير . داعبت ريشات رأسه أسفل أنفها قالت:هذا الثوب يحبه فايق , يظهر جمالي كما يحلو له أن يقول .
فتحت أزرار الثوب ، ومدت بوزها في جيبها . تشممت رائحة جسدها .
–       رائحتي طيبة لا زالت رائحة صابونة ( اللوكس) في جلدي .  ومن بعيد عبر المبزل وأجمات القصب الكثيفة المتراقصة فوق الماء . علقت الضفادع صمتها على جسد الليل ، واطلقت نقيقها بوتيرة متصاعدة . كانت تودع الصيف وتستقبل رحلة غياب أخرى . تلقفت أذناها الأف الأصداء والأحلام المعلنة والرغبات  التي يوقظها الليل ، ويطرحها بين بضائعه العجيبة حاولت أن تنتفي منها شيئاً محدداً ومألوفاً ، لتعطي نفسها شيئاً من العزاء . فابق شارد تحت ضوء القمر عالق في منتصف المسافة  قالت :
–       من المؤلم أن تسمع صوتا معينا بطريقة رتيبة ومتوالية , وانت مجبر على سماعه .لكن الأكثر أيلاماُ أن تسمع خليطا من الاصوات , ويتوجب عليك أن تفهم شيئا منها أو أن تنتقي صوتا .. أحيانا أشعر أني سأصاب بالصم . لا أستطيع التمييز بين تلك الأصوات التي تتماوج في رأسي مثل دوامات الماء .
بحلق فايق مندهشا ،واطلق ضحكة صغيرة
عقدت حاجبيها وقالت بدلال :
–       تسخر مني .أنا أتصور أني أقص حكايات روحي الى روحي .. الى مرأتي التي تفهمني ،اليك .
–       لا ياروحي أنا لا أسخر منك ولكني أستغرب من أين لك هذه الأفكار؟
–       منك أنت الا تذكر أنني كنت استعير كتبا منك .
–       قال بتخابث مقصود :
–       لو أدري تتفلسفين علي لما سمحت لك بأكمال دراستك في معهد المعلمات .
تركت كلماته معلقة في الفراغ ، ورحلت تداعب ذكرى أخرى … جلس أبوها متكئا على مخدة الصوف المخططة بالآحمر والأصفر . وجلس أخوها الأكبر سنا منها في الجهة المقابلة ، ولاذت هي وأمها بطرف المجلس .
أطلق الأب كلماته دون تردد وكأنها قرار صاغته محكمة عسكرية
–       حنان أنت كبرت وليس من الائق ان تستمري بالدراسة .أكملت المتوسطة .. يعني تقدرين أن تقرأي مراسيل أخوانكِ أذا هم ذهبوا الى الجبهة .
لقد أقتصر دوري – حسب رأي أبي – في قرأة رسائل اخوتي ،وأبقى حبيسة البيت حتى يأتي أبن الحلال ..
لا أعلم حينها ماذا أصابني ؟ أجهست بالبكاء ولكن بصمت .سالت دموعي في داخلي مثل نهر يجري تحت الرض .كنت اخشى غضب أبي ،ولا أمن أن يضربني أذا سمع صوتي . قالت أمي فيما يشبه الهمس:
–       نشفي دموعك .. أستري علينا .
وفي هذه اللحظة بالذات شاء القدر أن يدخل فايق , ليفتح لي بابا سريا الى الحياة . يصوغ لي قدرا لم أحلم به .
فايق الذي يكبرني بعشر سنوات, , وفي كثير من الحيان كان يملأ جيوبي بالحلويات الملونة .. أنا طفلته الحبيبة .
شهادة أبي بحقي , أنني أصبحت أمرأة أطفأت بريق أحلام الطفولة   .
لم أستقبل فايق كما كنت أفعل قبل اليوم .. لم أقترب منه .. لم أبحث في جيوبه عن المصقول والمن السما .
أحسست بالدم يصعد سريعا إلى وجنتي . تركت رموشي تمشط عيني مثل عشب كثيف مثقل بالندى يتمايل مع الريح   أسند فايق ظهره الى شجرة التوت .
ساد الصمت لبرهة حسبتها دهراً .قال فايق:
–       مالخبر كأني جئت في وقت غير مناسب ؟
خرج أبي صمته وقال:
–       لا ولدي فايق هذا بيتك لكنني قررت قبل ان تاتي أن حنان لن تكمل دراستها ..
–       لماذا يا عمي( حنونة )شاطرة وتحب المدرسة
–       أبني فايق البنت أذا كبرت فسترها بيت زوجها . يكفي أنها تعلمت القرأة والكتابة
عاد الصمت يضرب الوجوه ، لم يجرؤ أحد على مناقشة أبي .
ومضت عيون فايق بشي ما . مد يده إلى جيب دشداشتهِ  وأخرج علبة سجائر نوع( ديموريه) وقدمها لآبي
قال أبي :اشعل لنا سجارتين .
أشعل فايق السيجارتين وقدم أحداها لأبي .. مج دخان سجارته بسرعة وقال:
–       عمي تقصد أن حنان أذا أصبحت على ذمة رجل وسمح لها أن تكمل دراستها فأنت موافق؟
مرت أمي بصينية الشاي من بيننا .أستوى أبي في جلسته . نزع بشماخه وعقاله عن رأسه .. بقي في طاقيته التي حال لونها الى الاصفرار بعد أن كانت بيضاء.
زفر أبي دخان سجارتهِ وقال:
–       المهم أن تكون على ذمة رجل وهو حر يسمح لها تكمل دراستها أو لا يسمح فذلك شانه .
عبث فايق بشاربه وقال:
–       (عمي أسمح لي أن أطلب أيد حنان للزواج ).
–       ماذا ..كيف ؟
–       أنا أبن عمها وأحق بان أحافظ عليها , فإذا وافقت سنعقد عند الشيخ , وبعدها نكمل إجراءات المحكمة. وتبقى الزفة حتى تكمل حنان دراستها ، وأنا متكفل بكل مصاريفها
–       أبني فايق كلك فلوس
–       (عمي أنت تدري انا عندي مزرعة خمسين دونم , وأن شاء الله بس يطلع الأنتداب أرجع أداوم بالمستوصف).
–       على بركة الله .
لذت بظهر أمي ، وتمنيت أن تبتلعني الرض من الخجل ، وفي ذات الوقت تمنيت أن أطير من الفرح.
اليوم صاغني القدر صياغة جديدة .   نزعت ثوب طفولتي في هذه الجلسة ، ولبست ثوبا أخر ، ثوبا فضفاضاً يتسع لاحلامي كأمرأة .
تركت خلفي ركضي في حقول الذرة ، حيث نقطع عرانيص الذرة لنشويها ليلاً على النار . تركت تسميتي ( حنونة الشهبه) حيث يتراقص الزغب الأصفر لشعري أمام وجهي . تخليت الآن عن سلاح طفولتي ـ دموعي ــ أتذكر كيف كان فايق يمسحها لي بمندليه المعطر .
مرت ومضات الذكريات في ذهنها بلحظات .. مجرد صور تراكمت في نفسها   .
علاوي يصرخ في الحجرة ، وقد غسل وجهه بدموعه ، كأنه يستشعر خوف أمه وهواجسها  .
الكلب المنبطح على الأرض يبصبص بعينه الدليلتين .قطعت رغيف خبز ورمته له . التهمه الكلب بأشتهاء وأمتنان .
قال تحدثه وقد وضعت أصبعها امام وجهه :
–       أياك أن تتحرك من مكانك الليلة .. لا تذهب مع الكلاب في جولاتهم الجماعية .
هز الكلب ذنبه الاشعث . هرولت حنان تحمل ماء البلالة ، سكبته تحت الباب الخارجي لتطرد الشر . كان ثمة فتحه تسمح بدخول وخروج الكلب.
ضحكت بوجه الطفل وخطت الى داخل الحجرة .
–       (ها ماما علاوي جوعان .. حبيبي علاوي )
سكت الطفل عن البكاء . اختظنته ورفعته الى صدرها ، شمت عنقه الصغير . مسحت وجهه بكم ثوبها . استكشفت الحجرة بعينيها , المصباح اليتيم يغرق الحجرة بلونه الاصفر . رتجت الباب وضغطته مرتين بيدها لتتأكد من احكام رتاجه
هي والليل وعلاوي وفايق..
أنزلت علاوي من حضنها فتأوه أستعدادا للبكاء . ابتسمت بوجهه.
–       لا حبيبي لا تبكي سأعد العشاء ، وقلبي يحدثني أن أباك سيأتي الليلة .
قربت الصينية الفافون ووضعت  طاستين في وسطها . طارت مثل فراشة ثملة   . أحضرت خيارة وشقتها نصفين ثم ذرت عليها قليلا من الملح . اعطت علاوي نصفها .
–       (علاوي حك سنونك حتى لا تعضني عند الرضاعة ) .
أنشغل الطفل عنها بقطعة الخيار . قطعت الخبز قطعا صغيرة في طاسة علاوي ، صبت فوقها قليلا من مرقة العدس .
صبت لنفسها مثل ذلك . بدآت تلقم الطفل لقيمات صغيرة يزدرها بشهية . ويعض على اطراف أصابعها . شعرت بدغدغة أسنانه .
كانت منتشية بترقبها الليلي لعودة فايق ، في قلبها ثمة سعادة ملبدة بغيوم القلق  .
ضحك الطفل .. لوح بيديه .. هز رأسه يمنه ويسره قالت:
–       شبع حبيبي علاوي .. بابا سيأتي الليلة .
مد الطفل أصبعه مشيراً الى شماعة الملابس .. كانت ملابس فايق مرتبة ومعلقة بعناية . أندهشت المرأة لآنها المرة الأولى التي يفهم فيها كلمة بابا ، لقد شاركها فرحتها.
كادت المرأة أن تذوب من الفرح . لقد نطق كلمة ( با..با)وهو يشير الى الملابس.
مسحت فمه الذي سال من جانبيه خيطان من المرق .. مسحت يديه اللطيفتين وقبلتهما . تثائب الطفل بعمق قالت:
–       (حبيبي بعده نعسان . أبقى مع أمك ورد وحشتها ) .
وضعته في مهده الخشبي . بدات تهدهده .. ركز عينيه في وجهها , وحين تعب سمر عينيه في سقف الحجرة.
بدت عيناه مثل بندول ساعة قديمة  تتأرجح الى الجانبين ؟
–       ( دللول يالولد يابني دللول.. )
كان صوتها رغم سعادتها يبدو وكأنها على وشك البكاء .  وهناك عبر الحقول التي تراكمت الظلمات فيها ، حيث تتشابك سعفات النخل .تعالت أصوات بنات أوى بالعواء   الكلاب ترد برشقات من النباح المتقطع قالت:
–       كم تحت جنحك من جريمه باليل
أكملت أكلها في صمت تنظر في وجه ملاكها النائم .
–       مااطيب الطعام وما أكثر نعم الله علينا لولا الهموم التي تسد بيبان الروح.
بقيت كلماتها الأخيرة تتماوج في صمت الحجرة الموحش ، و المصباح الأصفر ينز ضوءه مثل ذرور أصفر.
رفعت أبريق الشاي الفرفوري . صبت لها(أستكان) شاي مهيل . تأوهت محلقة مع صوت ملعقة الشاي ورنتها المألوفة .
قالت : فايق كيف تتحملون الفراق أنتم الجنود ؟
نفث دخان سجارته بعيدا عن وجهها . شعر أن سؤالها المفاجيء يحتاج الى جواب من نوع خاص.
–       للرجال طرقهم في التغلب على الفراق.
–        كيف؟
–       بعضهم يتحججون بالمرض ليحصلوا على أرسال للمستشفى , ويكتفون بمشاهدة النساء كيفما كن ..جميلات .. قبيحات , المهم أنهن نساء والبعض الأخر لا يكفيه ذلك .
–       ماذا يفعلون ؟
–       أنت حقا بريئة ، أكيد يذهبون الى البيوت المشبوهه , ليطفؤا جوعهم .. يغمسون أرواحهم في برك الرذيلة ويعودون برائحة أثمهم التي لا تفارقهم حتى بعد أغتسالهم.
–        وانت ماذا تفعل؟
فترت شفتاه عن أبتسامة وقال:
–       من أي لي بأمراة مثلك ؟ حتى لو وجدت أمرأة تشبه بعض ملامحك . فمن أين لها روحك الطيبة ؟
–       يعني الا تنظر الى النساء؟
–       قد أنظر الى بعض النسوة اللواتي أجد فيهن بعضا من ملامحك .
أنتفخت روحها كالبالون.أرضت كلماته غرور الأنثى وكبريائها .
أغمضت عينيها تتشرب كلملته . سبحت في أعماق روحها المستلبة نحو شواطئه الأمنه .أوجزت كل رقة الأنثى وجمالها في كلمتين .. ياروحي … ياقلبي. حلقت كلماتها في فضاء روحه، مثل فراشة ملونه مثقلة بجبوب الطلع أشتعلت لها حدائق الورد ..   قالت:
–       يجب أن نأخذ صورة ملونة أنا وأنت
–       ومن قال أني أحتاج الى صورة لآتذكرك .. أنت مرسومة هنا وهنا ( أشار بأصبعه الى رأسه وقلبه)
أعادها الى الواقع صوت طلق ناري تلته أطلاقات أخرى جعلت الهواء يهتز وتتخلخل الرئة الكونية .
أخرجت سفطها الأثير(( السفط الذي حاكته امي بالخوض الملون ودموع الأغاني المرتجلة )) . رفعت الغطاء الدائري .. تضوعت منه روائح مختلفة وتطايرت الأسرار الصغيرة والذكريات . مضغت قطعة الديرم .
أحست بطعمه اللاذع يدغدغ لثمتها وأسنانها . مررت عود المكحلة بين جفنيها .وقفت أمام المرأة ومسدت شعرها المشدود الى الخلف . أعادت الزغب الأصفر لشعرها الى ماخلف أذنيها . ضمخت وجهها وصدرها بالعطر . شكها منقار الطاووس المشرئب الى الأعلى لمعت عيته الوحيدة ببريق خاطف قالت : لماذا أنا خائفة؟ متحصنه خلف الباب وجدران الحجرة .
كل الأشياء تهمس لي .. الليل وبنات أوى .. الأنثى المغتصبة الأن تداري خزي ليلتها بمنديل الشرف.. العيون المتلصصة .. الأذان المترقبة لأدنى صوت .. علاوي الذي ينام بوداعة وعلى وجهه أبتسامة ولكن لمن ؟ لآمه أم لأبيه الغائب أم لملائكة أحلامه ؟ وضعت أذنها على الباب .. أنصتت للهمس المتواصل .. لا شيء .. أنها مهجورة رغما عنها.أستلقت بجانب المهد على مفرش الأسفنج .
فكرت .. حلمت أن فايق في طريق العودة . يحمل حقيبتة الصغيرة المملؤءه بأحلام مؤجلة .. أغفت وحلق طاووسها الى حيث فايق … بقيت ممددة كالقربان تنتظر نهاية الليل.

عدد المشاهدات:(477)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية