ملف خاص عن القاص الراحل محمود عبد الوهاب |

ملف خاص عن القاص الراحل محمود عبد الوهاب

محمود عبد الوهاب أديباً ، سيرة بيلوغرافية لنتاجه

د. سمير الخليـل

عرف محمود عبد الوهاب أديباً متنوع النتاج متميز الإبداع مع أنه من أكثر المقلين بين مبدعي جيله ، فهو أديب عراقي (بصري) متعدد المواهب ، كتب القصة القصيرة والرواية والشعر والمقالة النقدية والمسرحية وله باع في الترجمة ، وقد برز اسمه منذ مطلع الخمسينيات وتحديداً عام 1951 وعلى الرغم من قلّة نتاجه فانه نوعي الابداع متميز الشخصية ونتاجه القصصي ذو نكهة خاصة جدير بالدراسة ، وعن قلّة نتاجه قياساً لأدباء جيله يقول : ” لابدّ من أن تجزم بأنك الأفضل عند النشر ، قصة واحدة قد يطول الجدل فيها لتميزها ” ولهذا دأب محمود على تصيّد الإبداع عندما يلتقطه ولا يقبل من حفرياته إلا كنوزها ومن مجتمعه إلاّ كنوزها ومن مجتمعه إلاّ نفائس التقاطاته ، جملته ذات اكتناز دلالي حدّ الرشاقة ومشبعة بالتكثيف الإيحائي.
ولد محمود عبد الوهاب في بغداد عام 1930 ونشأ منذ طفولته في البصرة وفيها أكمل دراسته الأولية ، حصل على بكالوريوس في آداب اللغة العربية في دار المعلمين العالية عام 1953 بمرتبة (الشرف) ، ثم التحق ببعثة دراسية إلى (جامعة كمبردج) عام 1961 لكنه عاد إلى العراق لظرف عائلي قاهر عام 1962 فلم يكمل دراسته ، بعدها انتسب إلى جامعة عين شمس في القاهرة عام 1986 ولكنه انقطع عن الدراسة لظرف خاص أيضاً.
عمل مدرساً للغة العربية في مدارس البصرة الثانوية ، ثم اختصاصياً تربوياً لمادة اللغة العربية في مديرية تربية البصرة ، ثم تقاعد عن العمل الوظيفي عام 1992 ، أسهم الأديب محمود عبد الوهاب في تحرير عدد من الصفحات الثقافية لجريدة البصرة في الخمسينيات وكتب مقالات لا تحصى في الصحف العربية والعراقية وهو عضو بارز في اتحاد الأدباء في العراق.
ولا يُخفي محمود تأثره بمجموعة من الأدباء والكتاب العرب والأجانب قدماء ومحدثين لأنه كما يقول : ” من جيل قارئ منذ عقد من السنين تراكمت فيه التأثيرات واختلطت ” ويضيف قائلاً في هذا الشأن ” التأثر حاصل ولكن بروح العصر ومناخه فلم يعد العالم واسعاً كما كان من قبل خمسين عاماً مثلاً ، إننا نعيش في بقعة محصورة صغيرة جداً تخضع لمؤثرات مشتركة متشابهه ” ، وفضلاً عن تأثره بنتاج الأدباء تأثر كذلك بفنون الرسم والسينما والمسرح والأغنية والموسيقى ، وعشق قراءة الصحف والمجلات لتنـوع موضوعاتها ، ولا يخفى أن النقد الحديث لا يرى نصّاً خالصاً فالخطاب الأدبي متداخل التأثر بوعي أو بغير وعي والنصوص منصهرة ببعضها داخل الخطاب الأدبي بشكل يصعب الكشف عنها وهذا لا يعدّ عيباً بقدر اعتباره علامة ثقافة للأديب نفسه .
عُرف محمود عبد الوهاب قاصاً مبدعاً وصارت القصة سمة له مع تنوع نتاجه ولكنّه سيظل ” واحداً من القصاصين الذين ارسوا دعائم الحداثة في القصة العراقية القصيرة المعاصرة ، وكان من روادها ، بل أشدهم بحثاً في التكتيك وتطوراً لآلية القص” ومما يميز تجربته القصصية ويدفع بها نحو التفرد ويجعلها تحتل مكانة مرموقة في مسار القصة القصيرة المعاصرة هو مواكبته للتطور الأسلوبي والتقني في القصة وعدم ركونه إلى أساليب نمطية تتكئ على المضمون وتهمل الجانب التقني ، لأن محمود عبد الوهاب كما يقول حسين عبد اللطيف ” ذو هندسة تقنية وفنية عالية في ميدان القصة القصيرة فهو كالمعماري البارع حينما يبدأ بتخطيط مساحات قصة في كل لحظة كتابة ” وكان الإبداع القصصي على رأس منجزه الأدبي مع تنوع نتاجه بين الشعر والمسرح والمقالة والمحاضرة النقدية ، والترجمة .

•1-  النتاج القصصي والروائي :

يعدّ محمود عبد الوهاب من قصاصي جيل ما بعد الرواد ولكنه انطلق من رؤية مغايرة للسياق السائد في القصة الخمسينية الواقعية وقد تفتحت تجربته وتجلت سماتها عام 1951 ، إذ كتب أولى قصصه التي بعنوان (خاتم ذهب صغير) التي لم ينشرها في مجموعته (رائحة الشتاء) ، وله مجموعة قصصية واحدة هي :

(رائحة الشتاء) ، دار الشؤون الثقافية – بغداد 1997 ، وله روايـة واحـدة منشورة هي :

(رغوة السحاب) دار الشؤون الثقافية – بغداد 2000

وله رواية أخرى بعنوان (تخطيطات بالفحم الأسود) كتبها عام 1953وقد صرف النظر عن نشرها .

أمّا نتاجه القصصي فقد توزع نشره في الصحف والمجلات العربية والعراقية وكما يأتي :

1- خاتم ذهب صغير   مجلة النبأ 1951

2- تحت أعمدة النور   جريدة اليقظة ع 1096 عام 1951.

3- عزيزي رئيس التحرير ، جريدة اليقظة ع 1099 عام 1951.

4- القطار الصاعد إلى بغداد ، مجلة الآداب البيروتية 1953.

5- خط النمل الطويل ، جريدة البلاد ع 5324 عام 1958.

6- الجرح   جريدة البلاد ، ع 6230 ، 1959.

7- أشياء صامتة ، جريدة البلاد ، 6235 ، 1959.

8- الشباك والساحة ، مجلة الأقلام ، ع 2 ، 1969.

9- يوم في مدينة ، مجلة الأقلام ، ع 2-3 ، 1971.

10- الرحال ، مجلة القلم ، 1981.

11- امرأة ، توليف ، الحديقة ، مجلة الأقلام ، ع 2 ، 1987.

12- نعي ، امتياز ، العمر ، جريدة الجمهورية ، ع 2610، 1993.

13- الممر ، جريدة الجمهورية ع 8636 ، 1993.

14- يحدث هذا كل صباح – جريدة الجمهورية ، ع 8640 ، 1993.

15- امرأة مختلفة ، جريدة الجمهورية ، 8638 ، 1993.

16- عابر استثنائي ، مجلة الآداب ، ع 827 لسنة 1997.

17- سيرة ، مجلة الأقلام ، العدد 3 ، 1994.

18- سطوح المظلات ، مجلة آفاق عربية ، ع 10 ، 1995.

19- عين الطائر ، مجلة الآداب ، ع 11 ، سنة 1996.

20- طيور بنغالية ، مجلة الأقلام ، ع 7 ، 1996.

21- الملاعق ، مجلة الموقف الثقافي ع 8 سنة 1997.

22- على جسدك يطوي الليل مظلته ، مجلة الأقلام ، ع 4 سنة 1997.

23- طقس العاشق ، مجلة الموقف الثقافي ، ع 9 ، 1997.

ولابد من الإشارة إلى أنّ قصة (القطار الصاعد إلى بغداد) قد جسدت “الإمكانية المتصاعدة والمعتمدة على رؤيا فنية بعيداً عن كل ما يشوب هذا الفن الرفيع .. وهي بمثابة محطات تستقبل وتنتظر القطارات الصاعدة والنازلة ، فالقاص محمود عبد الوهاب قاص ينظر بعين فاحصة لكل الإرث القصصي العراقي ، أمين لكل المنجزات فساهم في تصعيدها والحرص على مستقبلها”.
واذا ما تجاوزنا نتاجه القصصي وانتقلنا إلى نتاجه الروائي نجد أنه انحصر في كتابة روايتين كما أشرنا سابقاً الأولى “تخطيطات بالفحم الأسود” عام 1953 وقد صرف النظر عنها والأخرى (رغوة السحاب) الصادرة عام 2000 وفيها نكتشف قدرة محمود على تجريب ارتهن بعمق التتابع الحرفي للمهنة القصصية وهنا ينم عن اتجاه تجريبي برز في الستينيات واكتمل في نهاية العقد الاخير من القرن المنصرم على يد محمد خضير ومحمود جنداري وجليل القيسي وأحمد خلف وآخرين.
وقد تضمنت رواية محمود عبد الوهاب (رغوة السحاب) مجموعة من أرقام الهواتف انتظمت على ما أسماه القاص بالدليل يستعرض فيه “بنية الكتابة القصصية وما ينعته بـ(سـرد الهاتف) واستعاضته عن اليوميات والمذكرات والشكل المخلق المنسوب إليه ويجده المتلقي مستهلاً تغريبيا لكشف بنية الكتابة ذاتها ويندرج الفعل الروائي أثر دلالة (الدليل) على محكيات صغرى تبلغ سبع عشرة محكية تحت عنوان (مكالمات في الليل) واحتل الليل على ست عشرة مهاتفه ” ومهاتفة واحدة في الصباح ، وقد استخدم ” تقنية قصصية حكائية بإطار (روائي) اعتمد افقي الزمان والمكان عمل فيه المؤلف لإبراز الجانب الإبداعي – الفردي – في توليف (ثيمة) واحدة انتظمت تحت لافتة وراء ستار دليل الهاتف”.

•2-  النتاج المسرحي :

ألف محمود عبد الوهاب مسرحية واحدة بعنوان (دموع اليتامى) عندما كان طالباً في الاعدادية ولم تنشر.

•3-  الشعر : له قصائد شعرية منشورة في الأديب وجريدة المدى ولديه ديوان قيد الطبع في دار المدى.

•4- الترجمة : مما نلاحظه أن محمود عبد الوهاب قد أولى قسطاً من اهتمامه بالترجمة ، فقد ترجم عدداً من القصص في الخمسينيات والستينيات منها :

•1-   الثوب ، كريستيان جيلرت ، جريدة البصرة ، ع19 لسنة 1955.

•2-   قطة من المطر ، ارنست همنغواي ، جريدة البصرة ، ع 28 لسنة 1955.

•3-   هروب ، كالدويل ، جريدة البصرة ، 31 لسنة 1955.

•4-   الدرس الأخير ، الفونس دوديه ، جريدة البصرة ع 37 لسنة 1955.

•5-   النار العالية ، كالدويل ، جريدة البصرة ، ع 41 لسنة 1955.

•6-   سارق الحصان ، كالدويل ، جريدة البصرة ، ع 44 لسنة 1955.

•7-   تزوجتها لإغاظتها (لم يذكر اسم المؤلف) جريدة البصرة ، ع 50 لسنة 1955.

•8-   الشيخ الغارق في ضوء القمر ، لي في يان ، جريدة البصرة ، ع 58 لسنة 1955.

•9-   المخيم الهندي ، ارنست همنغواي ، جريدة البصرة ، ع 59 ، لسنة 1955.

•10-    العجوز على الجسر ، همنغواي ، جريدة البصرة ، العدد 60 لسنة 1955.

•11-    الصورة ، كالدويل ، مجلة التحرير المصرية 1961.

•12-    سائق عربة الشحن ، البرتومورافيا ، مجلة الخليج العربي ، ع 244 لسنة 1966.

فضلاً عن ترجمات أخرى (لاشتاينبك ولارسكين) نشرت في جريدة البصرة لكنها فقدت مثل (امرأة جوكر أدوك ، العجوز دوروثي ، الحلم ، الغرفة الخالية الزائرة) وترجم قصائد من الشعر الصيني المعاصر أيضاً لم أعثر على مكان النشر.

•5- الإخراج المسرحي : أما اهتمامات محمود عبد الوهاب بالإخراج المسرحي فقد أخرج مسرحية (أهل الكهف) لتوفيق الحكيم ، ومسرحية (عرس الدم) للوركـا ، و(سوء تفاهم) لكامو .

•6-  المحاضرات التي ألقاها في المنتديات الأدبية :

•1-   (الأساليب الحديثة في الكتابة القصصية) اتحاد الأدباء – البصرة 1987.

•2-   (العنوان والنص الإبداعي) ملتقى البصرة الأبداعي – جامعة البصرة 1992.

•3-   (العنوان في القصة والرواية) المركز الثقافي – جامعة البصرة 1993.

•4-   (الحداثة) كلية الآداب- جامعة البصرة 1993.

•5-   (بنية النص القصصي) منتدى الأدباء الشباب – ميسان 1996.

•6-   (الحوار في القصة والرواية) كلية الآداب – جامعة البصرة 1997.

•7-   (الخطاب في الحوار المسرحي) المركز الثقافي – جامعة البصرة 1998.

•8-   (الكتاب بحث دائم) نقابة الفنانين – بابل 1999.

•9-   (كسر الإيهام في الرواية الحديثة ، كونديرا أنموذجاً) ملتقى ثقافة القصة القصيرة – ميسان 1999.

•10-    (حوار عبد الجبار عباس ، قراءة وتجنيس) حلقة دراسية ، اتحاد ادباء بابل 2000.

•7-    المقالات النقدية والأدبية المنشورة في الصحف والمجلات :
فضلاً عن اهتمامات الأديب محمود عبد الوهاب القصصية والروائية اهتم بالجانب النقدي ومتابعة اتجاهاته الحديثة ومناهجه المعاصرة ومستجداته ، فقد انصرف إلى دراسة موضوعة العنوان الذي صدر في كتاب “ثريا النص مدخل لدراسة العنوان القصصي” الذي صدر عن دار الشؤون الثقافية – بغداد 1995 ، الموسوعة الصغيرة ع (396) ، ويعدّ أول كتاب عراقي كرس لدراسة العنوان القصصي وهو يتألف من أربعة فصول هي بنية العنوان ، الاكتشاف ، الاختيار ، وعي الدلالة ، وانتاج الدلالة . وقد سبق للكاتب أن قدّم هذه الفصول على شكل محاضرات أُلقيت في منتديات أدبية كما نوهنا سابقاً وأشار الكاتب إلى ذلك في مقدمة الكتاب.
وقد طبق القاص محمود عبد الوهاب رؤيته النقدية للعنوان في دراسته الموسومة (العنوان في قصيدة السياب) المنشورة في مجلة الأقلام ع 6 لسنة 1999 وله مقالة بعنوان (الواقعية الفنية) وهي في الأساس رد على مقالة للناقد المصري أنور المعداوي المنشورة في مجلة الرسالة ع 948 سنة 1951 والواقعية في رأي عبد الوهاب هي الواقع المحس داعبته أنامل الفنان ، وقد يرسم الفنان صوراً ماثلة للواقع أو واقعه حقاً . وله مقالة بعنوان (الأدب العراقي مخلوق لم تكتمل أعضاؤه بعد ، المنشورة في مجلة المصور ع 51 لسنة 1952 ، وله مقالة بعنوان (اللامعقول وكيف ينبغي أن نفهمه ؟) المنشورة في مجلة الآداب البيروتيـة ع 5 لسنة 1967 .
وله مقالة تراثية ، هي : (مفاهيم الفكاهة عند الجاحظ) المنشورة في مجلة الفكـر الحي ، ع 1  لسنة 1968 .
وله مقالة نقدية بعنوان (الرسم بالحوار) منشورة في جريدة الجمهورية ع 1329 لسنة 1992 . ومقالة أخرى بعنوان (فن السكر في تقنية الحوار القصصي) نشرت في جريدة الثورة ع 1359 لسنة 1993 ، وله مقالة بعنوان (مأزق البنى السردية المغايرة) منشورة في مجلة الأقلام ع 1-2 لسنة 1993 . ومقالة بعنوان (الحوار في الخطاب المسرحي) نشرت في مجلة الموقف الثقافي ع 10 لسنة 1997.
وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى أن دراسات عدّة كتبت عن محمود عبد الوهاب قاصاً وناقداً وملفات أفردت عنه في جريدة (الأديب) و(الصباح) والبينة الجديدة ، والمدى ، ومجلة (الأقلام) ، وكتبت عنه رسالة ماجستير بعنوان : (محمود عبد الوهاب قاصاً) للطالبة ميعاد زعيم في كلية الآداب – جامعة البصرة سنة 2005 بإشراف الأستاذ الدكتور حسين عبود الهلالي ، ومازالت الدراسات تترى عن المبدع محمود عبد الوهاب.

——————

قلب العالم..مقدمات لقصص محمود عبد الوهاب

محمّد خضيّر

moh

1. الوحـــدة:
الوحدة، هي الكلمة المفقودة في قصص محمود عبد الوهاب، كما هي الكلمة  المفقودة في قصص أرنست همنغواي المقرونة بـ((جبل الثلج العائم)). إلا أن  الوصول إلى هذه الكلمة في قصص محمود عبد الوهاب يقترن بقدر كبير من  التفاصيل الدقيقة، وكثير من وجوه التصاوير الباهتة، وعدد من الشخصيات  المنزوعة الاسم.
“الوحدة هي مثل ضربة شاكوش ثقيل: تحطم الزجاج إلى شظايا، ولكنها تسقّي (تصلّب) الفولاذ” . التقطتُ هذه العبارة من إحدى الروايات، واخترت معها عبارة الشاعر عبد الكريم كاصد: “الوحدة هي مثل شعور طفل في الظهيرة”. إلا أن الأمثال لا تصلح لقياس وحدة محمود عبد الوهاب عليها، فهي شعور لا يمكن لمسه أو تسميته مهما طالت تجربته. اختار محمود شخصياته ليؤلف منها أوركسترا من القصص المتشابكة في كمثرى تعزف لحن الوحدة الخافت بين الجموع الصاخبة. إني أتوق لتشبيه قصص محمود عبد الوهاب بكمثرات هاشم الخطاط، أو بطغراوات محمد سعيد الصكار، تلك التي تتدلى في غابة الأسماء المشتبكة كاسم وحيد مكوّر على نفسه، ملتفّ بالخطوط الغامضة التي تربطه كالشرايين بقلب العالم.
ما كان محمود يقدر على أن يغيّر من الفأل الحسن أو الوقع السيئ للأسماء في الحياة الواقعية، فأتاح لشخصياته أن تتحرر من القدر الذي يلحق بأسمائها مسبقاً، وما قد يلحق بها من قدر الهويات والعنوانات الثابتة. ما أكثر الشخصيات التي منعها من الظهور، وما أقل تلك التي دعاها إلى قصصه وفاض عليها من قلبه وإحساسه وفكره، وقيدها بصفاته الجوهرية. وبمرور الوقت أخذنا نشعر بجدية أقل لاستمرار هذا التقييد. أصبحت هذه القلة من الشخصيات حرة في أن تعود إلى واقعها وتلحق بأخواتها، وتكتسب صفات مغايرة. لقد أدّت مهماتها على أحسن ما تتطلبه لعبة الكتابة وشروطها من قبول الاستعارة الواقعية، والتمثيل النموذجي، والدلالة المبطنة. كانت مطواعاً وعوناً للقاص على بناء عالمه القصصي المطبوع بالمرونة والاقتصاد السردي والحبك البسيط. ثم ما عاد للقاص دين عليها. ونحن قراءه أصبحنا أحراراً مثلها من الشعور بثقل الواقع وبؤسه، أو بمرح القاص وسخريته، أو بدين الاسم والهوية. ثمة نبض يخفق في أثر تسرب الشخصيات ومغادرتها موقعها القديم في القصة. تحت أضلاع القصص، قصص محمود عبد الوهاب، يخفق قلب كبير (قلب العالم) قادر على التوزع والتعدد، واستمرار الخفقان بعد مغادرة الأسماء له. (هل يشعر بالوحدة قلب تحرر من أسماء العالم؟).
في العام 1996 رويت هذا الحلم حينما كان محمود عبد الوهاب راقداً في جناح إنعاش القلب بمستشفى الموانئ: تقدم الطبيب من سرير محمود وسأله إذا كان يرغب بتنظيف قلبه المذبوح ومنحه قلباً خلياً من الهموم كقلب كازانوفا. نظر محمود أولاً إلى الممرضة التي كانت ترافق الطبيب وتحمل طبقاً عليه قلب نابض (كان وجه الممرضة شبيها بوجه أمه) ثم التفت إلى الطبيب قائلاً: دع قلبي يا دكتور على حاله. لا أريد تنظيفه من الأسماء والذكريات القديمة. (ساعدت الأسماء والذكريات على إنقاذ قلب محمود من الذبحة، فقد كانت بانتظاره قصص لم يكتبها).
قد تكون قابلية التوزع والتعدد، أي قابلية تعدد الهوية وتنكرها وتوزيع الاسم أو انتزاعه، صفة لصيقة بشخصية القصاص الحكائي الشفاهي (إضافة إلى الصفات الجوهرية الجاحظية: الخفة والمرح والبداهة والارتجال) إلا أن محمود عبد الوهاب عندما تحول إلى الكتابة، استبعد المفاجأة والارتجال من نصه الواقعي المكتوب. لقد تطورت على يديه الصنعة الحكائية الشفاهية، وتطبعت بطباع الفنان الراصد لمواقف الحياة وتفاصيل الأشياء وجمال المناظر. تحولت تقاليد الخطاب الحكائي الشفاهي إلى صرامة كتابية، من دون أن تسلب القاص الكتابي صفاته الجاحظية الجوهرية، أو تحرم شخصياته حق استرداد الأسماء التي خلعتها. تعلمنا من هذا القاص الرائد كيف نعدد شخصياتنا، وأن نصبها في أكثر من هيأة، ونوزعها على أكثر من مكان، ونمنحها أكثر من أسم أو ننزع عنها الاسم نهائياً. ما نزال حتى اللحظة واقعين تحت سحر هذه الشخصية الشفاهية، التي تحولت إلى كتابة نص بسعة قلب العالم.

2. المدينـــة:
أريد أن أختبر (المدينة) باعتبارها المقدمة الأساسية الثانية لقصص محمود عبد الوهاب. سنلاحظ أن قصصه مدنية، صافية من عروق الهجرة الريفية التي خالطت قصص جيله، تتميز بالنظافة والأناقة والمرونة الواقعية الملازمة للنشأة البرجوازية المثقفة. تظهر المدينة في قصص محمود عبد الوهاب باعتبارها مقطعاً(section) من الواقع، أو فضاء سميوطيقياًsemiosphere) ) بمفهوم يوري لوتمان، تعمل فيه مخترعات المدينة بحرية ونشاط، لا لتمثيل معادلاتها الحداثية فقط، وإنما لاختراع لحظة التنوير الضرورية لكتابة قصة جديدة.
بهذا الاستنتاج لم يستخدم محمود عبد الوهاب فضاء المدينة لتوليد دلالات سوسيولوجية وراء النص، أو تحليل سيكولوجيات نماذجه البشرية، ولا لمحاكاة سرديات المدينة الناهضة بنهوض البرجوازية الصناعية فيها. لم تكن قصصه أنموذجاً لتشيؤ أو تصنّم العلاقات الإنسانية، في مفهوم لوكاش وغولدمان (بالرغم من وجود تماثلات شيئية بين قصصه وقصص غرييه وساروت). لقد بنى محمود عبد الوهاب عوالم غاية في الإتقان السيموطيقي ليطابق بين وجهة نظرته الشعرية للواقع وتحولات الهوية المدنية التي خولت القاص حق بناء الشخصيات بوجهيها الشعبي والبرجوازي. إن رؤية العالم، بمقطعه المدني الواقعي، تخضع إلى رؤية سيمباثية تعرض أزمة ضياع الأسماء وراء الصفات والهيئات. وبعبارة أدقّ، فإن أنموذج محمود عبد الوهاب القصصي يعاني شعور الوحدة loneliness السيمباثي المقابل لشعور الاغتراب أو الاستلاب alienationالذي تزرعه تناقضات المدينة الصناعية في روح الهوية الاجتماعية.
بداية، اندرجت قصص محمود عبد الوهاب الأولى (خاتم ذهب صغير، عزيزي رئيس التحرير، تحت أعمدة النور، الجرح، القطار الصاعد إلى بغداد، خط النمل الطويل) ضمن الرؤية الاجتماعية المشتركة لمجموعة قصاصي المدينة (عبد الملك نوري، فؤاد التكرلي، مهدي عيسى الصقر، غائب طعمة فرمان) وانحازت معها للنماذج الشقية التي استلبتها التحولات التاريخية للمدينة (الحرب العالمية الثانية، ثورة 14 تموز، الانقلابات والحروب، الهجرة والهجرة المضادة، المخترعات الحديثة..). كانت مفردة (القطار) ـ الوسيلة البخارية للنقل بين المدن ـ من أوائل المفردات التي دخلت قصص الرواد المدنيين، وقدمت معها أنموذجها البرجوازي المثقف (قصص: ريح الجنوب، العيون الخضر، القطار الصاعد..). وإلى جوارها (المقهى) (الحانة) (الملهى) (المبغى) (الجريدة) (السينما): مفردات صاغت نسقاً تعبيرياً مستحدثاً لم تعرفه القصة العراقية من قبل. لم يكن هذا التعبير المستحدث كافياً لرؤية شعرية تحاول اللحاق بقطارها الصاعد إلى أعالي الحلم المدني. غادرت قصص محمود عبد الوهاب الرؤية الفوتوغرافية الانعكاسية لمجتمع الحداثة البرجوازية، وخلفت وراءها المجرى الإنساني المتعثر في أوشال المدينة السفلى. أصبحت قصصه التالية ميداناً لتحولات الهوية الاسمية (استلاب الاسم، وحدة الاسم بين الجموع) واقترانها بأنموذج مفتقد، المرأة. انتظر محمود عبد الوهاب خمسة عشر عاماً بعد كتابة (القطار الصاعد 1954) ليباشر كتابة قصته التالية (الشباك والساحة 1969) ويتمثل المساحة المجاورة لنسق المدينة القديم، ويقترن بكائنه المفقود.

3 . المــرأة:
المرأة في قصص محمود عبد الوهاب كلها، شخصية مجهولة الهوية، لا مسماة، عسيرة الامتلاك.
كائن أنثوي رقيق، وجه جميل، ناء وغريب، ضبابي، يلوح خلف حاجز زجاجي لمطعم أو صالة مقهى أو ردهة مستشفى. إنه ينبثق من سطر رسالة، أو صورة قديمة، أو شاشة تلفاز. أو يختفي في مرآة زينة. أحياناً يبدو وجهاً أجنبياً كالوجه البولوني في قصة (امرأة)، ربما نلتقيه في مساء ممطر، في حافلة، نتبادل معه بضع كلمات قبل أن يتوارى في الزحام.
“أنتَ مثلها الآن، بلا تذكرة، فالعالم ليس واسعاً كما يبدو للآخرين..” (قصة:امرأة)
“تطفئ الضوء وتقفل جهاز التلفزيون، ثم تصعد السلم الداخلي، وتتوجه إلى غرفتها، في حين تبدأ الأشياء من حولها تفقد ألفتها..” (قصة: توليف)
“هل تدركين ماذا يعني أن يفترق احدنا عن الآخر؟ إنه موتي المحقق! وأن الحياة من دونك لا تطاق..” (قصة: امتياز العمر)
“أما زلت تذهبين مساء كل أحد إلى مقهانا الزجاجي أم كبرتِ. لا تكبري يا عزيزتي لا تكبري.. لا تشيخي لا تشيخي.. يجب ألا نشيخ” (قصة: على جسدك يطوي الليل مظلته)
“أراقبها، عادة، كل صباح، من الرصيف المقابل..تأتي هي قبله دائماً، تتوهج بثوبها الأصفر ذي الأكمام المخروطية. تتريث عند باب الزقاق مستطلعة بحذر طائر صغير..” (قصة: يحدث كل صباح)
نحتاج هذه التفاصيل لتأطير الوجه الجميل، الطري أو الذابل، الهادئ دائماً، الصامت، في صورة، ندخل معه فيها كي يملأ وحدتنا التي بدأت تتسع وتزيد. إن (الوحدة) بمفهومها الإنساني التعاطفي، في قصص محمود عبد الوهاب، تحيل إلى شعور أكبر وأعمق في قصص فؤاد التكرلي: المرأة في قصص التكرلي موضوع للانتهاك والعدوان الجنسي، أما في قصص محمود عبد الوهاب فهي قرينة النأي وعدم الامتلاك. أبطال التكرلي عنيفون، استحواذيون، يتصاغر كيان المرأة أمامهم ويتعرض للاختراق العميق، بينما يفلت هذا الكيان المحبوب من قبضة رجال محمود عبد الوهاب، فيصبح بذلك موضوعاً للملاحقة التفصيلية التي تزيده نأياً وغموضاً: “راقب حركة يديها وهي تزيل بإصبعين، برقة الخزف، الشريط الأحمر من مكعب الزبدة لتفصل ورقته الفضية عنه وتلقي بها في الطبق البلوري أمامها، وتمسّ بنهاية السكين ذات المقبض العاج سطح قطعة صغيرة من الرغيف لتغطيها بطبقة رقيقة من الزبدة ثم تضعها في فمها وتبدأ تلتقط طعامها، برقة وصمت، كعصفور دوري..” (قصة: امرأة مختلفة).
تحيط التفاصيل بشخصيات محمود عبد الوهاب لتعوض عن فقدان الصلات وانفراط المحبة والألفة، بينما يضغط الواقع بكتله الكبيرة الحادة الزوايا على صدور شخصيات التكرلي، نحسّ أن قصص التكرلي ذكورية حارة مراوغة، أما قصص محمود عبد الوهاب فنحسها قصصاً أنثوية كقطع من الخزف.

4. نظرتــان:
نلاحظ أخيراً أن وجهة نظر القاص إلى (وحدة) أبطاله العاطفية قد قُدّمت بمنظورين متقابلين: المنظور الخارجي للرجل الذي ينظر إلى المرأة من موقع بعيد (خلف حاجز زجاج، في صورة أو مرآة، من الشرفة) وهذه النظرة ترى المرأة هدفاً شهوانياً بعيد المنال. والمنظور الداخلي الذي يقلب فيه القاص وجهة النظر، فيبدو الرجل نفسه في عين المرأة رجلاً عجوزاً مطفأ الرغبة. في قصة (عابر استثنائي) تراقب امرأة عجوز رجلاً عجوزاً يعبر الشارع إلى الرصيف المقابل: “التفتت نحوه فوجدته يدبّ مطرقاً كأنه يحسب خطواته بانتظام، وكأن شيئاً في داخله ينكسر. كان يجرجر قدميه مثل حيوان جريح..” .
حلّت هذه النظرة المقلوبة، في الوقت الذي بلغ الرجل وامرأته (المختلفة) حافة الشيخوخة، وأصبحت الوحدة شعوراً هادئاً، وسردها حدّاً أخيراً: “إنه وحيد مهموم يشيخ في كل لحظة..”. تقول المرأة المراقبة لزوجها في الغرفة.(قصة: عابر استثنائي).
أضف إلى ذلك، إن وجهة النظر التي راقب محمود عبد الوهاب من خلالها أبطال قصصه من الرجال والنساء، قد تعرضت إلى الانكسار في مرحلتين: مرحلة الشباب التي كتب فيها قصة (القطار الصاعد 1954) ومرحلة الشيخوخة التي كتب فيها قصة (عابر استثنائي 1993). ويمكننا أن نمثل لهاتين النظرتين بمثالين: الأول من وجهة نظر أفقية، مشاركة تتجه من الخارج إلى الداخل، في قصة (القطار الصاعد). والثاني من وجهة نظر رأسية، مراقبة تتجه من الداخل إلى الخارج في قصة(طقس العاشق).
“وعندما رفعت حقيبتي أحسست وكأن ساعدي الطري بدأ يشتد ويقوى، وأن عضلات متينة، متينة جدا، ومفتولة جداً بدأت تظهر فيه وتلتف وتلتصق وتتشابك..”
“أحسست أن الأرض بدأت تتسع لخطواتي، وأن شيئاً ما في داخلي، دافئاً وغريباً جعلني أبدو أكثر إيماناً، فوضعت قدميّ على الطريق العريضة وأخذت أسير متبعاً ذلك الإنسان القوي الضخم المتين العضلات (حمال المحطة)..” (قصة: القطار الصاعد)
“الشارع يتحرك في عينيه: يبرق، يضيق، يرتعش، يشحب، يزحف في حركة لا تنقطع، يطوي هذا العدد الضخم المتزاحم من الناس والأشياء ليستعدّ لنهار جديد في مرحلة لا نهائية..” (قصة: طقس العاشق)
نلاحظ تحول النظرة من الشارع الذي يتسع لخطوات المسافر الشاب (المشاركة الأفقية)، إلى الشارع الذي يضيق ويرتعش أمام زحام الناس والأشياء في عيني الرجل العجوز (المراقبة الرأسية من الشرفة). إن فعل المراقبة المتكرر في قصص محمود عبد الوهاب (راقب، لمح، تصور..) يختلف من مرحلة المشاركة القريبة إلى مرحلة المراقبة البعيدة. كما أن التفاصيل الحارة والشهوانية تتحول إلى تفاصيل هادئة وحزينة ومنكسرة. كيف لنا أن ننسى شخصية عودة النجار (أول زوربا عراقي)، الذي رافق الأم لتوديع صديقه الطالب المسافر إلى بغداد؟ لن يفوتنا تفصيل واحد من المحطة (مشهد قلما يتكرر في قصة، عندما تفك الأم عقدة فوطتها وتسلم ابنها الدينار الوحيد المصرور في العقدة)، وأجواء القطار الداخلية (المعيدية النائحة): تفاصيل هشمتها مطرقة الوحدة إلى شظايا

——————-

أشياء لا تمحى .. أسم لن يزول

محمد خضير

روى محمود عبد الوهاب خبراً عن زميل له ألِفَ المعتقلات , قال ان هذا الأليف دقَّ مسماراً على حائط المعتقل , وعلّقَ عليه سترته , فكان هذا المسمار في انتظار سترة الأليف كلما عاد إلى خان الشرطة حيناً بعد حين.
هذا المسمار لن يمحى من ذاكرة محمود , ولا من ذاكرة جدران المعتقلات , وقد تعلّق عليه دلالاتها الغائبة وأنت تقرأ قصصه. أشياء لن تمحى من ذاكرة أصحاب المسامير : بقعة دم جافة على رصيف , شحاذ غافٍ في باب مسجد , صوت أم كلثوم في قبو التعذيب , وجه الأخت الراحلة في عيني محمود الغائمتين.
يقترع محمود على قائمة الانتخابات , فيرسم علامة المسمار في المربع الخالي , المسمار المعقوف مثل جسد أخته المسجاة على سرير الغيب , إلى جانب الأسماء المسمارية المطروحة على القائمة.يكتب محمود صفحات من سيرته الذاتية , على ترتيب خاص بيقظة ذاكرته الحالمة , فيتذكر وجه أبيه أول من يتذكر وهو يصطحبه إلى صالون الحلاقة , ثم وجه أمه تابعاً إياها بفانوس وهي تلبي نداء امرأة حبلى تُطلق في ليل المحلة . شعاع الشمس المتسلل إلى مرآة الحلاق , وضوء الفانوس المفروش على أرض الزقاق , خيطان يشدان محموداً إلى الأشياء التي لا تنسى , صفحتان في روزنامة السيرة الذاتية الناقصة لحياته الكاملة .
يضيف محمود ما ينقص حياته إلى حياة شخصياته , فيؤلف من سيرهم المتفرقة سيرة موحدة لقصة يؤلفها عن نفسه , بل يستأنف هذه السيرة القصيرة برواية عنوانها ( سيرة بحجم الكف ) . يحذف محمود ما ينبغي تفصيله في سيرة حياته , ويضيف إلى شخصياته ما يفيض على مقادير سيرهم , ويكتم عن قرائه ما لا يستوجب الإسرار , ذلك أن قدرة محمود على الكتمان والاختصار هي أقوى من قدرته على الإباحة والتفصيل . هذا ديدنه , وتلك طباعه , يؤثر على نفسه ما يسفحه على الآخرين , فكأن قصصه المفصلة لحياة أصدقائه ترجمة لسيرته المختصرة بحجم الكف , واختزال قصصه إلى أقصر الحدود تعبير عن رغبته المكبوتة في سرد التفاصيل. تعكس قصص محمود القصيرة طريقته المهذبة في ارتشاف كأس الحياة حتى الثمالة . وما يزال محمود يختصر ما يريد تفصيله , ويفصل ما يشاء اختصاره , في تأليف قصصه , مثل الإسـكاف الذي يقص الجلود ويلصقها ويخصفها مرتدياً قفازاً أبيض , معتكفاً على عملـه بطريقة الأسلاف المتمسـكين بعطر لغةٍ تفوح بها نصوصهم.
يعمل محمود في زاوية مشغل ضيق مدفون في بازار المؤلفين والقارئين المشغولين بتسويق نصوصهم والصياح على بضاعتهم والتدافع لزيادة عدد كتبهم . لكن صانعاً مثل محمود يشتغل بمزاج النهايات القصيرة , يحتسب عدد الخطوات التي تفصله عن النص المأمول , يحبكه فيأتي سعاة النصوص بين المراحل الألفية ويحملونه إلى ما يعلم صانع ولا بائع في بازارات الصناع المهرة . لا يراسل الصانع القابع في زاويته قارئاً يعرفه , ولا يأمل في خطوة نهائية تختتم عمله . فهو يعمل كما يعمل قصاص النهايات المفتوحة على مقايضة قصصه بدلالات عابرة , وإيحاءات ماكرة , محمولة على احترام العقد المبرم بينه وبين شخصياته المتوارية في الظل بكتمان أسمائها . وهنا يعمل محمود ببند ثمين من بنود كتابة القصة القصيرة , غير بند الاقتصاد والايجاز , هو بند الوصاية أو الوكالة عن ضحايا الحياة . تلقى الضربات والصفعات , وصنوف الهزء والسخرية , وأعباء الشيخوخة والمرض , نيابة عن شخصياته , وأغلبهم شيوخ ومرضى وعاجزون وقانطون , بصبر وأناة وتفهم , فكان أميناً للروح الإنساني الذي استدفأ بوهج حقيقته نصوص آباء القصة العراقية الأوائل . يرتحل محمود في رؤاه السردية بعيداً عن واقع (( الدهشة الأولى والحادثة الأولى والمشهد الأول )) كما يقدم لمجموعته القصصية ( رائحة الشتاء) . إلا أن ذاكرته الأمينة لأصولها تأبى إلا أن تعود إلى دهشتها المرتحلة إلى تلك المواقع التي جزأت سيرته إلى بيوت وعتبات وثريات ووجوه ترتسم في مجرى حياته البطيء. إن رؤاه التي ترتقي في (( قطارها الصاعد )) إلى أعلى التقنيات السردية تشرف على مشاهد لم تزل آثارها من تضاريس الأرض الأولى : جدار مثلوم في زقاق ترابي , جسر خشبي متداع على نهر صغير امتلأ قاعه بالقناني الفارغة وأطر السيارات التالفة , مدفأة علق بها الغبار , ردهة مستشفى في آخرة الليل , كتاب وقدح شاي ومضربة ذباب ومنديل على طاولة في شرفة . قدمَ محمود عبد الوهاب من الموقع الأساسي الذي شاده قصاصو العراق في نهاية الحرب العالمية الثانية , أما أشخاصه وأبطاله , سيرهم ووقوفهم وكبواتهم , ثيابهم وكلامهم وطعامهم , بلاهتهم وسخريتهم وفطنتهم , فقد صعدوا قطاره من محطات متفرقة على السكة الملتوية في فيافي الأرض العراقية المترامية الأطراف . كيف لنا أن ننسى أجواء عربة (( القطار الصاعد إلى بغداد )) ووجوه ركابها : الطالب البصري والمسافر البغدادي والقروية العمارتلية : (( آه ما أضيق هذا المكان ! ما أتعس هؤلاء ! )) يفكر الطالب . وعلى الجهة الأخرى من القطار المارق بركابه يفكر قراء قصص محمود في أثر الدخان والهدير المتصاعد من العربات المقطورة : (( آه ما أوسع هذه البلاد ! ما أعجب هذه الوجوه. لقد مضى الزمان سريعاً بهم وبنا وبالقصاص الذي هبط من قطاره . إننا نصادفه اليوم جالساً في مطعم إلى جوار بطل قصة ( الملاعق ) يتلوى بخار الحساء بين عينيه خيوطاً سائبة , يطرق لحظة كأنه يتأمل حياة كاملة سقطت في طبقه , ثم يطبق على الملعقة مستديراً صوب طبق الحساء, في اندفاعة لا حدّ لها , إلى التهام طعامه . أو إننا نتذكر المفتش الذي استخرج من ذاكرته صورة معلمة الأطفال التي ترتدي ثوب البازة المشجر بأكمامه الطويلة الضيقة المطرزة بالدانتيلا . أو إنه ذلك (( العابر الاسـتثنائي )) الذي يعبر بتثاقل الشارع إلى الرصيف الآخر , مطرقاً كانه يحسب خطواته بانتظام , وكأن شيئاً في داخله ينكسر , يجرّ أقدامه مثل حيوان جريح . أو نتخيله قارئاً فطناً لكتاب ( البخلاء ) ينقب في زوايا حكاياته عن شخصية ينتسخ منها بطل قصة ( رائحة الشتاء ) سلمان ذا المسحة الغوغولية . ما أفطن هذا المنتسخ , المتنكر في إهاب شخصياته ! وما أكثر تحولاته في مجموعة قصصية واحدة ! سنفاجئه متحولاً إلى نورس في نهاية قصة (عين الطائر ) : يفرد جناحبه ويصفقهما محاولاً النهوض من الأرض والاستدارة صوب النهر , مخترقاً فضاء المدينة ومبانيها , مغادراً مكانه القصي , غائراً في الالتماعات الفضية الجميلة .

————–

ثريا العزلة

جمعة اللاميjumaa

(الرجال نوعان عندما ينظرون من نافذة واحدة : رجل يبصر النجوم ، ورجل يبصر الأوحال) مأثور اوروبي هذا الرجل البصري، الذي يجاور الإمام البصري ، منذ سبعين سنة ، وأطلّ – متأملاً – على أجيال متعاقبة من الأدباء
والسياسيين والمناضلين والإعلاميين وأنصاف الرجال ، لا يزال مستغرقاً في وحدته ، منغمراً في عزلته ، بعدما أصبح لا يرى إلا نفسه عبر جدران المنزل ، ولا يشوف سوى بعض أصدقائه خلال عدد قليل من مقاهي البصرة وخاناتها.
كلنا نعرفه ، نحن الجيل المتعب ، والمحزون والشجاع ، والمنهار المغامر والمشاكس والمهاجر ، بعدما قلنا لجيل ” الخمسينيات ” نحن هنا.
نعرفه وريثاً لتقاليد الرسل الأوائل من كتاب القصة القصيرة العراقية ، ثم منتجاً لتلك التقاليد بإنجازه الخاص الذي تزدحم به كتبه التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة ونعرفه أيضاً واحداً منا.
لقد وضعنا كثيرين خلفنا ، من بعض الذين تسلقوا القصة والشعر إلى القيادات السياسية مروراً بهؤلاء الذين لم يتوقفوا طويلاً أمام فعل ” كن ” وليس انتهاء بأولئك الذين لا انجاز لهم إلا أغلفة كتب ليس الا، هو محمود عبدالوهاب ” ثريا العزلة ” بحق.
لا أتصوره بعيداً عن البصرة أبدا، ولا أخاله إلا بصرياً ، يجاور الامام الحسن البصري ، وانطون تشيخوف ، حتى وان استدعته بولندا ذات يوم ، او لعبت به ” شمول ” في وارسو . لم التق به إلا نادراً ، آخر مقابلة كانت قبل سنتين هنا في الشارقة مع الاخ الصديق القاص محمد خضير . وفي حينها كنت أريد أن احدثه عن ” اقتصاده ” في كتابته قصصه ، وان استمع اليه وهو يحدثني عن السياب والبريكان ومحمد خضير وحسين عبداللطيف، وعن ذلك المسرحي البصري الذي يبقى مشهداً في ذاكرة البصرة والعراق : جبار صبري العطية.
لكننا، ونحن نتنزه عند كورنيش الشارقة ، أو نطل على ليل دبي او نصمت داخل مصعد في بناية معلقة بين الغمام والأرض او حين أنصت إليه يحدثني عن سحر ” تشيخوف ” وتأثيراته في رموز جيلنا ، كنا نتحاور منذ عقود خلت : هو في ” ثريا عزلته ” وأنا فوق علامة ” ضم ” الأولى في صفته.
. وفي سرابيل هذه العزلة ، وكأنه على طريق ” البصري ” وهو يستند الى عمود في مسجده ، تعيد العزلة إنتاج وحدته بشكل مضاعف ، بعدما خلت الدار من شقيقته ، وبقيت الدار لا تجده إلا هو ” محمود عبدالوهاب ” المعتزل والمريض . أي قلب هذا الذي يعاند الوحدة وافتقاد الأهل ؟ لماذا يزحف المرض الوبيل الى جسده الواهن ؟ لماذا يبقى محمود عبدالوهاب وحيداً؟

—————-

الســارد فــي حـقـل الشعـر

حسين عبداللطيفhusain

في الليل حين تتم مواجهة النفس ويتاح للمرء أن يكشف مكنونات سريرته وأسرارها .. تنثال الرؤى والأحلام ، ويخطف الشعر مثل السنونو .. ، فالليل يأتي بالشعر وعلى من يترصد أن يقتنص الفرصة التي تسنح .. اذ ذاك ينهض محمو
عبد الوهاب الى دفتره الخاص ليدون فيه ما يعنّ له أو يطرأ على خاطره وهكذا كتب هو نصوصه الشعرية خلال الليل الساجي وفي دفتر خاص خلافاً لمألوف عادته في كتابة القصة أثناء النهار وفي أوراق متناثرة ومفردة .. لكنّ أحداً لم يعرف بهذا التوجه عنده ، على الرغم من اهتماماته المتعددة ومؤهلاته ، الا بعد أن كتبنا عن هذا البعد او ” الجانب الشعري” عند هذا القاص في ملف ” الاديب ” عنه شباط 2005 – اذ اراد هو نفسه لأشعاره هذه أو إلهاماته التي يعدها بمثابة اسراره أن لا تذاع او تنشر بسبب من ايثاره أو تعلقه بالقصة القصيرة التي أسرته محبتها مثل امرأة على مثالبها لايقوى على هجرانها ..
فقد ارتبط اسمه باسمها وعرفه الوسط الادبي بصفته هذه اذ كانت خياره الاول ورهانه الأخير الذي اولاه عنايته البالغة واهتمامه الكبير خلال ستة عقود أمضاها في مزاولة أنشطتها : ابداعاُ وترجمة ودراسة ونقداً .. وحظيت من لدنه ما لم يحظ به أي جنس أدبي آخر .. وحتى وهو يصدر كتابه الاول ” ثريا النص ” عام 1995 قبل مجموعته القصصية الاولى ” رائحة الشتاء ” عام 1997 ، بعد سنتين فانه لم يخرج عن نطاق القصة او مجالها .. فثريا النص لم يكن سوى مدخل لدراسة العنوان القصصي والقصصي بالذات فهو ما يزال في المحيط نفسه .. أما ترجماته في منتصف الخمسينيات فقد كانت منصبة أو مقتصرة على فن القصة أيضاً فقد ترجم ” قطة في المطر ، المخيم الهندي ، وعجوز على الجسر لهمنغواي وسارق الحصان – والصورة – والنار العالية – – امرأة جو كرادوك – ودورتي – والحلم – والغرفة الخالية – والزائرة لارسكين كالدويل و ” سائق عربة الشحن ” لمورافيا و ( الثوب ) لكرستيان جيلبرت و ” الدرس الأخير ” للفونس دوديه و ” الشيخ الغارق في ضوء القمر ” لـ ( لي في يان ) وقصة” تزوجتها لأغاظتها ” لمؤلف لم يذكر اسمه ، وقصة اشتاينبك.
اضافة الى محاضراته عن : أنداد المؤلف وعن الحوار القصصي وكسر الإيهام في الرواية – كونديرا انموذجاً . وغير ذلك من كتاباته عن خصائص القصة ومميزاتها الفنية .. وكذلك نقده لقصة محمد خضير ” حكاية الموقد ” وقصة عبدالرحمن مجيد الربيعي ” منهاج يوم ممطر ” في العدد الثاني من مجلة الكلمة عام 1968 . ولكن محمود عبدالوهاب لا يريد أن يظهر شاعراً أو ناقداً لئلا تطغى أية صفة من هاتين الصفتين على شهرته قاصاً .. فقد كان يتحسس حتى من حرف الدال المدل على درجة الدكتوراه من أن يسبق اسمه- كما يخبرنا عن ذلك زميله الحميم القاص الراحل مهدي عيسى الصقر في شهادة عنه – ملف الاقلام 1/2000 – ومع ذلك فان هذا لا يعني انه لا ينظر الى نصوصه الشعرية نظرة غير جدية وانما هو يؤكد على ممارستها برغبة كحالة تعبيرية او صيغة ” كتابة ” وهو يعزو الدافع الاستثنائي الذي يحمله على كتابة ” القصيدة ” الى اقتحام الأشكال – كما يقول – الذي يمارسه في الكتابة ، من قصة ورواية، وأحياناً، من قصيدة وبحث ، تفرضه لحظات ” قنص ” للمرئي من الاشياء واللآمرئي الثاوي تحت دثار اللاوعي ، انه صراع ما بين شكل مضمر ضد اشكال متحققة مألوفة . فالقصيدة التي يكتبها تمثل عنده شكلاً من أشكال الاستقصاء ، نسقاً كتابياً مغايراً ، عملاً ” مفتوحاً ” يرتعش وضوحه تحت معاطف القرائن ، فهو يلجأ الى القصيدة عندما لا تعينه القصة على بوح حميم . ولذلك هو مهتم بها من هذه الناحية إلا انه مع ذلك يعدها ” ثانوية ” بالنسبة الى كتابته القصصية ولو تسنى له اصدارها في مجموعة فانه مبدئياً سيضعها – ان لم يغير ذلك – تحت تسمية عنوان فرعي هو ” على هامش الكتابة ، أي الكتابة القصصية . وهكذا نلاحظ إيثاره المؤكد لفن القصة القصيرة على ما عداها .. ولكن لماذا أبقى محمود على نصوصه الشعرية مطوية حتى الآن، يقول : انها (ذاتية) محض أو ( نجاوى) بحت ! – ولكن ألم تتحدث عن معيش ! أسأل فيجيب ! – لا .. أنا لا أقصد هذا وانما أعني انني لا أريد أن أظهر الا قاصاً لا شاعراً ولا ناقداًُ حتى .. ثم انني لاأسمي ما أكتبه خارج القصة انشغالاً نقدياً فانا لست ناقدا و لا أطمح أن أكونه وربما لا استطيع أن أكونه . لكني أجاور الناقد في منطقة محايدة ومع ذلك فان ما يسمى بالانشغال النقدي يحدث عندما لا تكون هناك قصة تشغلني .. وما يشغلني لا يأتي على حساب كتابة القصة ابداعياً اذ لا أسعى الى كتابة تنظيرية خارج منطقة القصة ، ما أهتم به مما هو غير قصصي يتعلق ببعض المشكلات العملية التي تعترضني في كتابة القصة . واذ لا أجد أنا ضيراً في أن يظهر القاص (شاعراُ) أو ( ناقداً ) – بهذه الصفة – أو العكس وأحاول مناقشة الامر معه يستمر هو في اصراره وتوكيده فاقول لأقنعه : لنأخذ سركون بولص أو فاضل العزاوي أو جبرا أو سعدي يوسف او جمعة اللامي مثلاً .. والأخير كان قد أدخل في نسيج روايته الاخيرة ” مجنون زينب ” أشعارا مقتبسة واخرى موضوعة من تأليفه كما انه أصدر مجموعتين من نصوصه الشعرية هما ” عبدالله بن فرات ينتظر ثأر الله ” و ” اشواق السيدة البابلية ” مكّنتاه من اجتياز مرتبة شاعر بجدارة واستحقاق .. ومع ذلك فهو مايزال معروفاً في الوسط الادبي بصفته ” قاصاً ” مبدعاً و ” روائياً.
وثمة روائيون ومسرحيون عظام مثل شكسبير ، سرفانتس ، لورنس ، جويس ، فوكنر ، كازانتزاكيس ، بورخس .. وغيرهم. كتبوا الشعر واصدروا المجموعات : السونيتات ، الطاووس الأبيض ، موسيقى الحجرة ، اله الحقول ، الظبي المرمري ، رؤيا في الربيع، الاوديسة الجديدة ، كتاب الصانع – يحتوي على قصص وقصائد – الحلم بالنمور …. الخ وشعراء انقلبوا الى الرواية والقصة : بوشكين ، طاغور ، اراغون ، باسترناك ، يفتشنكو … وقد كتب همنغواي بعض القصائد ، أما ماركيز فقد كان يقتبس من اشعار الشاعر النيكارغوائي روبين داريو ليضمنها في روايته كما انه يؤكد كتابه لأحدى رواياته بأسلوب شعري كما لو أنها قصيدة . لقد تزامنت كتابة محمود عبدالوهاب لنصوصه الشعرية مع نشره لأولى قصصه أوائل الخمسينيات أبان ما كان طالباُ في دار المعلمين العالية . حين نتصفح دفتر محمود الشعري سنجد انه يحتوى على الكثير من القصائد التي هي كلها من نمط قصيدة النثر – فهو لم يقرب الوزن أبداً.. ولكنها بقيت حبيسة ادراجه وأوراق دفتره حتى قيض لقصيدة قصيرة جداً من بضعة أسطر أن تظهر على الصفحة 51 من روايته ” رغوة السحاب ” في اشارة للراوي الضمني يقول عنها انها آخر قصائده المكتوبة بينما أشار اليها المؤلف – محمود عبدالوهاب – في هامش الرواية على انها من وضعه أي من تأليفه هو…. مؤلف الرواية هذه القصيدة القصيرة هي التي شكلت ظهوره الشعري الأول على صعيد النشر أما الظهور الثاني فقد كان من خلال نشره لمرثية “الحياة كأنها مزحة” التي يرثي فيها زميلنا الراحل عبدالخالق محمود ، المنشورة في ملف جريدة ” الاخبار ” الاستذكاري العدد 44 حزيران 2004 والتي بلازمتها المتكررة ، بين المقاطع ” وحسبت نصيحتي مزحة ” هي الانجح في الاداء والافضل من بين نصوصه الشعرية من هذه الناحية.
ان أغلب نصوص محمود عبدالوهاب الشعرية .. عبارة عن : كناية موسعة . وللنثر الأولوية في هذا الشأن – حسب ياكوبسن – قبل الشعر الذي من شأنه استعمال المحسنات البلاغية الكثيرة من مجاز واستعارة وما الى ذلك فضلاً عن الانزياح اللغوي. وسواء في (القصة) أو ( القصيدة ) فان لغته عموماً – هي نفسها ، لغة أدائية معبرة بلا تزيينات ولا زخارف فهولا يبحث عن لغة داخل اللغة، أو ينهمك في اصطناع عبارة براقة معطلة عن وظيفنها أو يجري وراء لغة متفيهقة وطنانة.. كما انه يتجلى القصة التي يكتبها كما يتملى الشاعر قصيدته وكأن هذا صدى لقول ماركيز على كتابته لأحدى رواياته باسلوب شعري … الانف الذكر – انظر عنوان المقابلة التي أعددتها معه في ملف الاقلام 1/ 2000 او الى ترجمتها في مجلة جلجامش 2/1/ 2001 .
كما انه يجد في حالتي كتابته للقصة أو الشعر أن ” التحفيز ” واحد . أما المغايرة في اللغة او الأسلوب فهي متأتية من متطلبات الجنس الأدبي وخصائصه .. فالسياقات السردية ، وحدات متنامية حديثة تجري على مهل او تمهل في حين أن سياقات النصوص الشعرية تنبسط فيها الوحدة لتلتم في النهاية بضربة أو(قفلة) تكسر التوقع عند القارئ.
يقول نيتشه: اننا نحكم على الناس الذين نعرفهم أو من هم الاقرب إلينا من خلال الوسائل والأساليب التي يتخذونها في الوصول الى أهدافهم.. وعلى ذلك فان محمود عبدالوهاب يصل الى ” ذاته”، تماماً عبر نصوصه الإبداعية القصصية او الشعرية – عموما – ومن دفتره المطوي نختار بعضاً من النصوص الشعرية القصيرة لهذا القاص المبدع الذي لا يطمح أبدا بشهرة أدبية تأتيه أو تواتيه من هذا الجانب.
* اندثار الفجيعة أن تفتح عينيك وتجد عمرك
لا يصلح لشيء
الفجيعة أن تبكي وحدك
أن تحدّق الى سريرك
الغطاءات كما هي.. ولا أحد
الفجيعة أن تعيَ الفجيعة
معاً كتف تحتّك بكتف
وذراع تلامس ذراعاً والشارع يجري بيننا
يا للزهو! تصطحب امرأة؟
أصابع عينيها تتلمس وجهك
وأنت الديك
العربي الصائح، والأخرى الصدى الريح تجتاح ثيابكما
ترقّ هي وتتصلب أنت
ماذا يعني أن تنتفش ديكاً
وترقّ هي؟ كن ديكاً ديمقراطياً
فالعشق لا يفهم حرب الأجناس
الاسم تعالي
علميني أن أكتب اسمك بالبولونية
سأعلمك كيف تكتبين اسمي بالعربية
كتبت
ْ كان مقبض كفها مثل قلب
ملموما وردياً
يتعرج مع الحرف العربي
ميماً ، حاء ، مثل من يتحرج أن يبوح
أمسكت رسغها
ناعماً بارداً
تتعرج كفها في عينيها
ضاحكة هي
وأنا أنود برسغها يميناً يميناً حتى أكتمل الاسم خربشة وخطوطاً لا الاسم على الورقة ولا الورقة تعني شيئاً لكنّ عينييها برقت بالاسم صحيحاَ وبالعربية الفصحى. قراءة العالم من حولي كتاب والفطن من يقرا صفحاته ما كلّ ما أقرأه صحيحاً لكنّ في ما أقرأه يلغي التدليس قبضة العتمة أنا الفجر المعتم الحالك مثل ليل كابوس صخري داخلي ناتىء وحاد بهواء الفراغ تتشبث روحي مثل غريق لا تكترث به شطآن البحر من على كتفي تنفرط حبيبات العمر دموع مهاجر لن يعود تكتظني مسامير الأحزان تكتظني اللحظة وحافات الأشياء تنفرط المسرة من قلبي في فضة الفجر التي ينبغي لروحي أن تزهر فيها.

—————-

العابر الإستثنائي الجميل..محمود عبد الوهاب

حاوره: مقداد مسعود:MMQDAD

مقداد مسعود..يقدم الراحل (محمود عبد الوهاب) في إتحاد أدباء البصرة/ 14/6/ 2002 ،في أحتفائية صدور رواية (رغوة السحاب )

*علاقة المثقف بالسياسي: علاقة إرتياب…
*السارد لايعني المؤلف،من يفهم غير ذلك،يعاني إضطرابا في وعيه بالسرد.
*لاأميل إلى كتابة يومياتي في دفتر خاص….

من وجهه، تشرق شمس الشتاء.في قلبه سيول من الأشجار المضاءة بالقطوف..هو وهو وحده: مدربنا الأول على إلفة الإمكنة،والوفاء للوجوه الناصعة،ولولا تدريبه المتواصل لأرواحنا،لما كانت الحياة: مغامرة تستحق العناد،بالنسبة لنا نحن الذين رأينا : صوته رايتنا الشاهقة…
هو لاينسى من المرأة إلا وجهها أو فاعلية النمط … يرى سواه في المرآة، ويرى ..يقظة مدببة ترابط في منامه فيسترها بنصوصه وهو يكتبها بالممحاة. سأكشط فعل الممحاة وأسميها (الوحشة).
هو محمود الجميل والعاشق والمعرفي الدؤوب ، هو الهداّف يحول ألامه الشخصية : كرةً..مسجلا أحلى الاهداف على الحياة، ولايرى مكابداته إلا نصا مسرحيا، فيمثله بمهارة مخرج بارع،وهكذا يمنحنا تمرينا روحيا لتكون السعادة حصتنا الدائمة.. وهو الإستثنائي العابر جسر الحياة إلى الحياة ومن الحياة .
يقتسم معنا الرغيف،شرط أن يكون غادر التنور للتو..يقتسم معنا الضوء والكتاب، وماتبقى في جيبه وقلبه الذي يغار منه الجمّار..لايتأنى إلا في الأجوبة،كأنه يقدم بحثا علميا.يفرح كثيرا وهو يقرأ مخطوطاتنا أو نصوصنا المنشور في الصحف والمجلات،كأنه يتمرى فيها .يتأمل الوجود بظاهره وكمونه، لابعيني  عالم آثار……محمودنا يتأمل ليتماهى بصوفيةٍ من براءة إختراعه هو…محمود عبد الوهاب : نخلة بصرية مغروسة، في درابين بصرتنا القديمة،في محلة (يحيى زكريا) ..(السيمر)..(العباسية)،تعرفه بغداد وبيروت لاتنسى ذلك الطالب الجميل الذي نجح في أختبار القبول في جامعة(كامبردج) وكان من العشرة الأوائل.مع المناضل غانم حمدون.لكن نجاحه في بيروت لم ينقله الى لندن، صوت إحتضار أمه استعاده من مستقبله الأنكليزي إلى بصرة الأم ،في إحتضارها؟! مَن أستعاده الأم؟ لماذا القدر مات مغتظا من الجميل محمود؟!..الأم تموت والجميل يداهمه قطار 8شباط 1963 الأمريكي، ويلتقطه من بيت أو وكر حزبي في بغداد .. (أخذني اليه في عام 1996 وقفنا نتأمله في الشارع )إلى غيابةٍ..
……………………………….
في بيته، في تلك الغرفة الهادئة، الحقائب في تراتبية شعرية،ومن هذه الحقائب ..هبطت علي قصة
قصيرة لسيرة إستاذي( زهرة البيلسان)…نشرتها في أوائل هذا القرن في صحيفة العراق…
الحقيبة الزرقاء: وارشو
الحقيبة السوداء: خان الخليلي
…الزرقاء: بلودان / قاسيون
البيضاء: اجعيتا/ بيروت…
أسلوبيا..يمت بصلة قربى لإرنست همنغواي، ومن شدة تعلقه..ترجم قصصا لهمنغواي، تستوقفه هندسة جملة همنغواي.. ومحمودنا مريض بتيشخوف الذي لاتهمه الأمور الكبيرة..ما أن صعد في قطاره القصصي إلى بغداد وهو صعود مدوي يومها،منذ…وهو لايستوقفه إلا.. الدلالي في الوحدة السردية، وتهمه المفردة ضمن سياقها الوظيفي، لاالجمالي..حين تسأله ..لايرتجل اجوبة وهو العارف..يتصل بك ليلة ويوثق إجوبته بمراجع مكتبته الزاهرة..منذ سنوات طويلة وأنا أرافقه بشكل يومي،أرافق الشباب فيه..وحيوية المعرفي،من محمود عبد الوهاب تعلمت الكثير الكثير معرفيا وسلوكيا..وشرّفني إستاذي بقراءة نصوصه وهي مخطوطة بالقلم الرصاص، ولأني
من أقرب الأصدقاء العارفين بأوضاعه البيتية الخاصة، لم أمارس ضغوط الصداقة،لأفتعل حوارا صحفيا مع من هو بحق مَعلم من معالم البصرة..تحاورنا ، حول هذه الأسئلة إستاذي وانا لمدة لاتقل عن نصف سنة…وعيا منا أن الحوار ليس فاصلا أعلانيا، او قصيدة عمودية مرتجلة، تعاملنا مع الحوار ،كنص أدبي تصنّع في ميتافيزيقية الذات وإبيستمولوجيا الحقيقة،وهكذا صيّرنا الحوار مسرحة لغوية تمكن كُلا منا أستاذي وأنا، من التقارب المعرفي،مما يعتقده كلانا: حقيقية ، إذن الحوار لاينتج حقائق ..بل يثبت حقيقة من خلال مسرحة الحوار،التي أحيانا تتجاوز تفاعل الأشخاص إلى تفاعل ثقافات…*
*ماذا تعني الكتابة عندك..؟
*الكتابة ..مفهوم عام،متعدد الرؤى والوسائل والغايات، غير ان سؤالك يتوجه إلى مايعنيني من جنس الكتابة، ومايعنيني حقا من الكتابة الحقل الذي أشتغل فيه، أي ماهو  ابداعي، وعلى وجه خاص: السرد بمنجزه القصصي والروائي،والكتابة إبداعات ،على ماتنفرد به من خصوصية قوانينها الجمالية ،لاتعمل بمعزل عن كونها نشاطا إنسانيا، في تعبير المبدع عن عصره بإنفتاح على ماهو كوني، من خلال ماهو ظرفي أي كما يقال من الخاص إلى العام،وذلك بقراءة الواقع الموضوعي قراءة معمقة وإمساك موضوعيته الدالة والتعبير عنها في بناء مركب جمالي قد يستغرق زمنا لايستوفيه زمن الحدث الساخن آلآني،الذي هو باعث التحفيز في الكتابة،ومن هنا فإنك ترى ان ألأعمال ألإبداعية الكبيرة غالبا،ماتأتي متأخرة عن زمن( المتغير) بحكم ألإشتراطات الصعبة التي تفرضها قوانين ألإبداع.
*كيف تفهم دور المثقف والسياسي في الحياة العامة؟
*ينبغي علينا أن نحدد ماذا نعني بالمثقف وماذا نعني بالسياسي، فمفهومها مدرك مما هو متداول وشائع، يتضمن مفهوم المثقف : المتعلم ألأخلاقي والمعرفي والمبدع والتكنولوجي وغيرهم، والسياسي قد يعني العضو في حزب ما، أو الملتزم بمنظومة فكرية من دونما إنتماء،وقد يعني السياسي أيضا صانع القرار فأيهم تعنيه؟ علاقة المثقف بالسياسي،لاتخلو من إلتباس،فكأنما لاتفهم السياسي إلا إذا كان منتميا إلى حزب ما، وعلى غير ذلك، فقليل منا، من يفهم ان المثقف – خاصة المبدع- منتج أفكار في حقله ألإبداعي،وإن تلك ألأفكار لاتخلو مما هو سياسي ذلك لأن الممر إلى الثقافة،غالبا ما يأتي من بوابة الوعي السياسي، ما أعنيه بالسياسة هنا ليست ألأيدلوجية، لكن بمعنى مقاربة الحياة العامة ومعايشتها،إنك تدرك حتما ،ان المثقف يمارس (التفكير) السياسي غير الجمالي فيما يكتب،لكن السياسي،يمارس(الفعل) السياسي في نشاطه اليومي..أود أن اضيف أيضا ان علاقة المثقف بالسياسي: علاقة إرتياب غالبا،فالمثقف يتهيب من سطوة السياسي، حرصا على حريته في التعبير وألإبداع لأن المثقف، يخشى من إستحواذ السياسي على تلك الحرية،كما أن السياسي لايطمئن إلى المثقف كليا، لأنه يتمثل فيه رقيبا مشاكسا على مشروعه،غير ان المصلحة الوطنية، تفرض على المثقف والسياسي معا نوعا من الفهم والتصالح عبر حوار إيجابي لمواجهة ألأخطار المشتركة التي تعصف بأهدافهما لبناء مجتمع إنساني ووطن آمن.
* كنتَ في صدد مشروع كتابة(رواية)،تكون شخوصها من بعض مجموعتك القصصية (رائحة الشتاء) بحيث تجمعهم : الرواية/ المشروع،في موضوعتها وفضائها
ماذا أنجزتَ منها؟
*صحيح..يوما ما كنتُ مبتهجا، بموضوعة الرواية / المشروع وطرافتها.شغلت بهيكلتها ووضعتُ مخططا لبعض فصولها، كان ذلك قبل ان اطلع على رواية (ملاك الجحيم) للروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو،وبعدإطلاعي على رواية(ساباتو)،تغير كل شيء..كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت ان(ساباتو)،قد وظف رواية( ملاك الجحيم) في صنع موضوعاتها،بتشابك ماهو واقعي بما هو متخيل من روايته(أبطال وقبور)،مثل برنو ومارتين واليخاندرا ودانيال ولافاجي والأخيران شخصيتان معروفتان في التأريخ الأرجنتيني وكاستيل وهو أحد شخوص روايته(النفق) أيضا..في تلك الحالة أي بعد إطلاعي على رواية سوباتو ومقاربتها لمشروع الرواية،التي أنا في صدد كتابتها،أدركت
ان من المغامرة،مواصلة الكتابة في روايتي، فأنت تعرف أن الوسط الثقافي إرتيابي لايقتنع ب(جديديك) إذا كان له مايماثله عند الآخر،بخاصة إذا كان الآخر روائيا له شهرته ،وهكذا ترانا (نئد) جديدنا خشية الأتهام بالسرقة أو التقليد في الأقل..حسنا فعلت كرستيفا وفوكو وبارت، عندما أبتدعوا مفهوم(التناص)إنهم بذلك حرروا- رقابنا- نحن الكتّاب من تهمة سرقة إبداع آلآخر..أعجب هنا لماذا يتقبل الوسط الثقافي(توارد)مسعى عالمين في الفيزياء مثلا في موضوعة التجربة العلمية الواحدة المتماثلة ،في حين لايتقبل(توارد) موضوعة الكتابة الإبداعية عند مبدعين؟ أليس هذا يعني إننا نفكر بعقول تعتقد بتدني التجارب الإبداعية وبتعالي التجارب العلمية،أي بعبارة إننا نجعل من(التماثل) في الموضوعة الإبداعية: تهمة في حين نجعل من(التماثل)..في التجارب العلمية إبتكارا وأصالة !!
*لك علاقة بعدد كبير من مجايليك مثل عبد الملك نوري ،فؤاد التكرلي ،السياب ،البريكان ،حسين مردان ،سعدي يوسف وغيرهم،ألا ترى أن من الضروري كتابة سيرة قد تضيء جوانب من مسيرة الأدب العراقي..لماذا لم تفعل ذلك؟
*تتحكم بذلك دوافع متعددة،منها المزاج وشدة التأزم في موضوعة الكتابة،وربما الإفتقار إلى تفاصيل العلاقة وأهميتها المعرفية للقارىء،فأنا عادة، لاأميل إلى كتابة يومياتي في دفتر خاص،قد أفعل ذلك عند ضرورة ما،وقد بدأت بكتابة ما يشبه السيرة، نشرت بعضها في مجلة الأقلام،عن الصديق مهدي عيسى الصقر،وفي جريدة المدى عن القاص الرائد عبد الملك نوري،وفي مناسبات كتبت عن الشاعر البريكان،وأحتفظ بعدد من الصفحات المحدودة ،من جوانب السيرة الذاتية التي لم أنشرها بعد.
*هل أسهمت في كتابة مقدمة لمنجز إبداعي،أصدره صديق أو واحد من معارفك؟
*لم يحدث ان طلب مني صديق،كتابة مقدمة لمنجزه الأبداعي،وأعني بالمنجز –هنا- كتابا إبداعيا لانصا من النصوص،وفي الحالة الثانية،قمت فعلا بكتابة تعريف ببعض نصوص الأصدقاء، وفي حالات محدودة جدا،فأنا لاأميل عادة إلى كتابة مقدمة لكتاب ،ذلك لأن المقدمة ستكون قراءة من القراءات،وربما ستكون قراءة مفسرة للكتاب الأبداعي،وقد تقسر المتلقي على الخضوع لها في طرائق قرائته للكتاب .
*روايتك-المخطوطة- سيرة بحجم الكف،ما علاقتها بقصتك القصيرة، سيرة التي تضمنتها،مجموعتك القصصية(رائحة الشتاء)؟
*القصة القصيرة(سيرة) حاضنة للرواية(سيرة بحجم الكف)،لكن ذلك لايعني محايثتها،في السرد فالرواية(سيرة بحجم الكف)،لاعلاقة لها بالقصة القصيرة(سيرة)،من حيث التخيل أوالبناء أوالشخصيات أونهاية الرواية.ان كلا منهما نص مختلف.
*ماحجم السيرة الذاتية في قصصك..؟
*لاتخلو قصصي من تجربة الذات،لكنها لاتعني(الذات) بعينها.إنني أبني على مساحة محدودة من التجربة الذاتية، قصصي معظم هيكليتها :متخيل..أما ضمير المتكلم،في القصة،فهو لايعني شخص القاص.ان ضمائر السرد(أنا وأنت وهو…)ليست سوى علامات دالة على السارد،الذي لايعني أبدا أنه المؤلف من يفهم غير ذلك يعاني إضطرابا في وعيه بالسرد.
—–
*الحوار منشورة في جريدة (طريق الشعب)/العدد 30/ السنة 71/ الأربعاء 5تشرين الأول/ 2005
*مقدمة الحوار منشورة بعنوان (بورتريه/العابر الأستثنائي الجميل محمود عبد الوهاب)/ طريق الشعب/ العدد 28/ السنة 73/ الأحد/ 16/ أيلول/ 2007

—————-

دعونا نتأمل محمود عبد الوهاب كـ (أثر) ينبض بالحياة ..

 علي حسن الفوازalihasan

هو ليس غابة من النصوص، لكنه غابة من الأثر الذي يسكنه الشغف والبهاء، إذ يصنع هذا الأثر اليومي الكثير من النصوص المفتوحة، النصوص التي لها امتياز الكلام، ولها شهوة الإثارة، وغريزة البهجة، تؤنسنا هذه النصوص بغوايتها وأناقتها، حدّ انها تسحبنا الى لعبة الكلام الذي ينبش عميقا في سرائر الكتب التي اصطنعت لنا سحرا من العوالم المتخيلة والتفاصيل والسرديات التي نعيشها بوصفها مصدرا لوجودنا الاكثر اطمئنانا، والأكثر إثارة للأسئلة.
محمود عبد الوهاب الأثر البصري الذي لم يشأ الاّ ان يكون أثرا متعاليا للمدينة، مهووسا بتفاصيلها ومراثيها، عالقا بروحها الخبيئة وبحكاياتها المحمولة على مثيولوجيا ساحرة، مثيولوجيا(بصرياثا)التي ينبش في نسقها المضمر عن كنوزها وبطولاتها، وطقوس حكوائييها. مثلما ينبش عن معانيها المسكونة بسحر الماء وغموضه، وشهوات جنياتها اللائي يسرقنّ فحولة الكلام، وعشبة الخلود، ويتسللن الى الزوايا الحميمة، حيث يكون الكلام بلادا، والحكايات ترشّ المكان بالسكرة، وحيث يستعيد المقهى اليومي- تحت وقع هذا الأثر- دوره في ان يكون غابة تتسع كلما تتسع البلاد للكلام، بوصف هذا الكلام آخر ماتبقى من الزاد، والاطمئنان، والغواية التي تحرضنا على الوجود.

كلما استعيد البصرة، استعيد محمود عبد الوهاب، فهو كائنها الاثير الذي لايطيق مغادرتها، يكتفي برعب وحدته منذ اكثر من سبعين عاما، وكأن أنوثة المدينة تشاطره السرير والبوح والاعتراف ولعبة الجسد المتوهجة، يحمل في جيوبه الكثير من روائحها وحوائجها القديمة، اذ تشمّ بهارات سوق الهنود احيانا، وبعض رطوبة المكتبات القديمة، مثلما تستاف من(جاكيته)الانيقة بعض غبار عالق من حروبها التي يكرهها كثيرا.. هو يكره الوحدة رغم تكرارها القاسي في حياته، وأحسبه يتوهمها موتا، لذا لم أجده الاّ في نوبة احتفال الاصدقاء به، لانهم يحبونه بطيبة غريبة، اذ هو يملك صلاحية انسانية عالية، وصلاحية سرية تؤهله لان يكون اثرا، او عرابا، او مثيولوجيا تمشي على قدمين، او ربما حكاية متخيلة تضعنا عند تاريخ متخيل لعالم اكثر براءة ونظافة من كل تاريخات المدن المكسوة بقبح حروبها ومحاربيها ولصوصها..
يوهبنا محمود عبد الوهاب الاطمئنان على نصوصنا التي تنتمي الى مزاج الغابة، ليس لانه يشاطرنا بسنواته التي لا تشيخ يوميات المعلم القديم الذي نلتذ بوصاياه كثيرا، بل لانه يحمل ذاكرة يقظة تنمو خارج السياق، ذاكرة شجاعة بحضورها، وبداهة سريعة بسخريتها، لاتتباطأ في اشهار اسلحتها الحميمة، وضحكاتها الدافقة، فهو يؤمن بفكرة الاثر، الاثر الذي شاطر الكثير من ابطاله لعبة الحياة والمغامرة، فالسياب والبريكان ومهدي عيسى الصقر كانوا بالنسبة اليه الأشبه بـ(ذاكرة الصور) التي يستعيد حيواتها، وسرائر بطولاتها بلذة، مثلما يستعيدها كظواهر لتاريخ اخلاقي وثقافي للمعرفة، وللجمال، ولقوة الانسان في بحثه عن الغامض والساحر في المعنى، اذ يضع هذه اللذة في سياقها الظاهراتي التي يستعيدها كوعي، وفي سياقها المعرفي، مثلما يضعها كزمن انساني(يركض كالخيول) كان ينتهكه بسنواته الموحشة البهية والعاصفة، واحسب ان صديقه الاثير في سحر الاثر محمد خضير يشاطرها معرفية هذه الاستعادة، مثلما يشاطره يوميات البقاء وتدوين اثر المدينة، اثرها في التخيل وفي صناعة الشفرات، اثرها في تدوين المضمر حتى لاتمحوه المدينة التي تقسو على نفسها، او يقسو عليها الاخرون، والموهومون بلعبة محو الاثر الذي يتمنى ان يكون شبيها بمعطف غوغول الذي يمكن ان يخرج من جيوبه الكثير من صناّع السرديات والاحلام..
قرينة محمود عبد الوهاب بالبصرة لايمكن ان تكون الاّ قرينة الاحساس بالهاجس الاثير الذي يلاحق صاحبه، يساكنه غريزة المعنى، والاحساس المتوهج بغواية المراودة على جسدها الذي لا يكبر رغم شحوبه، واحسب ان هذه المدينة الخبيئة تحت جلده وكلامه وقميصه تحتاج الى أثر محمود عبد الوهاب، ليس لانه جزء من يومياتها الصاخبة والمكشوفة على المجهول، بل لأنه جزء من روحها السرية، وجزء من مثيولوجيتها التي يستعيدها الكثيرون في يوميات صفائهم، اذ يكون محمود عبد الوهاب ساحرا في المقهى، وحكواتيا في ليالي الكلام، وفي جدل السرديات، وعرفانيا عند عتبات النصوص التي يطأ البعض أسفارها دونما شفرات او تمائم توهما في استكشاف ما تحت سطوحها التي عبر عليها الكثير من أصحاب الحروب والمغازي..
محمود عبد الوهاب المواطن البصري الكبير، يستحق ان يشاطر كل مدوني المدن الكبار امتياز المجد والبقاء في ذاكرة مدينته وسحر اساطيرها ومدونات طينها وحيطانها وذاكرات أولادها وتعاويذ نسائها الباحثات عن الخصب. ليس بوصفه غابة من النصوص كما قلنا، لكنه الذاكرة واليوميات التي شهدت على زمانات مفتوحة ومحاربة، اذ نجد عبد الوهاب عالقا بكل زوايا المدينة التي استغرقته، وساكنته بلذاتها العميقة، ومراثي موتاها، وضحكات اصحاب مكتباتها الذين يعرفون انه القارىء الكبير، وانه الشرّاء الأوسع لبضاعتهم الكاسدة دائما.

———————

محمود عبد الوهاب : اللوحـة و القــصة..mmah

“لقد ولت الصور وعلينا أن نفكر في خلقها كلنا مهددون بالوحدة ّّ .. فلم يبق لنا غير القراءة والكتابة لانهما الرحمة التي وهبتها الحقيقة لنا ؟ .. وما أخشاه هو فقدانها ..!! واستمرت قطرات المطر تبلل شجرة الكالبتوس.. تغسل السخام والاصباغ الرخامية والاوراق الشاحبة وبقايا الزرقة الراحلة بلا أسف .. من غابة الحرب والمأساة.. أضاء البرق شعره الفضي , فتناقلت نظراته و لوحة السماء المائية,حين فاحت رائحة النار بما أشعرتنا باقتراب الشتاء ؟ وبحركة سينمائية سريعة التفت “محمود ” هامسا ..ألا تشم رائحة الشتاء ؟- رائحة الشتاء .؟

“ست سنوات ” !! ليس ذلك بالكثير في عالمنا القلق ..المتكّسر .. عالم البارود والذبائح البشرية والخوف والتيه !”
كان ذلك قد حدث عندما حل” محمود ” وسطنا ؟ والبصرة تلمّلم جروحها وتبدد ما ابقته الحرب . .
– لقد أرهقني التجوال!.. كل يوم تحت سقف جديد ! ها أنا ؟ اعيد ترتيب كتبي ..اوراقي .. ومن يدري فكم ستستمر رحلة الضياع هذه حتى أعاود الهجرة من جديد ؟
“ذهبت هذا الصباح ..الى ” خور الزبير ” * بدت لي .. مدينة أشباح .. فراغ بلا حدودوريح عاوية !! أشعرتني بأنني وحدي فانتابني خوف مجهول , ولولا بعض الحيوانات والناس وشبح سيارة عابرة لشعرت بالرعب وكأنها النهاية !
هذا شيء لم احس به من قبل , ألا أنني صرت كلما نهضت من النوم تهاجمني الهواجس فأنا وشقيقتي .. نحيا. ..!
أحيانا .. افكر بخوف في أن استيقظ مرة ..فأجدها ميتة !؟”
لقد فرض علينا ان نتقبل سيرة الحياة , اذ لم يعد هناك ما يثير قلقنا , لاننا فقدنا الامل في رؤية العالم كما حلمنا به !!
لقد ضيعتنا الدراسات والافكار والذكريات .. وكان الامس اكثر رحمة من الحاضر!! هل لاننا كبرنا ؟
– ما الذي يثيرك في عالمنا هذا؟ حتى يبدو المجتمع قاسيا وكأنه هوالذي حمل الكثير من التمرد والتغير والثورات ..؟
– لقد حملت القوى الفكرية و الاحزاب السياسية علىمر العصور .. أعباء التحدي والانقلاب على المجتمع , الا أنها نقلت الينا العنف ايضا , وهو ما أثر في كل الاطراف.. لذا كانت المواجهة قاسية عندما لم يتعرف المجتمع الى سر انقلاب الفنان والكاتب عليه ؟ قد أسيىء الفهم ؟ لاننا في الشرق لاحدود لآرائنا المتزمتة ؟ ( مثل هذا الرأي يبقى محّيرأ في عالم ” محمود ” !! لان المجاملة هي – العدسة اللامّة – في شخصيته, فهو رغم تشككه فيما يكتبه الآخرون من ”شعروأدب وفن “ عزوف عن المواجهة’ لاعتقاده بان ذلك يخرب الصداقات !!
أن نتاجات’ قليلة .. مع ما يقرأ من دراسات ونقد وروايات والسر في ذلك يكمن في النقد ؟ اذ كلما اقدم على عمل ما ..شغله التفكير والبحث ! ماذا سيقال .. عني ؟ وماذا سيكتب .. عني ؟
الشك!! هو الذي أطرّ فكره وجعله قلقا وبذلك أقترب من ” محمود البريكان ” رغم تفاوت الطبيعة الاجتماعية والسلوكية بينهما ! و ” لمحمود عبد الوهاب ” شروخ زجاحية لا يريدها ان تحسب عليه او تثير عليه المعجبين , أنه يحس بالمجاملة التي تحيط به فيرفض تكذيبهاّ!!
هذه السحابة الصيفية هي ” مقصلة الخوف ” عنده .. بسبب بحثه عن الكمال. فيما يكتب ..فهو يبحث وينقب وينحت الكلمة .. مرات ومرات قبل أن تستقر على الورق ! فهو لايريد أحدا من المحيطين حوله .. أن يشير اليه كما هو يفعل عندما يقرأ رواية أو يسمع شعرا؟ ومثل هذا التطهر أوقعه في المتاهة التي ظل يعاني منها رغم هالة التكريم وألاعجاب التي تثأر حوله ؟ ومع ان تجربة ”محمود عبد الوهاب“القصصية قد جاوزت ” نصف قرن ” بين الممرات الادبية وكتابة القصة .. ألا أنه توقف زمنا!!
أمام ( القطار الصاعد والشباك والساحة) كأنضج عملين قصصيين في أوائل القرن الماضي فلم يحاول أجتيازهما الا في مرحلة الثمانينيات وما بعدها ؟ رغم عدم وجود عوائق اساسية أو مبررات مقنعة لذلك التوقف , ألا انه استمر بالطواف متمتعا بالماضي قد نكون مخطئين في تبريراتنا ولكن ما من شيء الا وله سبب ؟ فالتيارات الحديثة وتشكيلات القصة القصيرة كان لها ان تتجاوز الزمن .. ألا ان ” محمود عبد الوهاب” ظل متشاغلا يتابع تكنيكات القصة الجديدة .. يقارن ويحلل دون بدائل أو نصوص يمكنها من تحقيق ذلك التوازن.
حتى أصدر مجموعته القصصية “رائحة الشتاء ” وكأنها عصارة للايام .. ومع أن المجموعة ضمت صورا تشكيلية , رسومات سينمائية الا أنها لم تأ ت بجديد وسط طوفان الافكار ؟ وعلى طبيعة الناقد العراقي أستمرت التقويمات النقدية بما أحتوته من مجاملات! ثم سكتت الضجة ! وكان لنا ان نتساءل هل أنتهى العرض ؟ أو ان النقاد ينتظرون أشياء أخرى جديدة
اذ ليس من المعقول في عالمنا أن يتخلص الكاتب و الشاعر من النقد في جانبيه السلبي والايجابي من كشف للهفوات والاخطاء حتى ولو كانت غير مجدية !
وهذا ماكان له أن يطرح ..التساؤل الاخر
هل أن” محمود عبد الوهاب ومحمد خضير ” كانا خارج النقد .؟ أو ان هناك فرضية متوارثة تجعلهما في مأمن من ذلك ..؟ أن النقد الشخصي الموجه .. يمكنه ان يفرض الصورة التي يريد .. عندما تكون هناك التزامات وهي الصوره ألاقرب ..التي تغطي الحقيقة وتقربها من المجاملة نعرف جيدا بان قصص
” تشيخوف ” وأحاديثه أنما كان ينتقيها من راكبي العربات ومن هؤلاء استمد اسلوبه الساخر المعّبر الذي كشف فيه معاناة وآلام الشعب الروسي,.هذه الصوره تتغاير عند ” محمود “لأن التنافر بين واقعيته المثيرة ونظرته الساخرة للواقع والاشخاص .. تجعل مدى الارتباط بينهما مجهولا ! إذ يبقى لونه القصصي بعيدا عن مسيرته اليومية فيرفض مثل هذا الاقتران ؟ ولو أستطاع
” محمود ” الجمع بينهما لتجاوز الشكلية في قصصه التي ظهرت كعلامات ولوحات لم تكتمل .. تغيب عندما نبتعد عنها” هو يستيقظ فجرا يقرأ .. يتأمل . يقرأو يقرأ ..(هو قارىء من الدرجة الاولى وناقد راصد يمكنه أم يعيد الشكل ولكن .. ) ” أنا استمتع بما اسمع ..أريد ان أتعرّف الى العالم أكثر حتى حلمت بان يكو ن لنا عمرين !! أربعون سنة للتأمل والمعرفة .. والنصف الاخر للتجربة والكتابة !و لو أفترضنا وقوع مثل ذلك؟ فهل كان ” محمود ” جادا فيما يحلم به ؟” لقد أعتدنا منذ سنوات ان نسمع الصحافة والنقاد المتنورين وجمهوراً من اللاهثين وراء الشعارات يصنفون الشعراء والادباء بين ” مبدع وصانع ّ الا أننا وحتى الان مازلنا نتساءل أين تقف حدود الابداع ؟ هل أن ” محمود عبد الوهاب ” مبدعا أو صانعا للصور ؟أنه يحاول جادا أن ينتقي باسلوب أدبي معنى للصورة السينمائية الا أن المسحة التشكيلية التي يتوقف عندها .. تباعد ما يريد تأطيره , فيقع وسط عملية خلق آلية تباعد عنه الابداع ! والمشكلة ترجع دائما الى التوقف غير المبرر عنده ؟ ولكن ” محمود عبد الوهاب ..يبقى علامة مضيئة في وسطنا ! مهما حاولنا الهرب منها! أن علينا أن نتحمل وجهه النظر هذه أو غيرها لان الرأي مثلما أمنا يبقى مقدسا لان البدء كان للكلمة
———————

خريف التجربة الصعبة أشواط الحياة البعيدة

قصي الخفاجيmahmoodab

-1-
قرابة ستين عاما خاض الرائد محمود عبد الوهاب الكتابة القصصية والنقدية والمقالية ولم يترك لنا سوى كتيب صغير جدا هو (ثريا النص ) ومجموعة يتيمة هي (رائحة الشتاء).
ثم روايته القلقة السريعة ( رغوة السحاب) .. هذا الكاتب الذي ظلت تتنازعه هواجس القلق والحذر والخوف حد المسؤولية المبالغ بها أحيانا وراح يواجه الحياة والمصير الفردي عبر ثلاثة محاور هي:
1- القصة القصيرة.
2- المرأة.
3- السياسة.
كلنا يعرف ان القصة العراقية القصيرة تزخر بالثراء الفني ومشحونة بالكثافة النوعية والاحتدام المرير في معالجة الهم الإنساني والوجودي .. لكن القصة التي يكتبها محمود عبد الوهاب ينتمي قلقها إلى انضباط الشكل الفني والبناء المعماري ، فهو بما عرف عنه صاحب أدق مسطرة أسلوبية ومعماره الهندسي لايفيض بأدنى زيادة .. كانت قصصه تتعكز على الواقعي التسجيلي وبمقاسات فنية صارمة ، لكن الواقعي لايخلو من الألق التخيلي عبر جمال باذخ يؤطر لنا لوحات الحياة بسطحها الشفاف . في أغلب قصصه يبدو لنا محمود عبد الوهاب مراقبا لأبطاله عن بعد ويحاذر من الغوص الى مكنونها المظلم إنما هو يشحذ موحياته الأداتية عبر التشفير الملغز والمسح الرقيق على مشاعرها ثم يتركها لمصير ها عبر حيادية لاتترك للقارئ تعاطفا أو تشويقا معها وكل مايبغيه محمود عبد الوهاب هو الاستغراق حد الثمل بجمال الشكل الفني وعليه فأن القارئ العادي لاينحاز لأدبه و بالوقت نفسه فأن هذا الرائد لايعنيه الجمهور العريض رغم زخم الحذر الذي يعانيه أثناء الكتابة وحساسيته المفرطة إزاء الإخفاق الفني ..
هنالك ثلاث محطات مهمة في مسيرته القصصية ، الأولى عام 1954 كانون الثاني حين ظهرت قصته ( القطار الصاعد الى بغداد ) في مجلة الآداب اللبنانية ويوم ذاك كان من الصعب على كاتب شاب ان يخترق مجلة هي الأهم في الوطن العربي وبين ليلة وضحاها أصبح محمود عبد الوهاب علما من أعلام القصة الفنية الرائدة : القطار الصاعد الى بغداد قصة واقعية بسيطة وأهميتها تكمن في استخدام عين الكاميرا .. كاميرا القاص نفسه وهو يرصد وجوه المسافرين عبر ضربات ضوئية سريعة ورصد دقيق لحركة البطل وهو طالب مسافر من البصرة الى بغداد .. ولأول مرة يكسر رتابة القصة التقليدية المعنية بالبداية والنهاية والوسط ويقدم قصة كأنها لوحة لايقول الكاتب فيها شيئا وبالوقت نفسه تتحرك المعاني بين الوجوه في زخم يحث القارئ نفسه للوصول الى نقطة ارتكاز ، لكن القطار يصل ، وتبقى حركية القطعة الفنية في تلك السفرة الحزينة ماثلة في الأذهان وكأن القارئ الذكي الحساس يقول ماذا يريد ذلك المسافر أن يقول ، وهذا المسافر هو محمود عبد الوهاب حتما : الحالم الحزين الذي يختفي وتختفي معه القصة بنهاية حلمية تطوف في الذاكرة الحية الى يومنا هذا : ان ذلك مجد الفن وعظمته.
المحطة الثانية كانت قصة ( الشباك والساحة ) التي ظهرت في مجلة الأقلام عام 1969 في هذه القصة التحفة أثبت محمود عبد الوهاب ريادته الفنية بنجاح ساحق عجز عنه قصاصو الستينيات إذ أثرت تأثيرا كبيرا على القاص محمد خضير ، يتجلى هذا من خلال العنوان الذي نشر فيه قصة ( نافذة على الساحة ) أما القاص المبدع محمد سهيل أحمد راح هو الآخر يلهمه العنوان فنشر مجموعته البكر في الكويت بعنوان ( العين والشباك ()هذه القصة المركبة ، المعقدة ، التي تنطوي على لغز يفلسف الألم ويوجه أصعب الأسئلة الوجودية الى مفهوم القدر الذي يطوح بمصير الإنسان .. وكعادته يلصق محمود عبدالوهاب لوحات منفصلة تتركب على بعضها البعض والقارئ هو الذي يقوم بتوحيد رؤياها في مخيلته : فهنالك طفل مقعد ، وبمواجهة الطفل مدرسة أطفال، كأي مدرسة من مدارسنا العراقية العتيقة بطابوقها الحائل وسياجها المائل حيث الصفوف المتلاصقة ، ثم يرصد لنا الكاتب المعلمة ، ثمة تبئير يشدنا المؤلف إليه عبر انتباهة المعلمة ونظرة الطفل البعيدة وبلغة حداثية شفيفة تمزج مشاعرنا نحن القراء ومشاعر الراوي وعين الطفل في مناخ مترع بالأحزان ثم هناك سجادة على الحائط خلف الطفل يتوثب من خلالها وعل ، يبرع الكاتب في وصفها بغموض هائل: هذه القصة تنتمي إلى الكولاج يوظفه القاص بامتياز في خدمة البناء القصصي لكن كثيرا من اكتاب العاجزين عن بناء قصة ناجحة يلحؤون إلى الكولاج في تقطيعات غير مجدية أما القاص محمود عبد الوهاب استطاع ان يلوي كولاجه بذراعه القوية ويقدم جرعة علاج شافية وباقة أمل خضراء لهذا الصبي المقعد عبر حبكة معقدة دائرية ضمن ثلاث حركات : حركة الوعل الواثب في السجادة وحركة الأطفال الذين يركضون في ساحة المدرسة وحركة العين القلقة للطفل الحزين .. هذه الحبكة الزئبقية لاتبقي فينا إلا لعبة المصير المظلم الذي يوجهها القدر إلى صبي يفتح عينيه على الدنيا فيجد نفسه عاجزا مشلولا عن الحركة وهو يرقب الحياة من خلال شباك مفتوح على مصراعيه والأطفال يمرحون في الساحة.
المحطة الثالثة المهمة هي قصته الرائعة (عابر استثنائي) وهي تنتمي لنصوصه المختزلة المكثفة والمضغوطة بصرامة لغة عالية الأداء نشرها القاص في حقبة التسعينيات من القرن الماضي : هذه القصة الصغيرة هي واحدة من قصص الرثاء المؤثرة اذ تذكرنا بمأساة الشيخ والبحر رواية همنغواي القصيرة وهي رغم قصرها فقد عدها النقاد من ملاحم البحر وصراع الإنسان عبر مصيره الفردي .. يرسم لنا القاص محمود عبد الوهاب حركة رجل عجوز يسير وحيدا بموازاة أحد الجدران ـ واللوحة المواجهة شقة عالية تطل منها امرأة ظلت تراقب حركته وهو يعبر ، عجوز كل مافيه يشي بالاختلاف عن الرجال الآخرين ، هنا فرادة القاص ونجاحه بإقناعنا ان هذا الكائن هو مختلف بامتياز ، فتخاطب نفسها أولا : كم يبدو حزينا ووحيدا تم تخاطب زوجها انظر إليه هل نشيخ نحن أيضا فلايبالي بها ، ولكنها تعود ترصد حركته بعناية ـ في تلك اللحظات تصدح من بين نظراتها وخطواته المتعبة ، المجهدة موسيقى رمادية هي عبارة عن إيقاع كل المصير الإنساني وصراعه مع الزمن .

-2-
اللافت للنظر ان هذا القاص الذي ينتمي الى منطقة الفن الصارم وعينه التي جعلها تنظر بيقين كامل فقط إلى مايبقى في الفن وهو الكمال والانسجام وألق الأشكال الباهرة ذلك الجمالي ، المتأنق كان في مطلع شبابه قد ارتمى بكل قوة في أحضان الماركسية ، وانظم الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي معربا عن تضامنه مع جماهير الشعب المسحوقة .. ان كاتبا بهذا الوعي الفني والسياسي لايتحقق إلا للقلة القليلة من الكتاب الكبار ، فقد استطاع ان يفصل ماهو فني وجمالي عن ماهو سياسي واجتماعي ملتزم . ان كتابا روادا من جيل الواقعيين الكبار أمثال مهدي عيسى الصقر ، عبد الملك نوري ، فؤاد التكرلي ، نزار سليم ، نزار عباس انغمروا في فنهم بمعالجة مشكلات الإنسان العراقي وآلام الكادحين غير ان هذا القاص الملتزم سياسيا إلى درجة وصوله إلى القيادات المحلية حتى انه كان طرفا في مواجهة الزعيم عبد الكريم قاسم قي بداية الثورة لطرح مشكلات البصرة، وهو الذي حضر كونفرنس التعليم الذي افتتحه السكرتير الأول سلام عادل ـ البطل الخالد ـ نقول ان أديبا بهذا الحجم السياسي نأى بفنه القصصي عن قضايا السياسة المباشرة ونكاد بصعوبة ان نجد شخصية هامشية وساذجة في كتاباته التي تزخر بمعالجة الهم الضمني والعاطفي والوجودي المتعالي لذا نحت محمود عبد الوهاب فرادته الكتابية وتميزه عن الآخرين ، وسار على درب لايحفل بما عاب عليه بعض النقاد والمثقفين.
كان محمود عبد الوهاب حذرا جدا من مغبة الوقوع في المباشرة والواقعية الفجة ، لكن فنانين كبارا مارسوا الكتابة عن قضايا عصرهم بفنية عالية ومع ذلك أمسكوا العصا من طرفيها : قضايا صعبة وفن مركب عالٍ .. يحيلنا وعي محمود عبد الوهاب الى جماعة الفن الخالص لكن المسألة بصدد هذا القاص تتعلق بمشكلات القمع السياسي والوعي الاجتماعي المتدني جماهيريا لذا كان حذرا في الخوض بمشكلات القاع السفلي فخسر جانبا كبيرا نسميه نحن المضمون ـ وإلا كيف صعد للظهور القاص الشاب محمد خضير عام 1972 وهو القاص التلميذ إذا ماقورنت كتاباته في الخمسينيات والستينيات الأولى بكتابات الرائد محمود عبد الوها ب . لقد تنبه محمد خضير إلى أهمية المضمون إذا ماعولج بفن صعب ولغة متعالية بينما شرنق هذا الرائد واقعيته داخل منظومة الشكل المنضبط حد الكمال الأسلوبي.
ذات مرة أعرب الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير عن رغبته العارمة في كتابة رواية عن لاشيء فهل ينجح كاتب ما بتحقيق ذلك؟ مارست الواقعية الجديدة في فرنسا شيئا من توجهات فلوبير غير ان القاص محمود عبد الوهاب لم يتخل نهائيا عن المضامين الاجتماعية فقصص مثل ( سيرة ) و (رائحة الشتاء ) ترصد هما عراقيا حقيقيا عبر أبعاد من الألم الشفيف ، فأبطال هاتين القصتين رغم مأساويتهم لكنهم أبطال تراجيديا أقوياء بعضهم مثقفين وبعضهم سياسين قدماء طوحت بهم الغربة والبؤس والمرض .. ان قصصه ترصد ألما خفيا متعاليا لاالألم المجاني الساذج فيذكرنا وصفه الدقيق للأشياء أحيانا بآلان روب غرييه لكن الأخير يتمادى في شيئية تتوغل في الوجود على حساب الإنسان لكن محمود عبد الوهاب تحفل قصصه بوصف الغرف المؤثثة الأنيقة ، والموائد المستطيلة ، والملاعق المرصوفة بلمسات ـ أنامل رقيقة ، والصحون المزخرفة والأقداح اللاصفة ، والشراشف المطرزة بمهارة : انه فنان يعوض القارئ عن قبح الحياة ورثاثة الواقع باستحضاره عوالم وأشكالا من الجمال الباهر لغرض توسيع الآفاق القادمة لحياة تليق بكرامة الإنسان . فوراء كل مكان مؤثث يكمن إنسان لامنظور : هذا النمو المتصاعد في اللغة يضع هذا الرائد قريبا من صناع الكلاسيكية الجديدة ، فإذا قارناه بأقرانه نجد ان التكرلي ومهدي الصقر ينتصران للمضامين العالية أولا بينما عبد الملك نوري ونزار عباس يستنهضان أشكالا انثيالية ويستغرقان في تيار الوعي ويبقى محمود عبد الوهاب الفنان المتوازن يمسك مسطرته القصيرة ويطرز حروفه المنمنمة بعناية خاصة به وحده.

-3-
هذا الفنان الرقيق ابتلاه الله بوسامة استثنائية وجمال رجولي قلما له نظير ولانعلم عن علاقته بالمرأة سوى من معاصريه الذين ذكروا لنا حبا قديما منحه لامرأة من أقربائه لكن الإشاعة السارية في المدينة تقول لنا ان الأستاذ محمود عبد الوهاب يشترط امرأة بعيدة المنال تمتلك جمالا أسطوريا لايوجد على أرض الواقع ومن خلال بوحه لنا عبر الجلسات الحميمة ان نساء رائعات في بولونيا وهنغاريا وبعض دول أوروبا الشرقية يحملن له ودا جما وقد غاص هناك في أنهار النساء واستحم بجمال الجنس اللطيف حتى الثمالة ففي قصصه كلها لايصحر لنا الواقع ويغيب المرأة ولايمعن في تجريدها من ثيابها إنما هو يكشف لنا فتنتها ، لطفها ، رقتها ، حنانها الامومي ، وأناقتها الفريدة .. ظل يرصدها في قصصه بحذر الفنان اللامأزوم .. كانت وسامته في الحياة قد صنعت منه جنتلمانا مفعما بالغرور الأبيض الذي يتجاوز الثقة بالنفس .. هذا الفنان الذي تخرج في مطلع الخمسينيات من جامعة بغداد ونال أعلى درجة في دفعته بكلية الآداب وقد صافحه ملك العراق الراحل فيصل الثاني وتعين مديرا لاحدى المتوسطات في العشار وحين أرسل الى جامعة عين شمس كان قلقا من الدراسة الأكاديمية وتأثيرها على فنه وعاد الى العراق ثم أرسل ثانية في بعثة دراسية في العهد الجمهوري الأول الى جامعة أكسفورد وهناك صدم برحيل والدته التي كان متعلقا بها وعاد فورا لينكب بانقلاب شباط الأسود عام 1963 ففصل من الوظيفة وتعرض الى السجن .. كانت حقبة الستينيات من أحلك السنوات التي جابهها هذا الإنسان والفنان المرهف اذ اضطر الى العمل كقاطع تذاكر ثم مديرا لسينما الكرنك التي يملكها أحد أقربائه .. ونحن نتساءل كقراء ونوجه أنظارنا الى أدبه هل كان صامتا وعازفا عن الكتابة مابين 1963 و1968 ؟ إننا نستحضر صورته ومعاناته التي يرسمها لنا صديق حميم يوم كان مع السجناء الذين ينقلون في القطار العائد من بغداد الى البصرة ونستحضر النساء اللواتي غبن عنه عبر زحام الحياة ونستحضر شيخوخته الكريستالية وهو يبوح لي شخصيا في إحدى الشتاءات الباردة ونحن نمشي الى نهاية شارع الوطن :
ماأحوج الرجل الآن في هذا الليل البارد حين يعود متأخرا ثملا وفي انتظاره امرأة طيبة يضع رأسه على كتفها ويغفو مطمئنا . .
هذا الإنسان رائد القصة الفنية الحديثة ضحى بكل شيء : شهادة الدكتوراه التي كان بامكانه ان ينالها بجدارة وبالمرأة ، أي امرأة كانت تتمنى أن تنال رضاه فعزف عن الزواج وضحى بالسياسة التي دفع ثمن العمل بها فهجرها وبالعواصم والحواضر التي كانت كلها تفتح اذرعها إليه وتحتضنه اذا أراد ، ضحى بكل شيء من أجل انجاز وترسيخ مكانة قصة عراقية جديرة بالانتماء الى حضارة هذا العالم

—————–

سيرة بحجم الكف فصل من مخطوطة رواية

محمود عبدالوهابmah4
– 1-
جئت إلى سوق الكتب القديمة ، لأن صديقاً ذا دراية بالكتب ، وشغف بقراءتها واقتنائها قال لي إنّ الكتاب الذي تبحث عنه تجده في تلك السوق. لم يذكر اسم مكتبة معينة، لكنني احتكمت إلى حدسه ، الذي يكاد يكون يقيناً . قال
تذّكر انه في غير هذه السوق لن تعثر على كتاب قديم صدر قبل سنوات . شكرته ، ولكثرة ما ألح على ضرورة الإسراع بالذهاب الى السوق خشية أن يتلقف الكتاب مشترٍ آخر ، قررت الذهاب في هذا النهار القائظ من آب. تأسرني الكتب كثيراً، متى نشأت هذه الهواية ؟ . هل أسميها هواية بعد هذا العمر ؟ . متى تأصلت ؟ أجهل تحديد الزمن تماماً ، لكنها إذا اقترنت بعمر إنسان تجاوز العقد الخامس الآن تعدّ تاريخاً متقدماً . ربما حدث ذلك في سن مبكرة ، سن الطفولة مثلاً ، سن المراهقة ، غير أن ما أسميه بالهواية بدأ ينمو في داخلي ، على شكل رغبة أو ولهٍ أو توكيد للذات حتى أكتمل بأن أصبح الكتاب ذاكرة يقظة مدهشة ، لفهم ما يجري في الحياة ، واتساع للمخيلة.لكي أصل الى سوق الكتب القديمة، عليّ أن أجتاز سوق العطارين ، وبائعي أدوات الزينة والحلي النسائية ، وسوق النجارين ، صانعي الأثاث المنزلي ، ودكاكين الخياطين والرفائين ، ثم انحرف قليلاً الى اليمين حيث دكاكين الندافين وباعة الافرشة ذات الملمس المسترخي ، قبل نهاية السوق تتعرج الأزقة الترابية والرطبة والمقفلة النهايات حيث يفترش أرضها باعة الأقفال والمفاتيح وعدد من المتسولين. تقع سوق الكتب القديمة في نهاية هذه الأسواق المختلطة والمحتشدة التي تنتشر من واجهات دكاكينها ومن داخل عنابرها، روائح الافاويه الهندية وعود البخور ودهن الورد والحناء ، كأنها تجمع في داخلها أمزجة حقب تاريخية متعددة في حقبة معاصرة. قال الصديق: ستجد الكتاب هناك جو المكتبة التي دخلتها الآن ، ذو طابع حلمي ورائحة ورقية ، معتم كأن صخوراً تحاصره من كل جهاته ، تقدمت قليلاً ، كنت كمن سيصعد سلماً ضيقاً ، شديد الانحدار ، يستدير في كل لحظة . لم أتبين المكان جيداً ، غير انه يبدو مقعراً وعميقا ورخامياً ، مثل حوض نافورة متيبسة ، لم يكن المكان غريباً عن ذاكرتي . لم ادخله من قبل ، لكنه كما لو كان مكاناً رأيته في الأحلام . أو قرأت عنه في كتب الاسمار والرحلات . في الوسط ، حيث تستدير ، رفوف الكتب ، كان هناك صاحب المكتبة : غاطساً في كرسيه ، ويداه مسترخيتان على مسنديه ، وساقه اليمنى ممتدة على الطاولة، وربلة ساقه تبدو من فتحة أذيال دشداشته ممتلئة ووردية.وبدأت أتطلع إلى الكتب في المدخل: كتب الفلك والرحلات والسحر والطب الشعبي والمسامرات وكتب أخرى بلا أغلفة، بعد قليل دنوت منه: آسف قلتها بصوت خفيض. أما هو فقد تململ في مكانه ، فاتحاً إحدى عينيه ببطء ، رفع ساقه من على الطاولة ونهض، صار طويلا وضخماً وأخذ يحملق فيّ كمن ينظر الى شخص مريب . سألته ، أجابني بضجر ، ثم أشار بسبابته الى كتاب كان على العارضة الخشبية للمدخل – هل ينفعك الكتاب ؟ قلت : أبحث عما هو أكثر تخصصاً . لا يهم . استأذنته ، وخطوت داخل المكتبة. كانت الممرات تشبه الأقبية تتقدم على أرضية هشة وممتدة في متاهة تتدرج كثافة عتمتها كلما ابتعدت عن مدخل المكان، حيث الهواء يثقل، وضوء شحيح متعرج، يتسرب من درج منبعج يقع في مؤخرة المنعطف ، يبعث ثقوباً من الضوء تلتمع مثل ماء في ظلمة ، الكتب ، في الرفوف، مبعثرة ، ومرصوفة بشكل اعتباطي ، وتمتد أعدادها في شكل طولي كالرقم الطينية .
توقفت عند الرفوف. صوت الرجل كان يأتيني من الخلف ومن نبرات صوته ، وهو يحدث زبونه ، كنت أميّز تقلصات وجهه : فكه و بروز أسنانه ، وجهه البيضوي المدبب الحنك . انه يضحك الآن ، يتقلص خداه ، يهتز جسده ثم يتصلب وراء المنضدة . أتخيله من نبرات صوته قبل أن أصل إلى السوق ، في ركن من الساحة ، قبل المدخل ، ارتميت على مقعد تحت شجرة معرّشة تعتليها لفائف كثيفة الأغصان ، مستديرة ومشذبة ، تلقي ظلاً دائرياً حول المقعد . كنت أشعر بالإعياء ، وقد أنهكني الحرّ الذي لفّ جسدي ، حرارة بلا هواء . قال الصديق : لا تيأس ، ستجد الكتاب الذي تبحث عنه الى اليسار تنخفض سوق الكتب عن مستوى السوق التي حولها : تستدير دكاكين باعة الكتب والقرطاسية على شكل نصف قوس ، محاطة بأعمدة مقرنصة من نهاياتها ،مثل تيجان رومانية ووضعت قدمي على الدرجة الأولى من الدرجات الأربع التي تؤدي الى سوق الكتب : عالم يتلألأ في انعكاسات ضوء الشمس والتماعات الإعلانات الزجاجية رجال ونساء يصطحبون اطغالهم وهم يحتضنون ، في زهو حقائبهم المدرسية المصنوعة من الكتان ، يضطجع في اسفل حاشيتها دببة صغار ترمش بعيونها أمام حركة المارة . تتباين هيئات الباعة وأعمارهم بتباين بضاعتهم : معظم باعة القرطاسية شباب ، دقيقو الملامح ، يقظون ، ذوو قامات يتقافز بين سيقانهم صبية صغار يعملون معهم ، كأن الصبية يحملون في براءتهم نصاعة أوراق الدفاتر والكراريس التي تحتفظ بنقاء فضائها الورقي الصقيل . باعة الكتب الحديثة رجال في متوسط العمر، غالباً ما يكونون هادئين على الرغم من أمزجة بعضهم المتقلبة، لكن باعة الكتب القديمة مكتهلون، بطيئو الحركة ، يسقبلون زبائنهم بحذر كما لو أن كتبهم القديمة علمتهم ألا يفرطوا في حسن النية ، ولن يتذرعوا بالحكمة
. قال صاحب المكتبة ، بعد أن اقتربت منه ، خارجاً من ممرات مكتبته كدت أنساك
هل حصلت على ما تريد ؟ كنت أحمل معي مجلدين ومجلة شهرية قديمة . قال والآن ؟. تداولت الكتاب من على المنضدة ، وضعته فوق المجلدين والمجلة بدأت أفياء المكتبة ترتد الى الداخل، أما هو فكما لو كان يغوص في ماء ،.
بدأ يختفي من أمامي .في نهاية السوق كان شريط ضيّق من ضوء الشمس يستطيل ويتوهج ، كأنّه يضع حداً فاصلاً بين سوق الكتب والشارع الآخر الذي يقاطعه ، يتراءى لمن في داخله مثل واجهة زجاجية مضاء

———————-

حول تقنيات القص القاص والروائي محمود عبد الوهاب : وظيفة التقنيات في القص وظيفة بلاغية تعمل على تشديد التأثير في المتلقي

حاوره : جبار النجديmah3

التقنية لدى القاص محمود عبد الوهاب قرينة الفكرة , أنها لاتساق نحوه طوعا , إذ يمكن بمعونتها أن يدفع بالسرد إلى أقصى ممكناته لذى فإننا لا نرى بعضها مماثلا لبعض في قصصه , فهي منظورات متغيرة بحسب حاجة القص وضروراته , تتغي
كلما شارف على إدراك دور جديد لها , بمعنى انه لايسعى إلى الاطمئنان لها واستأناسها بل انه حريص على مغادرتها تبعا لمستجدات السرد وتحولاته . واستنادا إلى هذا المعيار فقد أصبح استخدام التقنيات المتغيرة في قصص محمود عبد الوهاب صفة تميزه وتدل على الحدوث والتجدد , وهذه الصفة لا تقع في حقل وسائل الاشتغال بقدر ما تقع في حقل آليات الاشتغال المتجهة إلى إضاءة ما خفي من الفكرة , وبعد كل هذا لابد من القول إن منظور محمود عبد الوهاب لتقنيات القص مختلف عن التصور السائد لها . فهو يسمح لكل تقنية أن تشترك بخواص غيرها في اغلب قصصه .. قلنا له:
* دائما ما تعول على التقنيات في السرد القصصي , هل يمكن اعتبار ذلك محاولات للخروج عن الضوابط التقليدية في تقنيات القص؟
– التقنيات التي اعتمدها في قصصي هي جزء من أسلوبية وليست رقعا خارجة عنها , وارى إن وظيفة هذه التقنيات وظيفة بلاغية , أي أنها تعمل على تشديد التأثير في المتلقي .. وأسعى في توظيفها إلى أن يكون السرد مرئيا لا مقروءا أي إنني أحاول أن تكون القصة التي اكتبها قصة (ترى لا قصة تقرأ) وقد ذكرت ذلك في حوارات سابقة ويمكن إحالة هذه التقنيات إلى مراجعها السينمائية والتشكيلية حتى المسرحية أحيانا ويتجدد تأثير التقنية المسرحية بحوار القصة الذي يدور بين شخصياتها أي أن يكون الحوار مكثفا ومساعدا على نمو الفعل القصصي كما في السينما.
* في أي من قصصك تظهر هذه التقنيات؟
– قد تجد هذه التوظيفات البصرية في معظم قصصي لكنها تظهر بشكل خاص في القصص (يوم في مدينة أخرى) و(الشباك والساحة) و(طقس العاشق) و(على جسدك يطوي الليل مظلته) وقصص لا أتذكرها الآن . إن هذه التقنيات تكون مهيمنة في عدد من الأقاصيص ومبثوثة في نسيج قصص غيرها .
* وماذا عن مواضع هذه التقنيات في القصص؟
– من الصعوبة أن استرجع الآن المواضع التي استعملت فيها هذه التقنيات بشكل دقيق غير إن المتلقي يجد ذلك في مدخل شخصيات قصة (يوم في مدينة أخرى ) إلى المطعم وعلى وجه الخصوص في صورة ( الباب الدوار ) للمطعم وفضاء المطعم وهيئات جلوس الزبائن وحركة الشخصين ( الشاب والشابة ) وهما شخصيات رئيسية في القصة , يجد المتلقي ذلك على شكل تقنية بصرية سينمائية . وفي قصة ( على جسدك ….. ) يكون فضاء المستشفى وأسرة المرضى وحركاتهم هي أيضا مصورة بتقنية لا لفظية وإنما على شكل بصري صوري , وخلاصة ما أريد أن أقوله – وهنا لا يسعني ذكر الأمثلة – إنني اعمل على أن تكون (الفكرة بالصورة ) لا بالسرد ألأخباري .
* هل معنى ذلك إننا نعثر في قصصك على مزيج من التقنيات في القص ؟
– ربما تكون التقنية التي أفضلها وحققتها في استرجاع الحدث الماضي استرجاعا بصريا وحاضرا من دون أن أبقيه على شكل حدث ماض , لأنني أرى إن استرجاع الماضي بالكتابة الاعتيادية لا بالتقنية الصورية يحيلنا إلى الحكايات لا إلى القص الحديث .
* إلى أي مدى تهيمن تقنيات السرد عل قصصك ؟
– ما يهيمن على قصصي بالطبع هو السرد , لكن التقنيات عبارة عن صيغ بلاغية ( لا بالمعنى المدرسي ) , أنها تعمل عل تعميق الفعل القصصي وتشديد تأثيره في المتلقي.
* دعنا نتحدث عن قصصك التي شعرت بأنك صنعت تقنياتك السردية الخاصة بك من خلالها؟
– في قصة ( الحديقة ) مثلا يمكن إن تجد جوابا لسؤالك فقد عملت على أن يكون الوصف جزءا من حركة السرد والوصف معروف في الكتابة السردية السائدة بانه جزء سكوني لا متحرك إذ ينقسم السرد إلى ثلاثة مستويات أولها سرد الحدث وثانيها الوصف وثالثها الحوار ويعرف الوصف بسكونيته وربما يكون عند بعض القصاصين عاملا معرقلا لتطور الفعل القصصي وتجميده عند نقطة معينة وهذا ما لم يحدث في قصة ( الحديقة ) وكذلك في معظم القصص التي كتبتها فالوصف عندي مساعد ونقطة توصيل بين حدث سابق والحدث اللاحق وليس هناك قطيعة يسببها الوصف بين الحدثين .
* من بين التقنيات التي ذكرتها توظيف التقنيات السينمائية , ما مدى تأثير ذلك في الحوار بقصصك؟
– أتوخى أن يكون الحوار القصصي بعيدا عن السؤال والجواب فحين يدور حوار بين شخصية وأخرى لا أميل أن يكون سؤالا و جوابا ولتجنب ذلك احرص على أن يكون أولا غير مباشر ويبتعد في استهلاله عن السؤال بذكر حادثة ما أو شيء ما ثم يكون الجواب مكثفا بعيدا عن الاستغراق في تفاصيل السؤال كما أن دائرة الحوار لا تأخذ شكل لعبة المنضدة التي يلقي اللاعب الأول بالكرة إلى اللاعب الثاني وإعادة الثاني للكرة إلى الأول وهكذا في تناوب رتيب , ولنفترض أن الحوار يتضمن عناصر هي ( أ – ب – جـ – د- ) فمعظم الحوارات تتخذ المسارات الرتيبة المتسلسلة من (أ) إلى (د) من دون تغييرها في تراتيبها لكنني مثلا أسعى إلى أن يكون الحوار كالتالي ( أ – جـ – ب – د – ) مثلا وهذا التغيير ليس تغييرا شكليا خاليا من وظيفة ما لكنه تغير يصيب الجوهر من الحوار بإبطائه عن الإجابة والتلاعب في عناصره تلاعبا يخلق جوا من الحوار اليومي الذي يتداوله الناس , ولكن ليس بثياب اليومي وإنما بعناصره الإبداعية من حيث الإبطاء والتأجيل وكسر توقعات المتلقي .
* من الواضح انك تحاول أيضا وباستمرار نقل الشفرات السيميائية المكونة لحياة العلامات وتطويع وسائل القص بهذا الخصوص … أليس كذلك ؟
– إذا كنت تعني هنا بـ (النقل) استخدام العلامات فاني أبث العلامات داخل سياقات الإحداث بشكل يتطلب فهما خاصا من المتلقي وتأويلا له فالمقطع السردي الذي تبث فيه العلامة لا يؤخذ بمعناه المعجمي إنما تجد داخل هذا المقطع علامة أو إشارة مقصودة تحيل إلى حقيقة المعنى الذي تتطلبه سردية القصة . أن ذلك يتوقف بالدرجة الأولى على وعي المتلقي بالسيميائيات وعلى القراءة الفائقة التي تعمل على تفكيك مستويات الكتابة ثم بتفسيرها وتأويلها لبلوغ حواف المعاني التي تحمل بلاغة القصد .
* ما اقصده هو نقل الشفرات والعلامات عبر تطويع السردية وتقنياتها؟
– انك تعرف جيدا إن الكتابة هي نقل للأشياء والموجدات لا بخصائصها المادية ولكن بخصائص الكتابة نفسها أما نقلها في القصة فيرجع ذلك إلى وعي الكاتب بالطريقة التي ينقلها في قصته . انه يعمل ذلك بمكر أحيانا وببلاغة أحيانا أخرى ولخلق جو تأثيري في المتلقي , إن التقنية في جوهرها هي استبدال علامات الواقع والأشياء وهذا الاستبدال يختلف من قصة إلى أخرى ومن قاص إلى آخر . إن الشيء الذي أوليه اهتماما خاصا في الكتابة هو أن تفرض ضرورة السرد الهيئة التي ستكون عليها تلك العلامات .
* ما حجم التأثير الذي تحدثه التقنيات الأخرى لا سيما تقنيات وسائل الاتصال المعاصرة تلك المتعلقة بثورة الاتصالات وشبكة المعلومات العالمية وما شابه على مجريات السرد القصصي في نظرك ؟
– التجنيس أولا لم يعد تجنيسا نقيا فقد تداخلت الأجناس في الجنس الأدبي الواحد على الرغم من بقاء الأجناس التقليدية مصاحبة للجنس الجديد .
لكن الإفادة من تقنيات ثورة الاتصالات الحديثة ضرورة للاستعانة بهذه الوسائل المتطورة تقنيا لإغراض تزايد التأثير في المتلقي .. غير إن تقنيات الاتصالات المعاصرة لا تبقي القصة على حالها وإنما تأخذ شكلا آخر يدخل ضمن سردية القص ويفترق عن تقنية التواصل عند استخدامها في القصة من حيث خصائصها وبنيتها ووظيفتها وأكثر ما تأثر بهذه التقنيات داخل بنية الكتابة وخارجها الرواية الحداثية التي توصف أحيانا بالجنس أللامحدود لغلبة أجناس أخرى داخلها أما تأثير تلك التقنيات خارج بنية الرواية فيمكن تلخيصه بان الرواية تجتاز أفقا جديدا بسبب التحولات إذ ستغدو الرواية المطبوعة على الورق نصا منطوقا عبر الحاسبات الناطقة إذ لم يتردد (سبيربز) احد الباحثين في العلوم الاجتماعية من مركز (CNRS ) بباريس في أن يعلن في محاضرة له قرب انتهاء عصر القراءة والكتابة وذلك بإمكانية الدخول في المعلومات المخزونة في تلك الحاسبات وبثها شفاهياً في تلق سماعي وهكذا إذاً تحققت توقعات (سبيربز) – سيؤول السارد في الكتابة الروائية إلى راو شفاهي وستؤول الكتابة الروائية إلى قص شفاهي والمتلقي إلى متلق سامع وسيعود عصر الرواة الشفاهيين للرواية من جديد.

——————

القاص محمود عبد الوهاب اسطورة العزلة في رائحة الشتاء

ناجح المعموريnajeh

تثير قصص محمود عبد الوهاب في مجموعته (رائحة الشتاء)، كثيرا من الملاحظات الكاشفة عن فنية عالية ووعي متقدم وخبرة في آلية إنتاج السرد، لأن محمود عبد الوهاب من القصاصين ذوي الخبرة والدقة، في الكتابة وتحديد
زوايا الالتقاط والاختيار، وكل الذي يعرفه خاضع لبصيرة عالية، وعلى الرغم من إن قصصه قصيرة فأنها أكثر إثارة للاختلاف والجدل بسبب انفتاحها على تنوع سردي، ملاحق للمشهد وهو كثيرا ما يكون مشهدا سريعا وخاطفا، لكن الذاكرة مختزنة له ومختزلة لما هو فائض عن الوظائف الفنية لدى محمود عبد الوهاب، وزائد أيضا عن توصيفات اللحظة السردية المعني بها والتي يلقي بها وسط سردياته ويكوم عليها لقطات صورية أخرى، وعلى المتلقي الانتقاء واختيار ومضة السرد وبؤرته، وفي أحيان تكون ملتقطات المتلقي غير الذي انشغل به القاص، وهو لا يمثل زوغان القصة وخسارة القاص بقدر ما يعني تفوق القاص في خلق بؤر صغيرة جدا، متجاورة ومتباعدة في حين آخر.
طاقة المتلقي وقدرته على الالتقاط هي التي تفوضه إلى ما يريد ونحو ما يعتقده مضيئا. وهذا التنوع من خاصيات القصة عند القاص محمود عبد الوهاب، على الرغم من قصرها وشدة تركيزها بحيث يضع المتلقي وسط امتحان صعب وعسير، لان القاص لا يريد شيئا اجتماعيا محددا، ينفتح على بنية خاضعة للتطورات السببية التقليدية التي ما زالت القصة العراقية خاضعة لها، وظلت ضحية مبتعدة عن التطورات الكبيرة الحاصلة في السرد. والقصة لدى محمود عبد الوهاب، ليست حكاية، لأنه يؤمن بثانوية دور القصخون ، أو الحكواتي المنشغل بالبناء الهرمي، التصاعدي، التقليدي. وفي قصته توليف صعود للسرد السينمائي بوصفه بديلا للشائع التقليدي، وصار مركزا قائدا ومؤثرا، واتسع كي يتحول مهيمنا في اغلب قصص المجموعة ، والزمن فيه (توليف)منشطر، ثنائي، انه زمن السرد، الوصف الفيلمي وزمن السرد. وتميزت هذه القصة، وقصة حديقة وعابر استثنائي، وامرأة مختلفة، وقصة يحدث هذا كل صباح والممر بالتداخل الزمني الذي هو خاصية فنية عالية التمثيل في منجز محمود عبد الوهاب.حتى يستعين به لخلخلة البناء السردي الحكائي وينظف قصته من تراكميتها التقليدية.ويضيء بمهارة منطقة جديدة ويمسك عبر لقطة واحدة مركزة جدا بزمنين في آن. اللحظة السردية التي دائما ما تبدت مركبة، ومتداخلة. واستطاع بنجاح أن يؤسس نمطه السردي الخاص به، وأضفى على قصته أبهة التناظر والتقابل الصوري، والإمساك بالمشترك، والمختلف الكامن في لقطتين فيهما شيء من الدقة الفنية في البناء اللحظي. المرأة وحيدة في غرفتها تتابع فيلما فيه تمثيل رمزي عن تعطل الوظائف الإنسانية( الاتصالية بين الذكورة، والأنوثة) وكأن القاص محمود عبد الوهاب منشغل بوحدة الأنوثة، مثلما اهتم بغربة وتعطل العلاقات البايولوجية المشتركة، لان الأنوثة في محيط كالذي نعرف، لم تكن سوى قيمة من قيم التاريخ واللغة كما قال الغذامي، وعلى الرغم من أن الذكورة هي التي أنتجت وصاغت خطابها وبلورت أسطورتها البطرياركية، فإنها الأخرى منخذلة ووحيدة، وفقد طرفا التواصل فرصة ممارسة الوظائف (تسحب المرأة ستارة النافذة التي بجوارها من دون تغير من جلستها فتشتد العتمة في الزاوية المحصورة بين نهاية الأريكة وباب الغرفة) ويبدو بأن المرأة معطلة مؤقتا والعلاقات الموجودة في المكان تشير لذلك. وأهتم القاص بها واكتفى بإشارة سريعة لها: تنهض المرأة من الأريكة ، تطفئ الضوء وتقفل جهاز التلفزيون وتزيح عن طريقها صينية صفت عليها ثلاثة صحون وقدحان وسكين ذو مقبض عاجي متوهج( لا تشير الصحون إلى عدد الموجودين قبلا مع المرأة، مثلما يفضي الوجود الدلالي للقدحين، حيث تنطوي تلك العلاقة على وجود شخص آخر، غادر مبكرا ولم يترك غير رمزه الدال عليه، وهو السكين الذي يشكل واحدا من المفردات الذكورية الرمزية. ولذا كانت المرأة جزعة، وقلقة ولم تكن قادرة على الحركة لسحب الستارة وتغطية شباكها لتصنع فاصلا نهائيا للعلاقة مع المحيط الخارجي. وتساعد استعادة بداية القصة المتلقي على اكتشاف ثنائية العلاقة بين الذكورة والأنوثة والضرورات الوظائفية التي تمنح كل منهما خاصيته التي لن تكون إلا عبر الآخر، فالمرأة التي تعطلت سيارتها المنزلقة على حافة الطريق وبالقرب من نهر صغير لا تعني جهل المرأة بالتقنية، لأن السائق لم يستطع معرفة العطل، ولم يكن هذا لأهداف في تطورات اللحظة السردية وإنما لإعلاء الوظيفة الذكورية أو الإشارة إلى الحاجة الماسة لعلاقة ثنائية بين قطبي الحياة وأعني بهما الذكورة والأنوثة، وأضاءت القصة القلق الأنثوي من الوحدة وتعطل الوظائف، لذا تركت بابي سيارتها مفتوحين تعبيرا عن دعوة رمزية للآخر، وتركتهما هكذا بعدما صعدت مع السائق الذي يمثل المنتظر، والمخلص الذي تريد، وربما كان السائق الذي مر قبل الثاني عارفا لما هو مطلوب وقدمته القصة مختزلة له عبر وصف : (تسمع ضجيج سيارة قادمة فتهرع إلى الطريق حيث تمرق سيارة قديمة من أمامها دون أن تتوقف. تجلس في سيارتها منهكة تاركة بابيها مفتوحين)، ويكشف التناظر السردي بين المرأتين وجود فراغ موحش وتعطل ربما كان مؤقتا، لكنه مربك للمرأة التي اعتادت وظيفتها الإنسانية/ الحياتية منذ لحظة الخلق الأول حيث تميزت بصفتها الخالقة، وكان السائق الثاني حلم المرأة، مثلما تعني هي ذلك بالنسبة له( تجري الشابة نحو السائق الذي يخرج من سيارته وهو يدفع قبعته إلى الأمام ويتقدم إليها) وجدت الذي بانتظاره فرحة، وركضت إليه، وهو الآخر-كما قلنا- شعر بتحقق ما يريد وعبر عن فوز ذكوري( وهو يدفع بقبعته إلى الأمام) المشترك بين المرأتين واضح، امرأة البيت ظلت وحدها بعدما غادرها الحاضر قبلا، والمرأة في الفيلم وحيدة، لكنها وجدت الغائب، والحضور -حتما- مختلف نفسيا واجتماعيا وثقافيا بين المرأتين ارتباطا مع الظروف الموضوعية والمكونات الذاتية لكل منها. والمرأة الوحيدة في بيتها أكثر قلقا واضطرابا وانسحاقا بالزمن وقسوة تكرر انتظاراتها ( تدق ساعة الحائط الواحدة بعد منتصف الليل فترمقها المرأة من مكانها بنظرة متبرمة).
انتهى الفيلم ولم يعد لدى المرأة ما يشغلها ولا بد من تعطيل الحياة عبر إطفاء الضوء وتقفل التلفاز لتعطل اتصالها كاملا مع العالم وترتقي السلم في لحظة بدت الحياة معطلة وفاقدة لألفتها. كما أومأت المرأة الفيلم لنا ببقاء الإحساس بالاغتراب في المجتمع الغربي خلال الإبقاء على بابي سيارتها مفتوحين، والمرأة في البيت أبقت على ما يشير إلى الغائب والفراغ الذي تركه بعد مغادرته.
ومحمود عبد الوهاب معني بالعزلة والوحدة، لا بالمفهوم الفيزيقي فقط وإنما بالوظائف الاتصالية المتنوعة، وحتما البايولوجية واحدة منها وهذا ما كشفته قصة الحديقة حيث استمر بثيمة الغربة ومحاولة البحث عن بديل للثنائي المفقود عبر ممارسة يومية تبدو تقليدية ومألوفة، لكنها تنطوي على فعل رمزي تعويضي عن غياب الأنثوي، الذي حتى وان حضر فأن الذكورة خاضعة لثقافة محيطها الشرقي كما في قصة(( امرأة)). ويبدو بأن الرجل محكوم بيومية علاقة تعويضية للغياب، حيث ((سيتناول أنبوب الماء المطاط ويفتح الحنفية فيندلق قوس الماء لامعا في ضوء الفجر، وستتناثر حباته في أرجاء الحديقة وتتساقط على وريقات الشجر المغبر فتغتسل، وستمتلئ الثيلة بالماء ، وسيجري سيله الفضي في السواقي الطينية المتعرجة، وسينعطف رقراقا نحو كل بقعة من الحديقة(( وفعلا تحقق الفعل اليومي محكوما بزمن حاضر، ويغادر تفاصيل المكان حتى وصوله للحديقة فأزال عن أنبوب المطاط ما يشير هذه الممارسة مؤقتا وأزال الطين العالق بنهايته)) وفي هذه الألتماعة عودة إلى ينابيع أسطورة الخلق السومري اعتمادا على الاتصال بين الماء والأرض وتحقق الخصب، عبر ما ينطوي عليه الطين بوصفه واحدا من الأنماط الرمزية العليا التي أشار لها يونج واشتغل عليها كثيرا باشلار في عناصر نظرية الخيال، باعتباره – الطين – شكلا متبديا في شعرية هي الموطن الاتصالي بين السماء/ الماء وبين الأرض/ التراب كي تتحقق بنية الإخصاب والانبعاث، والتحقق في القصة رمزي تعويضي عن وحدة الرجل وحاجاته للآخر الأنثوي والذي لم يجد غير بديله الرمزي/ الأرض، مثلما يشف عن إعلان شعري للطاقة الذكورية الكامنة في جسد الرجل. لكن العلاقة اليومية مع الحديقة التي كانت صغيرة غير كافية، فهو بحاجة إلى شريك يملأ فراشه. إنها صورة يومية، كاشفة عن معاناة ضاغطة تدفع به إلى الحياة فجرا ولذلك أسباب عديدة، منها ما هو نفسي، ومنها ما هو سوسيو- ثقافي، وتتسع لحظة الذكورة المعطلة وتتحول أسطورة، مثلما تتضح لنا لحظة الأنثوي المنتظر لحلم المخلص، وهذا ما تضيئه قصة( امرأة) حيث المشترك بين ثنائية الذكورة/ والأنوثة.
الرجل وحيد في مقعده والمرأة بحاجة إليه ، ولكن لمنحها تذكرة لأنها لم تكن من تلك المدينة وهي مثله أيضا، وظل في عزلة حاولت هي في البداية اختراقها وبقي هو متخندقا بصمته ومكتفيا بخطابه العربي ورفض استلام ثمن التذكرة واكتفى بمراقبة مثيرة حيث( الأجساد البشرية وعطر الجسد الأنثوي) ولم تكن الحافلة وسيطا للانتقال فقط وإنما هي محيط ضيق، مختنق بالأجساد المثيرة والتي ضغطته بوحدة أقسى، بعدما لم يستطع من علاقة ما في وقت كان فيه المطر يثير رائحة في الحدائق. وهي صورة لا تختلف عن صورة الرجل المستيقظ فجرا وهو يسقي حديقته الصغيرة، والتباين حاصل في المعنى الرمزي، حيث الرجل هو الممارس الموضوعي للاتصال مع طرف أنثوي رمزا هو الأرض وفي قصة (امرأة) كان طرفا الاتصال يفضيان إلى الأصول الأسطورية المعروفة في أساطير الخلق والتكوين، وهما السماء، المطر، والأم الكبرى/ الأرض. ولم يجد الرجلان في قصة ( نعي ) مكانا لامتصاص فوضى حياتهما ووحدتهما إلا دخول الحانة. وتبرز عزلة من نوع اخر متأتية من تفكك العلاقة الثنائية بين الزوجين في قصة امراة مختلفة . إنها المرأة الموصوفة ملائكياً والوحيدة مع عزلتها وسط صالة ليلية ، الداخل اليها يبحث عن ثنائي له ، حتى الرجل الذي اتصل مع زوجته تلفونياً وبعد ذلك دس في جيبه الورقة المجعدة المعتصرة بين أصابعه .. وهذا الوصف المكتنز كاف للتعبير عن العلاقة بين الاثنين العلاقة التي كثيراً ما افتقدتها عن توتر العلاقة بين الاثنين العلاقة التي كثيراً ما افتقدتها القصص الأخرى ومع تحققها في هذه القصة كانت – علاقة – مخلخلة لان الزوج لم يعرف رقم هاتف البيت واعتمد عليه مدونا بالورقة وهناك أشياء أخرى . انه وحيد في المكان وكأنه يمثل امتداداً حياتياً وليس فلسفياً للعزلة والغربة كذلك المرأة التي ظلت وحيدة ، ملاحقة بعيون الاشتهاء . وما يلفت الانتباه هو سيادة العزلة وتمركز القطيعة بين قطبي الحياة ، الذكورة / الأنوثة ووجودهما رمزياً وإذ تحقق وجود الاثنين ، الزوج والزوجة فأنهما معطلان ولاشيء في البيت دال على طاقتهما الاخصابية ، لا وجود للأطفال ، مما يعني بان التفكك قائم ولا توجد مساعدات لاستمرار العلاقة الزوجية ودعمها ، وهذا ما تشف عنه قصة ” عابر سبيل “حيث الزوجة العائدة إلى بيتها ، حاملة شجيرة ظل وضعتها قرب النافذة ” وأبعدت شفتي الستارة البنفسجية عن بعضها ، فانسلّ ضوء الشمس فضيا عبر مخمل الستارة إلى الصالة حيث سقطت ألسنته على شرشف المائدة ” وجود شجيرة الظل عند حافة الشباك تعويضا للكائن المولود ، ولم تكن الشجيرة علامة للاتصال مع النور ، فالعديد من الأماكن وسط البيت توفر لها تلك الفرصة ، إنها حياة دخلت البيت تواً ووجود شجيرة الظل التي جاءت بها الزوجة وسيط رمزي تبادلي بين الاثنين وكانت الزوجة هي مرسلة العلامة لزوجها ، وساهم هذا الوسيط الاتصالي رمزيا بحوار بين الزوجين انطوى على تفكيك الحياة المشتركة بينهما ، لأنها أفصحت عن مخاوف واضحة وقلق مصرح به شعرياً عن الشيخوخة ” كان يرفع رأسه أحيانا ويديره بتثاقل صوب المارة والمباني المحيطة بجانبي الشارع ، وينصت ، وهو في مشيته الواهنة ، إلى ضجيج التلاميذ من وراء سياج المدرسة ، وعندما عبر الشارع إلى الرصيف الآخر ، التفت نحوه فوجدته يدّب مطرقاً كأنه يحسب خطواته بانتظام ، وكأن شيئاً ما في داخله ينكسر ” في هذا الوصف طاقة إفضاء الاستهلال الى المتن السردي ويؤشر أهمية وجود الشجيرة الصغيرة متعارضة مع مشهد الرجل المتحرك وكأن شيئاً ما في داخله قد أنكسر ، ورأته المرأة ” يدب ” محرراً قدميه مثل حيوان جريح ، لان الشيخوخة جرح التاريخ الشخصي المؤشر للعطل الذي أيقظ في داخلها حوارية متسائلة عن الحياة وخريف العمر هل نحن أيضا ؟ رفع رأسه وقال وهو يمضغ طعامه :
ليس الآن .
لكن ، هل نشيخ حقاً ؟ لم يستطع الآفلات من تكرر السؤال حول الشيخوخة ، مادام ربيعها معطلاً . وتبدو صورة الرجل الكهل الذي رأته في الشارع معطلاً وهو يدخل عتبة التعطل الكامل ، لأنه يقاوم ضغط الزمن بملاحقته البنايات الراسخة والصاعدة على جانبي الشارع ومعاينة التلاميذ ، جذور حياة آتية وكأن الكهل الذي راقبته في الشارع غريباً ، إلا انه مختصر للشيخوخات الموضوعية أو الدلالية ، لذا ظل اسمه مجهولاً كلما سأل عنه الزوج ، انه التاريخ الماضي والزمن المنقضي والدال على حتمية مؤكدة ، انشغل بها الإنسان منذ فجر الحضارات الأولى وأثارت في نفسه قلقاً ، مثلما حصل للملك جلجامش لقد رأيته هذا الصباح
من ؟
كان كهلاً كئيباً
هز رأسه بينما واصلت كلامها : لماذا كنت أحس بأنه مختلف ؟ كان يقطع الشارع وكأنه يودع مدينته . هل تعتقد بأنه مريض ؟ من ؟ الكهل الذي رأيته هذا الصباح ولان الزوج ملاحق بالشيخوخة المعطلة لطاقته الاخصابية الملاحقة له عبر شجيرة الظل قال لها : انك تسرفين في الخيال ياعزيزتي . ويعترف لها بحقيقة الموت المؤكدة التي أشارت لها الأساطير والملاحم الشعرية التي أنتجتها الحضارة العراقية القديمة والهندية والإغريقية اسمعي ياعزيزتي ، لابد لنا من إحدى النهايتين ، أما أن نموت صغاراً أو نعيش حتى نشيخ . هل بإمكاننا ان نفعل غير ذلك ؟ ويبدو لي بأن الزوج في قصة ” عابر استثنائي ” هو سبب تعطل الخصب البايولوجي ، لذا فأنها تجاهلت ما قال ” كانت واجمة لا تصغي إليه ، وقد أسندت خدها إلى راحة يدها ” وتقدم القصة صورة واضحة عن الزوجة المنشغلة بالحياة والشيخوخة ” ولأول مرة لمح زوجها خيوطاً من الشيب في مقدمة شعرها ”
وتكرر هذه القصة البنية الجوهرية في قصصه بوصفها نسقاً في سردياته القصيرة : قال لها بصوت عال وفمه مليء برغوة معجون الأسنان .هل كان تعيساً الى هذا الحد ؟ انه وحيد مهموم يشيخ في كل لحظة ؟ اختار القاص المبدع محمود عبد الوهاب وصفاً خلخل تماماً تصورات الزوجة عن الحياة والشيخوخة والموت ، مثلما اختصر الموقف الإشكالي حول فلسفة الحياة والذي تبنته الزوجة لذا شطف فمه لا من أجل تنظيف أسنانه بسبب تناوله للطعام وإنما لأنه يريد – الزوج – الشطب على الإحساس النفسي المعطل للطاقة والحيوية الكامنة في الجسد ، مهما بلغ به التقدم الزمني ، لان الإنسان قادر حتى في لحظاته الأخيرة على ان يقول ويمارس فعلاً إنسانيا خلاقاً ولم يكتف القاص بالوصف المفضي إلى المعنى الرمزي الكامن في صورة الزوج وهو يقف عند المغسلة ، وقد استمع إليها وهي تقول مؤكدة : انه وحيد مهموم يشيخ في كل لحظة لم يجب زوجها بشيء . كان قد ترك الحنفية سائبة يرتطم ماؤها بحوض المغسلة محدثاً اصواتاً مختنقة لم يكن ماء المغسلة مماثلاً للمطر وماء الإسالة في الوظائف ، لكنه – الماء – اتسع بالدلالة رمزياً واختلفت وظيفته في هذه القصة انه وسيط تطهيري ، وكأن الزوج أراد شطف كل المتراكمات النفسية والموضوعية لضغط الشيخوخة وإزالتها تماماً عن فضاء المكان – البيت – ويبدو لي بان الزوج اختتم كل الذي دار بينهما ووضعه وسط المغسلة كالجثة لمنحها الطهارة والنقاوة وتأهيلها إلى الدفن نهائيا من اجل الإبقاء على الحياة وسط البيت ، مكتفية بما حاصل وموجود ، لان البقاء حياً بالنسبة للزوج كاف للتعبير عن ممارسة وظيفته الإنسانية تلك الوظيفة التي توصل إليها الملك الخامس في سلسلة ملوك مدينة أوروك ، واعني به جلجامش الذي أدرك تماما وبعد جهد وتعب معروف من إن البقاء ليس حيازة الخلود ، وإنما استثمار ما متوفر من قدرات وإمكانيات بشرية لمقاومة الاندثار والغياب ، فالفضاء المكاني والحضارة كفيلان بإعلاء شأن الإن

——————

القاص محمود عبد الوهاب: التحولات في الرواية .. واقع وليس حكماً

حاوره: حسين الشهابيmmah

يشهد فن كتابة الرواية كما العلوم الاخرى تطوراً لافتاً فيها تجاوباً مع ما تشهد الكرة الارضية من انفجار هائل وتقدم كبير نحو التكنولوجيا. فقد علمنا وكما أشار القاص محمود عبد الوهاب في بحوثه (تحولات الرواية) إلى انفجار هائل وتقدم كبير في تكنولوجيا المعلومات، مما اثار تساؤلات عديدة بشأن التأثيرات التي ستواجه الرواية فكان لنا معه هذا الحوار.
*كيف ترى مستقبل الرواية؟
-يمكن ان نشير إلى هذه التحولات من زاويتين، زاوية تخص بنية الكتابة، واخرى تخص التحولات المستقبلية التي ستؤول اليها الرواية في كتابها الورقي المطبوع إلى بنية مبثوثة عبر الحاسبات الناطقة التي ستكون ضمن الانفجار المعلوماتي في عصر المعلومات والتكنولوجيا.
في تحولات بنية الكتابة الروائية اصبحت هذه البنية تضم أجناساً ادبية اخرى داخل الرواية مثل الشعر والمسرح والتشكيل واغترابها عن قوانين السرد السائدة، مما وصفها بعض النقاد بالبنية الهجينة وهي ليست كذلك فعلاً، بقدر ما احدثت التحولات العميقة في الكتابة الروائية من نأي عن الخصائص التقليدية السائدة حتى أعلن عن الرواية بأنها (جنس لا محدود) لكونها بنية ضامة بنى من اجناس مختلفة مضمومة إلى البنية الكبرى.
فلم يعد باستطاعة احد الدفاع عن النقاء النوعي لاي جنس ادبي وما تنوع الخطابات في الخطاب الواحد سوى تعبير عن الحساسية الجديدة لكتابة عصر متغير.
*هل يؤثر ذلك في التصنيف الاجناسي للرواية، اي هل ستحمل الرواية تجنيساً جديداً بعد هذا التغيير؟
-ستبقى الرواية جنساً بهذا الاسم غير انها قد يضاف إلى توصيفها ما يحدد الجديد الدخيل عليها، فقد عانت الرواية العربية ايضاً في مرحلة التأسيس من اضطراب في تسمية المنجز الروائي الذي لم يمتثل للنموذج الاوربي السائد، فقد وصفت في تلك الحقبة، (اي حقبة التأسيس)، بما عرف بـ (شبه الرواية) او (نوع روائي آخر) ولأدورد الخراط الكاتب المصري اجتهاد في تسمية ما يكتب من روايات (بالكتابة عبر النوعية) او في تسمية روايات الغيطاني بـ (كتابة نصية) ربما هذا ما سيحدث من حيث التصنيف الاجناسي وربما سيكون غيره. ان الحديث عن المستقبل لا يمكن ان يكون تفصيليا.
*اذن ماذا سيكون للتكنولوجيا من تأثير على البنية الكتابية؟
-ما سيحدث بتأثير التكنولوجيا ان النص المطبوع سيغدو نصاً منطوقاً عبر الحاسبات الناطقة التي يعمل عليها (دان سبيرنر) وزميله (ديير ولسن) في باريس، وقد اعلن الاول قرب انتهاء عصر القراءة والكتابة. ان التكنولوجيا اذا تحقق فعلها هنا فستكون الرواية شكلاً شفاهياً والسارد راوياً شفاهياً، والمتلقي متلقياً مستمعاً وفي ذلك عودة إلى الرواة الشفاهيين كما كانوا سابقاً.
*وما المانع من تحولها إلى رواية شفاهية؟ هل سيؤثر ذلك على مضمونها او متلقيها؟
-لا يمكن الحكم على تحولات الرواية حكماً ايجابياً او سلبياً وانما اذا ما حدث سيكون واقعاً، وستكون الاجيال القادمة قادرة على التلقي بشكله الجديد، اما جيلنا الحالي فانه سيجد صعوبة إلى فترة ما على ان يألف التلقي بصورته الجديدة ما دام قد اعتاد القراءة على الورق

————————–
محمود عبد الوهاب: كيف هو حال البصرة؟

علي الحسينيalihuasine

قليل من أصحاب الأثر الإبداعي ممن تخلصوا من ازدواجية الأوجه، التي تشيع كظاهرةٍ في الثقافة العربية والعراقية بخاصة. أولئك الذين نحترمهم كمبدعين، وفاعلين نشطين في سوح الثقافة، والأدب، إلّا أنهم يصدموننا بأفعالهم، وتصرفاتهم التي تخلو من الاتساق مع تنظيراتهم، وتتضاد مع جهدهم الثقافي والإبداعي المعلن.
ويمتدد هذا المسار الإزدواجي ليطال دائرة الفعل الإنساني، حيث نظرة الاستعلاء على الآخرين، وضخامة الذات، وتألُّهها إلى درجة لا يسع صاحبها النظر إلى الغير دون أن يكون تابعا له أو دونا منه.
القاص الرائد “محمود عبد الوهاب” يتخذ له مكانة-بلا شك- في المقدمة بين تلك القلة القليلة التي رفضت ازدواجية الأوجه، وارتداء الأقنعة. فهو كما في نتاجه الإبداعي علامة تدل على طول الباع، وعمق المقدرة في الكتابة، والتعبير، وفذاذة في القص والسرد،كذلك هو إنسان متصالح مع ثقافته، ونفسه، وله حسّه الإنساني الشفيف الذي يتعامل به مع الآخر بغض النظر عن دوائر الانتماء التي يرجع إليها.
فكما برع في جعل شخصيات قصصه، وأعماله تتسم بخصال إنسانية مرهفة، مبدياً من خلالها انحيازه إلى الطبقات الكادحة، والفقيرة، والمسحوقة، منتصراً لفعلهم الإنساني، كذلك هو في حياته. فهو لم يكتف بتوزيع صفاته الإنسانية، وبشمول شخصيات، وأبطال حكاياته بها، بل جعل منها قيمة عابرة لأدبه، وشخصيته نحو صحبه، ومحبيه، وقرّائه. فقد كان انساناً مضيئاً، ومشعاً. جمع بين سحر الحرف، وطلاوة العبارة من جهة، وصفاء الذات، وحلاوة النفس من جهة أخرى. سمته الأبرز بعد إبداعه هي إنسانيته التي لا تعاني من تبدلات مهما انتشر اليباس حولنا، وفينا.
كان – ولما يزل- سيداً من سادات التعبير، ومحباً كبيراً يسلك درب الإنسانية الفسيح، وهي صفة (الأولياء الصالحين) بلغة المدونات المقدسة.
عندما تُتَاح لك فرصة اللقاء معه لن تخرج خالي الوفاض، إلا وأنت أزددت انسانيةً، ومحبةً، وصفاءً، وتصالحاً مع نفسك، ومع الآخرين، كما أزددت أسئلةً ومعرفةً. ينسيك لقاؤه كل الغضب الجاثم على الصدر بسبب الذوات المتورمة عند (النخبة) وعقدها الخبيئة.
لم يسمع منه أحد  قدحاً أو تجريحاً طال شخصاً مَهمَا كانت مكانته، وموقعه في الثقافة أو الأدب، كما هو ديدن (الجماعة الثقافية). “حتى استطاع هذا الصانعُ الماهر أن يصنع من نفسه مثالاً لناس المدن الفاضلة” على حد تعبير الشاعر ياسين طه حافظ.
لا يعني كلامنا هنا أننا نمارس تصنيما أو أننا بإزاء أن نصنع من “محمود عبد الوهاب” إيقونة كما هي عادة الاحتفاء في (الثقافة العربية). بل هو استذكار إنساني لقامةٍ فارعةٍ لها حضورها البهي، والمضيء في ثقافتنا، وحياتنا التي يلفُّها البؤس الممتد لجميع مناحيها المتشظية.
هذا الحضور الذي يكرّس البصرة (المتن) المتسمة بندية مع من يريد إزاحتها إلى الهامش.
من هنا يَظهر تَعلّق” محمود عبد الوهاب” الشديد بمدينته، فكما سكنت البصرة غالبية أعماله، وقصصه سكنته كذلك، وجودياً، وحياتياً، ورمزياً.
فهو لم يستطع تحمل عزلته عنها ولو كان فيها، ولم يغادر حدودها. سألني حين عدته يوم الأحد الماضي(30/10/2011) وقد خرج من غرفة الإنعاش: كيف هو حال البصرة؟!.
كان حضوره فيها بمثابة طقس، وفريضة تحتم عليه ممارستها تجاهها.لم يتصور أن يغيب عنها كل هذه الأيام، ثمة تماه، وتعالق روحي بينهما، دفعا به إلى اعتياد لقاء (جسدها) يوميا، والتجوال فيه بالرغم من تشوهه، فهو لا يطيق هجره، ولا هجرها، وكأن في الأمر كيمياء سَحُور تتنافذ بين روحيهما.
مدركة هي الأخرى انه بسمتها، وضحكتها، ودعابتها، وسراجها الذي ينير لها الدرب بعد أن أصابها العمى.
سيكون غيابك، اذاً، ثقيلا، وموجعا لها، ولنا.
ألم تقل إن “الحديث عن الموت يبعث على الكآبة والمخاوف” لذا نرجوك أن تديم الحياة معنا، وان لا تسمح لهذا الحديث الشؤم أن يصيبنا بالكآبة. نريد منك أن تخبرنا- كما كتبت في القطار الصاعد إلى بغداد-بأنّ ساعدك الطري”بدأ يشتد، وأن عضلات متينة، متينة جدا، ومفتولة جدا ًبدأت تظهر”.
لا نريدك ماضياً، بل حاضر بيننا، لذا عُد إلينا. عُد إلى بصرتك. فليس فينا طاقة لرحيلك يا “شيخنا”. فنحن مثل حقائبك نستاء إن لم تغازلنا بالعودة والبقاء.

——————

محمود عبد الوهاب وثريا القص

كاظم حسونيmah4

لما شرعت بالكتابة اثر نبأ رحيل الحكاء الكبير محمود عبد الوهاب برزت في ذهني قصته الشهيرة (عابر استثنائي) قلت عبد الوهاب (حاضر استثنائي) بامتياز يستدعي ذلك فنه الرفيع، وروحه المتجددة، وتأنيه، وهذا كله معبر عنه بنتاج قصصي مضمخ بالرقة والسحر، كرقة محمود عبد الوهاب وحسه الجمالي، وإذا كان القاص يمثل أحد رواد القصة العراقية،
واحد اقطابها البارزين، الا انه تخطى اسوار المجايلة بمخاض تجريبي قائم على تراكم خبرة طيلة ستين عاما من الكتابة، برغم قلة نتاجه الذي اقتصر على مجموعة قصصية واحدة (رائحة الشتاء) ورواية (رغوة السحاب) وكتاب نقدي (ثريا النص) لاغير، لكنه استطاع بهذا القليل ان يحتل مكانة عالية في فضاء السرد العراقي، ويصبح قاصا بارزاً، كفنان محترف تمكن بقدرة فائقة، في صنع عالم سردي له سماته وخصوصيته، عالم يمتلك زخماً حضورياً بمكونات جمالية نادرة تمثل بخطاب قصصي ثر، فكان مثار اهتمام المتلقين والنقاد، اذ تناوله النقد بتأويلات وزوايا متعددة، ومازالت مجموعته القصصية (رائحة الشتاء) محط اعجاب المتابعين لفنه والدارسين لحداثة الخطاب السردي الجديد، حيث تجاوز محمود عبد الوهاب مألوف السرد بابتكار فضاءات امتزجت فيها عناصر المسرح والسينما والتشكيل في لغة واحدة ونسيج جمالي له ملامحه المتميزة، ولعل ابرز
معالم فنه اشتغال آلية السرد في اغلب قصصه على فاعلية العين، لا فاعلية الذاكرة او الحوار.. وما الحوار الا تعليق على المشاهد السينمائية على حد رأي أحد النقاد، فضلا عن تنقل عين الكاميرا وتفجير طاقة الوصف التي لا تهمل حتى الاشياء البسيطة، في نسق تشكيلي تحتل فيه الواقعة القصصية مكان المركز، ووقائعه القصصية هي الاشياء المهملة التي لا يلتفت اليها أحد!
الى جانب ما تميز به خطاب محمود عبد الوهاب من تكثيف وايجاز وضغط المشهد السردي، وهذا ما أكده القاص نفسه في قوله (أحاول أن اشكل الفعل القصصي في عملية مرئية، لا ارغب في الحكي عما يحدث في القصة، وكأنني اروي حكاية جدة,, حتى ما يسمى بالاسترجاع في القصة لا أرغب فيه، أنني ارغب الى محمول اللغة السينمائية، الفكرة، بالصورة، استطيع أن ازعم أنني مولع بالسينما تلقيا على صعيدي المشاعدة والقراءة، ما يشير الى تفرد تجربة محمود عبد الوهاب، فهو لا يشبه سواه من القصاصين، في العديد من الجوانب.
ففي اشتغالاته التقاطات، وفضاءات، ومقومات، واسرار كثيرة يقتضيها الفن الخلاق وخصوصية التجربة، علاوة على رقابته الصارمة في عمله، واحتراسه في توخي الدقة والعناية الفائقة بالكلمات عبر المفاضلة بينها باناقة بالغة، فروحه اللائبة وراء النص حتى بعد انجازه!، لذلك نقل صديقه القاص الراحل مهدي عيسى الصقر هذه الحادثة التي تؤكد وسواس عبد الوهاب واهتمامه الزائد بعمله يقول الصقر: حينما كان في بغداد (يرن جرس التليفون/ محمود يتكلم من البصرة
-لا ادري ماذا اقول! -تكلم اعرف أنك لم تنم جيداً. -كيف عرفت!؟ -ليست اول مرة، قل لي، ماذا تريد ان تغير في الاقصوصة! -في الحقيقة هي كلمة واحدة لست مرتاحاً لوجودها، ارجو ان تطلب من مجلة الاقلام حذف كلمة (الممزق) من نهاية قصة (طيور بنغالية) قبل نشرها، لا تنسى. –اطمئن).. هكذا كان محمود عبد الوهاب يراجع قصته مرة بعد اخرى ليطمئن الى خلوها من أية شائبة، وان كل كلمة جاءت في مكانها، برأي الصقر، مشيراً الى أن عبد الوهاب لا تعنيه كثيراً الاحداث الكبيرة والمعقدة، فهو يلتقط مواضيعه من الاشياء والمواقف التي يمر بها الاخرون كل يوم، ينظرون اليها ولا يبصرونها (عاشقان يتبادلان نظرات صامتة على رصيف شارع، لقاء عابر بامرأة في حافلة، مشاعر صبي مشلول الساقين، أمراة فاتنة تتناول طعامها باناقة في مطعم)، مضيفا أن محمود عدب الوهاب يختار هذه المواضيع، التي قد يحسبها البعض بسيطة، لا تستحق الاهتمام ينفض عنها الغبار الذي يخفيها عن العيون الغافلة، ويجلوها ثم يضعها أمامنا تحت ضوء جديد مدهش يمنح حياتنا مزيداً من العمق والامتداد.
ما يدل على صواب ودقة كلام القاص مهدي عيسى الصقر عن صديقه، هو اعتراف الاخير وتاكيده (أمضي أشهراً واشهراً في الحذف والتعديل والاضافات في الرأس حتى تحصل القناعة بمباشرة الكتابة)، أي كتابة القصة!.
فالقصة لدى محمود عبد الوهاب حلم، يقول: كما في الاحلام تكون الكتابة، عمليات باطنية متداخلة، منطقية ولا منطقية، تجمع الحدث والصور والاستجابات وتحويرها بمكر، عمليات كتابة وشطب وتقديم وتاخير، وتكثيف في وحدة العمل.
وانا مثل الحالم افكر بصمت واصغي الى كلام معاد ينطق به من صنعتهم داخل القصة.. هكذا تتطلب صناعة القصة عنده كل هذه المراحل من الانتظار والهواجس.. والتأملات، والاغواء، لاسابيع واشهر وهو صامت كالعاشق مأسور بفكرة نص جديد تلك هي الاشتغالات البالغة الدقة والاناقة للحكاء المبدع الكبير محمود عبد الوهاب في انتاج نصوصه الخلاقة.

——————

محمود عبد الوهاب الكاتب الانيق

كاظم حسونيmmah

عند رحيل الحكاء الكبير محمود عبد الوهاب برزت في ذهني قصته الشهيرة (عابر استثنائي) قلت عبد الوهاب (حاضر استثنائي) بامتياز يستدعي ذلك فنه الرفيع، وروحه المتجددة، وتأنيه ، وأناقته ، وهذا كله معبر عنه بنتاج قصصي مضمخ بالرقة والسحر، كرقة محمود عبد الوهاب وحسه الجمالي، وإذا كان القاص يمثل أحد رواد القصة العراقية، واحد اقطابها البارزين ، وهو من اهم مجدديها ، واكثرهم اهتماماً بالتجريب . ولقد تخطى اسوار المجايلة بمخاض تجريبي قائم على تراكم خبرة طيلة ستين عاما من الكتابة ، برغم قلة نتاجه الذي اقتصر على مجموعة قصصية واحدة (رائحة الشتاء) ورواية (رغوة السحاب) وكتاب نقدي (ثريا النص) لاغير، لكنه استطاع بهذا القليل ان يحتل مكانة عالية في فضاء السرد العراقي، ويصبح قاصا بارزاً، كفنان محترف تمكن بقدرة فائقة، في صنع عالم سردي له سماته وخصوصيته ، عالم يمتلك زخماً حضورياً بمكونات جمالية نادرة تمثل بخطاب قصصي ثر، فكان مثار اهتمام المتلقين والنقاد، اذ تناوله النقد بتأويلات وزوايا متعددة، ومازالت مجموعته القصصية (رائحة الشتاء) محط اعجاب المتابعين لفنه والدارسين لحداثة الخطاب السردي الجديد، حيث تجاوز محمود عبد الوهاب مألوف السرد بابتكار فضاءات امتزجت فيها عناصر المسرح والسينما والتشكيل في لغة واحدة ، ونسيج جمالي له ملامحه المتميزة، ولعل ابرز معالم فنه اشتغال آلية السرد في اغلب قصصه على فاعلية العين، لا فاعلية الذاكرة او الحوار.. وما الحوار الا تعليق على المشاهد السينمائية على حد رأي أحد النقاد، فضلا عن تنقل عين الكاميرا وتفجير طاقة الوصف التي لا تهمل حتى الاشياء البسيطة، في نسق تشكيلي تحتل فيه الواقعة القصصية مكان المركز، ووقائعه القصصية هي الاشياء المهملة التي لا يلتفت اليها أحد! الى جانب ما تميز به خطاب محمود عبد الوهاب من تكثيف وايجاز وضغط المشهد السردي، وهذا ما أكده القاص نفسه في قوله (أحاول أن اشكل الفعل القصصي في عملية مرئية، لا ارغب في الحكي عما يحدث في القصة، وكأنني اروي حكاية جدة,, حتى ما يسمى بالاسترجاع في القصة لا أرغب فيه، أنني ارغب الى محمول اللغة السينمائية، الفكرة، بالصورة، استطيع أن ازعم أنني مولع بالسينما تلقيا على صعيدي المشاهدة والقراءة، وما يشير الى تفرد تجربة محمود عبد الوهاب، فهو لا يشبه سواه من القصاصين، في العديد من الجوانب. ففي اشتغالاته التقاطات، وفضاءات، ومقومات، واسرار كثيرة يقتضيها الفن الخلاق وخصوصية التجربة، علاوة على رقابته الصارمة في عمله، واحتراسه في توخي الدقة والعناية الفائقة بالكلمات عبر المفاضلة بينها باناقة بالغة، فروحه اللائبة وراء النص حتى بعد انجازه!، لذلك نقل صديقه القاص الراحل مهدي عيسى الصقر هذه الحادثة التي تؤكد وسواس عبد الوهاب واهتمامه الزائد بعمله يقول الصقر: حينما كان في بغداد (يرن جرس التليفون/ محمود يتكلم من البصرة -لا ادري ماذا اقول! -تكلم اعرف أنك لم تنم جيداً. – كيف عرفت!؟ – ليست اول مرة، قل لي، ماذا تريد ان تغير في الاقصوصة! – في الحقيقة هي كلمة واحدة لست مرتاحاً لوجودها، ارجو ان تطلب من مجلة الاقلام حذف كلمة (الممزق) من نهاية قصة (طيور بنغالية) قبل نشرها، لا تنسى. – اطمئن).. هكذا كان محمود عبد الوهاب يراجع قصته مرة بعد اخرى ليطمئن الى خلوها من أية شائبة، وان كل كلمة جاءت في مكانها، برأي الصقر، مشيراً الى أن عبد الوهاب لا تعنيه كثيراً الاحداث الكبيرة والمعقدة، فهو يلتقط مواضيعه من الاشياء والمواقف التي يمر بها الاخرون كل يوم، ينظرون اليها ولا يبصرونها (عاشقان يتبادلان نظرات صامتة على رصيف شارع، لقاء عابر بامرأة في حافلة، مشاعر صبي مشلول الساقين، أمراة فاتنة تتناول طعامها باناقة في مطعم)، مضيفا أن محمود عدب الوهاب يختار هذه المواضيع، التي قد يحسبها البعض بسيطة، لا تستحق الاهتمام ينفض عنها الغبار الذي يخفيها عن العيون الغافلة، ويجلوها ثم يضعها أمامنا تحت ضوء جديد مدهش يمنح حياتنا مزيداً من العمق والامتداد. ما يدل على صواب ودقة كلام القاص مهدي عيسى الصقر عن صديقه، هو اعتراف الاخير وتاكيده (أمضي أشهراً واشهراً في الحذف والتعديل والاضافات في الرأس حتى تحصل القناعة بمباشرة الكتابة)، أي كتابة القصة!. فالقصة لدى محمود عبد الوهاب حلم، يقول: كما في الاحلام تكون الكتابة، عمليات باطنية متداخلة، منطقية ولا منطقية، تجمع الحدث والصور والاستجابات وتحويرها بمكر، عمليات كتابة وشطب وتقديم وتاخير، وتكثيف في وحدة العمل.

——————
القاص محمود عبد الوهاب: أني متفائل بظهور جيل أو أجيال شعرية وإبداعية جديدة

* حاوره: مصطفى حميد جاسمmustafa hameed

بعد رحلة طويلة امتدت الى أكثر من ربع قرن ترك القاص محمود عبد الوهاب بصمة وأثرا بارزين ومهمين في الفن القصصي لما يمتلك من دراية في هذا الفن، واليوم ليس غريبا ان يكون القاص محمود عبد الوهاب رئيسا فخريا للمربد الشعري الرابع، انه جزء من الوفاء لرمز من رموز الثقافة العراقية والتي مازالت زاخرة بالعطاء الأدبي والقصصي. *في مهرجان المربد الرابع محور عن الروائي الراحل مهدي عيسى الصقر وأنت من اقرب أصدقائه، فما الذي تشعر حياله؟
ان الروائي الكبير الراحل مهدي عيسى الصقر يستحق له أكثر من محور ثقافي، وبهذه المناسبة أدعو الى أقامة ندوة متخصصة بأدبه يشترك فيها عدد من النقاد والدارسين وكتاب الرواية لدراسة رواياته بمنهجية بشكل أوسع من حدود المحور الواحد، إذ لم تكرس ندوات سابقة حول أدبه حسب علمي، على الرغم من ذلك فاني اشعر بالغبطة لإقامة هذا المحور في هذا المهرجان.
• كيف كانت علاقتك الشخصية بالروائي الراحل مهدي عيسى الصقر؟
• تعارفنا منذ منتصف الخمسينات بعد ان نشر أحدى قصصه في مجلة (الآداب) البيروتيه ونشر قصتي(القطار الصاعد الى بغداد) في العدد نفسه ومنذ ذلك الحين بدأنا بلقاءات متكررة وتكاد تكون يومية ومعنا مجموعة من الأصدقاء آنذاك مثل السياب والشاعر الراحل محمود البريكان. أهم ما يمكن ان يقال عن الراحل انه كاتب واقعي ودؤوب ويتميز أدبه بالانحياز الى الإنسان والى القيم الخيرة، وقد استعرض في كتابه(وجع الكتابة) كيف كان يعاني من البحث عن موضوعة الرواية ثم العمل على رسم معمارها البنائي. كان على الرغم مما يشعر به من جهد ومتاعب الكتابة فانه يكون أكثر حزنا لو لم يكن بين يديه مشروع رواية جديدة، قد نسمي ذلك (فرح الوجع) ان صح التعبير، ولي دراسة خاصة عن كتابه المذكور أشرت فيه الى تلك الحالات.
• هل كنت على اطلاع الى حد ما على طرائق الروائي الراحل مهدي عيسى الصقر أو عاداته في الكتابة؟
مما اذكر انه كان يختار عند الكتابة مكانا متواضعا، وكان يكتب بالقلم الجاف، وكثيرا ما يعيد قراءة مسوداته ولذلك أجد في تلك المسودات بعض الشطب والإشارات والأسهم لوضع ترتيب جديد للسياقات الجديدة بعد تعديلها. واعتقد انه غالبا ما يكون كتوما عنا يكتب وعندما نلتقي يعرض علي بعض تلك المسودات للاستماع الى وجهة نظري واستجابتي لما كتب وتلك خصلة حميدة تنم عن تواضعه، انه إنسان صادق مع نفسه ومع الآخرين وواثق مما يعمل ويقول ويكتب.
• ما هي رؤيتك حيال الأجيال الشعرية الجديدة؟
أني متفائل بظهور جيل أو أجيال شعرية وإبداعية جديدة، ذلك لان الحياة لا تقف مكانها، أنها كالبستان ينمو في تربته كثير من الأزاهير والثمار. وأود ان أقول ان على المبدعين ان يكرسوا همهم الأكبر في ابداعهم قراءة وكتابة وخبرة حياتية وعناية باللغة ، ان من يمتلك لغة ثرة لا يعجز عما يدور من تجربة أو مشاعر فبين اللغة والتفكير علاقة متينة مما يلزم المبدع الاهتمام إزاءها.
• ما هو جديد القاص محمود عبد الوهاب؟
لدي رواية كاملة وقد نشر فصل منها في ملف جريدة(الصباح) وهي بعنوان (سيرة بحجم الكف) ومجموعة قصصية تكاد تكتمل، نشر منها ثلاث قصص هي(امرأة الجاحظ، در كوكو، وتلك الليلة) كما اعد الآن سيرتي الشخصية على شكل مختلف من حيث التسلسل الزمني أنها لا تكترث بترتيب الزمن على شكل خطي وإنما كتبت على شكل نصوص تحمل عنوانات معينة وتتضمن حدثا من حياتي مثل(الطفولة والشباب ،وزمن الكتابة وأصدقاء الكتابة) سميت ذلك (الكلام عما جرى) وبين حين وأخر الجأ الى كتابة دراسات في القصة وملاحظات عنها.

(تاريخ الحوار: الأحد  16/3/2008)

——————

القاص الكبير محمود عبد الوهاب يبتعد عن عالم الكتابةmahmoodab

عن عمر يناهز 82 عاماً رحل اليوم عن عالمنا القاص العراقي الكبير محمد عبد الوهاب بعد فترة من المرض قضاها في أحد مستشفيات البصرة مؤخراً.
ويعد محمود عبد الوهاب من أهم القصاصين العراقيين الذين ظهروا منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، متميزاً بأسلوب خاصا وتفردا في السرد، وكان ضمن مجموعة أسست للأدب العراقي الحديث متمثلة بالسياب وسعدي يوسف وصديق عمره القاص الكبير محمد خضير.
ولد  محمود عبد الوهاب في بغداد 1929، أكمل دراسته فيها، مارس الكتابة في مجال القصة والرواية والنقد، قرابة ستين عاما، وترأس اتحاد أدباء البصرة لفترات له عدد من الإصدارات منها (رائحة الشتاء، رغوة السحاب، و ثريا النص، وسيرة بحجم الكف)،  تخرج مطلع الخمسينيات في  جامعة بغداد، ونال أعلى درجة في دفعته بكلية الآداب، وعين مديرا لإحدى المدارس  في مدينة البصرة.
كانت حقبة الستينيات، من أحلك السنوات التي جابهها، حيث فصل من وظيفته، وتعرض إلى السجن، إذ اضطر إلى العمل كقاطع تذاكر، ثم مديرا لسينما الكرنك في البصرة. وسافر إلى جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه لكنه لم يكمل الدراسة بسبب الحالة الاقتصادية .
قال عنه محمد خضير: لا اعجب ان يتعكز القاص محمود عبد الوهاب على عصا لا عن تقدم في السن وانما عن ثقل في الافكار ، فرأسه مملوء بالافكار..
وقال الشاعر عبد الزهرة زكي عنه: “عاش بين زملائه من الأدباء البصريين فكانوا أكثر من أهل له، وبين أهله من أدباء البصرة مات.. رحل محمود عبد الوهاب بعد حياة كان فيها رمزاً من رموز مدينته التي أحبَّ..إنه أحد مواطنيها الأبديين، وهذه ميزة من ميزات البصرة ومن ميزات ولاء بنيها لها…أحزن الآن على فقدان رجل نبيل مثل محمود وأحيا مشاعر أسرته البصرية، ادبائها ومثقفيها..العزاء لهم والرحمة له والذكر الخالد لما خلف من أدب ومن سيرة حياة نعتز بها جميعا.”
وكتب الشاعر أحمد عبد الحسين قبل مدة ؛ينما كان عبد الوهاب طريح الفراش: ” كاتب المدينة اليوم طريح فراشه، محبّ الحياة، المعلّم الذي لا تملك إلا أن تستقي منه دروساً حتى وهو صامت، مريض اليوم كمدينته، حين رأيته آخر مرة في سفينة بشط العرب كان في أوج يأسه، كتبتُ وقتها عن حقّ من حقوق الإنسان أغفلته الشرائع، هو حقّ الإنسان في اليأس، لم أطيّب خاطره بكلام رميم عن التفاؤل، ولم أنصحه بحبّ الحياة فهو أستاذ في هذا العلم، تركته ليأسه الكريم كحجر كريم دون أن أخدشه بحجارة مواعظي الرخيصة، لكننا هذه المرة مدعوون لأن نتعلّق بأذياله، أن نطلب منه البقاء معنا، أن نستبقيه ولو بالقوّة، فمدننا ستكون أكثر رثاثة مما هي عليه إنْ غاب هو عنها، والبصرة ستغدو أكثر يتماً مما هي عليه الآن إذا رحل كاتبها ومعمّرها في ظلّ غياب البنائين”.

——————

محمود عبدالوهاب: الحداثة في العراق تتأرجح فـي حدود الافكار ولم تتغوّر هما ابداعيا

mah4حوار: علي عبد السادة

“ولدتُ في دفترِ الإنشاء المدرسي” .. هكذا كان القاص والروائي محمود عبد الوهاب يُعرفُ شهادةَ ميلاده، وكان حاضراً، برسمِ جلسةِ احتفاءٍ في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين مطلع نيسان الماضي، وفي حينها استرسل في تعريفه ذاك ليقول:”نشأت أيضا في جدارية النشرة المدرسية”.

المسيرة الإبداعية للرائد محمود عبد الوهاب على مدى نصف قرن اثرى فيها الثقافة العراقية أيما أثراء كان لا بد من ان تشهد ولادة طبيعية كالتي يصفها هو. عبد الوهاب الذي بدأ الكتابة فعلا عام 1951 بقصة (خاتم ذهب صغير) صار، في ما بعد، رائدا في القصة والرواية.
ونشر عبد الوهاب قصة (القطار الصاعد الى بغداد) عام 1954 وترجمت هذه  القصة الى اللغة الانكليزية، وضمها، لاحقا، الى مجموعة (رائحة الشتاء) التي تاخذ طريقها، الان، للترجمة الى الانكليزية.
اول الكتب التي نشرها (ثريا النص) وكان مدخلا للعنوان القصصي، وهو المؤلف الذي وصفته صحف عربية بانه اول كتاب عربي يصدر عن العنوان.
لعبد الوهاب رواية “رغوة السحاب”، وكتاب نقدي تحت عنوان “دراسات نقدية في الحوار القصصي”، وعدد من التراجم لقصاصين كجون شتاينبك، ارسكين كالدويل، وهيمنغواي، وقصائد من الشعر الصيني.
ولطالما تميز منجز عبدالوهاب باللغة المحكمة البعيدة عن الاسراف، فيما اعتمد البناء لديه على الدهشة والبساطة. وسكنت نصوصه في هم المدنية والتفاعل الايجابي مع مفرداتها، لذلك اجاد في خلق مرويات تراقب ما يجري وتمسك، بجدارة، بؤر الاحداث لتفكك تداعياتها وفعلتها في الحياة. وطيلة تلك السنوات بدا عبد الوهاب متورطا بالسؤال الانساني، كان يلاحق، مجتهدا، مصادر الانسنة في مجتمعاتنا، ولهذا تراه في اغلب نصوصه يحاول حمايتها والبحث عن مناخات ايجابية لنموها.
نعاين مع عبد الوهاب في هذا الحوار جملة من القضايا بدأتها بالمشهد الثقافي:

“استقلال نسبي” للثقافة
* كيف تتلمس بوصلةُ القاص محمود عبد الوهاب المشهد الثقافي العراقي وارتباطاً بواقع سياسي واجتماعي يحاول صياغة نفسه. ما تعريفك للهوية الثقافية الراهنة؟

-أفهم من سؤالك أنك تجعل المشهد الثقافي تابعاً أو ظلاً للواقع السياسي والاجتماعي، ليس هذا صحيحاً دائماً، فللثقافة استقلالها النسبي الفاعل في البنية الاجتماعية، ولكن متى ما استطاع الواقع السياسي فرض حالة تمكّنه، استدعى الثقافة التي تجانسه، وهي ثقافة هيمنته، في غير هذه الحالة يمكن للمشهد الثقافي أن يكون أكثر انفتاحاً حين تكون عملية التأثير والتأثر فاعلة ما بين الثقافي والاجتماعي بإطارها الشامل. كيف تريد أن يكون المشهد الثقافي فاعلاً الآن، والمثقف أحد بنّائيه، لم يعد يمتلك دور الريادة فيه، بسبب انكفائه على ذاته وإحباطه،  إثر وطأة  التغيرات والصراع الفكري والسياسي، ما جعل المشهد الثقافي يكاد يكون هامشياً أو تزيينياً، ويكون منجزه الإبداعي محدوداً ومتباعد الإصدار ومتفاوتاً في مستواه.
أما سؤالك عن الهوية الثقافية فإن ما يجمعها والمشهد الثقافي، أن المشهد الثقافي قد يعني عملاً إجرائياً لبعض عناصر الهوية الثقافية،  فالهوية الثقافية كينونة، ذات عناصر متعددة، تضم داخلها الموروث والمعاصر، إلى جانب منظومة التقاليد، ومن أبرز ملامحها تمايزها عن هويات الجماعات الثقافية الأُخَر، وتحمل الهوية الثقافية أنساقاً متعددة، فقد نجد في منجزها نسقاً سياسياً مهيمناً، بخاصة وإنّ عدداً من المبدعين انحدروا من أصلاب سياسية. و لا أعني هنا  ألاّ يكون في الهوية الثقافية أو منجزها “نظر سياسي”، لكن ألاّ تكون الأيديولوجية، هي المهيمنة، فالمبدع يتأمل الحياة والواقع تأملاً حراً وكونياً، ويفكّر بالسياسة بمعنى الحياة، غير أنه لا يعمل بالسياسة كما يعمل السياسي الملتزم.
أما المشهد الثقافي العراقي، فإنه يمرّ الآن بتحولات ومتغيرات، وهو في كلّيته الراهنة دون طموح صانعيه من المبدعين، ومع ذلك، لا يمكن للمبدع أو المثقف ألاّ يكترث بهذه التحولات، كما لا يمكن للدارس أن يعطي للمشهد الثقافي صورة واضحة وتفصيلية وهو بضبابيته الآن.

حداثة لم تتغور هما إبداعيا
* مرت القصة العراقية بمحطات حداثية مهمة في تاريخها ، كيف تنظر إلى أفق التجديد في ظلّ المنجز القصصي في سنوات ما بعد  2003؟

-أنا معك، وباحتراز أيضاً، إن القصة العراقية قد امتلكت في بعض منجزها، قصصاً اتسمت بأشكال الحداثة، أو قصصاً مغايرة للسائد، يمكن أن نلمس فيها ملامح الحداثة، غير أن هذه النماذج لم تبلغ بعد أن تكوّن ظاهرة، فالحداثة عملية متدرجة كغيرها من الظواهر لا تأتي مكتملة مرة واحدة، ولهذا فالحداثة عندنا تتأرجح في حدود المفاهيم والأفكار والأشكال ولم تتغوّر همّاً إبداعياً، بل أنها تعمل على تطويع المتلقي على قراءة منجزها وعلى فهمه، ورغم ذلك فهي محاولات، قد تمثّل نموذجاً لقصة قادمة. وسؤالك عن التجديد، وبينه وبين الحداثة صلة، لن يكون التجديد واقعاً ما لم تكن هناك حاجة إليه، فليس التجديد أمنية أو رغبة، لكنه حاجة إلى أشكال إبداعية بتأثير توارث تقنيات جنينية تظهر بعد تعطل وظيفة النصّ السائد أو المألوف، وتأتي إثر ذلك على شكل محاولات بطيئة لظهور منجز جديد وسط صراع بين النموذجين يتمثّل في أزمة التلقي والذائقة، حتى يأخذ النص الجديد استقراره منجزاً. أما تحولات منجز القصة ما بعد  2003 فهي بطيئة، وبعضها يقتفي أشكال قصة ما قبل، وهذا لا ينفي ظهور أشكال قصصية جديدة، لكن وجود تلك القصص مثل وجود جزر متباعدة في محيط واسع.  فللتجديد ضرورات، كما أنه لا يأتي مصاحباً لزمن التحولات السياسية والثقافية، بل يقف عند عتباتها متأمّلاً، إلى أن يكون فاعلاً.

مثال يوتوبي
* استبطان السخرية في منجز محمود عبد الوهاب لا يؤشّر تصالحاً مع الواقع. وهذا الخصام مرتبط بتدوين الشأن اليومي بمعنى أن تمرداً يسكن النصوص. هل يغذّي هذا المنحى اتجاهات الحداثة في قصّ محمود عبد الوهاب؟ أم أن تتبع الثقافة الأجنبية، قراءة وترجمة، يحرّك فيه نوازع التجديد؟

-التصالح التام مع الواقع يعني إلغاءً للعقل النقدي، فليس الواقع دائماً هو المثال المكتمل أو النموذج في عقل المبدع أو المثقف، غالباً ما يأتي الواقع فجّاً، لولا الأحلام والفنون التي تعمل على بناء واقع آخر مفترض. عقل المبدع مسكون دائماً بمثال يوتوبي، التناقض قائم بين واقعين، الواقع الوقائعي، والواقع الحلمي لدى المبدع. أنا معك في أنّ معظم ما أكتبه من قصص قد لا يحمل مصالحة تامة مع الواقع، هذا صحيح، لكن معظم ما أكتبه على علاقة مغايرة للواقع، تقوم على التعرف على الواقع أولاً وعلى فهمه ثانياً، ثم كتابة نص تخييلي جمالي،  يحمل أنساق الواقع لكنه لا يماثله. أما عن دور ثقافة الآخر في منجز الكاتب، فلابدّ من أن تلعب الثقافة الأجنبية دوراً في تطوير منجز الكاتب، بعيداً عن الاستنساخ الذي “يخيط” نصاً على غرار “نص” مستورد.

* يقول بعض النقّاد إن الحروب والمصائب تمرّ على القاص محمود عبد الوهاب دون أن يكتب عنها ما لم تختمر فيه تداعياتها. بماذا تعلق؟

– هذا صحيح. الكتابة الآنية عن الأحداث الكبيرة تفرّط كثيراً بعمق دلالاتها، وتأتي الكتابة عنها بأشكال مباشرة، تتناول سطح الحدث الرخو والهامشي، لكنّ “الاختمار” يحفر في واقع الأحداث عميقاً حتى يمسك بجذور المسألة، مانحاً النصّ شكلاً إبداعياً متميزاً.

*ورغم تورّط محمود عبد الوهاب بالشأن اليومي، لكنّ البعض يرى ان الرؤى السردية عند عبد الوهاب تنحو نحو الفلسفة الوجودية”. هل تجتهد قصصك في الإجابة على الأسئلة الوجودية؟.

-ربما تصدق المقولة في حدود حقبتها الخمسينية، حين كنّا نتزيّا بالفكر الوجودي ونحمل الفكر الماركسي معاً، أشرتُ أنا إلى ذلك في العمود الثقافي الأسبوعي الذي أكتبه في جريدة المدى. وأعتقد، في الأكثر، أن الرأي ينتسب إلى الحقبة الخمسينية، فقد وفّرت لنا الوجودية، آنذاك، هامشاً من الحرية.

*عن مجموعة “رائحة الشتاء” يقول القاص محمود عبدالوهاب أنه وجد نسخته المنتقاة فيها. كيف ولدت هذه المجموعة وهي بنت حيوات متباعدة.

– أقاصيص “رائحة الشتاء” تنازعتْها تحوّلات سرديّة متغايرة، كُتبتْ على مَدَيات زمنية متعاقبة، وضمتْها مجموعة واحدة، تكاد تكون انطولوجيا أو مختارات، أو هي كذلك بالفعل، ومن هذا الزمن التعاقبي، ومن معيار الانتقاء أصبحت “رائحة الشتاء” نسختي المفضلة أو المنتقاة، تشيّدت المجموعة على وفق اختيار الأصلح من أقاصيصها، وعلى وفق ما تمتلك تحاوراً مع قرّاء حقبة تالية لها. وهذا ما كان يشغلني قبل إصدارها.

*المجموعة المتمثلة بـ 20 قصة ، اختزلت الزمن، ورغم تباعد سنوات كتابتها إلاَ أنها احتفظت بوحدة الموضوع. أمن صدفة في هذا؟ ولمَ التباعد في الأزمنة؟

– بتأثير انتقاء القصص واختيار الأصلح منها، حصل هذا التباعد في أزمنة كتابتها، لقد ترك الانتقاء فجوة زمنية وأسلوبية بين أقاصيصها المختارة، أما احتفاظها بوحدة الموضوعة “الثيم” فقد جاءت من رؤية القاص المتمثلة في وحدة الموضوعة، وفي تنويعات تلك الموضوعة الواحدة، غالباً ما يشدّد  القاص على موضوعة معينة ورئيسة، لكنها في تنويعاتها تحمل افتراقاً هامشياً، غير أنّ موضوعة الافتراق الهامشي تبقى ضمن  الانتساب إلى الموضوعة الكليّة. لم تكن المصادفة هي التي عملت على وحدة الموضوعة، في (رائحة الشتاء)، لكنها حصلت بفعل قصدي هو الاختيار. ثم إن المصادفة لا تعني، في جوهرها، عشوائية ما يحدث، فالمصادفة، هي مجموعة القوانين المجهولة، يعمل العلم مستقبلاً على اكتشاف بواعثها في ما قرأتُ.

* في قصة (إمرأة ) التي جاءت في “رائحة الشتاء” أيضاً، جاءت المرأة قلقة تعاني الغياب وتشكو الاغتراب في حين يكون الرجل خاضعاً لمعايير الثقافة الشرقية ويكون حضوره تقليدياً. كيف تحضر المرأة في نصوص محمود عبد الوهاب؟ ولمَ يضعها في العزلة؟

– أختلف معك في ما قلتَ عن عزلة المرأة في أقاصيص (رائحة الشتاء)، كما أختلف معك في خضوع الرجل إلى معايير الثقافة الشرقية. إنّ قراءتك القصة تنطلق من موقف سوسيولوجي محض، خارج عمّا هو سردي وجمالي، “حضور المرأة في تلك الأقاصيص” أو عزلتها يتحكم بهما منطق السرد، فكلّ قصة مشروطة بمنطق وحداتها، وكذلك موقف الرجل. إن حضور المرأة في أقاصيص رائحة الشتاء، لا إشكالية فيه، إذا قرئت ضمن القرائن المبثوثة في الأقاصيص،  لا بالإسقاط الذاتي.
ثقافة الآخر
* عُرف عن القاص محمود عبد الوهاب أنه حريص على متابعة الثقافة الأجنبية دون أن يجعلها مرجعاً للاستعارات والأقتباسات. كيف يوظّف القاص محمود عبد الوهاب منجز الآخر في صناعة القصة؟

– ألا ترى أنك تجيب بنفسك عن سؤالك؟ وهو الحرص على متابعة ثقافة الآخر من دون اتخاذها مرجعاً. أليس قولك هذا جواباً؟. لكنني مع ذلك أود أن أضيف أن منجز الآخر  يتملكني بجمالياته وتقنياته، أتملاه وأتواصل معه، وأنتفع به معرفةً، ولا أحاكيه، فالكتابة عمل متفرّد وذاتي، وتوظيف منجز الآخر في منجز الكاتب يعني اغتيال الذات المبدعة. ينبغي لنا ألاّ ننبهر بالثقافة الأجنبية، كما ينبهر سائح جاء من بلد فقير أمام أبّهة البلد الذي جاء إليه، فالانبهار يعطّل الفاعلية، امتياز قراءة الثقافة الأجنبية أن تنتفع بها، لا أن تقلّدها في انجازك أو تستعبدك. هل تتفق معي؟.

تماس معرفي
* في حقل الترجمة، لك بعض الملاحظات حول تأثير النقل على الدلالات رغم النتاج الذي يوفره النقل بين الثقافتين. برأيك هل تأثّر المنجز المنقول إلينا بما وصفته خيانة الترجمة؟ وإلى أي حدّ أفدنا من الثقافة الأخرى؟

– تُعرّف الترجمة، بوظيفتها، أنها تماس معرفي وتواصل حضاري، لكنها مهما كانت، في فعلها، متقنة ورصينة، فإنها لا تُعدّ كفؤاً للأصل المترجَم منه، بل هي قراءة من  القراءات، لكنّها أقرب القراءات إلى الأصل. اختلاف أعراف اللغة وقوانينها بين ما يترجم منه، وما يترجم إليه يُحدث فجوة مكمنها اللغة ذاتها، فالمجاز بين اللغتين مختلف، والمتداول بين اللغتين مختلف أيضاً، وتركيب الجملة وسياقاتها مختلف كذلك، ثم أسألك. ماذا تعني وفرة الصفحات بين كتاب مترجَم يقع في 180 صفحة يكون عند الترجمة 220 صفحة، من أين جاء فائض الـ 40 صفحة بين الأصل والكتاب المترجم، لولا اختلاف تلك الأعراف، والتباين ما بين اللغتين. إن خيانة الترجمة لا تعني الخيانة بمعناها الأخلاقي، إنها مقولة سائدة في الثقافة الإيطالية، قد تعني استحالة المطابقة التامة بين الأصل وما يترجم إليه، بسبب صعوبة تكافؤ ترجمة المجازات بين اللغتين، وإشهار المجازات والدلالات المخبوءة في النصّ الأصل بعد ترجمته، وعلى النقيض من ذلك، فإن عدداً من الدارسين يرى أن مقولَتَيْ الأمانة في الترجمة وخيانتها لا يمكن أن تؤخذ معياراً لترجمة النصّ، وقد أولى الأستاذ “ثيوهيرمانز” في جامعة لندن، اهتمامه بمفهوم معايير الترجمة داحضاً التصورات السائدة التي ترى في الترجمة فعلاً محايداً ينبغي للمترجم أن يصمت أمام صوت المؤلف. أما  سؤالك عن إفادتنا من الثقافة الأخرى، إنها لم تُبقنا أسرى ثقافتنا الواحدة، فهي إثراء وغنى، إنْ استعملت استعمالاً صائباً وإنها حوار مع الآخر في علاقة نديّة، لا تراتبية تجعل إحدى الثقافتين في حالة إلحاق وامتثال إلى ثقافة متسيّدة تابعة لثقافة “المركز” الغربي مثلاً، ولولا هذا التحاور، لكانت ثقافتنا صوتاً مونودرامياً، في عزلة عن عصرها.

——————

 محمود عبد الوهاب  في مديح الغياب

 حسام السرايmah3

بغداد / لا يمكن الكتابة عن رحيل محمود عبد الوهاب (1929 ـــ 2011)، كما يتمّ اجترار المراثي المعتادة. ذلك الأديب الرائد في مجال القصّة، رحل عن عالمنا منذ أيام، ووري في ثرى مقبرة الحسن البصري في البصرة، بجوار صديقيه الشاعرين بدر شاكر السيّاب ومحمود البريكان.
بدأت مسيرة الشاعر الطويلة والشاقّة من بغداد، حيث تخرّج من كلية الآداب خلال خمسينيات القرن الماضي. بعدها سافر إلى إنكلترا بهدف نيل الدكتوراه من «جامعة كامبريدج». لكنّ وفاة أمّه أعادته إلى البصرة، ليصير مديراً لإحدى مدارسها. في الستينيات، عاش تجربة الفصل من الوظيفة، والسجن … قرّر بعدها إكمال الدراسة في جامعة «عين شمس» المصريّة، لكنّ حالته الاقتصاديّة منعته من المواصلة. إطلالته على الوسط الأدبيّ أتت مع نشره أوّل قصّة في مجلة «الآداب» اللبنانيّة، بعنوان «القطار الصاعد إلى بغداد»، وحملت باكورته القصصية عنوان «رائحة الشتاء». وتوالت بعدها الإصدارات من دراسة «ثريا النصّ» النقديّة، إلى رواية «رغوة السحاب»، إضافة إلى كتابين آخرين قيد الإصدار، هما: رواية «سيرة بحجم الكف»، وديوان «شعرية العمر».
لم يكن محمود عبد الوهاب اسماً عادياً في الثقافة العراقيّة وحراكها، إذ ترأس «اتحاد أدباء البصرة»، وعرف بصداقته مع المثقفين والكتاب الشباب كأنّ لسان حاله يقول: «ما زلت أحمل روح هؤلاء». وإن كان قد عُرف كقاص وروائي، إلا أنّ تجربته في قصيدة النثر حملت بصمة مميّزة أيضاً … يقول في قصيدة كتبها عام 2001: «الفجيعة أنْ تفتحَ عينيك فجأةً/ وترى عمرَك لا يصلح لشيء».
ها هو عبد الوهاب يغادر الحياة ومكتبة صغيرة تشهد على تعلّقه الاستثنائيّ بالكتابة وعوالمها. أليس هو من كتب قبل أشهر نصاً بعنوان «في مديح الورقة»، وجاء فيه: «ورقة المبدع، ثمّ نصّه المكتوب والمطبوع، هي رحلة المستكشف إلى قارةٍ مجهولةٍ، لا يعرف المبدع نفسه كثافة أدغالها المتشابكة، إلا بعد أن تكون الورقة منجزاً واضح القسَمات».
صفحات أصدقائه ومحبّيه على فايسبوك، تعجّ بتعليقات الحزن على فقدانه. من محل إقامته في الولايات المتحدة، يكتب الناقد العراقيّ حاتم الصكر: «محمود عبد الوهاب في سكّة خلود خطّها بيديه مكافحاً، أبيض القلب والضمير، ومبدعاً فذّاً مخلصاً. الرحمة لنا كلّنا

——————

هو الذي روى سيرة نص محمود عبد الوهاب

mmk
عالم القاص محمود عبد الوهاب القصصي يمتلك تلقائية سردية  متأتية من بساطة الأسلوب وعمق اللغة ، لاسيما في اختيار موقع المفردة التي تذهب بالجملة نحو مناحي القراءة والتأويل خارج سياقها الخطي ، هذا ما ورد في كتاب (هو الذي روى) للقاص المبدع والناقد جاسم عاصي ، الذي وضعه محبة ووفاء وتكريماً لأستاذه المبجل القاص الراحل محمود عبد الوهاب ، وهو بحث نقدي رصين درس فيه الناقد تجربة عبد الوهاب من مناحيها المختلفة ، للوقوف على اهم السمات والخصائص وابراز ملامح النصوص  وما تشكله من رؤى وفاعلية في المشهد السردي ، اشتمل الكتاب على عدد من المباحث ،منها (استنطاق الذاكرة) و (الفعل القصصي بين بلاغة التعبير والاشارة) و (صورة الشخصية بين الذات والآخر) ، اضافة الى مختارات قصصية تناول بعضها الناقد بالتحليل والدراسة  وقد كشف في مستهل دراسته عن ابرز سمة يمكن ملاحظتها في نصوص الكاتب محمود عبد الوهاب  تتمثل بعنايته واحتفائه بالعنوان ، اذ بلغ به شغفه ان يضع كتاباً في هذا الشأن اسماه (ثريا النص)  مولياً اهتمامه بعنوانات نصوصه ، ورصد هذه الخاصية ايضا في نصوص الآخرين من خلال مؤلفه (ثريا النص) ، ذلك لما يمكن ان ينطوي عليه العنوان من اشارات ومعان ودلالات من شأنها اثراء النص ومنحه ابعاداً مختلفة من خلال الانطباع الذي يتركه عند القارئ ، فهو غالباً ما يكون عنواناً ايهامياً ، بغية الابتعاد عن الدلالة المباشرة ، والذهاب عبر متن النص الى مفهوم ومعنى آخر غير بعيد عن التصور ، ، ويلفت الناقد عاصي الى ان التعامل مع قصص عبد الوهاب تقتضي ترحيل القراءة زماناً ومكاناً الى فترة كتابته ، لتقصي مسار تجربته بدقة ، لكن ثمة سمات طبعت مجمل نتاجه بمختلف مراحله ، تتمثل بولعه الخاص في استخدام المفردة الدالة في النص ، وطاقتها كشفرة لغوية كاشفة لبنية الحدث والشخصية زماناً ومكاناً ، ومدى تأثير المفردة في مبنى السرد ، كونها حسب الناقد جاسم عاصي محمول دلالي يمكن التوقف عندها لفهم حيثيات النص وتبدلات المشاهد ، ورصد حركة الشخصية وطبيعة داخلها واحساسها من خلال التعبير بالمفردات ، وكشف طاقة المفردة على تجميع المشهد ، من خلال رصد التضادات والمتشابهات ، بحيث يبدو لنا النص كأنه شرفة او فسيفساء  يتشكل معمارها من التوائم في اختيار المفردة ، التي هي بالتأكيد لها علاقة بنحوما بالشخصية داخل النص من جهة ، ولم حيثيات المشهد في وحدة سردية ، هي القصة القصيرة على حد قول المؤلف، الذي يرى ان اسلوب (عبد الوهاب) على درجة عالية من الانتقاء والاقتصاد  ويأتي ذلك تبعاً لما اشرنا اليه من اهتمامه المفرط بالمفردة ، بالرغم من انه يبدو اسلوباً واحداً ، له درجة من تأكيد شعرية السرد او القص بشكل عام ، فالتعامل مع الاشياء ورصدها وتقصي افعال الشخصيات وردود افعالها ، تتم على وفق اخفاء البعد النفسي ، فالاجزاء تتصل مع بعضها بحساسية وتوافق هارموني لا يثقل على النص بقدر ما يرفده بقوة ودفق ، ويؤكد عاصي ان هذا النمط من القص يحيل الى بلاغة التعبير ، المتأتية من الاهتمام بالبنيات لصالح الدلالة في السرد ، ، اما تناوله للبنية الحوارية ، فيرى انها مبنية على اساس الايقاع النفسي ، وتأخذ صيغة القطع والابتعاد لغرض فرض نوع من الايهام بين المتحاورين ، بهذا النوع من التراتب يخلق صيغة لصورتين تتباعد بينهما الأزمنة والامكنة . غير انها تتواشج في ما هو حس مطابق في طبيعة الصورة التي عليها المشهد ، ، وفي حالة تشكيل المشهد فأن عين القاص تنوب عن عين الكامرة ، في تعاملها مع ما تشاهد ،حيث يتم نوع من التفاعل في انتاج الصورة ، فالعين الثالثة بحسب الناقد تعمل في اعداد مستلزمات مختبر كهذا ، من هنا نرى ان المشهد الذي تنتجه عين القاص ، يكتفي بنفسه وفق مستلزماته الذاتيه، وبما يكتنز من اشارات مركزة لا تقبل بالفائض اسلوباً ولغة ، فالتركيز على مستلزمات الصورة الصافية متوفر في مشاهد القصص ، بما يتوفر به القاص من مخزونه السردي والوصفي على امكانية تعدد اللقطات ، التي هي اقرب الى السيناريو ، فالقاص يعتمد على رؤية الاشياء في الواقع ، ويفرز مقتنياتها المؤثرة ، لان عينه اكثر حساسية في التعامل مع هذه المكونات للمشهد اما ما يتعلق بالتكثيف والاختزال ، فأن القاص يعمد الى تكثيف الصورة عبر تكثيف اللغة ، ويختزل في الاسلوب ، لصالح المشهد ، كونها وحدات قص متوائمة مع بعضها  خاضعة الى مكون بنيوي خالص  لذا نجد القاص يبحث عن المفردة المؤثرة والموصلة ، لصياغة جملة مكثفة ، تختزل المشهد ببضع كلمات موحية بما هو خارج المشهد  ويؤشر الناقد جاسم عاصي ان القاص عبد الوهاب من النادر ان يبتعد عن محور الشيخوخة وتقادم العمر في قصصه ، فهو يسحب كل المكونات والصور والافعال لصالح هذا المحور ، موضحاً انه لا يعني بهذا لذاته البشرية فقط ، وانما يعبر به الى اتجاهات متعددة ككهولة المكان وترهل الزمان ، وضياع الكثير من مستلزمات الحياة ، وجمالية الحياة التي يبحث عنها القاص ، التي هي جمالية الوجود الانساني المفقوده اسسه على صعيد الواقع  وشيخوخة الوجود من خلال شيخوخة الانسان ، هذه الصورة تعكس لنا جدلية الكاتب الفلسفية  التي لم يقلها في نصوصه لكنها ماثله في حراكها ، ، وثمة محاور اخرى متعددة تناولها القاص والناقد جاسم عاصي في كتابه القيم (هو الذي روى) الذي تقصى فيه بالدراسة الفنية الرائعة والتحليل الثري المعمق قصص الراحل المبدع محمود عبد الوهاب ، وتميزت الدراسة بغناها ودقتها في استنطاق قصص استاذه عبد الوهاب.

——————

إلى الراحل الكبير القاص محمود عبد الوهاب في ذكرى رحيله

عيسى عبد الملكesa

1.{ إلى الصديق القاص عيسى عبد الملك اعتزازاً، سطر توجت به تحفتك الرائعة ، رائحة الشتاء . إليك اعتزازاً وحزناً أكتب هذه ألسطور، أخي الغائب الحاضر أبداً بيننا ، محمود عبد الوهاب..}.

حدثتني شقتك ..

… لم يدخل من باب شقته كما اعتاد ، ولم يكن كما اعتادت الأشياء رؤيته . دخل من كل مسامات الشقة ضوءاً أثيرياً دافئاً ً في برد كانون.لم يستند إلى عصاه و لم يتأبط كتبا كما اعتاد ، حتى المحفظة الصغيرة السوداء لم تكن بيده . كانت يداه حرتين كجناحي طائر سماوي رقيق. رجلاه تخلتا عن أغلالها الثمانين ونيف. انحنت الجدران الأربع كبردي لم يكتمل نضجه مسه نسيم رخو….كان بعد انفضاض الأصدقاء وانتهاء جولة النهار اليومية ،عند المساء، حينما يسرع الناس إلى بيوتهم حذرين ، . يوصله صديق. . يقف عند الباب ، يقول مداعباً ؛ مرحباً صديقتي الشقة .أهلا صديقي الراهب الجميل أجيب . شاركته وحدته. وحفظت ما لم يكتبه من حياته . . في الليل نصبح وحيدين ، هو ينكب على كتاب يقرأ وأنا أرقب صمته ..حينما حيانا بوهن ذلك اليوم ، تساءلت الأشياء ، تفرستْ به أما أنا فقد وجمتُ .عاد معبئا بالحزن . محني الظهر قليلا .كان الوقت بعد ظهر الخميس من كانون . وصل قبلهم . ربما كان بعضهم يبحث عن سيارة تعيده أو يدلي بتصريح في المقبرة..أغلق باب غرفته . مسح التراب الطري عن شعره الفضي ووجهه ألطفلي الحنون . لبس نظارته وراحت أصابعه تمر على أكداس الكتب. يقرأ الأسماء يقف عند بعضها . يفض الرسائل ويعاين الصور. كان على عجل كمسافر في رحلة لا انتهاء لها، أو من ينتظره قطار لا يعرف الوقوف والتأخير ، كان بلا حقيبة هذه المرة وبلا أعباء. ولأول مرة لم يتجلد..انهار سد الدموع . أفرغ كل ما في جعبته من هموم ورفس الجعبة . كان قلقاً كنورس أدخل في قفص عنوة . في عينيه رسمُ سؤال كبير.. صوت واهن تزينه بحة ولثغة خفيفة انطلق من بين زحام الأحزان ، غمر الغرفة الكئيبة كشلال ضوء ، كان صوته:
عذرا أيها الأحبة لقد غيرت عنوان بريدي فلم يعد شرطي يعرفه لا عبوة ولا كاتم ، أضاف مازحا ؟ تهاوت الكتب ، ضجت الحروف بالنحيب ، عندها أدركتُ حجم الفاجعة . حزمة أوراق تعلقت بثياب الشيخ الأثيرية البيضاء كخيوط الشمس تصيح
: ومن يكمل الرواية يا شيخنا الاستثنائي الجليل ؟ مسح الشيخ دموعه وقال ،
نعم ، و لهذا جئت
قبل أن يرجعوا..

—————–

قصة صورة، في ذكراه الثانية

عبد الكريم العامري

mahmood-abdul-wahab-2
هذه الصورة للراحل الكبير القاص محمود عبد الوهاب التقطتها له في كورنيش العشار بكاميرا روسية نوع فيللا حينما كنت أعمل مصورا جوالا في البصرة اواخر التسعينيات من القرن الماضي، خرجت مع الراحل وصحبتنا الزملاء عبد السادة البصري وعبد الله حسين جلاب وعبد الغفار العطوي والتقطنا حينها صورة مشتركة سبق وان نشرتها في صفحتي الشخصية..هذه الصورة (المنشورة) نشرت في غلاف عدد مجلة الاقلام التي خصصت بملف كبير لأدب محمود عبد الوهاب لكن المجلة لم تذكر إسم المصور وكعادته بما يمتلكه من أخلاق عالية زارني الراحل في مقهى سيد هاني بالعشار واعتذر نيابة عن المجلة وقال لي أن عدم ذكر الاسم كان غير مقصود…..رحم الله الكبير محمود عبد الوهاب..(ملاحظة مهمة: المنشور ارسلته لمجموعة اتحاد الادباء لكنه ما زال قيد الموافقة لهذا نشرته في صفحتي الشخصية..شكرا لزملائي في المجموعة)

—————–

خبر وفاة الراحل كما نشر:

mah3ajel

البصرة/ أصوات العراق: توفي القاص والروائي الرائد محمود عبد الوهاب في مستشفى بمدينة البصرة، عصر اليوم الاربعاء عن عمر تجاوز الثمانين عاما وبعد صراع مع مرض عضال.
وقال الشاعر علي ابو عراق الذي رافق الأديب الراحل في أيامه الأخيرة بالمستشفى لوكالة (أصوات العراق) إن ” الأديب الكبير محمود عبد الوهاب توفي عصر اليوم في المستشفى التعليمي وسط مدينة البصرة بعد مدة علاج استمرت نحو 50 يوما”.
وأوضح أبو عراق أن الأديب الراحل “نقل إلى المستشفى يوم 17 تشرين الأول الماضي بعد أن داهمته أمراض الشيخوخة، وتوفي عن عمر تجاوز الثمانين عاما”.
وقال أبو عراق وقد بدا عليه التأثر “أشعر بحزن عميق لوفاة هذا الأديب الكبير”، معتبرا أن وفاته “تمثل خسارة كبيرة ولا تعوض للأدب العراقي وللأدب العربي كله”.
وتحدث عن صلته بالأديب الراحل التي وصفها بـ “العميقة”، وقال “كانت صلتي به يومية منذ سنوات عدة، وفي المدة الأخيرة كنت أتناوب على العناية مع القاص الكبير محمد خضير، وكنا بمثابة عائلته وأهله”.
وذكر أبو عراق إنه تمنى أن يرى صديقه الراحل كتابه الأخير “شعرية العمر” الماثل في الطبع حاليا في مؤسسة المدى، مبينا ان الكتاب الموقع صدوره خلال ايام يضم مجموعة اعمدة صحفية نشرها الراحل في السنوات الأخيرة.
ولد محمود عبد الوهاب في العاصمة بغداد في العام 1929 حينما كانت عائلته في زيارة مؤقتة هناك، وتخرج في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية (كلية التربية حالياً ) في السنة الدراسية 1952/1953 حائزا على درجة شرف.
عمل مدرساً في المدارس الإعدادية ومديراً لها واختصاصياً تربوياً (مشرفاً ) للغة العربية في البصرة.
واشترك في عدة ملتقيات ثقافية داخل البلاد وخارجها.
ونشر كثيرا من الدراسات المتنوعة في المجلات العراقية والعربية كانت أول قصة نشرها في العام 1951 بعنوان (خاتم من ذهب)، فيما كانت شهد العام 1951 نشر أول مقالة نقدية في مجلة الرسالة المصرية التي كان يصدرها بالقاهرة الأديب المعروف أحمد حسن الزيات.
وكان لقصته ( القطار الصاعد الى بغداد) المنشورة في مجلة الآداب البيروتية صدى في الدراسات النقدية.
كتب وهو في الرابع الإعدادي مسرحية ذات فصل واحد نالت الجائزة الأولى ومنحها له الدكتور الراحل فيصل السامر .
ألقى دراسات في القصة والنقد في جامعة البصرة واتحاد أدباء بغداء واتحاد أدباء البصرة واتحاد أدباء بابل .
وترجمت روايته (رائحة الشتاء) الى اللغة الانكليزية، كما تُرجم عدد من أقاصيصه الى اللغة الانكليزية .
حصل على التكريم لعدة مرات في ملتقيات ثقافية ونال درع الإبداع في عدة ملتقيات، وحصل على جائزة قلم الإبداع الذهبي في ملتقى الرواية في البصرة.
له من الإصدرات: (ثريا النص- مدخل لدراسة العنوان القصصي)، (رائحة الشتاء) مجموعة قصص، (رغوة السحاب) رواية.
وله كتاب بعنوان (شعرية العمر) قيد الطبع في مؤسسة المدى.
وبحسب صديقه علي أبو عراق فإن للأديب الراحل من المخطوطات التي لم تطبع بعد: مجموعة قصص قصيرة بعنوان (دروكوكو)، ورواية بعنوان (سيرة بحجم الكف).

عدد المشاهدات:(1703)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية