ملف خاص عن الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف |

ملف خاص عن الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف

—————

نارك خضراء … ليلك أبيض (ملف عن الشاعر حسين عبد اللطيف)

شمعة حسين عبد اللطيف
مقداد مسعود

في الضحى الاخير للشاعر حسين عبد اللطيف،كانت مكالمتي الاخيرة، أخبرته أنني جهزتُ له قرص سي.دي ثالث عن سعدي يوسف وسأترك القرص في مكتب الشاعر كاظم اللايذ فأخبرني انه سيرسل المترجم عباس محسن، ليستلم القرص…آخر لقاء مع الشاعر كان في بيت الأديب احسان السامرائي في حزيران من هذا الصيف،وكانت أمسية جميلة، حسين عبد اللطيف والدكتور عامر السعد وحسين عجمي واحسان و.أنا .. دعاني حسين للمشاركة في ملف سيعده عن الشاعر سعدي يوسف فلبيت الندوة خصوصا وانني كنت يومها اتناول جانبا من قصائد سعدي، ثم تطور الامر، حيث وفرت له من ترجمات سعدي لفلاديمير هولان وأورنغاريتي،وغونار، وفاسكو بوبا،وأقتطعتُ له من حوار أجراه مع سعدي بيت الشعر المغربي..أثناءها كنا نتواصل يوميا حسين وانا …مرتين في اليوم أو أكثر، انتبهت الى نبرة حسين، كانت خافتة متأنية مسترخية فتوجست ُ بنفسجا يتضوع منه صوبي ! فسألته عن صحته أجابني : على الله..ذات ليلة اتصلت مرتين ثم …في صباح اليوم الثاني اتصلتُ جاءني صوته فرأيتُ وجهه المبتسم بنبرة صوته: كنتُ نائما البارحة بسسب الدواء..أين وصلنا؟في اليوم الثاني وكان ذلك قبل ان يغدر بنا ويغادرنا بأيام ،هو اتصل بي فأقلقني صوته؟ سألته: ……فأجابني قبل قليل كنت واقفا وسقطت على رأسي شعرتُ يقولها بهدوء مريب..وربما شَعَرَ بشعوري ،فصاح بي : لاتقلق انا الآن سأذهب الى كاظم اللايذ وآخذ القرص الذي أودعته أنت عنده..
بعد مكالمتي الاخيرة معه بثلاث ساعة وثلث الساعة،يظهر شريط نعي في (العراقية)..فأقرأ شريط كما كتبه حسين في أحدى قصائده :
(يوم كل الارواح
أشعل شمعة
وأحتفل
بموتي !)..
يالها من مصادفة قاسية، كنت اشارك الشاعر حسين عبد اللطيف، في ملف يعده عن الشاعر سعدي يوسف، اتمنى لسعدي العمر المديد بزهوة الاخضر، وها نحن ننشر ملفا عن حسين عبد اللطيف، ويتأجل الملف المعد عن سعدي يوسف، وهكذا يستبق الموت مع الابداع ،وكالعادة يصل الغراب ،ليعيق الحمامة وغصون الزيتون…أجل ..أجل ياحسين:
(حتى البحر يموت)..هكذا علمنا لوركا…

من… قصائد حسين عبداللطيف
نافذة
أعلنت العاشرة والنصف،
ليلاً دقت الساعة
نافذة الشاعر مطبقة الاهداب
تبكي نجمة ساهرة
والربيع في الساحة
هائمة، حائرة
ترتجف الاغصان
وفي سكون الليل تعوي الكلاب
لتوقظ الساعة
شيئا…فشيئا
أفتح الاجفان،لم ألمح البستان
لم ألمح الحارس والسكران
لم ألمح الفضة في الالوان
لمحتُ نفسي آخر الساحة
هكذا كل يوم
في بلدة آمالي
لاتوجد
إطلاقاً
شجرة
في الأيام
لم أتمكن
من ايجاد
الباب
طوع العين :الليل
طوع الليل : الرمل
طوع الرمل: النسيان
ماأرحب هذي الصحراء!
ماأكثر ماتبصر هذي العين !
بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق
بلقالق ميتة
*مطر الشتاء يهطل،
من الناي
ينبعث
حزن غامض
*يتناهى الى سمعي
رغم برودة الخريف
صياح الاوز المهاجر
*القمر مكتمل
الناموسية الخرقاء
تسرّب
شعاعه
*حين يقبل الصيف ،
ماأعذبه
كوز الماء البارد
على الشفاه الظمأى .
*ليلة سقوط الثلج
ماذا الَمَ بالشحاذ
فلم يطرق بابي
العشاء يبرد
*كما للراهب
كذلك للص
الحق نفسه في التطلع الى قمر

*أعمال الشاعر
*على الطرقات أرقب المارة – وزارة الاعلام – بغداد 1977
*نار القطرب – وزارة الاعلام – بغداد – 1995
*لم يعد يجدي النظر- دار الجمل – ألمانيا – 2005
*أمير من أور – دار الينابيع – دمشق -2010
*بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – وزارة الثقافة – بغداد – 2012
*كتاب التساؤلات بابلو نيرودا/ كتاب الاجابات حسين عبد اللطيف / ترجمة واعداد
سحر أحمد- دار ازمنة – عمان

القطرب السومري *
في رثاء حسين عبد اللطيف
فوزي السعد
أيها الهابطُ كالنيزك من سماء أور
أشهد أنك آخر ملوك سومر العظماء
آخر أيقونة في زقورات لكش
آخر نهار لفجر السلالات العريقة
أشهد انك آخر قطرب منير
في ليل سومر
حين قررت أن تطفئ نارك
ترحل عن عالمنا
قبل أن يجبروك على الرحيل
برصاصة قنّـــاص يترّبص بالحالمين
أو تتطاير أشلاؤك
بتفجير حزام ناسف
أو سيارة مفخخة
هكذا أ صبح عالمنا
في كلّ لحظة
يصطادنا الموتُ قبل الأوان
….
فارحل أيها القطرب السومري
ارحل سريعاً الى عالمك البعيد
وهناك إذ تسير
كن واثق الخطوة
ولا يأخذنّك الفزع الأكبر
حين تعبر – كما تقول أمهاتنا –
قنطرة الصراط المستقيم
إلى مثواك الأخير
فإنك ماكثٌ الى حين
في انتظار من يوقظ فوانيسك
يوقظك .. يوقظ سومر
لتؤسس
سلالتك الجديدة

* إشارة إلى أبرز دواوين الشاعر ( نار القطرب )

ضيف ليلة الجمعة
( في رحيل حسين عبد اللطيف )
مجيد الموسوي
فجأةً !
هكذا دون أن نتوقعَ
في لحظةٍ قرر الضيفُ أن يرتحل
لمَّ في عجلٍ ما تناثر
من بعض أوراقهِ
وحقيبته .
وأرتدى معطف الجلد , أسود
ثم استدار إلينا وغمغم مرتبكاً
كم أود المكوث !
ولكنني آسفُ
لم يعد لي
مكان هنا …
***
كان يبدو لنا مثلَ طير السنونو
وحيداً ومرتعباً يتوغلُ
في وحشة اللانهايات ..
أين ستمضي اذن
أيها الضيفُ
هذا مكانك
كن كيفما شئتَ
هذا السرير , سريرك
تلك الملاءة عابقة بشذاك
وعطر الكتاب الذي كنت تقرأ
يا أيها الضيفُ : مائدة الصبح مبتلة بالندى
والعصافير لما تزل بعد في غفوة الفجر
لولا تلبثت شيئاً
أما قلت
في لحظة الصفو :
” في الأرض ما يستحق الحياة
وفي الشعر ما يُشتهى من فضائلَ ”
…….
كان يلملم أوراقه ذاهلاً
ويشير الى جهةٍ
أو الى غير ما جهةٍ
دونما رغبة
ويرامقنا نظراً زائغاً
وهو يمسح عينين مخضلتين
أنا متعبٌ وحزين
ومحتدمٌ بالأسى
وبفوضى تطوّق روحي
ولكنّ ثمة طيراً غريباً أُلاحقه
ربما ذات يوم
يحطّ على كتفي
آمناً
ويغني …… !
…….
اذن هكذا أيها الضيف
ما عاد متسع للسؤال : لك الأرض واسعة
والفضاء المديد
خذ الزيزفون المشعشع
خذ زهرة الرازقيّ
التي كنت تعشقُ
خذ كتب الشعر
والشعراء
وآخر ما قد كتبتَ ..
…..
ولكننا سوف نذكر
انك كنت الأحبّ إلينا
وكنت الأليف الأحب
الوديع
….. وداعاً
وداعاً
وداعاً

تموز 2014

ملاعب الطفولة
في شعر حسين عبد اللطيف

شاكر حمد/ فنان تشكيلي وكاتب

[ سعيدٌ أنا الآن, موتي مريح ,
دعي الباب لا تفتحي الباب, وحدي
لمن تكتبين] من قصيدة الشاعر”أيها البحر يا راعياً يا صديقي”

من الحكاية الطفولية تولد الاسطورة الخيالية وترتدي ثوب الغرابة – الفن- وتُصاغ بالمفاجئات وتكتنز بالأشباح والمخلوقات المركَبة والعجائب . وترسخ في الذهن وبشكل تراكمي, أزلي, يقربها من التصديق والدهشة .
الشاعر حسين عبد اللطيف في –حكاياته الليلية- يعود إلى منطقة طفولته… يستذكر حاراتها وأسواقها، وباعتها الجوالين وقصص مشاهداته الاولى… يرى في ذكرياتها عودة إلى الحب الحقيقي إلى النار الخضراء فيدعوها ، يستدعي ذكرياتها:
[وأدعو الطفولة \لتجلس قربي \فما لي سواها، حموله\وما لي، سواها، متاع] -نار خضراء-
آثر الشاعر ان يجعل ذكريات زمن الطفولة حمولته الوحيدة ومتاعة في الدنيا، إذ يتذكر جولاته الطفولية في الأسواق البغدادية ورؤيته المآذن والقباب وتزاحم المارّة في الاسواق حول الباعة – وعروض البيع في محال الحلوى والفاكهة، وتحفظ ذاكرته منظر البطيخ مقطعاً إلى أضلاع – كل ضلع هلال- يقول ( في أحاديث بيني وبينه دفعتني للكتابة عن تجربتهِ الشعرية) كنت أعدّ هذه الأضلاع أحد عشر ضلعاً في كل بطيخة!! ويرى صينية الحلوى الملونة المقسمة إلى مثلثات وقريباً منها صينية العاب الحظ وما تحويه من أشكال متنوعة،( كانت تلك أولى مشاهداته للسوق الشعبي في الكاظمية بصحبة والده وهي المشاهدة التي أنطبعت في ذاكرتهِ الشعرية. وسنلاحظ مشاهدة ثانية مماثلة في حياتهِ لاحقاً وهي زيارتهِ لباريس وروما صاغها في قصائد لمرئيات الفن الأوربي) في ما بعد يشاهد الشاعر لوحةً لخالد الرحال تصور بائع الحظ (جقجه قدر) التشكيلة الملونة المتجاوبة مع الحس الطفولي , تلفت إنتباه كل الأطفال وتترك انطباعها في الذاكرة وتنمو صوراً وتراكمات وتداخلات صاخبة لا تفارق الذاكرة… صور راسخة عن مشاهدات الطفولة.
في ذاكرة الشاعر – أفعال- الصخب.. حركة الدوران, الفرارات، ودواليب الأعياد، العاب الزار وارضياتها الشعبية صارخة الألوان الشبيهة بلوحات موندريان وبول كلَي… وهكذا تلونت صوره الشعرية بالحس اللوني الطفولي لتلتقي في النهاية مع مؤثرات الفنون الأوربية التي شاهدها فيما بعد.
بيئة المدينة إمتدت إلى موضوع القصيدة وإلى شكل النص في تأثيرات انطباعية وعلامات تاريخية ثابتة ظهرت في نصوص كُتبت عن الطفولة وفي اخرى كرموز واستذكارات واشواق ، فأورد مقاطع من ترديدات الاطفال في قصائد تستعرض العالم الطفولي وفيها أصوات الأطفال ولغطهم اثناء اللعب.. إنها ودائع حقيقية لأزمنة الإلفة والبراءة.[تمر اللقالق \-زوراق ملآى زنابق-\ترى السرب منها يعود.\تر… آ… ه؟!\فقصِّر حبلك…\طوّل حبلك… آ..ه\يصيح الشقرّاق… آ..ه\جناحي\جناحي\…\وها أنا أبحث عن مقعد… أو حديقة\وعن موعد…أخلفته
] – نار خضراء-
النصوص التي تتجه نحو عالم الطفولة ذات التصميم الإستعراضي القروي المتسق مع مدرسة السيّاب، خاصة في تضمين النص ترديدات طفولية, وفي مشاهد استذكارية ومناظر أزمنة الطفولة، تدور, تلك النصوص, حول ملاعب الطفولة في حياة الشاعر, وذكرياتها وفي التقاطعات الحادة بين صور الحاضر وصور الماضي ما بين الصعود نحو عالم الطفولة وافراحها والهبوط إلى واقع الاحزان وحالة الواقع .

في أدراج منظومته الإستعارية طبقات من التاريخ والموروث الشعبي ومن الحكايات والامثال وبوظائف تعبيرية، صوتية، لونية ينقلها الشاعر بالحفاظ على نسيجها الحكائي نصّاً، في جذورها أرضية البيئة القروية وروحها، تبث الحياة في الزوايا المطلوبة ، بمثابة إنطباعات يتضمنها النص الأشمل, تركيب إنطباعي في قصائد بعينها.
استلهم الشاعر فكرة القصيدة – الطفولية- من حكاية أو ترديده يرددها الأطفال كما ورد ذكر البعض منها، وفي سياق مشابه يقلب الحكاية, الترديدة او الأغنية الشعبية إلى نسق بنائي باللغة الفصحى، وبين هذا الاداء وذاك فإن القصيدة تدور حول حكاية في مكانها وزمانها ولهجتها وما يتخللها من ذكريات، حكايات طفولية, رحلات في الاسواق، ذاكرته تحفظ مشاهدات الصبي الهزيل بصحبه أبيه لاحد أسواق بغداد ( سوق الكاظمية, كما روى لي عن ظروف كتابة هذه القصائد) فيذكر موجودات السوق , أًصوات الباعة وتعليقاتهم ومبيعاتهم، يرتبط السوق بروحٍ المدينة، إلفتها وعنفوانها وانفتاحها إذ لا مدينة ولا مدنية بدون السوق وضوضائه وملتقاه من كل الأطراف والمناطق، وقد تركت هذه المشاهد صورها في ذاكرة الشاعر، رؤيةً ولغةً وتاريخاً وتسيَدت على – تكوين- نصّه الشعري في القصائد التي يرفرف فيها جناح الذكريات فوردت المقاطع والجمل والإشارات التي تعود إلى مشاهدات [السوق].:
[النهارُ \ بذرائع \مكشوفةٍ \وأحابيل \تحت القناع] البداية.. النهار ثم روح السوق,النبرة الإعلانية, الذرائع المكشوفة والاحابيل السوقية واخلاقيات البيع والشراء والخداع والحيلة والشطارة, وفي توغل نبرة الباعة ولهجاتهم الى الشعر, نُطل على روح الدعابة ونمط الفنطازيا الشعبية..
[بائعٌ \بمكاييل للسمسمِ \صار يكتالُ (ماش) \كلما أقلبت امرأة \بعباءتها \صاح يا (أناناس) العلب \مُذ متى صرت في \علبٍ \من (قماش) ] يشير إلى اساليب الباعة بعرض ما يغري ويدفع للشراء ولكن يقدم البضاعة الأقل جودة كحكاية – السمسم والماش- في الأمثال الشعبية, ثم صوت البائع المبطن بالغزل والتحرش اللفظي كلما أقبلت إمرأة أسمعها صوته (يا أناناس) ويكمل جملته (مذ متى صرت في /علبٍ/ من (قماش)، ويقصد جسم المرأة المعلب في قماش بهذه التكنية الإعلانية السوقية.
في مكان آخر من هذه القصيدة يتذكر الشاعر – صبياً هزيلاً- وعمره يتضح من نطقه ولهجته… وفي النص قفزات زمنية، مرةً في زمن الطفولة ومشاهد السوق وأُخرى في زمن كتابة القصيدة، الزمن الداخلي وزمن السرد، يورد الشاعر في الزمن الأول صوراً من الإكتشاف يسميها- الانكشافات- وفيها عروض متتالية من تحويرات التعابير اليومية وقلب الحكاية إلى – الفصحى- والإستعارة المباشرة والتطعيم بالألفاظ اليومية لخصوصيتها الزمكانية في منسوق السرد ثم الطفرة الحكائية – سرد كتابة النص- زمانه وصوته الخاص ودرجته العليا من الوعي..فالصبي الهزيل الذي صحب أبيه في أسواق بغداد..[الصبي الهزيل \ أًصبح اليوم أُعجوبةً \ اذ أتى \ في الصباح على (مرطبان) \ كامل من مربى الأجاص] -السوق-
للنص الشعري, هنا, بيئة محيطية مادية ومؤثرات صوتية صاخبة, ينشأ عندها الفعل الشعري. الضوضاء الإعلانية تشكل البيئة المحيطية للنص الفنطازي الطفولي.. وهي مرحلة ومحطة شعرية مازحة كتب فيها الشاعر عددأً من النصوص لكنه إبتعد عن ممازحة ذلك العالم بعدما تسرب صوت الأنين الى شعره وتسيدت العوالم الليلية على ملاعب الطفولة ومن وحيها كتب قصائد يتغلغل في مناخاتها الخوف من الظلام وتصور مشاهد قروية ليلية وحكايات ينسجها رواة يسردون أفعال الطبيعة المرعبة للأطفال. وفي قصائد الطفولة تتجاوب المفردات الباعثة للخوف والمستجيبة للتلقي الفطري في تشبيهات وأسماء وأفعال وحركات وأصوات ومنظور عام لمشاهد ليلية تتحرك فيها أشباح تتلاشى تدريجياً في الظلام. وتتكون من حكايات تبدأ بلقطة لمنظر إفتتاحي يكشف الستار عن حدث غامض وإيحاء ميتافيزيقي صوري.

اطلعني الشاعر على قصيدة له بعنوان – مزمار الحمامة النائحة – قبل نشرها في “المنارة” العدد 386 -حزيران 2007 ، بُنيت القصيدة على صوت الحمامة – الفاخت- وهي تنوح في أعالي النخيل ومنها الترديدة التي يرددها الصبية في القرى تجاوباً مع صوتها الحزين… [ياكوكتي … وين أختي.. بالحله.. واشتاكل… باجله..] وكما في قصيدة –السوق- والنصوص الاخرى المستعارة، نقل مضمون الصوت والترديدة المرافقة له إلى اللغة الفصحى.
الترديدات الشعبية من مصادر منظومته اللفظية والصوتية والشعورية, كما هي عند السياب, وهي مصادر لمادة خام كالطبيعة ومركباتها، وبعد – التصنيع – في قوالب الفن الشعري وإعادة الصياغة يظل البعد الداخلي لمضمون – الترديدة- الشعبية حاضراً في قيمتها الصوتية, كما لاحظنا في قصائد سابقة تدخل في هذا السياق.
إستطعت أن أزعم بمعرفة شيء من جذور محاولاتهِ التجريبية في هذه البيئة الطفولية والدهشة المصاحبة لها, فقد تآلفت حزمة من العناصر الشعبية الفنطازية لتقف في النهاية عند أروقة الفن التشكيلي الأوربي الشعبي وبالذات عند لوحات بروجيل الأكبر وفي رسوماته عن الأمثال الشعبية الفلاندرية وعن ولائم الفلاحين والعميان الخمسة يقودهم أعمى. وقد تحولت اللوحات الى نصوص في قصيدة حسين عبد اللطيف الرثائية لصديقه التشكيلي الراحل أحمد الجاسم. والمعنونة ” أمير من أور”…

القصائد التي كُتبت عن الطفولة او إنحازت لعالمها … إعتمدت على نقطتين محوريتين، الأولى صياغة العالم الطفولي – البراءة الملائكية – وهو العالم الداخلي الحسي، والثانية وضع بؤرة – التهديد – الخارجي للعالم الاول.. ففي[ تحليق] و[الزبير] كانت التهديدات تأتي من الطبيعة… الذئاب ومحيط الليل والبرق والصحراء والوهاد والعقارب والمطر.
ترى أين يكمن الخطر في عالم الطفولة؟
في الحقيقة أن التهديد يكمن في إيقاع ما قبل ومابعد النص وفي وحدة الشاعر –الراوي- الذي يعيش عزلته الطويلة ويبحث عن عالم جديد- وطفولي- من الحرية والبراءة، عالم سيكون ملاذاً ليلياً للحكايات الاليفة، وفي معاناة وحدته.

إكتشف الشاعر ان جدلية( الحرية والخوف) هما ركيزتا منهجة الفكري الراسخ ورسم بموجب هذا التضاد خرائط عالمة ومنها خرائط عالم الطفولة محاطة بالمساحات السوداء وهي, الطفولة, تشعر بالاخطار، تعيش الخوف وحسب، والطبيعة البدائية, المبهمة, أحد مصادر هذا الخوف, وتنعكس سايكولوجية الخوف (التخويف) على معظم الحكايات الطفولية الشرقية.
في قصيدة [خدين] تصوير لعالم الخوف بدءاً من إحاطة المشهد بالإنذارات الليلية ورموزها وسوادها وأصواتها…
توحي البداية للوهلة الاولى بإنفصالها عما يجري في الخطوات التالية من – أحداث- ومظاهر:
[ما الثمرة /في الانكشاف /غير نهد الشجرة] وفي منسوق هذا المفتتح موعظة وأحكام فلسفية تحاكي النصوص المسمارية وتعاليم الكهنة، وتفتح الستار عن غموض محتمل( يستثني البؤرة الجنسية في رمزية الشجرة وفعل الإنكشاف)
بعدها يتحول الراوي نحو الليل وما يسمع فيه من صداح القبَّرات .. [تستيقظ القرى/ وتختفي بنات آوى في الطلول والمغاور المجاوره] وانكشاف السحره [يغوون مَنْ؟/ بسحرهم/ ترى.] ألقت -البداية- ظلها الغامض على مجمل الصور التالية.. إنحسار الليل، انكشاف وبداية ضوء جديد وتراجع السحرة.. المشهد منفصل عمّا يجري بعذئذ في نقطة – الذعر- الطفولية، الذعر لا يشير إلى مصادر أخطار مباشرة، كما هو خوف الأطفال في أزمنة التهديدات الخارجية التي يحسها الاطفال ولا يدركونها عقلياً، هي أقوى واكبر من وعي عالمهم، إن العالم الطفولي مصاب بردة فعل، إزاء الحاضر، فالحاضر هو مصدر هذا الخوف لذلك يبحث الشاعر عن – تسليات- لهذا العالم وذلك بالعودة إلى عالم آخر – كان- اليفاً مسالما وديعاً- في الأزمنة الماضية، غير ان البداية – المواعظ الغامضة-.. وضعت المؤشر الأول للتهديد بنقل منظور عالم الطفولة البريء الى ضباب سريالي.. والى مشاهد قروية تعود الى حكايات الجن والسحرة ومجاميع الحيوانات الليلية.. بالتالي فإن حالة الطفولة القادمة – المصابة بالذعر-ودونما أسباب واضحة ,كما يتضح من النص ,انما تعود الى محيط عام وشامل من الخوف في زمن الراوي الاول- الشاعر- لهذه الحكايات وتوصيفاتها: [بين يدي : ذعرةً \ خائفةً \ أضحك منها \ ضحكةً \مستتره \أهمس بالقول لها انصحها \ ماذا جرى؟ \ يا ذعرتي\ ماذا جرى؟ \ حتى تكوني هكذا…\ مرتاعةً \بل… حذره!] ثم يتنبه الراوي فيجد في [الخوخ الذي/ يعقد سراً سكره] وعداً لطمأنة الذعرة المذعورة :
[هنيهةً
نامي مع الخوخ الذي
يعقد سراً سكره
على يدي…
لا تجفلي ولا تفري طائرة]

…….

يضع الشاعر -الاطفال- في قلب الحكاية الليلية ويحيطهم بغاباته وصياح مخلوقاته المتوحشة كالذئاب والنمور ويعتمد الاصوات :-
[هذا صياح النمور
يأتي من الغابة
أعلى صياح النمور
أعلى من الغابة
تهتز منه الجذور تخاف اسبابه] عواء الذئاب ونباح الكلاب وصياء العقارب وفحيح الافاعي، أصوات الخطر في مجابهة الطفولة وتهديدها.
في – دوارة الرياح- يتقاطع الوداع الحزين في – الانا- المستطلعة للأخبار –تحملها الرياح- من مراكش ويختفي الفرح, يتقاطع مع سرب اللقالق التي حفظتها ذاكرة الشاعر من ترديدات الطفولة، لم تبرح الذاكرة, وتقفز بين الحين والآخر لتسد الفراغ [كان سرب اللقالق أخضر نشوان تحت القمر … يعبر النافذة] سرب، او سلسلة من الذكريات، السرب الذي تلاحقه أصوات الأطفال وتخيله الشاعر- زوارق ملائ زنابق-
الطيورُ تشغل الشاعر, إنبثقت صورتها من ترديدات طفولية, وتملأ ذاكرته بألوانها وأنواعها وإرتفاعاتها وانتظام طيرانها ولها حضور دائم في منظومة الأشكال الرمزية التي تؤلف عناصر الرؤية والتخييل و من خلالها، يعيد، ويستعيد النقاء الكوني للطبيعة لقد وجد في أسمائها وأجناسها تسميات وتجنيسات لكوامن داخلية يريد الإفصاح عن حقيقتها، عليه فكل نوع من الطيور له صورته الخاصة ,الإكتمالية ,الرمزية , التي تعبّر عن بعد آخر أو حالةٍ معنية، ففي سرب اللقالق رؤية الأمل في لحظات حلم عابرةً…
***
شبّه الأطفال في [تحليق] بالطيور أو الملائكة يهبطون باجنحة الخيال وجعل السحابة تهبط, كطائر, وتخطفهم وتنسحب. في قراءتنا المطولة عن الشاعر بعنوان ” ساحر الأفاعي” وجدنا ثيمةً سينمائية بتقنية أفلام الرسوم المتحركة لهذا النص المنفذ بالأسود والأبيض.

خضراوية سيد صالح
عبد الملك عاشور/ فنان تشكيلي
في ذلك اليوم وعلى ضفاف شط العرب، كنا جالسين أنت وأنا، بيننا طاولة تساقط بفعل الزمن، الكثير من لونها الاخضر، على الطاولة : هكذا تكلم زرادشت، الزا وعيون الزا، مملكة محمد خضير، مجموعة شعرية للشاعر كاظم الحجاج، للأطفال ان يحبوا ،كما يؤكد الأديب احسان السامرائي..
كنا نصغي الى ثرثرة الموج، كان الصمت أطول من الكلام،فنحن زملاء عمل، في دائرة حكومية واحدة، يداي ملطختان بأحلام فرشاتي ..وقلبك متناثر في قصائدك الباذخة..(أووف…أوف) قلتها بنبرةٍ خفيضة كأنك تقولها لنفسك،لكن ارتفعت نبرتها بفعل سقوط استكانة الشاي على قميصك الرصاصي..فمسحنا الشاي بقهقاتنا المشتركة، ثم برشقة ماء، ثم عدنا للهدوء نفسه ولشاي جديد لكلانا، فأنزلقت والاصح انزلقت ذاكرتك من جلستنا ،صوب البواخر الملونة والسفن القادمة من التوابل..(مهيلات) يترجل منها رجال ناحلون بسمرة داكنة، ثم أحسستك تعود صافيا مثل موسيقا تحبها، لحظتها مر بنا نورس يبشرنا بمقدومه، لحظتها رفعت رأسك يا صديقي ايها الشاعر حسين عبد اللطيف، في اتجاه زاوية 45درجة مع جذع شجرة يوكالبتوس..محدقا بكل مافيك من عمق الى تلك النخلة… نخلة منحنية كأنها تهمس
النهر، بكلامٍ خاص..نخلة ذهبها من النوع الذي نسميه (خضراوي) أما النخلة
فنحن نسميها (خضراوية سيد صالح)..أشرت بعينيك نحو النخلة ، ثم همست ْ
: يأتي يوماً ياعبد الملك وأنحني مثلها…
الآن…بعد غيابك الشرس، لماذا مثلت هذه النخلة أمامي؟ لماذا هي وليس ذلك
التاريخ المشترك بيننا.. ياحسين يا زميلي في مديرية(النشاط المدرسي) وصديقي الرائع ..هل تعلم ان هذه النخلة صارت قرينك، كلما تذكرت ُ الشط أو قصدته ُ (على الطرقات أرقب المارة)
ها أنا أعود الى (التنومة)، بزورق، أهبط من الزورق ،في ذلك المكان حيث جلسنا
،أخطو على رؤوس اصابع قدمي، مخترقا نبات الدغل الصغيرة، وطراوة الطين
كنتُ خائفا من حدثٍ ما …
سمعتُ أنينها، سمعتها تئن قبل رؤيتها من كثب، حقا
(لم يعد يجدي النظر)..فتحت خطوات طوال فوصلتُ إليها..
صرتُ في كنف (خضراوية) سيد صالح، رفعتُ رأسي نحوها، ثمة اصوات غامضة، ثمة إيماءات بين سعفها وكربها وتمرها ثم اتضح لي نواح..نواح فواخت
جلستُ في ظلها النحيل..مر بي نورس، هل هو النورس ذاته؟ أعني نورس جلستنا
تلك ؟ في ذلك اليوم الرائق؟ هاهو يفتح جناحيه ، يحلق على صفحة الماء،
ثم يعود ليحط على طرف سعفة يابسة ، فيسود الصمت..صمت..صمت… صمت
ثم يتساقط الحشف والرطب من العراجين، هاهي خضراوية سيد صالح نخلة آيلة للماء وهو في حالة مد ..نعم صار المد عاليا، تساقط الطين الذي يحيط جذور النخلة
أقصد ذوّبتهُ (المدّه)، هاهي الخضراوية، تفتح سعفتها لتحضن الماء..ليأخذها بعيدا
بعيدا..ليأخذها عميقا عميقا.. وهاهو صوتك ياحسين اختلط مع الاشياء
(حاشاك إلهي
لايعلو الماء سوى الماء)
———————–

تذكارات لآيام الشجن ..
الشاعر
حسين عبد اللطيف ..

احسان وفيق السامرائي

أيه أيها الشاعرالذي عليه ان يصمت
أن الكلمة لتبدو فرضا علي ألان ..
وأن ملاين الذكريات تلح عليّ الان..
بل اكثر من ملايين ..

” مالك حداد”

“وانتظر تك والليل الغارب بلا عودة ..
في ارض القطارات المنسية ..
يغرقني الالم فلا استجيب
كيف يبدو رحيلك الان ..
يا شاعر الظل والتذكارات والدموع ..
وألبوقات الحزينة ”
**
في العاشرة صباحا تردد صوته الرقراق ..
بعد ألافطار سأكون والدكتور عامر عندك ..
ولم لا تأتيان للافطار ..”برحيتنا الصغيرة بانتظارك ”
أصبحت صعبا .. فالطريق ألينا كهذا النهار يزخ بالعرق و التعب .. لا تنس ما طلبت من بحوث لآنني أعد ملفا جديدا عن “سعدي “ولك عندي مجلة ألمأمون ..كانت هجرة الفراشات جميلة ولي فيها ملحق صغير ..
لقد ترك”مقداد ” عندي .. “هدوء الفضة ” هي بانتظارك الليلة ..!

***
في الثالثة عصرا رن الهاتف ..
” صرخات أشعلتني بالخوف , أرعبني البكاء .. صارت البصرة غابة الخوف … التلفونات تتشابك ”
“غالبت الصراع والشك وعدت أدير ألآرقام..وأرتد الصوت الفاجع ..
أذا .. رحل شاعر الشجن والحقيقة والحب ..شاعر العذاب وألامال الدفينة ..

*”

” ماتت الذكرى على أعقابه ..وتلاشينا..وداعا يا غريب..”
– سلمى الخضراء الجيوسي-

**
وظل يتلوى مثل عصفور صغير .. غابت من عينيه الرغبة بالحياة ..
– يقرضنيي الالم ويحجب عني النوم ..
عندها همس لي الدكتور عامر السعد ..
حسين ..يرفض العملية و هذا حكم بالموت انه لا يستجيب لنا .. انت من يستطيع أقناعه !؟

“كنت مثل كاهن عليه ان يتلوا الاعتراف .فيقدم كاس ألشيكران ألسام لآحب ألاصدقاء ..”

***
كنا وحدنا بين الاعتراف بالقدر والمجهول ..
أرعبتني ملاءات المستشفى …لونها المبشر بالموت
وقد تحول لونه ألاسمر الى عشب اخضر دب به الذبول ..
والان يا حسين..أخائف أنت من العملية ؟
ليلتان والنزف في قلبي ..فالالم لايطاق…أعترف لك بالخوف ..
وكم ستستمر المقاومة ؟
“أشرت الى ممر المستشفى وما خلف الزجاجة المتسخة الفاصلة بيننا . ..
أحباؤك ينتظرون وسيظلون ينتظرون الموت ..
هل يرضيك ذلك ؟
“ابنته رسال ..محمد خضير والدكتور عامر
و الدكتور سلمان وعباس محسن و محمد صالح عبد الرضا وجاسم العايف وو ..”
“عاد يضغط بقواطعه على شفتيه من ألالم في أستيحاء”..
كانت القصيدة عندك.. تتحدى الموت فلماذا تنهزم منها ..؟
أتريدني ان أبقى رهين المكان بلا حركة ..؟
ومن سيتمم لنا ما بدأت..؟
“عاد يتلوى بالم ”
أتريد ان تتركنا وحدنا .. “نسيت” ..كنت تصب في روحي ألامل واليوم تهزمك ألالام ..؟
“انقلب على جنبه وتلمس يدي في رفق و أنتفض”.
” في عينيه رأيت البحر وشمسه وأصوات القطارات تنزف الجروح والدخان..”
لقد وافقت ..
” لحظتها رأيت العيون فرحة ملآتها الدموع ”
ثم ..
جاء اليوم الاخير ..
ها نحن نجوب أقاليم ألمدن
بورود من صنع ألايدي ..
ومصابيح ..
ها نحن على ألابواب ….نصيح
ألريح
الريح
ألريح
“دون جدوى “

“كان وداعه دموعا وأهات وقصائد بلا عناوين وعناوين تنتظر الرد ..”

—————–

أسى القصيدة
محمدصالح عبدالرضا
الى روح حسين عبداللطيف أخا وصديقا سبع وأربعين سنة

فوق موج من الشعر
كنت تنساب يا صديقي
وتوميء للعشب
ممتلئا بعبير الصداقة
هازئا بالدموع
تقلب أوراقك وتمعن فيها النظر
لتقتل وحشة القصائد
تتصفح آلامك الباقيات
مخترقا حقول الهيام
باكيا عذاب البشر
تتأمل عجائب تضيق بها الروح
وطيورا تحلق في سماء الكآبة
وأنت على تراب الأرض نجمة
ياشاعرا أضاء قوافل الشعراء
صديقا لكتاب ظل يقرؤه
ويتقن وهج الفرادة
منذ لامست الثرى
حملنا كل ذكراك
ونازعنا الدموع
وها اننا نحن اليك
على جنح حزن وحلم
أيها الهائم بالشعر
سوف تغني لك القصائد
بترانيم مثقلة الخطى
ونحن نرقب المارة على الطرقات
عساك تمر ولم تمر
ولكنك مررت على حدائق القلب
عانقت أعلى الغصون
وصرحت بالراحل الى البصرة
سلّم على أصدقائي
*بعض موادهذا الملف ،نُشِرت ْ في جريدة طريق الشعب / 20/ آب / 2014

في نعي لوزارة الثقافة الحمود: الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف قدم الكثير للثقافة العراقية والبصرية

نعى وكيل وزارة الثقافة طاهر الحمود الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف مبينا ان “الشاعر قدم الكثير للثقافة العراقية والبصرية “.وذكر الحمود في بيان تلقت وكالة كل العراق (المواطن) نسخة منه  “تلقينا بألم وحزن شديدين، نبأ وفاة الشاعر البصري الكبير حسين عبد اللطيف اثر نوبة قلبية”، مبينا ان “الفقيد كان واحدا من الشعراء الذين اثروا حركة الشعر عبر اسلوبه الخاص ونهجه الشعري الذي حمل ملامح تجديدية واضحة , فكانت مجاميعه الشعرية : أمير من أور / احادي القطرب / قصائد الهايكو / إنموذجا للخصوصية التي ميزت تجربة الفقيد الشعرية وافقها التجديدي المشهود”.وتابع ” ان الفقيد قدم الكثير للثقافة العراقية عموما والبصرية خصوصا عبر مساهماته الشعرية ورعايته للمواهب الادبية , فضلا عن تصدره للحركة الادبية وترؤسه لاتحاد ادباء البصرة في احدى دوراته”.وختم بالقول ان “وزارة الثقافة اذ تنعى الشاعر حسين عبداللطيف ، فانها تتقدم بأحر التعاري لاسرة الفقيد وزملائه من الادباء والمثقفين وتسال الباري ان يتغمده برحمته”.وتوفى الشاعر والاديب حسين عبد اللطيف  الخميس عن عمر يناهز 7٢ عاماً، وتم تشييعه من حشد كبير من المواطنين البصريين، في منطقة المعقل وسط البصرة” .

—————————

خبر رحيل الشاعر البصري حسين عبد اللطيف عن عمر ناهز الـ 69

البصرة – وارع- اعلن اتحاد الادباء والكتاب في البصرة ، عن وفاة الشاعر البصري المعروف حسين عبد اللطيف عن عمر ناهز الـ 69 عاما اثر مرض عضال.
وتمتد تجربة الشاعر حسين عبد اللطيف الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما اصدر خلالها خمسة دواوين شعرية ومجموعة من المقالات.
وشغل الفقيد منصب رئيس اتحاد الادباء والكتاب في البصرة قبل عام 2003 وكذلك شغل مسؤوليات عديدة في الاتحاد.

————————-

حسين عبداللطيف… نار القصيدة الخالدة لا ينطفئ

حسام السراي :

بغداد | كأنّ الشعراء يتحسّسون موتهم أو إنّهم يرسمون الطريق إلى الوداع الأبدي للحياة وللأحلام والانكسارات، بعضهم يمضي فجأة، وآخرون تضعنا محنهم وسيّرهم مع القهر والمرض، أمام تقويم الغياب الذي ليس لنا فيه إلا إحصاء أيّامهم المتبقية في مسلسل العد التنازلي لمعركتهم مع الحياة. نعم معركة، أو ليس العيش في بلاد الرافدين معناه توطيناً للإنسان في حرب لا نهاية لها مع الاستقرار والأمان، حيث مزاجيات العسكر وأهواء الساسة، منذ أن قيل عن هذه البلاد انّها غدت جمهورية!

رحل عن عالمنا، الشاعر العراقيّ المعروف حسين عبداللطيف (1945ــ 2014)، صاحب المجموعات الشعريّة: «على الطرقات أرقب المارّة» (دار الشؤون الثقافيّة في بغداد 1977)، و«نار القطرب» («الشؤون الثقافيّة ـ 1995)، و«لم يعد يجدي النظر» (دار الجمل ـ 2003)، و«أمير من أور» (دار الينابيع ـ دمشق 2010) ومن ثمّ كتابه الشعريّ الأخير «بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو» (سلسلة كتب بصريّة ـ وزارة الثقافة في بغداد 2012).
بدأ بكتابة قصائد التفعيلة في ستينات القرن الماضي، ساعياً إلى التفرّد بصوت خاص وسط جيل مجدّد ومتطلّع للتجريب والتحديث في شكل القصيدة. لكنّه كان يميل دائماً إلى كتابة تستمد روحها ممّا حوله، حين يحيل الصمت إلى جمل شعريّة، إذ اتضحت عزلة الشاعر ورغبته بأن يكون بعيداً عن فوضى المحيط العام في « نار القطرب»، وهنا نستعيد مقطعاً له: «بصيصٌ ضئيل/ يدخل الآن من فرجة الباب مرتجفاً…/ بعد ما الذكريات/ رحلت ـ وهي تحمل صرتهاـ/ بعدما السنوات/ أقفلت كلّ أدراجها../ واتّخذنا الدخان../ ساتراً لنا/ كي نغطي افتضاح الدموع..».
حملت مجموعته «أمير من أور»، ملامح لغة المغترب عن الواقع الذي يتأسّى على صديقه الرسّام والشاعر أحمد أمير على الطريقة الجلجامشية في رثاء رفيقه أنكيدو. ومّا يحسب لعبداللطيف انّه دائماً ما يطلّ على المشهد الأدبيّ بجديد حقّاً في الكتابة الشعريّة. على فراش المرض قبل عامين، أصدر قصائده الهايكو التي قال عنها «إنّها تنطلق من منظور ثقافيّ آخر له أعرافه وتقاليده الخاصّة وطابع توجهه العام، ومنسوقه اللغوي الخاص، الذي هو العربيّة هنا، بسياقاتها ونحويتها المتحكمة بطرق المعالجة، عند الكتابة بها وذلك بالتخفّف من شروط الصيغة اليابانية لهذه القصيدة ذات الثلاثة أسطر والمقاطع السبعة عشر التي ترد على النسق (7،5،5)، أي بطول النفس الواحد عند القراءة».
نعى الراحل «اتحاد الأدباء والكتّاب» في البصرة، منوّها إلى أنّه كان «صوتاً مفارقاً في الشعريّة العراقيّة وسبق أن ترأس اتحاد الأدباء واللجنة الثقافيّة في الاتحاد وتربّى الكثير من الشعراء على يديه»، ورثاه بيت الشعر العراقيّ ببغداد، عبر بيان جاء منه: «وداعاً لصاحب المسيرة الثرية في المشهد الشعريّ العراقيّ. وليست الاستعانة بكلمات الفقيد إلا سبيلاً لتجرّع هذه الخسارة، حقّاً يا ابن البصرة وشاعرها العميق: سنوات؟/ أم تلك ضرائبْ/ لمَطالبِها. ما من حد؟/ هل أملك نفسي الجمعة/ لأبعثرها السبت؟/ هل أختلق الذكرى/ كي أضرب صفحاً عن ذكر الغد؟» كما أبّنه الشاعر العراقيّ سعدي يوسف قائلاً: «في البصرة اليوم، رحل حسين عبد اللطيف الشاعر ذو الضجيج الأقلّ والنصّ الأعمق».
أهمّ ما يُشهد له، هو صلاته بالشعراء الشباب ورغبته الدائمة في محاورتهم وإبداء رأيه في كتاباتهم وتحريضهم على المواصلة في تقديم أنفسهم إلى الساحة الثقافيّة؛ لأنّه متابع دقيق وقارئ حاذق لنتاجات الأجيال الجديدة.
وإذ رحل قبل أيام بتأثير الجلطة الدماغيّة في «مستشفى الفيحاء» في البصرة، يغفو إلى الأبد بصمته المعتاد فيما كلّ ما هو خارج غرفته يصخب ويستعر.

———————-

حسين عبد اللطيف.. الموت الذي لايشبه القصيدة أبداً

علي حسن الفواز :

لا احسب ان رحيل الشاعر حسين عبد اللطيف عن عالمنا الصاخب والمريب كان رحيلا مطمئنا، اذ كان مسكونا بالخوف من ان تخذله قدماه للعبور، ومن ان لايعيش لحظة (ديموزي) في رحيله للعالم السفلي…
الشاعر كان ينظر للحياة بوصفها خلودا ساذجا، لم يشأ ان يغادر لأجلها أمكنته المثيولوجية، ولم يفكر بالبحث عن عشبة واهمة لهذا الخلود، جلّ ما كان يراوده هو أنوثة القصيدة، تلك التي تسكن قميصه، وتبادله الشغف واللذة والخوف، لذا كان يتوهم الرحيل اليها دائما، والعبور الى عتبتها الأكثر توهجا وغواية، اذ يصطنع لها جحيما ومطهرا وفردوسا، حدّ انه كان يتحسسها ليلا وهي تشاطره السرير والليل والعواء..
رحيل الشاعر حسين عبد اللطيف فيه الكثير من الفقد، ليس لأنه رحل مضطرا تحت سطوة عذابات موحشة تركت له الكثير من الوجع والشعر والاسئلة، بل لأنه ترك بعض قصائده عند حافة السرير مثل أصص النرجس، تلك القصائد التي كان يبادلها اغترابه وخوفه، والتي ستصاب بالعطب حتما، اذ لا ارث للشعراء الموتى..
موت الشاعر لايعني سوى ذلك الفقد، ولايعني سوى الذهاب الى حائط العائلة او المكتبة تلك التي توحي للاخرين بوجوده الغائب، رغم انه كان اكثر الشعراء هوسا بملاحقة الوجود عبر الاخرين من الشعراء الذين يعشقهم بحثا عن اوهام للخلود…
حسين عبد اللطيف كان يدرك وحشة الفقد، مثلما كان يدرك قسوة ان يغامر بالشعر وحده، وان يضع جسده إزاء حرائق وجودية لاتنتهي، لكنه كان متيقنا من ان هذا الشعر كان بعض خلاصه، وبعض اطمئنانه- حتى وان كان مغشوشا- فهو كثير الصمت وكثير القلق وقلق البحث عن شقوق اخرى في الجدران التي تحوطه..
منذ نشر حسين عبد اللطيف كتابه الشعر الاول(على الطرقات أرقب المارة) عام 1977 وهو يثير الانتباه الى تجربته الجادة، اذ تنحو قصيدته الأكثر انحيازا للنثر باتجاه التعبير عن اغتراب وجودي وعن نوع من الحساسية الشعرية إزاء تاريخ مهووس بشعرية الاصوات، ولعل كتابه الشعري الثاني(نار القطرب) المنشور في العام 1995 كان باعثا للكشف عن ملامح هذه التجربة التي تتشكل وسط اصخاب شعري عراقي وعربي، فالشعراء الستينيون يبحثون عن وجوه اخرى للكتابة الشعرية، وشعراء بيروت اكثر احتشادا بأوهام التناصات الشعرية واسئلتها المرعبة والباحثة عن بهجات سرية للجسد والقصيدة والمكان، وبين هذا وذاك كان حسين عبد اللطيف يلملم لغته الشعرية بخجل الجنوبي المصاب بهلع الأمكنة، بحثا عن لحظته الخاصة، عن لغته الواهبة للتفكير والسكنى، عن صوته العالق بهواجسه، وباحلامه التي ظلت لصق اسطورة المكان البصري، ومثيولوجيا الشغف الحكائي الذي نهل منه السياب والبريكان كثيرا..
حاول حسين عبد اللطيف ان يكتب قصائد اخرى لتكريس تجربته الشعرية، ولتوكيد ما انجزه في مشروعه الشعري غير المكتمل، فكتب كتابه الشعري الثالث ( لم يعد يجدي النظر) وكتابه الشعري الرابع( أمير من أور) واخيرا وتحت هاجس الاحساس بالموت كتب هواجسه الشعرية في كتاب يحمل الكثير من ارهاصاته بالنص المختلف، اذ كتب مجموعته الشعرية(بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة- متوالية هايكو) في العام 2012. وكأن هذا الكتاب/ المجموعة كان يعبر عن قمة الفقد الذي يساكنه، اذ تجوهرت كتابته في النزوع للكثافة الشعرية، ولإيجاز الجملة والفكرة، فجسده المضنك بالوجع لم يعد قابلا للتمدد خارج الصوت الشعري، وروحه اللائبة بالخسارات لم تعد قادرة على تحمل القصيدة التي ترحل مثل سفائن البحارة، وبذا وجد في قصيدة(الهايكو) المختصرة ومضته اللامعة إزاء الحياة والوجود والأفكار التي تضج تحت قميصه..
موت حسين عبد اللطيف سيترك حتما فراغا من الصعب اشغاله بالتذكر، ليس لأنه صوت مميز بتجربته وحضوره حسب، بل لأنه كان ضاجا باليوميات الثقافية البصرية وحاضرا في مشغلها وذاكرتها، ورغم صمته المعهود الاّ انه كان مسكونا بالعاصفة والشغف بحضور القصيدة التي تهمه كثيرا، اذ تعني هذه القصيدة الوجود واللذة والفكرة والاحساس بان العالم صالح للتفكير والمعيش..
هكذا يرحل الشعراء في عالم مابعد الحروب، عالم لايصغي لاحد، بل يكتفي بالعطب والفقد واطلاق الشياطين لكي تعابثنا بالمراودة القاسية، بالاخطاء التي لانطيقها، بالاكاذيب والفؤوس والاسماء والعناوين التي لاتفضي لامكنة الاطمئنان ابدا..

———————

حسين عبد اللطيف سراج الشعر الذي انطفأ مبكراً

شاكر فريد حسن :

قبل أيام انطفأ وغاب عن الحياة الشاعر البصري العراقي الجميل حسين عبد اللطيف ، الذي توقف قلبه عن النبض والخفقان بعد معاناة مع مرض السكري ، وبعد أن حفر حضوراً ثقافياً مميزا في الحياة الأدبية والثقافية البصرية والعراقية . وكان حسين يدرك أن الرحيل أزف والنهاية قد اقتربت ، فيقول في قصيدة له وكأنه ينتظر موته :
أسدلوا الستائر
هو وحده
من يمتلك وضع اليد
على كل شيء ،
أوصدوا الأبواب ،
الوقت قارب…،
العربة أوشكت …،
ليلبث حاملو الزهور ملياً ،
كي يغنوا لي أغنية السلوان
ويمجدوا رحيلي .
حسين عبد اللطيف شاعر عراقي هادئ ، وصوت أدبي خاص ومتفرد مميز بتجربته وحضوره ، من جيل الستينات . أنه شاعر الصورة والكلمة والدهشة ، الذي لم يعرف نرجسية الشاعر التي تتجلى لدى غالبية الشعراء والمتأدبين ، ولم يتقن فن العلاقات العامة ولا التسويق الأدبي ، ولم يلهث وراء الشهرة والنجومية ، بل فضل العزلة والابتعاد عن دائرة الضوء الاستعراضية والاشتغال على قصائده . وهو من الأسماء الشعرية والنقدية الفارقة في المشهد الثقافي الأدبي العراقي ، وقد أسهم بإضاءة ورفد الشعر وحركة النقد الأدبي العراقي بجهوده ومنجزه الشعري والنقدي ، ورغم عزلته القسرية كان حاضراً بقوة في الحياة الثقافية العراقية ومؤثراً فيها .
وبالرغم من أن حسين كان مقلاً في النشر لكنه أثار اهتمام الكثير من الكتاب والنقاد والدارسين ، وكان له منزلة ومكانة خاصة واحترام وتقدير خاص بين مجايليه ، فكتبوا عنه المقالات والدراسات والمداخلات ، ومن بين هؤلاء  : فاضل العزاوي ، طراد الكبيسي ، أديب كمال الدين ، شوقي بزيع ، عبد الكريم الكاصد ، حيدر عبد الرضا ، مقداد مسعود وغيرهم .
وإلى جانب مساهمته على مدى عقود في إثراء ورفد الحركة الشعرية العراقية والعربية بقصائده المخملية الناعمة ، كان لحسين اهتمام في النقد الأدبي ، وله في هذا المجال الكثير من الدراسات والمتابعات النقدية المنشورة في الصحف والمجلات والأدبيات العراقية والعربية المختلفة ، وساهم في تشكيل وعي نقدي، ورعاية وخلق جيل مميز من الشعراء العراقيين .
ولحسين عبد اللطيف خمسة دواوين شعرية شكلت إضافة نوعية للقصيدة العراقية المعاصرة ، وهي : ” على الطرقات ارقب المارة ” و”نار القطرب” ، و”لم يعد يجدي النظر ” و”أمير من أور” ، و”بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو ” .
حسين عبد اللطيف شاعر مجيد ومطبوع مخلص للقصيدة والهم الشعري ، لم يتأثر بالمألوف والشائع في المشهد الشعري ، وطوال أربعة عقود من الزمن عمل على تجديد أسلوبه وأدواته ولغته الشعرية والاشتغال على قصيدته المكتنزة بالمجازات والصور المبتكرة ، ولم تكن وقود شاعريته وشعره بسبب تجربته الوجدانية والإنسانية الملتهبة بفقدان ابنه فحسب ، وإنما كان مبعثه الظروف الخاصة والأحداث السياسية التي عاشها وطنه العراق ، بلد النخيل ودجلة والفرات ، فتأججت شاعريته ، والتهبت عاطفته ، وتضاعفت حساسيته ، وحملته على الشكوى والبكاء والإحساس بالحزن والألم والقلق والعذاب .
وقد جاءت أشعاره ، التي سكب فيها ذوب مشاعره وعميق لواعجه وعصارة قلبه ، مشحونة بعاطفة قوية صادقة ، مليئة بشدة الإيحاء ، ومغلفة بألفاظ وتراكيب تتسم وتتصف بالقوة والجزالة . ومن يقرا قصائده يلمس أنها قصائد حزينة شفافة ونقية كقلمه ونفسه ، فيها البوح والحلم الشعري ، ومشبعة بالوجد والوجع الذاتي والوطني والشعور القومي والإنساني والوجداني .
حسين عبد اللطيف بحق وحقيق شاعر مبدع قدير ومميز ترك بصمات واضحة وملموسة على حركة الإبداع الشعري العراقي ،وإذا كان غاب جسداً ، فسيظل حاضراً بروحه وأشعاره في الأذهان والذاكرة العراقية  ، وفي وجدان المثقفين والمبدعين العراقيين والعرب وكل محبي شعره .

———————

قالوا عن حسين عبد اللطيف

يوسف زاير :

حسين عبد اللطيف يرحلُ ناراً خضراء

في البصرة

اليوم

رحل  حسين عبد اللطيف

الشاعر ذو الضجيج الأقلّ
والنصّ الأعمق …,

نارٌ خضراء

قطار الحمولة
قطار الليالي
قطار السنين الخوالي
إلى أين تمضي بركّابكَ الميّتين ؟

حسين عبد اللطيف

سعدي يوسف

اليوم رحل أخي وصديقي الشاعر حسين عبد اللطيف صوب الوهاد، ولن أراه. يا لأحزاننا التي لا تنتهي!

قصيدته: إلى أصدقائي

من أجل اصدقائي
الأحياء
منهم
والموتى
أوهم نفسي :
الرياحُ تنشدُ أغنيةً
وتبدّدها المنعطفات .

ديونك مستوفاةٌ أيها الندم
وكذلك ديوني

من أجل أصدقائي
الراحلين الأحياء
والراحلين الموتى
من أجل أصدقائي قاطبةً
أربّي زهيرات الأسف
راحلاً
مع القطيع
على دراجةٍ هوائيةٍ
صوب الوهاد.

حسين عبد اللطيف

عبد الكريم كاصد

“الألعاب النارية انتهت / آه : يا له من خواء!/ ويا لها من ظلمة!”
انها الحياة التي تركتها ايها الشاعر.. العراق ليس فيه غير الالعاب النارية
ارحل واتركنا للنار

مازن المعموري

وداعا معلمنا…….
حسين عبد اللطيف معلم الكثير منا، حيث اسس في اواخر ثمانينيات القرن الماضي وحينما كان مسؤولا للشؤون الثقافية في اتحاد الادباء والكتاب في تلك المدة تجمعا ادبيا لعدد كبير من الادباء الشباب حينها تحت اسم (ملتقى الجمعة الادبي)، كانت جلساته تقام صباح كل جمعة قدم خلاله وجوهاً كثيرة من مبدعي تلك الحقبة الشباب (شعراء، وقصاصون، ونقاد.. الخ) والذين لمع نجمهم بعد ذلك وظهرت اسماؤهم في الساحة الادبية، اذكر منهم (جابر خليفة جابر، وعبد السادة البصري، وطالب عبد العزيز، وعادل مردان، ولؤي حمزة، وكريم جخيور، وعبد الغفار العطوي، وخالد خضير الصالحي، وعبد الامير محسن، وعبد الرزاق منهل، وعادل علي عبيد …….الخ) والقائمة تطول….. لقد كان حسين عبد اللطيف مشرفا ومتابعا على هذا الملتقى وناصحا ومصححا وناقدا مخلصا للادب والابداع، حريصا على هؤلاء الشباب ليكونوا نجوم المستقبل في الابداع البصري العراقي وتحقق حلمه في ذلك.. ظل يتابع كل نتاجاتهم في تسعينيات القرن الماضي وحتى بعد الالفية الثالثة وليوم رحيله هذا. الشاعر حسين كتب القصيدة المغايرة وجدد فيها من خلال دواوينه (على الطرقات ارقب المارة، ونار القطرب، وامير من اور….. الخ) فضلا عن كتاباته النقدية ومتابعاته الصحفية الثقافية وارشفته لكل انتاج بصري وبالاتجاهات الابداعية كافة.
شغل حسين مسؤولية الشؤون الثقافية في اتحاد ادباء البصرة منذ الثمانينيات ثم رئيسا للاتحاد اواخر التسعينيات ولغاية 2003… عانى كثيرا من مرض السكري ودخل المستشفى اكثر من مرة وفيها بترت اصابع احدى قدميه. رحيله خسارة كبيرة للابداع البصري بشكل خاص والعراقي بشكل عام…. الرحمة والنور له والمغفرة والذكر الطيب.

عبد السادة البصري

مع عام الناس هذا تكمل صداقتنا ربع قرن من الزمان، زمان الكلمة التي منحتني معنى يصعب تعلّمه، معنى الكتابة التي لا تقول أكثر من روحها على الورق، ورق ارواحنا الذي أكلته دودة السنوات. مع موت حسين عبد اللطيف ـ إنها ليلتك الأولى، هناك، يا صديقي! ـ ينطفئ سراج آخر من سُرج الحداثة ـ الصامتة وشبه السريّة ـ في الشعريّة العربيّة، سراج زيته روح مدينة البصرة العجيبة وهي تحيا، منذ خُلقت، تناقضها العظيم، الأغنى بين مدن الله والأكثر فقراً وذلّة. لن ينتهي درسك يا صديقي، حتى وأنا أطل على مشهدك الأخير لأراك مسجى على البلاط الأبيض، يداك مربوطتان وعيناك مغمضتان، لكم آلمني أن أرى عينيك مغمضتين بعد كل ما رأيت، العينان اللتان شهدتا عذاب القرنفل والبرتقال، هل ينتهي عذابهما، كما أنشدت، في ذهب العائلة؟..
” ها أنت ذا الآن، على الجانب الآخر من المرآة، حيث لا يمكن لأحد أن يصلك على الاطلاق..”
ـ نم هانئاً، كما لم ينم شاعر قبلك، يا صديقي.

لؤي حمزة عباس

كنت أبخسك حقك حين أصفك بالجنوبي فقط، في الوقت الذي تبدو فيه أقصى من ذلك، لا بل أقصى حتى تخوم الفاو وخليج البصرة.. كنت أعلم وأنا اقرأ ” نار القطرب ” الذي عثرت عليه في خرائب اتحاد الأدباء بعد عام 2003 أني في الطريق إلى قلب شاعر يمثل نخاع المدينة وجذر النخلة التي ستنمو في قلبي.. وأحببتك منذ أول لقاء، أحببت روح الفكاهة ونكهة أن أجالس نهرا من الطيبة وصفاء السريرة وعمق التجربة.. وداعا حسين عبد اللطيف..

قبلة لقامتك التي ستوارى الورد وتحوطها هالة الشِّعر في مكان آخر، غير هذه الأرض التي رفضت ان تقتطع شيئاً منها لتهبك مسكناً.. ورفضت أنت أن تُقطع قدمك فتكون حصتها منك ناقصة حتى رحلت إليها دون أن تُشفى من حب هذا الجنوب الأقصى الذي سكنك.. هذا الجنوب الأقصى والأقسى على الإطلاق!

ضياء جبيلي

ما لا أصدقه من امر وفاة الأخ والصديق الشاعر حسين عبد اللطيف انه اتصل بي صباح امس. الاربعاء طالباً مني الكتابة لسعدي يوسف بشأن مادة بخط يده لملحق جريدة الذاكرة البصرية الخاص بسعدي، الذي يعمل على إكماله مع د.عامر السعد، كنت سأكتب لسعدي اليوم بذلك لكن الموت عاجله صباح الخميس. يا الله رحل حسين عبد اللطيف وسترحل معه ذاكرة كاملة، ما عند حسين ليس عند احد منا. كان اعرفنا بالشعر، اطيبنا قلبا، اكثرنا تعلقا بالحياة. ماذا سنفعل بقصائدنا بعدك يا حسين عبد اللطيف. أيها المعلم الشاعر.

طالب عبد العزيز
—————————-

الشاعر حسين عبد اللطيف يتعالى على آلامه بمتوالية هايكو في ديوانه الجديد:(بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة)

جميل الشبيبي :

تمتد تجربة الشاعر العراقي حسين عبد اللطيف الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما اصدر خلالها خمسة دواوين شعرية ومجموعة من المقالات ،وكان خلالها يتأمل حياته وحياة الناس من حوله، ولم يكن ديوانه الأول (على الطرقات ارقب المارة ) الصادر عام 1977 هو بداية طريقه الشعري ، بل أن نتاجه يرقى إلى منتصف الستينيات ، غير أن الظروف الصعبة التي عاشها مع مجايليه من الشعراء والمثقفين البصريين ، في الهامش المهمل من الثقافة العراقية كان سببا في تأخر ظهور نتاجاته الأولى ،وخلال ثمانية عشر عاما ابتداء من عام 1977 لم يصدر لهذا الشاعر سوى ديوان واحد
، في حين كان الشاعر دائما في قلب الحدث الثقافي والأدبي ، قراءة ونشاطا ثقافيا يشهد له به عشرات الكتاب البصريين الذين قرأ أعمالهم وشجعهم على الكتابة ، وكان يتوسط لهم لنشر نتاجاتهم في الصحف والمجلات العراقية بشكل خاص ، وبهذا المعنى نستطيع أن نؤكد أن معظم أدباء مدينة البصرة ممن ظهرت نتاجاتهم منذ نهاية السبعينيات وحتى وقت قريب كانوا قد استفادوا من تجربة هذا الشاعر ومن نصائحه وتصحيحاته لنتاجاتهم ، وبذلك يكتسب الشاعر حسين عبد اللطيف مكانة خاصة في المشهد الأدبي والشعري في البصرة بشكل خاص ،ويمثل نتاجه الشعري عصارة حياة ثقافية ومعاناة في استخلاص جوهر الشعر من خلال النأي عن اليومي والمألوف ،باستثمار لغة شعرية تكتنز بالمجازات والصور المبتكرة ،وباطلاع واع على منجزات الشعر العربي والتأثر بترجمات الشعر الغربي ، في مزاوجة اتضحت معالمها في دواوينه الصادرة وخصوصا ديوانه الثاني (نار القطرب -وزارة الإعلام -بغداد 1995).. بالعبارة القصيرة تبلغ المسافة الطويلة
في ديوانه الجديد (بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة -سلسلة كتب بصرية -وزارة الثقافة بغداد2012) – متوالية هايكو- يكتشف الشاعر حسين عبد اللطيف في قصيدة الهايكو فضاء رحبا، يتيح له حرية التأمل والحوار مع الذات بعلاقتها مع الطبيعة بعيدا عن منغصات الحياة والآلام المبرحة التي عانى منها كثيرا، وقصيدة الهايكو -كما كتب عنها مترجموها إلى العربية -هي قصيدة بثلاثة أبيات فقط تجسد فلسفة البساطة والشاعرية وتصوير اللحظة وتوقف الزمن من اجل التأمل ،التي اشتهرت بها فلسفة الزن اليابانية وهي تختلف عن كل أنماط الشعر العربي والغربي ويكمن هذا الاختلاف حسب رأي الشاعر محمد الأسعد احد مترجميها الأوائل بكونها ( تتجنب الأساسيات العزيزة للجمال الشعري المألوف : التشبيه والمجاز وتجريد الملموس وتجسيد المجرد ، وتتمسك بتسمية الموضوع (موضوع الخبرة) مباشرة . وهي تتجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء . فالإنسان ليس مركزا بل هو خيط في شبكة كلية ، وكذلك بقية الموجودات من تراب ونبات وحيوان ونجوم وسديم( .
ويصف الشاعر حسين عبد اللطيف تجربته هذه التي تغترف من أجواء قصيدة الهايكو بأنها (ومضات ) أو توقيعات (على مثال الإمضاءات التي يوقعها المعجب بهم لمعجبيهم في الاتوجرافات (….) ومن هنا قصرها وتشبهها بضربات القلب أو اقترابها من قصيدة (الهايكو) اليابانية).أذن هي ومضات أو ضربات قلب بقصرها وكثافة لغتها ووضوح الصورة فيها . ومن مميزات هذه المتوالية أنها تستفيد من منجزات قصيدة الهايكو اليابانية حين ترفض الصيغ البلاغية وتميل إلى (الوضوح في اللغة والموضوع ص7)وتهتم( بالصفاء والتناغم مع الوجود أو التلاشي فيه مفضلة الابتعاد بكلماتها عن الاصطفاف وعن الاستبدال بأخرى بديلا عنها ص7).كما يؤكد في مقدمته لمتواليته.
إن ابتعاد الشاعر حسين عبد اللطيف عن الصيغ البلاغية في القصيدة العربية أو المجازات والصور التي أصبحت مكررة في قصيدة النثر العراقية الحديثة ،هو نزوع شاعر باتجاه فضاء فسيح يتيح لتجربته وخبرته الطويلة التفتح على لغة قادرة على احتواء هذه التجربة التي تحمل خفايا نفس وأسرار ومعان تحتاج إلى قراءة متأنية ، كما هي حال قصيدة الهايكو إضافة إلى أن (توقيعات) هذا الشاعر تحاول أن تتخطى لغتها ومجازاتها وصورها باتجاه قصيدة الهايكو ذات الثراء البصري والجو المتناغم لونيا وصوتا ، بالاتجاه إلى الطبيعة ،باعتبارها مركزا وفضاء غير محدود.
وفي ديوانه الجديد تظهر قدرة الشاعر حسين عبد اللطيف في البوح الشعري ، وتبدو فيه ثقافته وتشبعه بأجواء الشعراء الأجانب إضافة إلى شعراء العربية واضحة في هذا الديوان .
انفتاح أفق الألم على مظاهر الطبيعة يشيع العنوان (بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق لقالق ميتة ) بنية مغلقة على حياة آفلة ،مشبعة بالإحزان تتجسد في هذه الصورة الشعرية التي يدشنها هذا العنوان :متوالية من أسراب لقالق ميتة ،يحتشد بها الأفق، تشبه جثامين ملفوفة بقماش ابيض تظهر وتختفي في فضاء هذه القصائد ، لكن الشاعر يكسر جهامة هذا الأفق بالانفتاح على عالم الطبيعة الذي تتوارى فيه مظاهر الذات ومنغصاتها ،وراء نصاعة ووضوح احتفال الكائنات بحياتها ،بذلك التناغم الحي بين مكوناتها:
1-
كل شيء مفعم بالضياء شجرة الكرز ، الثلج
أغنية طائر الليل
و…
وعاء الحليب
2-
كم هي رقيقة أزهار الكرز هذه!
حتى أنها تسقط متناثرة من قرع الأجراس
3-
أمام الخريف تقف الأشجار موديلا عاريا
4-
في باطن الأرض
ينقبون عن الياقوت
وهو يتوهج في عذق النخلة
ولا يكتفي الشاعر بالاحتفاء بموجودات الطبيعة وتمجيد تضامن كائناتها ،بل انه يعرض للانتهاكات بين كائناتها بطريقة ساخرة ، تجعل من هذه الانتهاكات لعبة من العاب الطبيعة.:
العقق الأب
يضع الأرنب بين مخالبه
يبدو أن العقائق الصغار
ستحصل على درس في التشريح
أو :
صاحت الشجرة بالحطاب
وهو يخرج من الغابة بحزمة من أغصانها:
-عظامي
-عظامي
وفي قصيدة أخرى :
آه يا لمشط(الواوي)
من مشط
يرجل به
ريش الدجاج
وإذا كانت قصيدة الهايكو ترسم مشاهدها بشكل مباشر يشي بالتأمل والسكون ودون حاجة إلى لغة استعارية ، فأن الشاعر ينحو إلى كسر رتابة هذه الجملة الشعرية بالمفارقة الساخرة مرة أو بتشكيل علاقة مع الذات مرة أخرى ليبعث الحركة والحياة في هذه الجملة الشعرية التي تعاند للحفاظ على شكلها الساكن ،تماهيا مع الشكل المألوف لقصيدة الهايكو:
نعيب الغراب قطار يرحل آخر الليل مخلفا شريطا من الدخان
حيث يشبه صوت نعيب الغراب بالقطار ليشير إلى حركة باتجاهين متعاكسين: الأمام والخلف،وليرسم صورة مبتكرة ،يستبدل فيها الغراب بالنعيب وكأن النعيب سرب من الغربان السود.
وفي قصيدة أخرى تعقد علاقة سبب ونتيجة ،في تشكيل صورة مألوفة ومعروفة للخنجر ولكنها مفارقة باتجاه تأويل تكشفه علاقة الكلمات المتناحرة والمتآلفة في آن :
لان الجريمة
تثقله
تقوس ظهر الخنجر
وانحنى
أو هذه المفارقة الدامية :
الطعنة ..قبلة المدية
والجرح :
احمر شفاهها
أما الصور الشعرية الشفافة التي تشي بقدرة فائقة على التخييل فأنها كثيرة في هذه المتواليات الموقعة :
ندبة سوداء
غراب يحط هناك..
في الثلج
أو:
هلموا
هلموا أريكم زهرة
كنور القمر
أو :
مالك الحزين
يطير فرحا
بكلته الثلجية
قصيدة الهايكو فضاء للفرح والتفاؤل
لقد منحت قصيدة الهايكو الشاعر فضاء جديدا استقبل الحياة من خلالها بنافذة تنفتح على جمال الطبيعة بمشاهد تتجلى فيها مظاهر ذلك الجمال بجمل شعرية اكتنزت بالعديد من الصور المبتكرة التي أسهمت في انفتاح تجربة الشاعر على عالم التأمل والجمال بعيدا عن آلامه وحزنه المستديم بعد أن فقد ابنه البكر وتعرض إلى عملية بتر إحدى أصابع قدمه إضافة إلى الآلام الكثيرة التي يسببها إنصاته وتفاعله مع حياة الناس الشائكة في وطنه ، غير أن ذلك لم يكن سببا كافيا كي يتخلص من تلك الآلام والإحزان فجاءت في هذا الديوان مشذبة ومكثفة وبعيدة عن الشكوى والرثاء المر الذي كان واضحا في قصائده التي نشرها خلال العامين الماضيين، وبذلك استطاع أن يعبر بحر المرارة والألم في ديوانه هذا ،من خلال عقد علاقة ألفة وحب مع الكائنات التي تحيط به ، مستثنيا الآخر الإنسان من هذه الألفة والحب بمجموعة دافئة وحميمية من هذه التوقيعات :
نعاق الإوز البري
وهو يرحل عائدا
يترك في نفسي ذكرى أليمة أو :
أرد يدي
إلى جيبي
فلا احد لأودعه
وعندما يستعيد ذكرى ولده الراحل ،(ظلي الذي لم يمتد طويلا ليظللني ..(حازم) تأتي الذكرى على شكل توسل أو نداء إغاثة موجه إلى (اورشنابي)الملاح الذي ساعد كلكامش في عبور نهر الموت في ملحمة كلكامش مرة وب(ييتسو jizoمرافق الموتى في الأساطير اليابانية مرة أخرى كي يلتحق ولده برحلة الخلود الأسطورية ، بعدما كانت رحلته في الحياة رحلة الم ومعاناة :
في هذا العالم ما اشد ما تألم
فاحمله بقاربك بحنو ولطف
اورشنابي
ثم وهو يخاطب ييتسو jizo شبيه ( اورشنابي)في الاساطير اليابانية :
في الدنيا أدمته الأشواك
احمل عزيزي على كتفك
بلطف ييتسو

——————–

الشاعر حسين عبد اللطيف في- نار القطرب-

حمزة الحسن :

الشاعر حسين عبد اللطيف هو احد شعراء الصمت والغياب والعزلة والنسيان، لكنه المغني الابهي في حفلات العشق والذبائح، وحين يخلو المهرجان يوما من الطبول والضجيج والدخان وحفلات الشرطة والوشاية، سيكون حسين عبد اللطيف احد الذين يجلسون في ملكوت الشعر وفي يده وردة وخبزة ونبيذ وعلى مقربة منه اراجيح الاطفال الفقراء وهم يغنون للمطر مع مزامير من اللبلاب.وحسين عبد اللطيف الذي لايذكره احد، وربما لا تعرفه غير نخبة الشعر، فضل
الانزواء، وعزلة الذئب، لكي يظل يتذكر مع الشاعر “ريلكة”  تلك الشجرة على المرتفع ونزهة الامس.وهذا الشاعر هو احد شعراء جيل الستينات القلائل الذين كان الشعر ولايزال عندهم طقسا نقيا ونظيفا وسريا كممارسة الحب او سماع الموسيقى أو الاحتفال بمرور غيمة أو ولادة طفل أو ولادة ريح..ولم يذكره احد طوال هذه السنوات سوى الشاعر والروائي فاضل العزاوي ذكرا عابرا في كتابه القيم” الروح الحية”..ربما لأن العزاوي لم يعد يعرف شيئا عن حسين
الذين انقطعت اخباره تماما  وفضل العيش وحيدا ونائيا في عزلة تشبه عزلة نجم بعيد أو شرفة لا تريد النزول الى اعراس المقاولين او كتاب الوحل أو كتبة تقارير هنا أو هناك تنظر لهم بكل انواع المجاهر والمكبرات وعدسات النجوم البعيدة فلا ترى غير التراب والنمل والحذاء.وديوان حسين عبد اللطيف” نار القطرب” الصادر في بغداد عام 94، يعد احد الدواوين الشعرية التي خقلت للشعر العراقي الحديث توازنه الدقيق بين الهشاشة وبين الابداع، وبين الحرفة وبين الموهبة.في استهلال ـ نار القطرب، يستشهد حسين بمقولة ريلكه:”من لا يبني بيتا الان، لن يبني بيتا فيما بعد. من هو وحيد الان، هكذا، طويلا سيبقى”.  وقصائد حسين  هي نشيد حزين وشفاف ونقي كحجر بحيرات المساء، وهي قصائد
البوح، والحلم، واشعار الذبائح.الم يستشهد ايضا بمقولة بورخيس:” للاسلاف من دمي وللاسلاف من روحي قربت ذبائح من اشعار؟”.   واحتفالية جديدة بشاعر الغياب والرمل والريح والنسيان والامل، وقبل ان نرثيه يوما وقد صرنا نعتاش من المراثي، فلا نرى غير جثة الشاعر حين يموت، ونشارك في قتله حيا بالنسيان أو بغيره، ونمشي في جنازته كما فعلنا مع البريكان ورياض ابراهيم، ولكي نهدم الحواجز البوليسية بين ادب الداخل وادب الخارج، ولكي نسقط
المقولة السطحية عن شعراء المنفى وشعراء الوطن، لأن الوطن نفسه منفى، نقدم هذه الباقة من قصائد الشاعر الكبير حسين عبد اللطيف.مقاطع من قصائد:1 قصيدة : تعزيم.هو ذا “الحضرمي”الذي قادنا نحو” مسقط” ليلا..وغادرنا خلسة… في الظلام بالتعازيم يستخدم الريح أو يتخذ
من قرون ايائله
حطبا..

الثعابين اطفاله
وهي ـ عمياء تسعى ـ الى ثديه
تتشممه
ثم ترضعه
وتنام

2 قصيدة: تحديق

حشد من الاطفال..
والملائكة
مع مزامير من اللبلاب..
كانوا يهبطون
في آخر الليل.. على جوانب التلال
ويعزفون
ويعزفون
والذئاب..
تقترب
فتقترب
من حشدهم..
سحابة تخطفهم..
وتنسحب

3 قصيدة: دون جدوى

ها نحن نجوب اقاليم المدن
بورد من صنع الايدي..
ومصابيح
ها نحن على الابواب،
نصيح:
الريح
الريح
الريح

4 قصيدة: لا حنطة في يدي

قلبي الذي راحا
مهموما الى الابد
من يفتح الان له البابا؟!

قلبي الذي ارتجيه
هو الذي خان بي
فلم يعد صاحبي
وكان فيما مضى..
من جانب “الحي” لنا” طارش”
وفي خطى
غطرفة” الغرّاف”
مايثمل

وها انا
ها أنا
لا حنطة
في يدي
ولا
على
شكوى
عندي شهود

5 قصيدة: أحوال

أدخلي
أدخلي
لتري: ماالذي كنت يوما تريدين رؤيته:
المغني القديم
في صداقة ركبته
والكراسي
على حالها،، في المطر
…….
……..
بصيص ضئيل
يدخل الان من فرجة الباب مرتجفا…
بعد ما الذكريات
رحلت ـ وهي تحمل صرتها ـ
بعدما السنوات
اقفلت كل ادراجها..
واتخذنا الدخان..
ساترا لنا
كي نغطي افتضاح الدموع
وعلى” كيفنا” ننتحب
دونما رقباء

6 قصيدة: موت

ماأسهل السهول
وأعقد الجبال
واصعب العزلة
دون باب

قوارب المساء
تجيء بالذهب
وترفع الديوك
أعرافها.. قبعة
لطلعة الصباح

وهذه المرآة
لاترى
ـ في عقدة العنق ـ
سوى
تفاحة مهشمة
وجثة مكومة

7 قصيدة: نار خضراء

قطار الحمولة
قطار الليالي
قطار السنين الخوالي
الى اين تمضي بركابك الميتين؟

8 قصيدة: قلبي من ذهب إبريز

خذ نحو الحقل قطيع جواميسك..
يافرحي

وابحث
سنة
لتجد
مع جوقة اطفال
او يعسوب
يلهو مرحا..
قلبي

خذ نحو البحر قطيع جواميسك..
يافرحي
وابحث
سنة
لتجد
عند السمكة
أو في بيت الحلزون، هنالك، خاتم العرس، من ذهب ابريز..
قلبي

خذ نحو الريح قطيع جواميسك..
يافرحي

وابحث
سنة
لتجد
في طوق مطوقة
في الليل تنوح علي انا..
قلبي

واضرب
بعصاك..
فيافي الارض
لتجد
في حبة حنطة
او حبة رمل
مدفونا
قلبي

ـــــــــ
نار القطرب ـ صدر في بغداد عام 94/ الشاعر حسين بعد اللطيف

————————

الشاعر حسين عبد اللطيف في (أمير من أور) .. أيها القبر كُنْ زقُّورةً / خالد خضير الصالحي

خالد خضير الصالحي :

ان اعتبار آخر المجاميع الشعرية للشاعر حسين عبد اللطيف والتي عنونت بعنوان اكبر النصوص فيها (أمير من أور)، اعتبارها (مناصا)؛ أي نصا بكل تفاصيله المادية،
يحتم ان يتم النظر إليه باعتباره يتشكل من مجموعة من النصيصات : الغلاف الأول والغلاف الأخير، والعتبات التجنيسية والتوثيقية، والمقتبسات النصية كمقدمات للنص، ومنها (مقدمة) احتلت الغلاف الأخير!، فكانت متأخرةً زمانا ومكانا عكس المقدمات الأخرى التي توصف بأنها متقدمة مكانا متأخرة زمانا…، وهنالك صورتان في الأغلفة: الأولى أشبه ما تكون بالصور الظلية المأخوذة عبر كونتراست (تباين لوني) شديد بين الأبيض والأسود، بينما تصور الصورة الأخيرة (الأمير) وهو معتمرا قبعة ذات دلالة بالنص الذي كتبه عنه الشاعر العراقي سعدي يوسف في  مقدمة الديوان (في غلافه الأخير)!.
ضمت مجموعة (أمير من أور) ملاحق لم تعنون، أو تجنس باعتبارها ملاحق ولكنها كانت كذلك فعلا، الأول بعنوان (احمد أمير .. الجاسم (24/8/1952 الناصرية 16/5/1994 برلين)) واعتقد ان وجود الفاصلة (..) بين اسم (احمد أمير) ولقبه (الجاسم) ربما تشي بأنه كان معروفا فقط كـ(احمد أمير)، أو ربما أية أسباب أخرى تجعل فاصلة النقطتين هنا ضرورية؛ فيضعها الشاعر ليشق اسم المرثي نصفين… وبرأينا ان الشاعر أراد بهذا الملحق ان يؤكد: أولا، الصلة الوثيقة بينه وبين المرثي (المحتفى به) منذ السطر الأول في هذا الملحق “من اخص أصدقاء الشاعر” وهو السبب الأول لتخصيص كتاب منفصل في رثاء (احمد .. أمير.. الجاسم)، والقضية الثانية التي أراد الشاعر توكيدها ان احمد الجاسم (مَجْمَعا) للمواهب الاستثنائية (التي ظلمها وطنها ففرّت لتأخذ فرصتها في الغربة، فهو “موهبة كبيرة ومبكرة في الرسم والشعر والكتابة المسرحية”)، ثم أضاف الشاعر ملحقا آخر لم يجنسه كملحق وجاء بعنوان (اضاءات – القصائد) ولا نعلم سر الفاصلة بين الكلمتين ولماذا لم تكتب (اضاءات القصائد) كمضاف ومضاف إليه لخبر محذوف تقديره (هنا). وهي اضاءات ربما كان الأجدى، برأينا، ان تكون بشكل: هوامش بحرف صغير أسفل الصفحات، أو ان تلحق كل قصيدة بإضاءاتها مباشرة في أسوأ الأحوال …، ثم ملحق تمت عنونته (المؤلف في سطور)، فملحق بإصدارات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة التي (طبعت على نفقة شركة آسيا سيل للاتصالات) وان لم يذكر ذلك في الملحق..

2

يبتدئ نص (أمير من أور) من بداية الخيبة الجلجامشية حين قضى رفيق طريقه انكيدو، وبعد فقدان نبتة الخلود (عند حسين عبد اللطيف تتجسد نبتة الخلود باعتبارها فقدانا للإيمان بجدوى الأشياء) :

“الآن…/ وقد انتهينا من كل شيء/… فلم يعد من طائل وراء هذا السعي المحموم/ في هذا العالم…/حيث الغلبة للأفعى/ في اقتناص الأبدية وحيازتها منك/ الجهود، كلها، باطلة، تقريبا/ ابنة الندم” (أمير من أور، ص 43)،

وهو خطاب موجّه لانكيدو (احمد الجاسم) عبر ذات الآلية الرثائية العربية القديمة في مخاطبة (المرثي:

“طالت ولو قصرت يدُ الأقدار… لرمت سواك عظمْتَ من مختارِ” (الجواهري)،

فحسين عبد اللطيف يتجاوز الخطاب العام الموجَّه إلى حشد من أفعال الأمر الموجهة إلى المرثيّ فحسين عبد اللطيف يتجاوز الخطاب العام الموجّه إلى حشد من أفعال الأمر الموجهة إلى المرثيّ:

“لا تصرف نقودك قبلي” ص 46

“خذ حذرك” ص43

“واعل برؤاك” ص 44

“أعفني الآن

من النظر…” ص45

ومن بداية المرثية وحتى نهايتها يعود الشاعر لمخاطبة المرثي كل مرة وكأنه مازال حيا:

“اعتن أكثر بالأشكال والبورتريت” (ص 43)،

وهكذا حتى نهاية النصّ؛ فيمكن من أولى عتبات مجموعة (أمير من أور)، من عنوانها، يمكن تلمّس أولى خيوط طبيعة هذه المجموعة الشعرية حيث يتكرر عنوان حسين عبد اللطيف (أمير من أور) مرة في الغلاف الخارجي وأخرى في الصفحة الأولى وثالثة في تفاصيل أرشفة الكتاب “جميع الحقوق محفوظة/ الكتاب : أمير من أور/ المؤلف : حسين عبد اللطيف..”، فأمير من أور تشي منذ البدء بأمير من مدينة مدفونة تحت التراب، بينما يظهر في الصفحة الرابعة (نتوء عنواني) هو “حسين عبد اللطيف/ أمير من أور/ (في وداع احمد الجاسم)”، ثم يظهر في الصفحة الرابعة عنصر مهم في تحديد اجناسية (الغرض الشعري) من خلال الموت والحسرة على الماضي في نصين اقتبسهما الشاعر هما :

“اطل علي الموت من اثنتين وأربعين نافذة سكت الزنوج.. فمونمارتر أمست مظلمة” (لانسيلونت – اراغون)

“الألعاب النارية انتهت / آه : يا له من خواء!/ ويا لها من ظلمة!” (شيكي)

وبذلك تكون المراثي هي حقل اشتغال هذه المجموعة، والمراثي (الموروث الرثائي في الشعر العربي)، منذ مرثية عبدة بن الطيب في رثاء قيس بن عاصم : “عليك سلام الله قيس بن عاصم” كان خطابا يتجه إلى (ميت) يفترضه الراثي قادرا على تلقّي الخطاب، ويفترضه حسين عبد اللطيف قادرا على تلقّي الخطاب، والتذكّر، وتصحيح (الأخطاء) الفائتة، فرغم ان خطاب (أمير من أور) ينطلق من لغة (الآن) إلا انه يشير بشكل دائم إلى زمن مضى (=ذكريات) مأسوف على انقضائها، يقف الشاعر في (الآن) ويستعيد ماضي ذكرياته، موجها خطابه إلى نفسه وهو : يرثي نفسه، ويندب حضه على ما مضى، إضافة للآخر الحي الذي كان حسين عبد اللطيف، فيما سبق، يوجه له خطابه سابقا :

“احملي قمحنا وانثريه …/ في وهاد القرى / لا تعيدي أو تعودي بنا القهقرى/ فالذي كان.. كان/ والذي قد جرى .. قد جرى”..

وقد استبدله الآن بآخر ميت…

يذكر الراثي (الشاعر) مرثيه : الآن وقد مت (انتهى كل شيء)؛ فالجهود باطلة والبدايات والنهايات واحدة لا تختلف بين الجميع…

هنالك اختلاف واضح بين مسعى جلجامش في البحث عن خلوده الذاتي لكي لا يلاقي مصير انكيدو بينما كان حسين عبد اللطيف يهدف إلى تخليد رفيق رحلته من خلال الكتابة، أي تخليده من عبر خلود النص..

3

في هذا النص يحاول الشاعر رسم لوحة مشهدية عبر الكلمات وبالكلمات، في مشهد بصري في دلالاته”:

“… البيوت/ مثل ربات قطار فارغة/ او نعوش” (ص 53)،

“أنا أتحطّم كآنية” (ص 53)

وايضا في رسم النص (تَشكّله الجسدي على صفحة الورقة) من خلال نمط لا تضبطه قواعد مقننة في التنقيط والفوارز والفواصل وتوزيع الكلمات على الأسطر وتمزيق وحدة الجملة، فجاءت صوره بصرية بالدرجة الأساس:

“القمر –عين الليل-: حياة جامدة/ مقلة بيضاء/ من الجص أو الجير المنطفئ/ لمسيح/بلا بؤبؤ ولا أهداب”،

ويعيد بالكلمات رسم لوحات رسم شهيرة، كتصويره لوحة (القمر والغجريّ النائم)

“هل حقا –ذات يوم- سيمتلك ضميره الحي/ ويصرخ مرتجفا لمرأى الأسد/ بغريزته الحيوانية المبهمة ولبدته الجمة/ بلا حفيف أو زئير/ يدنو متئدا/ من فريسته الغارقة في سباتها العميق/ وهي تحلم بأزهار اسود من صنع يديها”

ويذكر أيضا بلوحة العميان الستة للرسام بروجل حيث خمسة عميان يقدهم أعمى سادس إلى حفرة ستشكل حتفهم المحتوم.

4

رغم ان معظم أفعال النص جرت بالماضي ولم تعد إلا بقايا ذكريات :

“انتهينا” ص43،

“كان الاولى ان تاخذ بيدي” ص 46،

“حين قفلنا راجعين/ من ايطاليا الى باريس” ص46،

“رمينا بحفنة النقود” ص 46،

“داعبنا المارة بجذل!” ص 46؛

ولكنه يعود من صحوته (الشاعر) ليعيدنا إلى النظر من الحاضر إلى الماضي حينما يخاطب المرثي:

“ألا تذكر!” ..

5

يصطدم الشاعر بحقيقة ان الآخرين لا يوافقونه بان المرثي مازال قادرا على تلقي الخطاب حينما كانت رسائل الشاعر إلى المرثي كانت تعود بختم بريدي بالألمانية مؤشرة بان الرسائل :

“فرسائلي اليك :

Nicht obgcholt

Hon reclame” أي (لم يتسلمها احد)…

مما يجعل الشاعر يجفل لان حلمه لا يصمد أمام قسوة الواقع..

6

أهم خصائص شعرية حسين عبد اللطيف انه رغم إصداره الخطاب بلسان الشخص الأول إلا انه حاول كبح الكثير من رومانسية الذات المتحدثة إلى الآخر وهو واحدة من أهم الخصائص التي تجاوزها الشعر العالمي.. فكان دائم الاشتعال بنصوصه من اجل كبح الذاتية قدر أمكانه وصولا لكتابة نصوص اليوتية (نسبة إلى اليوت) تكبح فيها الذاتية التي تطغى على الشعر العربي والبلاغة العربية التقليدية .. فلم تكن قصيدة النثر التي يكتبها حسين عبد اللطيف ذات طابع ترجمي (من ترجمة) أي إنها لم تكن مبهورة بالنماذج المترجمة، ومع ذلك فقد كانت حداثية وغير غنائية بامتياز.

7

معروف ان للمرثية السن ثلاثة هي : الراثي والمرثي والمرثية، إلا ان حسين عبد اللطيف كان يحاول أحيانا تغيير وجهة النظر فكان (يسطو) على لسان المرثي (احمد الجاسم) ويتلبسه ويشير إلى ذات الشعر لسان المرثي :

“كبدي تتفتت

لا تخبروا أمي

اخفوا عنها

اخفوا عن القابع في طرف من أطراف البصرة” ص16-17

ان هذه المرثية هي في التحليل الأخير، استعادة سيرة (من السير الذاتية) التي هي مزيج من البيوغرافيا  والاوتوبيوغرافيا، أي السيرتين: الذاتية والغيرية تذكّر بالبحث عن الزمن المفقود، أو ربما تشكل بالادا (=حكاية شعبية) تذكرنا كذلك بما قدمه: لوركا في مرثية سانشومخياس (مصارع الثيران)، وسعدي يوسف: انطونيو بيرز، والمهدي بن بركة، والأخضر بن يوسف، والبياتي: المتنبي، ولوركا والخيّام، والبريكان: عيسى بن ازرق.. فيمكن إذن تلقي النص باعتباره مرثية، او ربما بالادا، او سيرة ذاتية ببليوغرافيا، او سيرة غيرية اوتو ببليوغرافيا..

8

يحتل البريد والمراسلات عب البريد أهمية في نصوص حسين عبد اللطيف منذ بواكيره حيث كان يبرق رسائله طوال منجزه السابق وما يزال، في شكوى دائمة ان البريد لم يعد يوصل رسائله كما يجب، فكان سابقا يقول:

“ماذا اسوي انا مع البريد” ،

وهاهو الان يكرر:

“أنا يتيم بلا زهور/ أو رسالة مهملة الطابع” (ص31)،

ويكرر ان رسائله التي يبقها لا تصل إلى المرسلة إليه:

“الرسالة لم تصل” (ص52)،

“فأنت – والحق يقال قد ظللتَ/ كل سعاة البريد في هذا العالم/ فلم يفلح أي منهم/ في الاهتداء إلى عنوان لك” (ص 33)،

“فرسائلي إليك :

Nicht obgcholt

Hon reclame”

أي (لم يتسلمها احد)…

9

رغم ان مجموعة (أمير من أور) تبتدئ من مدينة أور التي غادرها جلجامش وانتهت بصرخة “أيها القبر كن زقورة” (ص 53)، إلا ان الشاعر كان يبث: عتباته الباذخة، وموجهاته القرائية من خلال حشد: العناوين، والأمكنة التي له فيها ذكريات مع المرثي؛ فمونمارتر، وهو شارع في باريس كان يسكنه الفنانون، يهيمن مرجعيةً مكانية في (أمير من أور)، فقد كان يؤثث نصه بحشد من أسماء الأمكنة والشخصيات التي تتعلق : بالرسم، والرسامين، وأسماء اللوحات، وأماكن لعبت دورا مهما في تاريخ الرسم الحديث..

10

رغم ان شعر حسين عبد اللطيف نبوءة بمنفى غير متحقق سيصير جزءا جوهريا من الشخصية العراقية بعد حين.. إلا ان المرثية تشي هنا بنزوع للامساك بفرح الحياة وانبهار بالحياة الأوربية الكافية لكبح الحزن
——————–

حسين عبداللطيف.. العراق على الصليب والشاعر يترجل

جميل الشبيبي :

فِي اللحظة الأكثر خطورة وإيلاما في تاريخ العراق الحديث فجاة يتوقف قلب الشاعر حسين عبد اللطيف عن الخفقان، ليبدو خروجه من الدنيا صرخة احتجاج على ما فعل السياسيون بوطنه وما فعلته قوى الشر بأرض السواد التي أنشدها شعره. وحسين عبداللطيف هو شاعر عراقي من مواليد البصرة سنة 1945. ما يميز هذا الشاعر أن إضافته لم تتوقف على ما نشره من مقالات، على أهميتها، أو ما أصدره من كتب، أربعة دواوين، على ما تمثله من إضافة نوعية إلى المشهد الشعري العراقي والعربي عامة، حيث ساهم عبداللطيف بشكل ملموس في تكوين جيل مميز من الشعراء العراقيين خدمة للأدب والمدونة العراقية.
كان قبل ساعتين من رحيله، الخميس العاشر من يوليو الجاري، يحدثني عبر الهاتف، معافى، لم يكن هناك من مضاعفات لمرضه أو ما ينبئ بموته الوشيك. كان، كعادته دائما، منشغلا بالآخرين لا بنفسه، فلم يعرف عنه نرجسية الشاعر التي تتجلى عند الكثيرين من أصدقائنا الشعراء. حدثني عن ملف قيد الإنجاز عن الشاعر سعدي يوسف، وعندما قلت له أن شاعرا مثل سعدي يحتاج إلى ملف يليق به وبتجربته الكبيرة، قال إنه بصدد عمل معمق ومطول يتحرى تجربة هذا الشاعر. ولا أعرف إن كان قد أنجز قسما منه أم لا.

التجربة الشعرية
تمتد تجربة الشاعر حسين عبداللطيف الشعرية على أكثر من أربعين عاما، أصدر خلالها خمسة دواوين شعرية، وقام بنشر مجموعة هامة من المقالات. فكان على امتداد تجربته يتأمل حياته وحياة الناس من حوله. ولم يكن ديوانه الأول “على الطرقات أرقب المارة”، الصادر عام 1977، البداية الفعلية لطريقه الشعري، فكتاباته الشعرية الأولى تعود إلى منتصف الستينات، غير أن الظروف الصعبة التي عاشها مع مجايليه من الشعراء والمثقفين البصريين، وبقاءه في الهامش المهمل من الثقافة العراقية، كانا سببا في تأخر ظهور ديوانه الأول. وخلال ثمانية عشر عاما، ابتداء من عام 1977، لم يصدر لهذا الشاعر سوى ديوان واحد، في حين كان نشاطه الثقافي والأدبي مميزا، وهذا ما يشهد له به عشرات الكتاب البصريين، الذين قرأ أعمالهم وشجعهم على الكتابة. بل وكان يتوسط لهم لنشر إنتاجاتهم، في الصحف والمجلات العراقية بشكل خاص. من هذه الزاوية نستطيع أن نؤكد أن معظم أدباء مدينة البصرة، ممن ظهرت كتاباتهم منذ نهاية السبعينات وحتى وقت قريب، كانوا قد استفادوا من تجربة هذا الشاعر ومن نصائحه وآرائه. لذلك يكتسب الشاعر حسين عبداللطيف مكانة خاصة في المشهد الأدبي والشعري، في البصرة بشكل خاص، ويمثل نتاجه الشعري عصارة حياة ثقافية ومعاناة في استخلاص جوهر الشعر، من خلال النأي عن اليومي والمألوف، باستثمار لغة شعرية تكتنز بالمجازات والصور المبتكرة، وباطلاع واع على منجزات الشعر العربي والتأثر بترجمات الشعر الغربي، في مزاوجة اتضحت معالمها في شعره، وخصوصا في ديوانه الثاني “نار القطرب”.

حياة قاسية
تمتد تجربة حسين عبداللطيف الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما أصدر خلالها خمسة دواوين شعرية ومجموعة من المقالات. لقد عاش هذا الشاعر حياة قاسية، بين عذاب مرض السكري المقيت، وألم رحيل ابنه البكر حازم. لكنه على الرغم من كل صعوبات حياته، انتصر على آلامه وتجاوزها، ليكون حاضرا بإضافته في قلب الحياة الثقـــافية العراقيــة بشكل دائم. ويتــــضح ذلك خاصة في ديوانه الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلــــقالق ميتة”، حيث استثمر الشاعر مناخات قصيدة الهايكو للتأمل والحوار مع الذات، ونحت علاقتها بالطبيعة بعيدا عن منغصات الحياة والآلام المبرحـــة، التي عــــانى منهـــا كثيرا، وكــــانت تجربة شعرية ممــيزة وجديــدة على عــالمه الشعري.

بيت الشعر ينعاه
وقد أصدر بيت الشعر العراقي ببغداد بيانا نعى فيه الشاعر حسين عبداللطيف ومعه الشاعر محمود النمر، الذي توفي في الفترة نفسها، ومما جاء فيه: قد يُقال بواقعية ترتبط بالراهن العراقيّ، إنّ إصدار نعي لشاعر أو لشاعرين في ظرف معقد مثل الذي نعانيه الآن، سيمرّ مرور الكرام في نشرات الأخبار ورصد الوكالات والصحف. فهو في النهاية حدث اعتيادي، بنظر بعضهم طبعا، تتفوّق عليه مآس وآلام لا حدود لها، حيث طفل يسقط هنا في لجّة المعركة الجارية، وعائلة تحزم حقائبها هناك لتهاجر بعيدا عن البلاد، ومجتمع يسيطر عليه الخوف والقلق من مآلات ما نحن فيه. كلّ ذلك بفعل مستجدات خطيرة تهدّد وحدة العراق ومستقبله. وإذ ننعى إلى الشعراء والمثقفين العراقيّين والعرب، رحيل الشاعرين حسين عبداللطيف، في البصرة، ومحمود النمر في بغداد، فإنّه بدا من الواضح أنّ مكانة الثقافة وأهلها في تراجع مستمر، وتلك نتيجة طبيعيّة في مجتمعات مهدّدة، تتعرّض إلى محاولات التمزيق وضرب وجودها الحضاري وغنى التنوّع فيها. لكنّ المؤلم في استمرار فقد المبدعين العراقيّين بهذا الشكل المرّ، أنّنا وصلنا إلى مرحلة باتت فيها أخبار الموت والخسران معتادة ومألوفة بشكل مؤسف، فمن يرحل على سرير المرض، من دون أدنى رعاية لائقة به بوصفه مواطنا عراقيا من أبناء البلد ذي الإمكانيات الكبرى، لهو محظوظ، منّت عليه السماء بنعمتها، مقارنة بمن تختطفه سيّارة ملغمة أو رصاصة من مسدس كاتم للصوت. وداعا لحسين عبداللطيف (1945-2014)، صاحب المسيرة الثرية في المشهد الشعريّ العراقيّ، بمجموعات جدّد فيها أسلوبه وأدواته طوال أربعة عقود، منذ ديوانه الأوّل “على الطرقات أرقب المارّة”، عن دار الشؤون الثقافيّة 1977، و”نار القطرب”، عن “الشؤون الثقافيّة” نفسها 1995، مرورا بكتابيه “لم يعد يجدي النظر” دار الجمل 2003، و”أمير من أور” عن دار الينابيع 2010، وإلى كتابه الشعريّ الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو”، عن وزارة الثقافة ببغداد 2012. وليست الاستعانة بكلمات الفقيد إلا سبيلا لتجرّع هذه الخسارة، حقّا يا ابن البصرة وشاعرها العميق: “سنوات؟/ أم تلك ضرائبْ/ لمَطالبِها… ما من حد؟/ ..هل أملك نفسي الجمعة/ لأبعثرها السبت؟/ هل أختلق الذكرى/ كي أضرب صفحا عن ذكر الغد؟” أخيرا، سيبقى الأدباء البصريون ، يستذكرون شاعرا مبدعا غاب عن مدينتهم، بعد أن حفر في ذاكرتهم حضورا ثقافيا متميزا.
—————–

الشاعر حسين عبد اللطيف: في عداد الذكرى

لؤي حمزة عباس :

إنها واحدة من اللحظات الفارقة في حياة البصرة، أن تكتب عن مدينة رحل عنها حسين عبد اللطيف إلى الأبد. سيكون الأمر أكثر وضوحاً إذا ما تصوّرنا البصرة
الراهنة نسيجاً بشرياً بخيوط محدودة جمعت بينها حبكةُ الثقافة والفن وصاغتها صنعةُ الأدب، نسيجٌ بدأ يتآكل منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مع حرب الثمانينيات التي فتحت أمام المدينة بوابات الجحيم التي لم تغلق حتى الآن، في سنوات الحرب يمكن أن ترى حسين عبد اللطيف بقامته القصيرة الممتلئة وكيس أوراقه يتنقل من مقهى إلى آخر حسب مزاج القصف وهوى القذائف.
ليس ثمة حيرة أو نكوص بين إيمان الشاعر بمراقبة المارّة الذين لا يستطيع إلا أن يكون واحداً منهم، وغياب جدوى النظر، إذا ما تأمّلنا المسافة الزمنية الفاصلة بين ديوانه الأول( على الطرقات أرقب المارّة،  بغداد 1977) ومختارات قصائده (لم يعد يُجدي النظر، ألمانيا 2005)، بين منتصف ستينيات البصرة وباكورة سبعينياتها، وقت كتابة قصائد ديوانه الأول، حيث المدينة تتنفس سعادتها وتُنصت لبشائر مدنيّتها، تعيش حلم مستقبلها محملةً بصور ماضٍ حميم، وباكورة الألفية الثالثة وقد أجهزت البربرية الوطنية على الحلم وداست العشيرة وهي تردس للحروب، بعد فصول هزائم مهلكة وعقد حصار مرير، على كلِّ أمل بالعدالة والسلام، أضحت المدينة خراباً والمدنيّة رماداً تذروه رياح العنف والدناءة، لقد أُنجزت المهمةُ على أكمل وجه وانقضّت الكواسر على أخضر البصرة ويابسها، ولم يعد حلم الشاعر غير خيط واهٍ يشدّه على اصبعه لعلّه يتذكّر أمنياته الغاربه، كلُّ شيء غدا في عداد الذكرى، وهو ما قاد حسين عبد اللطيف، في خلاصة يأس بيّنة، لقصيدة الرثاء ومنها للقصيدة الموجزة، لينجز فيها كتاباً، متوالية هايكو، في جلستين متعاقبتين (بين آونة وأخرى، يُلقي علينا البرق بلقالق ميتة، دمشق 2012)، وقد انتقل من ريلكه ولوركا وإليوت وأراغون وأبولينير وبيرس ولوتريامون، أحبته القدامى، إلى الشعراء اليابانيين، يعدّهم في مقدمة ديوانه كما يعدّ أصابعه، باشو وشيكي وبوزون وريكوتو وسيري وكوثي وسواهم، ” الشاعر جمّاع أسلافه، يحدّثني حسين عما يقوله إليوت. ويعني بأسلاف الشاعر: أولاء الذين ينحدر من صلبهم مباشرة فضلاً عن شعراء العالم الآخرين الذين لا يمتُ لهم بصلة مباشرة إلا بكونهم شعراء من صنفه، على حد سواء”، إنهم الآن رفاق نهايات الرحلة وأطيافها الساحرة في كتابة قصيدة “تُعنى باللباب وتقتصر على الجوهري الذي فيه ومنه كفايتها”،. مثلما سينُصت، في خاتمة عطائه الشعري، لتساؤلات بابلو نيرودا مدوّنا إجاباته على بياض صفحاتها، ( بابلو نيرودا، كتاب التساؤلات، حسين عبد اللطيف، كتاب الإجابات، ترجمة وإعداد سحر أحمد، عمّان 2014)، يوقّع نيرودا أسئلته، ويدوّن حسين عبد اللطيف عليها ومض اجاباته في تجربة يكتب في مقدمتها عن الشاعر وهو “يزمُّ شفتيه على بعضهما لئلا يترك بينهما فراغاً أو مهرباً للكلمات لتفرَّ وتفلت من بين أسنانه المطبقة”، مواجهاً بإجاباته أسئلة نيرودا، مدركاً أن كلَّ إجابة، في الشعر، طيف واحتمال، طامحاً، على الرغم من إدراكه، أن تعلق بسنارته سمكة. الأجوبة المفترضة تستدعي، هي الأخرى، أسئلة مفترضة مثلما يستدعي الليلُ النهار، ليس ثمة جملة تامة أبداً، ليس ثمة سؤال منجز وإجابة وافية.
في السبعينيات كان حسين عبد اللطيف يؤسس امتياز قصيدته، يختبر أدواتها إذ يعيش لحظة الشعر الفارقة التي لم تكن تعني له أقل من وجهة حياة، في الشعر والنثر على السواء، حيث المطابقة تامة بين صورتي الشاعر داخل القصيدة وخارجها، إحساسه وهو يؤآخي بين الكلمات هو الاحساس الذي قاد خطواته في دروب أيامه، من بغداد حيث ولد، وصولاً لقصائد الرثاء وقد أخذته للمدن القصيّة التي لا يعود زوّارها، وهو يحقق عبر مرثيّته (أمير من أور، الينابيع، دمشق 2010) واحدة من أجمل مراثي الشعر العراقي،” لقد هزّني وضعضع كياني موت صديقي الفنان “أحمد أمير الجاسم”، ومن بعده ولدي، يحدّثني حسين مرّة أخرى، الأول يكبر الثاني بعشر سنوات، كذا رحلا سريعا، فشعرت بالفقد وانطفاء كل إشراق، وبانتهاء حفل الألعاب النارية هذا لم يتبق لي سوى الخواء والظلمة، فقد أمست الحديقة مظلمة وسكت الزنوج في المونومارتر، وأطلَّ عليَّ الموت من أربعين نافذة كما يقول أراغون”.
الشاعر الذي اختار (الطريق) ميدان تجربة ومختبر صياغة ومادة خيال فاضت به اللوعة وضاقت بخطوه الطرقات، ببساطة قولٍ تشبه بساطة حياته، وبساطة ما اختار لها من طرائق تعبير لن تجد العراقية الدارجة في غير قصائده حيّة بارقة مثل فص من زمرد، ذلك لأنها لم تأت من خارج احساسه بعالمه ورصده الدؤوب لما حوله، فقد قاسمه لحظة الكتابة عامل المسطر وقاريء المقاييس وبائع الصحف وسائق باصات النقل العام، أعطوه من لوعتهم وأنصتوا إليه، من دون أن تُبتذل قصيدته أو يسفّ بها الجناح. ليس ثمة طرق مقفلة بين الشاعر وأقرانه، إنه خدين الأيام الموحشة وصديق الأعوام المرّة، في كلِّ قصيدة من قصائده يختار الرسيل بحنو ودقة وأناة، فتغدو قصيدته، منذ البدء، أقرب لنقلة حاسمة في لعبة شطرنج، نقلة بعد نقلة يتقدّم الموت فيها ماسحاً الرقعة ومخلياً الطرقات، طرقات حسين التي لم تؤدِ، يوماً، لغير القصيدة الناصعة، قصيدة جوّابين تقودهم الريحُ، بكل أسف، إلى الريح.
——————–

بيت الشعر: حسين عبد اللطيف.. سلامٌ لروح بعثرتها السنوات

جاسم العايف :

أصدر بيت الشعر العراقي ببغداد بياناً نعى فيه الشاعرين حسين عبداللطيف ومحمود النمر، وفي أدناه نصّه:
قد يُقال بواقعية ترتبط بالراهن العراقيّ، إنّ إصدار نعي لشاعر أو لشاعرين في ظرف معقد مثل الذي نعانيه الآن، سيمرّ مرور الكرام في نشرات الأخبار ورصد الوكالات والصحف، فهو في النتيجة حدث اعتيادي – في نظر بعضهم طبعاً – تتفوّق عليه مآسٍ وآلام لا حدود لها، حيث طفل يسقط هنا في لجّة المعركة الجارية وعائلة تحزم حقائبها هناك لتهاجر بعيداً عن البلاد، ومجتمع يسيطر عليه الخوف والقلق من مآلات ما نحن فيه. ذلك كلّه بفعل مستجدات خطيرة تهدّد وحدة العراق ومستقبله.
وإذ ننعى إلى الشعراء والمثقفين العراقيّين والعرب، رحيل الشاعرين حسين عبد اللطيف(في البصرة)، ومحمود النمر( في بغداد)، فإنّه بدا من الواضح أنّ مكانة الثقافة وأهلها في تراجع مستمر، وتلك نتيجة طبيعيّة في مجتمعات مهدّدة تتعرّض إلى محاولات التمزيق وضرب وجودها الحضاري وغنى التنوّع فيها. لكنّ المؤلم في استمرار فقد المبدعين العراقيّين بهذا الشكل المرّ، انّنا وصلنا إلى مرحلة باتت فيها أخبار الموت والخسران معتادة ومألوفة بشكل مؤسف، فمن يرحل على سرير المرض، من دون أدنى رعاية لائقة به بوصفه مواطناً عراقيّاً من أبناء البلد ذي الإمكانيات المليارية، لهو محظوظ منّت عليه السماء بنعمتها، إزاء من تختطفه سيّارة ملغمة أو رصاصة من مسدس كاتم للصوت.
وداعاً لحسين عبد اللطيف (1945-2014)، صاحب المسيرة الثرّة في المشهد الشعريّ العراقيّ، بمجموعات جدّد فيها أسلوبه وأدواته طوال أربعة عقود، منذ ديوانه الأوّل “على الطرقات أرقب المارّة” عن دار الشؤون الثقافيّة 1977، و” نار القطرب” عن “الشؤون الثقافيّة” نفسها 1995، مروراً بكتابيه “لم يعد يجدي النظر” دار الجمل 2003، و”أمير من أور” عن دار الينابيع 2010، وإلى كتابه الشعريّ الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو” عن وزارة الثقافة ببغداد 2012. وليست الاستعانة بكلمات الفقيد إلا سبيلاً لتجرّع هذه الخسارة، حقّاً يا ابن البصرة وشاعرها العميق:” سنوات؟/ أم تلك ضرائبْ/ لمَطالبِها… ما من حد؟/ ..هل أملك نفسي الجمعة/ لأبعثرها السبت؟/ هل أختلق الذكرى/ كي أضرب صفحاً عن ذكر الغد؟ ..”.
وداعٌ ثانٍ لمحمود النمر (1955-2014)، الشاعر والصحافيّ المثابر، أيّام وهو يضيء الصفحات الثقافيّة باسهاماته وكتاباته، غادرنا تاركاً شيئاً من روحه في كتابيه الشعريين: “بيوت بلا قبعات” عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2010، و”وصيفات سيدوري” عن دار المدى 2012.
لعلّك يا “أبا نمر” سألت قبل أشهر عن هذه الصيحة التي غيبتك إلى الأبد، عندما قلت: “الموت ُ يمنح ُصيحة ً خلفَ الكواكب/ من أوصل الموت الغرير إلى سماء الأرض ؟!/ من يخنقُ الأحلامَ في التسعين حتى لا يعيشُ الوردُ نوراً في البيوت؟..”.
ويحُ الأوطان التي تدوس على أحلام شعرائها وتطلّعاتهم إلى غدٍ آمن، ويحُ المجتمعات التي تصرّ على بقاء الأصوات العاقلة أقلية ما من أحد يصغي إليها وهي تتسرّب من بين أيدينا يوماً بعد يوم.

————————

الأدباء احتفى به وبمجموعته الأخيرة “أمير من أور” .. حسين عبداللطيف.. شاعر سبق مجايليه في البصرة إلى “نثر التفعيلة”

أقام اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة جلسة للاحتفاء بالشاعر حسين عبداللطيف بمناسبة صدور مجموعته الأخيرة “أمير من أور”.
وقال الدكتور لؤي حمزة عباس في معرض تقديمه الجلسة إن “الحاضر العميق في تجربة حسين عبداللطيف في (أمير من أور) بوصفها خلاصة، ترجيعا عميقا لسؤال الوجود، هو الموت الذي يراه الشاعر ويتلمس أثاره في كل شيء من حوله، مستعيدا سؤال الدهشة الأولى بمواجهة حدث يظل عصيا على الفهم والإدراك”. وواصل عباس حديثه “هكذا ببطء وهدوء وتأن ينحت حسين عبداللطيف موقعه في الشعرية البصرية، وحينما ينحت موقعا في الشعرية البصرية فهو ينحت موقعا في قلب شعرية العراق، هذه الشعرية التي شكلت مفصلا في تحولات الكتابة العربية”، لافتا إلى أن حسين عبداللطيف “سيكون في (أمير من أور) مثلما كان منذ لحظته الأولى وقد تأمل العابرين في الشوارع، الصامتين الذين لا صوت لهم سيكون صوتا خلاصة إيذانا بصمت جديد يقول الكثير”.
ثم قرأ الشاعر حسين عبداللطيف قصيدة (دوارة الرياح) من مجموعته (أمير من أور).
وقدم الشاعر كاظم الحجاج ورقة بعنوان (حسين عبداللطيف.. التفرد والتجديد بالغريزة) قال فيها “حسين عبداللطيف وأنا من جيل شعري واحد، غير انه سبقني في منتصف الستينات إلى التفعيلة التي كانت تجديدا في وقتها، في حين أنا بقيت على شعر العمود التقليدي حتى بداية السبعينات”, واضاف “ان عبداللطيف في بواكيره لم يظهر بأية قصيدة عمود واحدة لا بالنشر الأولي ولا بالمشاركة في احتفالات شعر العمود مع انه يتقن هذا الشعر”. وأشار الحجاج إلى أن قصائد التفعيلة التي ابتدأ بها عبداللطيف مسيرته في النشر هي “قصائد تنبئ عن ميل شبه غريزي إلى التجديد ومن ثم التفرد”. وتابع “استطيع أن ازعم انه سبقنا جميعا إلى ما يمكن أن يسمى (نثر التفعيلة) من خلال جملته اليومية التي تشبه ترابا يلمع تحته شيء براق خاطف”.
فيما أشار الدكتور فهد محسن أستاذ الأدب الحديث في جامعة البصرة في ورقة نقدية بعنوان (فرح الكتابة) إلى أن المجموعة الاخيرة لعبداللطيف “تطرح مسألة في غاية الأهمية وهي موضوعة الشخصية في الشعر”. ورأى محسن أن الشاعر “استطاع أن يجعل من الشخصية نامية وهو بهذا يرد الحداثة من أوسع أبوابها “.
أما الناقد نجاح عباس فقدم قراءة بعنوان “(أمير من أور).. مأساة بطل خلبه ذهب الراين” جاء فيها “تحتل قصيدة (أمير من أور) البؤرية، المركزية التي تتبوأ عنوان المجموعة الشعرية لحسين عبداللطيف مرتبة قصائد السير الذاتية الشخصية.. إلا أنها هنا ومن خلال سلسلة من الإشارات والعلامات تأخذ طابع الرسالة ثم تتأزم عبر أحداثها الزمنية فتتحول إلى مرثية تأخذ المنحى نفسه لقصيدة اليوت (الأرض اليباب) من ناحية الشكل”. وقال عباس أن القصيدة “ذات سمات أدبية تتمحور حول فلسفة الشاعر إزاء رسالته كأديب خاض نعيم التجربة الأدبية في ينابيعه تلاوة وصلته بالمكان الذي رافق فيه صديقه وبالنهاية تبين لا جدوى منهما فأراد تبليغ صديقه محذرا بأسلوب حواري يبتدئه الشاعر بصوته منذ اللحظة الأولى للقصيدة التي تحلق باتجاهات عديدة وحتى نهايتها تارة أخرى”.
وقدم الشاعر مجيد الموسوي قراءة عنوانها “(أمير من أور).. مقدمة بالأحمر والأسود” قال فيها “الواقع قريب وبعيد في آن، موضوعاته تقربنا من الواقع ولكنها تبعدنا أيضا، إنها تشعرنا على الدوام أن ثمة فجوة أو أحيانا، ثمة هاوية تفصلنا عن الواقع”. وأردف “من هنا تبدو قصائد حسين عبداللطيف متوترة حينا، وطيعة حينا آخر توشك أن تلامس الروح، لكنها في لحظة سرعان ما تنزف وتتلاشى وكأنها تشتغل على تلك الخلخلة أو الهشاشة التي تفصل الواقع عن الحلم”.
وشارك في الجلسة عدد اخر من الادباء منهم الناقد مقداد مسعود الذي قدم ورقة تحت عنوان “ابواب حسين عبداللطيف” والقاص محمود عبدالوهاب الذي قدم إضاءة حول العناوين في مجموعات الشاعر حسين عبداللطيف وقصائده .
يذكر أن مجموعة (أمير من أور) وهي الرابعة للشاعر حسين عبداللطيف كانت قد صدرت ضمن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة عن دار الينابيع في دمشق نهاية العام الماضي في 72 صفحة من القطع المتوسط.
ويعتقد الشاعر حسين عبداللطيف أن ثمة تحولاً واضحاً وأكيداً في مجموعته هذه من ناحية اللغة واستعمالاتها ونسقها في قصيدة النثر وحداثتها وجدة صورها وتركيبها ودلالتها ومعناها والحرية المتاحة التي على وفقها تمت الصياغة.
والشاعر حسين عبداللطيف من مواليد بغداد1945، له تجربه مميزة ذات صوت خاص في المشهد الشعري العراقي امتدت على ما يقرب من أربعين عاما، أصدر خلالها أربع مجموعات شعرية هي: على الطرقات أرقب المارة/ عام 1977، نار القطرب/ عام 1994، لم يعد يجدي النظر/ عام 2003، أمير من أور/ عام 2010 .

عدد المشاهدات:(1151)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This blog is kept spam free by WP-SpamFree.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية