السيرة الفنية لصباح الأنباري- قراءة في كتابه الرسم والفوتوغراف بقلم: صالح الرزوق |

السيرة الفنية لصباح الأنباري- قراءة في كتابه الرسم والفوتوغراف بقلم: صالح الرزوق

صدر كتاب ( الرسم و الفوتوغراف في مدينة البرتقال ) لصباح الأنباري من فترة وجيزة في كوبنهاغن بغلاف للفنان عزيز الحسك ، والفنان جميل اللامي، و بحجم ١٠٠ ص.
وهذه أول مفارقة تلفت الانتباه. فهو يتحدث من الذاكرة عن النشاط الفني الذي عايشه في مسقط رأسه بعقوبة قبل أن ينتقل للمنفى. وكما ورد في التمهيد كان مصدره مشاهدات في معرض الفنون الوطني وزيارات شخصية التقى فيها بالفنانين الأحياء (ص١٩).

إنه كتاب ميداني، يعتمد على التجربة الفردية، وليست خلفه مؤسسة ولا فريق عمل.
ولذلك يبدو لي وكأنه سيرة فنية. وهذا ما لاحظته في كل صفحة ابتداء من التمهيد وحتى استعراض سير الفنانين. وبالأخص سيرة الفنان عبد الوهاب الونداوي (ص٣٢ و ما بعد)، فهي حكائية بامتياز. وتتوفر لها كل عناصر القصة أو الخاطرة القصصية.
ناهيك أن الفترة التي غطّاها الكتاب محدودة بالثلاثينات وحتى التسعينات (من ١٩٣٠ وحتى ١٩٩٠) عام دخول العراق في دوامة من الحروب والمواجهات الساخنة (ص ١٨). وعليه يوجد فراغ بين نهاية الموضوع والوقت الحاضر.
وهذا الفراغ شديد الأهمية، وأعتقد أنه ترك أثرا على لغة ومفردات الفنانين. فمنذ التسعينات شهدت العراق عدة إشكالات غيرت وجه الشرق الاوسط، ومنها حربا الخليج الثانية والثالثة. وسقوط الحكم الشمولي وانتقال الخطاب في البلاد من لهجة عسكرية ومن عنتريات أفل وقتها إلى لهجة خطاب اجتماعي ونهضوي يغلب عليه الإصلاح.
ولا أشك لحظة أن هذه التبدلات في العمق أدخلت إلى اللغة الفنية ألوانا وخطوطا لا عهد للفنان بها.
لقد كانت لغة الكتاب عاطفية. ولا تنقصها الحماسة. وبسيطة. وتخاطب القلب قبل أن تتكلم مع العقل.
وكأن الكاتب يريد أن يكتب سيرة فنية لماضيه. مثلما فعل طه حسين في (الأيام)، وكما فعلت سيمون دو بوفوار في (المثقفون). ولا أنسى هنا مؤلفات اسحاق سينغر (في بيت والدي) ثم (المزيد من الحكايات من بيت والدي).
كانت قصص سينغر مع أنها حديث مسهب عن الماضي القاسي ووحشته وآلامه لا تخلو من النوستالجيا. وهذه هي الطريقة الوحيدة للتصالح مع الذات.
وهو ما فعله الأنباري.

صالح الرزوق

صالح الرزوق

يقول هاشم مطر في المقدمة التي وضعها للكتاب: إن السطور التي كتبها الأنباري هي ثمرة حب لنفس لا تخلو من العطاء والإبداع ( ص١٣).
ويشير في نفس الوقت إلى أن محافظة ديالى رفدت البلاد بأجيال من الفنانين، كانت العروة وثيقة بينهم، بمعنى أن شعار المحبة والإخاء والتعاون كان سيد الموقف بين جيل الرواد وجيل التلاميذ (ص٦).
وأفهم من ذلك أنه كان لكل فترة في ديالى أعلامها. ولم تعهد تكوين جماعات مستقرة على شاكلة جماعة كركوك التي تنافس جماعة (حوار) و(شعر) في لبنان على تسويق الحداثة.
وضمنا هذا يعني أن المدارس تنوعت وتداخلت في ديالى، بينما تحولت في كركوك إلى ظاهرة عابرة  للحقب ولما نسميه خطوط الزمن timelines.
وبالاستطراد هذا يعني أيضا أن نشاط الأفراد هو الذي يصنع لديالى مجدها الفني بينما المهرجانات والأعمال الجماعية هي التي تعطي لكركوك شخصيتها واسمها.
وللحقيقة فقط ذكر الأنباري وجود عدة جماعات في محافظة ديالى، ولكن نعلم جميعا أنها أصبحت طي النسيان ولم تترك خلفها صيتا واضحا. منها جماعة الشباب وجماعة السبعة. وأهمها  جماعة تموز التي أشار لها الكتاب في حديثه عن التشكيل في الستينات. ولكنها إشارة خاطفة. مع أن اسم الجماعة وتاريخ تأسيسها ( ١٩٦٧-١٩٦٨) يعتبر بحد ذاته مؤشرا هاما. فهي لا تأتي فقط ضمن إطار الفن التموزي الذي لا تخلو منه قصيدة للسياب، ولكنها تأتي متوافقة مع صعود الفكر القومي ودخوله ميدان السياسة وصناعة القرار. وكلنا نعرف أن حزب البعث استولى على السلطة في انقلاب تموز في نهاية الستينات.
والسؤال الآن هل بشرت الجماعة بفكرة الموت والعودة للحياة كما هو شأن كل الفن التموزي، أقصد فكرة القيامة والخروج من الرماد.
لم يقدم الكاتب الإجابة.
إنما من خلال اللوحات المرفقة في الخاتمة (ص ٧٩-٩٧) نلاحظ المفردات البدوية (وهي من مفردات البعث التقليدي اليميني والمحافظ الذي اعتقد أن البطولات الفردية توجه حركة وديالكتيك التاريخ، فقد كانت أدبيات البعث ترى أن الصعلكة والفتوة هي بذور لذهن اشتراكي عند العرب، وطبعا لا تخلو هذه الفكرة من سذاجة وقسرية، كأنك تقول إن روما هي مهد العرب، لمجرد وصول فيليب العربي للحكم). أضف لذلك الألوان البرتقالية في اللوحات. إنها ألوان عسكرية وتموزية فعلا، يغلب عليها الأحمر القاني والبرتقالي المتوهج والأصفر الشديد السطوع مع خلفيات حالكة قليلا وتخلو في معظم الحالات من الظل الأخضر. كأنها تشير لكل ما يشتعل ويلتهب. وللرماد الذي يتبقى بعد الاحتراق.
أيضا ورد ذكر اسم ( جماعة ديالى) و كانت بريئة من الاتجاهات التعبوية التي تهادن السلطة وتغازل الحاكم. وسرعان ما وصلت للنهاية المحتومة. . وكما ورد بالحرف الواحد: لقد تفككت لأسباب غير فنية بعد أن استقرت أهدافها (ص ٢٧).
ومن المؤسف أن لا نأخذ فكرة ولو بسيطة عن ما هي تلك الأسباب.. ظروف الأعضاء أم مشكلة البلاد بشكل عام والصراع مع السلطات والرقابة. والقيود التي فرضتها السلطة على التعبير الفني واتجاهاته.
لقد تشكلت المجموعة وغابت عن الوجود في السبعينات. وتلك أيضا فترة حاسمة وشديدة التعقيد والغموض من عمر العراق. فقد تأثر مركز القرار بنتائج حرب تشرين ١٩٧٣. ودخلت الحياة السياسية في معركة مع ذاتها. وأودى ذلك بنخبة سياسية أزهقت السلطات أرواحها على أعواد المشانق بأول انقلاب قام به البعث على نفسه.
إن مثل هذا الحراك الدامي بكل تأكيد سيتسبب باختناقات وإن جماعة متواضعة (من هواة الفن) كما قال الأنباري (ص ٢٧)، لن يكتب لها الصمود في وجه الأحداث.
إن ظهور هذه الجماعات الضعيفة واندحارها دون أن تترك وراءها الصيت المناسب برأيي هو لغز من الألغاز، لو أمعنت النظر بالجماعات الصغيرة والمغلوبة على أمرها ولكن التي بدلت وجه الحياة الفنية في مصر وسوريا ولبنان. وأشير هنا  لجماعة (درب إلى القمة) السورية التي أعلنت في الخمسينات وقوفها مع الطبقة العاملة والاتحاد السوفييتي دون أن تنضم للحزب الشيوعي. ثم جماعة (الديوان) التي تألفت من ثلاثة فقط وهم المازني والعقاد وعبد الرحمن شكري. وبعدها جماعة جاليري. ولا أنسى هنا جماعة مجلة (شعر) ثم مجلة (حوار). من منا لم يسمع بشرعية هذه الجماعات في تثوير الذوق العربي أو تأصيله ثم اتهامها بالعمالة وتلقيها معونات من وكالة المخابرات الأمريكية. ومن لم يسمع بالنزاع الإيديولوجي وصراع القديم والجديد الذي احتدم طوال عقود كتعبير رمزي عن المخاض الذي تمر به منطقة الشرق الاوسط ككل.
***
عموما كانت المقدمة أشبه برسالة محبة لمحافظة ديالى وفنانيها. وهاشم مطر لم يبخل بكلمات الثناء والمديح. وكأنه لا توجد في ديالى عيوب.
ورأى أن فكرة المعارض في الهواء الطلق انطلقت أصلا في السبعينات من ديالى ثم انتشرت في عموم البلاد. ولذلك أسباب في مقدمتها روح الفنان غير النخبوية. وقدرته على الاندماج بالطبيعة الخلاقة (ص٧).
ولاحظ أيضا مشاركة المرأة بعدد ينافس عدد الذكور. وقد كان نشاط النساء جريئا بالطروحات والمواضيع (ص٨).
ويعود ذلك برأيه لما سماه ( نقلا عن  علي الوردي ) بالتآخي و التصالح الاجتماعي الذي عرفت به المحافظة ( ص٨).
ثم إن طبيعة المدينة ورخاءها الاجتماعي وفر المجال لاجتذاب المشاهير(ص٩). لقد لعبت الطبيعة والمجتمع هنا دور ما نسميه في علم النفس بالتصعيد. وكانت تحول الليبيدو البشري إلى موهبة فردية. وكانت تشحذ القدرة على الملاحظة والهضم وإعادة التكوين.
وهنا أود أن أنوه بتلازم الطبيعة والمرأة في الأدب والمنطق. حيثما ظهر اهتمام بالطبيعة يتآكل الفراغ الوجودي الذي هو سمة من سمات الحداثة و يتحول لمساحات ملونة تزدهر فيها العواطف وفي المقدمة الانبهار بالشكل والاندماج في الحواس. وهذا يتكرر على مر العصور. ألا نقول الطبيعة الأم والأرض الأم أو العذراء، إلخ، بينما لا نجد إشارة واحدة لعبارة الطبيعة الأب والأرض الأب. لقد كانت الطبيعة دائما أنثى. وإن أي اهتمام بها يترتب عليه التفكير بالمرأة، إما كشريك أو كمنظور.
وفي غمرة هذه الحماسة وجد هاشم مطر (مع الأنباري) الجرأة ليقول إن عزيز الحسك هو الذي فتح الباب لفن التنقيط قبل أوروبا (ص٩). وأرى أن هذه المبالغة من المبالغات المستحبة لو أخذنا بعين الاعتبار أن التنقيط فن نهضوي. وتستطيع أن تجد أثرا له عند غويا، وفنسنت فان كوخ. وطبعا جورج سوراه بطل هذا الأسلوب (كما يقول الأنباري ص ٣٨) والذي تبنى التنقيط منذ ١٨٠٠. وبتقديري إن الفكرة الكامنة وراءه هي نقل معنى اللاتناهي في رؤيتنا للمتناهي. حيث كل خط يتكون من عدد غير محدود من النقاط. وكل مساحة تحتمل استيعاب عدد لا يمكن تصوره منها أيضا.
ولئن استعمل بعض فناني ديالى هذا الأسلوب فذلك يعود للعاطفة الغامضة وغير المعروفة التي هي سمة من سماتنا. ولا سيما في وضع اجتماعي غير قانوني. الطبقات فيه ليست واضحة. وفي وضع سياسي غير ناضج. تتحكم به أساليب بدائية وعشائرية.
أما ما أورده الأنباري من مبررات لريادة الحسك واختلافه عن التنقيط في أوروبا، أعتقد أنه تعبير عن ميول وطنية وعاطفية حيال ابن بلده. ولتوضيح الفكرة سأضرب مثلا من عالم التكنولوجيا. توجد عدة نسخ من الأدوات لقياس نعومة الألياف. منها أريالوميتير و مايكرونير الأمريكيين و fm الإنكليزي. ولكنها تعمل وفق مبدأ واحد وهو المقاومة لنفاذية الهواء وتحديد المساحة الذاتية للمادة.
إن الخلافات إجرائية وبسيطة وتدخل في تعليب وتغليف الجهاز ولا علاقة لها بأساسيات الفكرة. بمعنى أن المسميات تختلف ولكن المسمى واحد.
***
يتألف الكتاب من جزئين متناظرين الأول مخصص للفن التشكيلي والثاني للتصوير الضوئي. وكل جزء يقسم دائرة النشاط الفني إلى عقود، ويتبع ذلك إلقاء حزمة من الضوء على حياة بعض الفنانين.
وكنت من كل قلبي أنتظر من الأنباري أن ينتقل من المشاهدة والوصف إلى التحليل والتفكيك ليخبرنا متى كان الرسم يحاكي المنظور ولماذا، ومتى بدأ المصور الفوتوغرافي باللعب بالمشاهد الباردة والجامدة، والارتقاء بها من موضوع إلى ذات. بحيث تبدو الصورة كما يراها المصور وليس كما هي في الواقع المحايد.
إن اللعب بالصور من خلال الظل والميديا والإضافات بالكومبيوتر (عن طريق الفوتو شوب، وهذا في الواقع لم يتوفر في حينه) يعتبر عندي بمثابة التبديل من الألوان الباردة إلى الألوان الحارة.
إنها نقلة نوعية تشبه الانشطار العميق في حياة فان كوخ حينما بدأ بتقليد الرواد والسابقين فقدم لوحات كئيبة ومريضة ومدفونة برماد اللاجدوى والسطحية، ثم تحول لرسم الطبيعة الحرة و المشمسة على شواطئ المتوسط كما يراها بعقله وليس بعينه. فقدم لنا لوحات صدامية تستمد قانونها وشرعيتها من نشاط الفنان النفسي بعيدا عن محاكاة المناظر.
إن الفرق بين المحاكاة والانطباعات والتعبير عنها بواسطة الأحاسيس قبل الأدوات الجامدة مسألة بغاية الأهمية.
النقطة الثانية أن كل الفنانين كانوا متعددي التقنيات. مصورين و رسامين و نحاتين كذلك. فما معنى الكلام عن الرسم و التصوير على حدة ولا يوجد فنان واحد لم يكن مزدوجا في نشاطاته.
النقطة الثالثة و الأخيرة  أن الأنباري عمد لتبويب وفرز الفنانين زمنيا. ولكن كما نلاحظ معظمهم له ظل طويل عابر لحدود الأحقاب كما كانوا عابرين لحدود الأساليب والأدوات. فما معنى وما جدوى الفترات الزمنية ما دامت معظم الأسماء تتكرر. ولو أنه أضاف أثر كل مرحلة في لوحات كل فنان، ونبذة عن أهم الاتجاهات والموضوعات، لكانت الصورة أقرب للمنطق.
ومع أنه أكد (مثل هاشم مطر في المقدمة) أن الأجيال تعاقبت بسلاسة، لا يمكنني أن أتخيل كيف لم تجبر قوة عاتية كمنظومة حزب البعث وكانقلاب عبد الكريم قاسم الفنانين عن تبديل أساليبهم. يمكنني أن أقبل قانون الاستمرار في حالة واحدة، وهي توفير مجتمع ديمقراطي. وحتى في هذه الحالة إن الاختراعات والأزمات الاقتصادية تلعب دورها في صراع الأجيال.
كذلك دخول البعث للسلطة شجع الفنانين على استخدام مفردات حربية وتشجيع الرسم بالخط مع جو إسلامي يبرر الغزوات والفتوحات (حرب الكويت وحرب إيران والنزاع مع البعث السوري الذي انقسم على نفسه، نصف في العراق يدعو لمزيد من الالتحام مع الحجاز ومبادئ الثورة العربية الكبرى، ونصف في دمشق يبشر بإيديولوجيا المياه الدافئة لمزيد من التعاضد مع أبناء مدرسة اللواء – جنوب تركيا حاليا).
ليس لدي شك ولو للحظة واحدة أن صراع الأجيال لعب دورا هاما في استبعاد فنانين وإشهار غيرهم. ولكن حدود بحث الأنباري كانت ضمن مدينة صغيرة ومجتمع متجانس، وربما لم تشعر بقوة تلك الرياح العاتية.
***
في النهاية يمكن أن أرى في الكتاب تكريما للحركة الفنية في مساحة محدودة وفترة تميزت بالغليان والتبدلات الطارئة من حياة منطقة هي على الحدود الفاصلة بين البلدان وداخل العراق. فبعقوبة أول من تأثر بالانقلابات العسكرية. وهي أول من تأثر بالغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣. وكانت دائما الضحية لبغداد العاصمة القريبة منها. والتي لا يمكن لضاحية مثل بعقوبة أن تتحمل أعباء المنافسة حسب المبدأ الدارويني survival is for the fittest و ترجمته: البقاء للأصلح .

تشرين الأول ٢٠١٤

عدد المشاهدات:(369)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

اجب عن السؤال *

جميع الحقوق محفوظة لمجلة بصرياثا الثقافية الادبية@ بصرياثا للاستضافة وتصميم وادارة المواقع الالكترونية