رحل عن مشهدنا الثقافي اليوم صوتٌ كان يضيء العتمة بصدق نادر، الشاعر والكاتب أشرف البولاقي، الذي أسدل الستار على رحلة قصيرة في عمرها، عميقة في أثرها، عن ثمانيةٍ وخمسين عامًا.
لم يكن البولاقي مجرد شاعرٍ يكتب، بل كان عقلًا قلقًا، يقاوم السكون، ويشتبك مع أسئلة الوجود والمعنى. كنت أجد في نصوصه ذلك التوتر الخلّاق بين الحس الجمالي والرؤية الفكرية، بين اللغة التي تهمس والوعي الذي يصرخ. وكان في قراءاته للواقع الثقافي والاجتماعي قدرٌ من الجرأة، لا ينفصل عن حساسية إنسانٍ يرى ما لا يُرى، ويقول ما يُؤجَّل قوله.
أما في مقاربته للفكر الديني، فقد بدا منحازًا إلى التأمل الحر، متحررًا من القوالب الجاهزة، متكئًا على حدسٍ إبداعي لا يخلو من المغامرة. وكانت تلك المساحات تحديدًا موضوع أحاديثنا الممتدة، حيث كنا نختلف أحيانًا، ونتقاطع كثيرًا، لكننا نتفق دومًا على أن الفكر لا يزدهر إلا في مناخٍ يتسع للأسئلة.
في حضوره الإنساني، كان بسيطًا إلى حد الشفافية، لا يتكلف موقعًا، ولا يسعى إلى ضوءٍ زائف. يحمل رضاه الداخلي كدرعٍ خفيف، ويكتفي بما يراه جوهرًا: الكتابة بوصفها ضرورة، لا وسيلة.
قلت له مرةً، في لحظة مصارحة: إنك لم تُمنح ما يليق بك من تقدير، وإن المشهد كثيرًا ما يُقصي أصواتًا حقيقية لصالح ما هو أقل عمقًا وأكثر مواءمة. ابتسم ابتسامة العارف، وقال بهدوءٍ لا يخلو من مرارة: “ربما… لكن يكفيني أن تصل كلمتي إلى من يقرؤها بصدق.” كان يدرك، دون ضجيج، طبيعة هذا العالم الذي يرفع أسماءً ويغيب أخرى.
ها هو يغادر، ويترك خلفه نصوصًا تشهد له، وذاكرةً لمن عرفوه عن قرب. سيبقى أشرف البولاقي علامةً هادئة في طريقٍ صاخب، ونبرةً صافية في زمنٍ يعلو فيه الضجيج.
رحم الله الشاعر الذي لم يساوم على صوته، ومضى كما عاش: صادقًا، ومكتفيًا بما يتركه من أثر.