سَأَلْتُ صَدِيقاً،
وَقَدِ انْحَنَى العُمْرُ فِيهِ قَلِيلاً
دُونَ أَنْ يَنْكَسِرَ—
كَغُصْنٍ
تَعَلَّمَ أَنْ يُصَادِقَ الرِّيحَ،
لَا أَنْ يُقَاوِمَهَا—
كَيْفَ تَغَيَّرْتَ
بَيْنَ السَّبْعِينَ
وَظِلِّ الثَّمَانِينَ؟
أَطْرَقَ…
كَأَنَّهُ يَحْفِرُ فِي ذَاكِرَةٍ
تُخَبِّئُ نَفْسَهَا مِنْهُ،
ثُمَّ قَالَ—
بِصَوْتٍ
يَتَسَاقَطُ كَأَزِرَّةٍ قَدِيمَةٍ:
كُنْتُ أُحِبُّ الجَمِيعَ…
حَتَّى امْتَلَأَتْ يَدَايَ بِالغِيَابِ،
ثُمَّ—
فِي لَحْظَةٍ
شَبِيهَةٍ بِانْقِطَاعِ الضَّوْءِ—
صَافَحْتُ نَفْسِي،
فَإِذَا بِي
غَرِيبٌ
يَسْكُنُنِي،
وَإِذَا بِي
البَيْتُ الَّذِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ.
لَمْ أَعُدْ أَطْلَساً،
العَالَمُ
لَا يَتَدَحْرَجُ
إِذَا أَرْخَيْتُ كَتِفِي،
وَالسَّمَاءُ—
هَذِهِ السَّمَاءُ الَّتِي كُنْتُ أَحْمِلُهَا—
اتَّضَحَ أَنَّهَا
تَحْمِلُنِي.
صِرْتُ أَشْتَرِي الرَّغِيفَ،
وَأَدَسُّ فِي جَيْبِ البَائِعِ
فَائِضَ قَلْبٍ
يُشْبِهُ فُتَاتَ نُجُومٍ،
فَالْقُرُوشُ الصَّغِيرَةُ
قَدْ تُرَمِّمُ
ثُقُوبَ الحُلْمِ.
أُكْرِمُ التَّعَبَ
حِينَ يَمُرُّ مُتَنَكِّراً
فِي هَيْئَةِ نَادِلَةٍ،
وَأَدْفَعُ البَقْشِيشَ
لِلْحَيَاةِ نَفْسِهَا،
لِأَنَّهَا—أَحْيَاناً—
تَنْسَى أَنْ تَكُونَ عَادِلَةً.
لَمْ أَعُدْ أَقْطَعُ حِكَايَاتِ الشُّيُوخِ،
فَالتَّكْرَارُ
لَيْسَ دَائِرَةً فَارِغَةً،
بَلْ بَابٌ
يُطْرَقُ مِنَ الدَّاخِلِ،
بِيَدٍ
نَسِيَتْ كَيْفَ تَفْتَحُهُ.
كَفَفْتُ عَنْ إِصْلَاحِ العَالَمِ،
لِأَنَّهُ—
كَمِرْآةٍ مَشْرُوخَةٍ—
يُجِيدُ عَكْسَنَا
كَمَا نَحْنُ،
لَا كَمَا نُرِيدُ.
أَمْدَحُ…
كَأَنِّي أُطْعِمُ الضَّوْءَ
لِجُوعِ الآخَرِينَ،
وَأَقْبَلُ المَدِيحَ
كَرَسَالَةٍ
لَا تُرْسِلُهَا الأَنَا،
بَلْ يَتَسَلَّلُ بِهَا
مَلَكٌ مُتْعَبٌ.
لَمْ أَعُدْ أَرَى
تَجَعُّدَ القَمِيصِ،
بَلْ خَرِيطَةَ الرُّوحِ
حِينَ تَنْثَنِي،
فَالمِرْآةُ
لَا تَرَى إِلَّا سَطْحاً،
وَأَنَا
تَعَلَّمْتُ أَنْ أَغُوصَ.
أُغَادِرُ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَنِي،
لَا كَعِقَابٍ،
بَلْ كَظِلٍّ
يَرْفُضُ أَنْ يُفَسِّرَ نَفْسَهُ
لِلضَّوْءِ.
وَحِينَ يَغُشُّ أَحَدُهُمْ
فِي سِبَاقِ الفِئْرَانِ،
أَبْتَسِمُ…
لِأَنَّنِي—مُنْذُ زَمَنٍ—
خَرَجْتُ مِنَ المُتَاهَةِ،
وَتَرَكْتُ الجُبْنَةَ
لِمَنْ يُجِيدُ الضَّيَاعَ.
لَا أَخْجَلُ مِنْ دَمْعَةٍ
تَسْبِقُنِي إِلَى اسْمِي،
فَالمَشَاعِرُ
لَيْسَتْ ضُيُوفاً،
بَلْ أَصْحَابُ البَيْتِ.
أَخْلَعُ الأَنَا
عِنْدَ عَتَبَةِ العَلَاقَاتِ،
كَمَنْ يَخْلَعُ حِذَاءَهُ
قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ
قَلْباً نَظِيفاً.
أَعِيشُ اليَوْمَ
كَأَنَّهُ غَلَطَةُ الوَقْتِ الأَخِيرَةُ،
لَا خَوْفاً مِنَ النِّهَايَةِ،
بَلْ لِأَنَّ البِدَايَاتِ—
فِي سِنِّي—
تَأْتِي مُتَأَخِّرَةً
كَمَطَرٍ
يَتَذَكَّرُ الصَّيْفَ.
أَفْعَلُ مَا يُبْهِجُنِي،
وَأُسَدِّدُ دَيْنَ السَّعَادَةِ
لِنَفْسِي،
فَهِيَ—فِي النِّهَايَةِ—
قَرَارٌ
يَحْدُثُ
بِخِفَّةِ نَجْمٍ
يَقَعُ دُونَ صَوْتٍ.
قَالَ هَذَا…
ثُمَّ صَمَتَ،
وَكَأَنَّهُ
أَغْلَقَ كِتَابَهُ
دُونَ أَنْ يُطْفِئَ النُّورَ،
تَارِكاً البَابَ
مُوَارَباً…
لِكُلِّ مَنْ
يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ
حَيَاتَهُ
مِنَ الجَدِيدِ.