بعدما اختلط الحابل بالنابل وفرضت الحرب أصواتها، خارت الناس قواها ورجت الأرض تحت الأقدام وبلغت الروح الحلقوم!!!
ترجّى الأولاد أن آمنهم بأية طريقة، كانوا يحاولون الدخول في جوفي كأني ملجأ لهم!!!
هوى صارخ بحديقة المنزل نسف كل شيء
كانت تلك آخر لحظة نتعانق فيها….
لا أعرف كيف وجدت نفسي في مشفى خارج حدود مدينتنا، استيقظت على جراح في الجسد وجراح الحنين إلى العائلة
لم تنته الصورة فما زالت أصوات الطائرات الحربية في سماء الوطن تبعث القتل والدمار
وبعدها خرجت من المشفى هائما على وجهي لا أعرف أين أذهب؟! وما مصير عائلتي ؟!
أخيرا سكنت في مخيم مع جمهرة من النازحين، أسمع في كل يوم قصصهم تقطع القلب منهم من فقد أمه وذاك إخوته وذاك فقد ذراعه وذاك احترق كل أهله….
أمّا أنا فلا أعرف ما جرى لعائلتي؟
كنّا في كل ليلة نجتمع معا في المخيم لنستمع للمذياع
على أمل أن تتوقف الحرب، وأنا أسير في شوارع المخيم وقعت عيني على بنت تجلس على كرسي المعاقين، حدقت أكثر كأنها هي اقتربت منها ناديت بصوتٍ خفي (شيماء شيماء ) فانتبهت!! جثوت عليها أقبل برأسها بنيتي العزيزة يا رائحة أهلي!!!!
مع الأسف هي كما أنا لا تعرف شيئا عن باقي أفراد العائلة….
عشنا بخيمة واحدة ولكني في سعادة ناقصة!!! الحمد لله وجدت بعض نفسي….
وبعد سبعة أشهر وضعت الحرب أوزارها
وراح الناس يعودون لمدنهم وقراهم، إنها فرحة عارمة غاب انتظارها…
عدنا للمنزل وقفنا أمامه آثار الدمار واضحة
دخلت إلى داخل المنزل حيث غرفة نومي يعلوها الخراب، جلست على السرير يغطيه التراب والحزن يخيم في كل زاوية، ما زالت بعض الذكريات تخاطبني…. وإذ بعيني تقع على صورة جماعية للعائلة وما لفت انتباهي احترقت رؤوس العائلة بالسواد إلا أنا وبنيتي!!!
راودني قلق مخيف لهذه الصورة؛ كأنها رسالة عبر مراسل…
خرجت بهم وقلق وأنا أضرب أخماسا بأسداس…. أين باقي أفراد العائلة ؟!
بعدها راجعت وحدة الحماية الدولية للاستفسار
دققوا بالأسماء وطلبوا مني الانتظار لمدة أسبوعين، تبين بعد ذلك أن باقي أفراد العائلة استشهدوا جميعا وقد تم دفنهم في حديقة المنزل!!!
جمعت قواي وتمالكت نفسي واستعنت بالله واحتسبت الأمر للواحد الديان…
قررت أخيرا أن يبقى المنزل على ما هو عليه ليكون شاهدا على جرائم العدو….
وزرعت عند رأس كل قبر شجرة الزيتون، وبنيت بيتا صغيرا أمامه أرعى فيه بنيتي المعاقة.