وأنت تطالع رواية سيزيف والوجه الآخر للحكاية للرّوائي عبدالباسط محمّد قندوزي، وقبل أن تغوص في توهان بطلها يذهب إلى ظنّك أنّ هذه الرّواية من جنس الفانتازيا حيث ستتناول أحداثا خياليّة موغلة في الأساطير والخرافات، أو هي رواية تاريخيّة ستتناول أحداثا مضت بدقّة لا متناهية. وستطرح في ذهنك تساؤلا عن علاقة سيزيف الحكاية بسيزيف الأسطورة، هذه الشّخصية الأسطوريّة التي ارتبطت بالميثيولوجيا الاغريقيّة تروي حكاية بطل ذكيّ نجح في خداع ملك الموت فسلّطت عليه الآلهة عقوبة أبديّة متمثّلة في رفع صخرة كبيرة إلى قمّة الجبل، وكان سيزيف يبذل جهدا حتّى يبلغ هدفه في إيصال الصّخرة إلى آخر علوّ من الجبل، ولكنّ سعادته لا تكتمل لأنّ الصّخرة سرعان ما تتدحرج إلى الأسفل، فيكون حينئذ ملزما بإعادة الجهد الذي لم يحقّق هدفه.
قد يكون وجه الشّبه بين سيزيف البطل الأسطوري والغريب بطل رواية سيزيف أن كلاهما ناشدا نفس الرّغبة وهي الوصول إلى قمّة الجبل أين يوجد الهدف المنشود. وأنّ كلاهما اشتركا في الرّكض المجهول وراء الأوهام والابتعاد عن الواقع.
أنّ الرّاوي يكشف منذ بداية روايته عن أصوله الرّيفيّة والبدويّة، فالحديث عن كومة القشّ، وكومة الطّوب، والصّخرة والأرض الجرداء، وسفح الجبل، والحرباء والغراب، والكلب الأبيض، والأودية والجداول لا يعرف سرّها إلاّ من تربّى في البادية أو مرّ في جزء من طفولته عليها. وهي معابر سفر طافت بالبطل سيزيف ذاك الغريب الذي يتعلّق بأحلام هي أقرب إلى الأوهام من خلالها يرنو إلى إيجاد نفسه والتّخلّص من غربته، فيسلك طريق المسافر الذي يسير بلا منهج فيعمّق غربته.
سيزيف والوجه الآخر للحكاية، إذا كان هذا العنوان قد أوصى منذ الوهلة بأسطورة تاريخيّة غابت من مضامين الرّواية، فإنّه أوصى بأنّ الحكاية وجه آخر بمعنى أنّ الحقيقة لم تكن مطلقة، وأنّ في الأمر شيء أو أشياء نسبيّة.
سوف لن أوغل كثيرا في تناول تطوّرات الرّواية وعقدها ولحظات انفراجها بقدرما يشدّني غموض الرّاوي في سرد ردهات رحلة الغريب. فسيزيف أراها مزيجا مميّزا ومتميّزا بين رواية ذهنية خياليّة، وفانتازيا مظلمة تصطدم بأمكنة مخيفة ومرعبة وعالم سحري، ورواية رومانسيّة تتناول مواضيع الحبّ والعاطفة والوجدان، ورواية تراجيديّة تحاكي الألم والتّعاسة والضّياع، ورواية درامية تطرح مواضيع الحياة اليوميّة والصّراعات الإنسانيّة، فبدت “رواية سيزيف والوجه الآخر للحكاية” فسيفساء تعكس الابداع والخيال الخصب.
لقد اختار الرّاوي رحلة شاقّة لبطله الغريب، وإن كان يسعى إلى تخليصه من غربته فإنّه أضاعه في ثنايا سفرات مجهولة انتهت به إلى غربة روحيّة، فالغريب أينما مرّ اصطدم بالمأساة والمعاناة ليس لأنّ الأمكنة أو الأزمنة موسومة بهذا الطّابع بل لأنّه يبحث في سراب وينشد خيالا فمرقد الشّيطان أو مسكنه لا يوجد في قمّة الجبل، بل هو فقط موجود في ذهن البطل ومخيّلته، وهذا ضرب من العبثيّة.
سيزيف الرّواية كما أراده الكاتب عبدالباسط محمّد قندوزي هو تعبير عن ذات تسكنها هواجس السّفر، إذ الرّواية مجموعة سفرات أو رحلات قام بها البطل برغبة منه وبإرادته، سافر مع الطّائر ومع الشّيخ الحكيم، ومع العجوز، ومع الفاتنة الحسناء، ومع العمّة السّبيّة، ومع شيخ قرية الأشباح، ومع شيخ الحكمة والعقل، فمرّ بتجارب متنوّعة. عاش الحيرة، عاش الظّلم وجبروت الأسياد، عاش الرّقّ والعبوديّة، عاش الحنين إلى الماضي، عاش الألم والمأساة، عاش البدع والخرافات في مقام الولي الصّالح، عاش الحبّ والعشق الممنوع، عاش الرّغبة اللّيبيدو وعاش الإنسانيّة وتأنيب الضّمير، فكانت سفرات المجهول محفوفة بالمخاطر.
انتهت رحلات البطل الغريب بالوجه الآخر للحكاية، انتهت بالواقع، انتهت بالحقيقة وإن كانت نسبيّة، انتهت بلحظة الصّفر، انتهت بأنّ مضجع الشّيطان ومرقده لا يوجد في قمّة الجبل، بل هي كائنة في ذهنه وخياله فهي ليست سوى أوهاما وعمي النّفس، والشّيطان في الحقيقة هو رديفه يسكن فيه وبداخله.
ما ميّز رواية سيزيف أنّها انتهت بهزيمة البطل، وهذا في اعتقادي وجه التّميّز والتّفرّد فيها، لأنّ ما دأب عليه الرّواة وخاصّة الجدد منهم أنّ النّهاية تكتب انتصارات مؤكّدة للبطل وتمجيدا له.
الضّمني في الرّواية:
إنّ الرّاوي لا يكتب من فراغ، بل بدا منغمسا في بيئته منغرسا في تفكيرها وعقليتها، يحمل مرآة تعكس هموم مجتمعه، يبحث عن مخرج مشرّف وبديل عن الأوهام يريد أن يخلّص مجتمعه كما بطله الغريب من التّعلّق بسراب لا يسكن سوى في ذهنه.
يرنو الرّاوي لتوجيه القارئ إلى أنّ الحقيقة ليست مطلقة، إلى أنّ الحقيقة لا تحمل وجها واحدا، إلى أنّ الوصول إلى الهدف ليس مضن بقدر الضّياع في منهج خاطئ، وبذلك الرّاوي أراد أن يوقظ القارئ إلى أنّ العلّة ليست في الهدف في حدّ ذاته، بل في منهج البحث، في الأسلوب وفي الآلية.
بدى الرّاوي منزعجا من سلوكيات بيئته، وقد جسّد ذلك في شخصيات روايته، فكلّ الذين مرّ بهم الغريب التقاهم بما في ذلك الطّائر قد أرهقوه بأسئلتهم حتّى تطبّع بطباعهم وصار في آخر رحلاته فضوليّا ميّالا إلى الثّرثرة، وهو ما يجعل من الرّاوي ابن بيئته، لا يتعالى عنها، بل يتأثّر بمعاناتها، ينتقد اضطرار المرأة بسبب الخصاصة والفاقة إلى قبول المهانة، وبيع نفسها وجسدها. بالإضافة إلى أنّ الرّاوي كان مهووسا بنفس يساريّ متمرّد ومنتصرا للبروليتاريا الرّثّة، رافضا لعقلية السّيّد والعبد، غير مقتنع بفكرة أن يشتري الشّيخ المقعد الثّريّ فاتنة حسناء مستغلاّ وضعها وحاجتها إلى المال، لتستمرّ وتعيش وتنقذ أسرتها من الجوع.
الغريب في بطل رواية سيزيف والوجه الآخر للحكاية، أنّه كلّما التقى برفيق أو جليس حكيم وعاقل إلاّ وتهرّب منه وتحاشى الحديث إليه، وهذا أحسب أنّه تلميحا إلى سلوك عامّ لشخصية تفرّ من الحقيقة ولا تقبل العيش في الواقع، ويجنح إلى الأوهام والسّراب والخيال، كما أنّه يعيد التّجربة في كلّ رحلة من أجل بلوغ نفس الهدف، وينتظر نتيجة مغايرة، وهذا أراه بدوره سلوكا يوميّا أراد الرّاوي أن يصوّره بأسلوب النّاقد الباحث عن تغيير في الآليّة والمنهج وتجاوز الرّتابة في التّفكير والتّكرار.
سيزيف في الرّواية كما في الأسطورة ترمز إلى العبثيّة كما ترمز إلى الوجوديّة، عنوان للعمل الشّاق والرّضوخ إلى القدر.
رواية سيزيف كتبت بلغة معقّدة وبتسلسل متداخل وهذا اختيار منه، ميّزه واستفرد به، لكنّه لا يمثّل حاضنة لقارئ اليوم، فأسلوب كتابته بقدرما هو ممتع بقدرما يصعب على القارئ إدراكه ليدخل في لحظات من التّيه داخل تأويلات متعدّدة.