
قالت لي وهي تمسح وجهها بكفيها: لم يفاجئني كثيرا قرار أهل الحي بمقاطعة عائلتي، وإنما فاجأني قرار مجلس المدينة بمقاطعة الحي. وصدقني إني أنا سهاد بنت علي العارف نفسي لا أعرف متى بدأت ضحكتي المصيبة التي أربكت المدينة والحي وعائلتي، ولا متى حاولت إيقافها.
وقد أسرت إلي سهاد نفسها يوما: “لعلي ولدت وأنا أضحك، ولعل تلك الوجوه التي ظلت تضحك لي، وفي وجهي في طفولتي، تعرف سبب ضحكتي التي لا تتوقف عن الدحرجة كلما فتحت باب غرفتي، رأيت أحدا…
ومع أن أهل الحي يعرفون كلهم أن سهاد تضحك لأتفه سبب، وبلا سبب، وأن ضحكتها تكبر معها حتى تفلت زمامها، وتصير شيئًا لا تملكه، ولا تستطيع إيقافه، إ لا أنهم ظلوا يحملونها مسؤولية ضحكتها.
وقد قالت لي قبل يومين: أنا أعرف أنني أعذّب من حولي بهذه الضحكة، وبخاصة أمي.
وأكدت لي سهاد أكثر من مرة أن ضحكتها في المدرسة، كانت تبدأ خافتة، ثم تتسع في حصتي التاريخ والجغرافية؛ فهي قد ضحكت قبل يومين في امتحان التاريخ، فضحكت بعض الطالبات من ضحكتها، فغضبت المعلمة وأخرجتنا جميعًا من القاعة.
وتابعت حديثها معي وبثها بعينين دامعتين: وقبل ذلك بيوم جلست إلى جوار أمي بثوبي الجديد المطرز، لاستقبال طالب يدي، وكم تمالكت نفسي، وربطت فمي، وقيدت أنفاسي كي لا أضحك! لكنني حين بدأ أبوه يتحدث عن الزواج والاستقرار، ارتجفت شفتاي، ثم انفجرت ضاحكة، فتوقفت الزيارة قبل أن تبدأ.
وانتشرت حكايات ضحكة سهاد في الحي بسرعة عجيبة؛ فقد صارت محور أحاديث الناس، ومادة لجلساتهم وتندرهم.
ولكن هذا الصباح كان مختلفًا جدًا.
فقد صحَت عائلة سهاد على أصوات طرق ونشر، وحين أطلوا من النوافذ، وجدوا الجيران يغلقون نوافذهم التي تطل على غرفة سهاد.
قال أبو سهاد مقهورا: هم يصدقون عنا كل شيء حتى تلك الشائعة التي انتشرت في الحي، وتقول: ضحكة سهاد معدية.
وكم تألمت سهاد وهي ترى الجيران والناس يغطون وجوههم حين يرونها في الطريق!
وأنا سمعت أحد وجهاء الحي يقول بعينين واثقتين:
“هذه متلبسها جني؛ الضحك الذي لا يتوقف هو صوت جني أزرق يحاول الخروج من جسدها في ضحكة.
كانت سهاد تسمع همساتهم عليها، وترى نظراتهم الشزراء والحذرة إليها، والخوف منها في عيون الأطفال والنساء، فتضحك، والحزن يقبض على قلبها بقسوة شديدة.
وفجأة خرجت من سهاد ضحكة صغيرة.
حاولت خنقها، فوضعت يدها على فمها، لكنها انفلتت منها كأنها شيء حي، واتسعت عيناها، وتقلص وجهها، ثم صمتت.
قالت لي أمها بفرح: سهاد، لم تضحك منذ الصباح!
سألها أبوها عن حالها، فلم تجب.
حاولت أمها أن تستدرج منها كلمة، لكنها ظلت صامتة.
ومع حلول المساء، انتشر الخبر في الحي:
سهاد توقفت عن الضحك.
قال أحدهم:
هذا جني الصمت… تلبّسها.
وقال آخر: احذروا الاقتراب منها، فقد ينتقل إليكم.
قالت لي أمها بحزن: ويلي عليها، منذ ساعات وهي تجلس أمام التلفزيون صامتة، تنظر إلى الأرض، ولا ترد على أحد.
فتشجعت وبعض أهل الحي فدخلنا عليها.
وجدناها جالسة أمام التلفاز، وقد امتلأت عيناها بالدموع. كانت تبكي بصمت.
نظرت إلي بعينين كلهما عتاب ولم تقل أي كلمة.
خرجوا مذعورين.
قال أحدهم: هذه ليست سهاد؟
وقال رجل مسن:
… أرأيتم كيف تبكي بصمت؟
…
وتركنا سهاد تجلس خلف نافذتها، والدموع تنحدر على وجهها.
ولم تغب شمس ذلك اليوم حتى اجتمع رجال الحي في الديوان الكبير.
جلسوا متباعدين كأنهم يخشون أن تلمسهم الحكاية نفسها.
قال أحدهم بخوف:
سمع المجتمعون كلهم صوت سهاد وهي تطلب الدخول إلى الديوان، ورأوها وهي تطرق أبوابه بعنف…
وركض المجتمعون جميعا ليغلقوا الأبواب والشبابيك.
لكن بعد دقائق اختفى صوت سهاد القوي الغاضب، فأسرع المجتمعون في الديوان إلى الشبابيك ، فتشوا بأعين حذرة عن سهاد لكنها لم تكن هناك …
قال أحدهم وهو يشير بإصبع مرتبكة: هي هناك تركض نحو شجرة الزيتون الكنعانية، يا جماعة الخير أنا أسمع ضحكتها كأنها أمامي! ثم صمت لحظة ثم قال بدهشة: وأنا أسمع بكاءها الآن كأنها أمامي!
.قال رجل بخوف: يا جماعة، الأمر خطير وخطير جدا، ولم يعد يخص سهاد وحدها. نحن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث غدًا.





