وجه سلمى بكل صفائه المعهود لديّ، رغم ما مرت به، حطَ وسط كل هذه الفوضى مثل حمامة تهمس لي برسالة آتية من بعيد. صادفتها في الطرقة القريبة من غرفتي المعزولة، وكأني وباء يخشى النظام من سريان عدواه بين الجموع. مؤكد أنها عرفتني، رغم أن قسمات وجهها لم تظهر أي تعبير، إلا أني لم أستسلم لذلك التجاهل المستفز فأقبلت نحوها لألقي التحية، وكم رغبت باحتضانها أيضًا، ليس عن شوق جامح فحسب، بل لأننا صرنا نتشارك ذات محنة الإقصاء عن أحلامنا القديمة. سبقتني إليها قبل سنوات، منذ أن تم اعتقال زوجها في بداية السبعينات، ومن ثم تسليم جثته وشهادة مكتوب فيها أن سبب الوفاة ذبحة صدرية، رغم أنه لم يشكُ من أي أمراض من قبل، حسب ما أعرف.
آخر ما كنت أتوقعه أن أكون في مثل هذا الموقف الغريب أمامها وأنا في هيئتي الجديدة، الموظف المعزول عن الجميع، بلا منصب محدد، بعد أن تقلدتُ منصب محافظ، ومن ثم مدير شركة من شركاتنا الوطنية الكبرى، ووكيل وزارة، كما كنت من المرشحين لتولي منصب سيادي مهم داخل القصر الجمهوري، أي من أصحاب القرار داخل أروقة الدولة، ولم أكن أعرف أن اتخاذ أي قرار لا يصدر إلا من غرفة واحدة، دون أن نمتلك إلا حق الموافقة عليه والهتاف بكل حماس لا يترك مجالًا للشك، ولا حتى للخيال، بالتخاذل أو الوهن في تنفيذ الرؤى القيادية سريعة التحول، بلا أن ندرك إلى أين يمكن أن تقودنا خطاها المؤطَرة بمباركة الجماهير دومًا.
أجابت على سلامي باقتضاب، وبتعبير وجه صارم وحاجبين مقَطبين، العادة التي ألفتها عنها لدى الغضب أو الزعل، فابتعدتُ خطوات عنها كي لا أتعرض للإحراج أمامها أكثر.
رغبتُ بالتحدث معها، كما لو أني أحتفظ بأسرار لا طاقة لي على احتمال عبئها وحدي، ولا أعرف أحدًا سواها لأهمس بها أمامه، رغم ما يلجم لساني من خوف أن تتسرب كلماتي إلى الأسماع، حتى وإن كانت كلمات مواساة متأخرة لوفاة صديقي ورفيقي القديم، وكأن التغييرات الجذرية في أركان القيادة حدثت فقط من أجل أن أصادفها بعد كل هذه الأعوام.
لم أكن أعرف أنها تداوم معي في ذات المكان، ربما تم نقلها لأكثر من مرة بين عدة وظائف حتى انتهى بها المطاف هنا، كما لو كانت بانتظار رؤيتي، كوجه من ضمن الوجوه التي صارت تتحاشى النظر إليها حتى عبر شاشة التلفاز، وإن اضطرت إلى ذلك فسرعان ما تنتابها سخرية ممزوجة بالاشمئزاز من خدعة تملكت عقلها وزوجها المتوفى منذ بواكير الشباب، مثلما يخالجني ذات الشعور الآن، وكأني بهذا أعلن براءتي التامة مما كنت عليه قبل وقوعي في شرَك القاعة التي غنت فيها فيروز أجمل أغانيها قبل سنوات لدى مجيئها إلى بغداد.
أُجبرنا في الفرقة الحزبية التي اضطررتُ إلى المشاركة في كل اجتماعاتها، بعد أن كنتُ عضو قيادة، أن نشاهد وقائع الاجتماع (المسرحي) المسجل على شريط فيديو، ونحن ندرك مدى الرقابة المصوَبة نحو قسمات وجوهنا، ولو عبر كاميرات لا تلحظها العيون، كي تسجل بدقة ما يمكن أن يُستشَف من صمتنا المشوب بذات التوتر واضطراب الأعصاب الذي نالَنا داخل القاعة من قبل، وكأنهم يصرون على تكرار ذات صعقة الخوف، لعل هناك من أفلت من اقتناص عيون رجال الأمن المحَملقة، والذين كانوا يقفون عند كل زاوية وصف هتف الجالسون فيه ضد خيانة المتآمرين بملء الحناجر، بصورة هستيرية تحمد الله على السلامة من وعيد النداء بصوت القائد الذي يلقي الرعب في الأوصال لكي يجبر صاحب الاسم الثلاثي على مغادرة القاعة، وفي المرتين كنت من ضمن الهاتفين الثائرين على وحل الخيانة، رغم سخريتي واستهزائي بكل ما جهر به الصوت الذي سوف يظل يدوي في الآذان قرابة ربع قرن، وكأنه يتعمد استفزاز ما بقيَ من صحو أذهاننا ولم تستغرقه الدهشة من هَول وسرعة ما يحدث بعد عدة أيام من احتفال التنصيب الرئاسي، ثم صرت أتكتم على مدامعي أسفًا على كل شيء، لا تهاوي مجموعة “النقطة السوداء” فحسب، لكني لم أجرؤ على البصق إلا داخل غرفتي، موصودة الباب، أمام المرآة الكبيرة التي اعتادت تأكيد مدى أناقتي قبل مغادرة المنزل، فبدت وكأنها تتهشم، وراحت تتهاوى معها ملامح وجهي دون إمكانية استعادتها ثانيةً.
لو أنها منحتني فرصة الكلام لَحدثتها عن الكثير مما وعيتُ عليه مؤخرًا، لست أنا فحسب، بل كل عائلتي، بدءًا من والدي الذي صار يركن إلى الصمت أغلب الوقت، بنظرات يسكنها الخوف وترقب المجهول المهدِد بفقداني هذه المرة للأبد، لا مثل فترات الاعتقال السابقة، التي بدأت منذ زهو الشباب خلال العهود السابقة. يعرف أن الأمر الآن مختلف تمامًا، وأنه لم يعد يمتلك طاقة الاحتمال ولا الصبر أو حدة الغضب التي قد تسوقه إلى طردي من الدار أو حتى ضربي، ومن جهة أخرى لم يعد يدري ما الذي يمكنه فعله كي ينقذني من ورطتي الجديدة، فهو لا يعرف أي وساطة يمكن أن تساعد في تنحية حد سيف السلطة عن رقبتي، وقد فقدَ معارفه وعلاقاته عهدًا تلو الآخر وصارت كل صلاته بالمسؤولين كونه والد أحدهم، ورغم ذلك ظل خوفه يتزايد حينًا بعد حين، مما كان يدفعه أن يهمس في أذني، وكأنه يخشى أن يسترق السمع أحد كتَبة التقارير السرية، أن آخذ حذري ما دمت من ضمن موكب البلاط الجمهوري الذي تتراشق من حوله سهام الاتهامات المترامية مثل شباك تحوم مصائدها حول رؤوس الجميع، وربما أكون وكل مَن سرقتهم غفوات الحلم، كما كان يقول باستمرار، من ضمن أوائل ضحايا الاستفاقة المرَوعة…
***
من رواية “نفطة في الذاكرة… رفاق النقطة”
الصادرة عن دار الوصل للنشر والتوزيع.
كاتب عراقي