الرياح تعصف، والسماء تزمجر.. وقع زخات المطر يتردد صداه مثل دقات طبول الحرب في الأزمنة الغابرة.. رقية لا تعلم أن فوق هذه الأرض قامت معركة كبيرة مات فيها ثلاثة ملوك.. نسي الناس أن المدينة تسبح فوق برك من الدم الملكي..
البيت يقع على الهامش. لا تملك الا طابقا سفليا غمرته المياه منذ اليوم الاول.. كل شيء وقع بشكل مفاجئ.. كانوا ممدين فوق الأفرشة.. لم يغمض لهم جفت.. المطر ظل يتساقط بكثافة طيلة النهار.. الكهرباء انقطعت قبل غروب الشمس.. الماء يتسرب فوق الأفرشة.. صرخت مريم.. أشعل إبراهيم المصباح اليدوي.. أخذ ابنته ووضعها فوق كتفيه، وهي تبكي من شدة الفزع.. لا أحد كان يتصور بأن الماء سيصل الى هذا المستوى من الارتفاع.. لا بد أن الماء قدم من الأودية المجاورة.. الشيوخ قالوا بالأمس بأن الماء سيأتي أيضا من خارج المدينة، ويغمرها من كل جانب..
بدأ السكان يخرجون من البيوت. بعض الرجال يحملون أطفالهم، ويطلبون من النساء الكف عن العويل، ومساعدتهم في حمل ما يمكن حمله.. تجاوز الماء ركبتي إبراهيم.. قال بصوت مبحوح:
ـ الأمر مرعب.. كمية المياه ترتفع بسرعة..
سمعت رقية قرقرة الدجاج بجانبها.. أنار عباس مكان الصوت بالمصباح.. أمسكت بديك ودجاجة من فوق دكة لم يصلها الماء بعد..
الظلام دامس لا أحد يعرف أين سيذهب.. الماء يحاصر المكان من كل جانب.. عاد إبراهيم إلى الداخل، وقرر أن يصعد إلى سطح البيت كما يفعل بعض الجيران حتى يطلع الصباح.. طلب من رقية أن تشبك يدها حول ذراعه التي يحمل بها المصباح..
عندما وصل إلى فوق أنزل مريم، وطلب منها أن تقف بالقرب من سور السطح، وتشد في ثياب والدتها.. ونصح رقية أن تترك الدجاج، وتحمي ابنتها من الرياح، ولسعات المطر البارد.. لا قمر ولا نجوم.. السماء تنفجرمثل شلال فوق الرؤوس..
سيعود للبحث عن لحاف أو غطاء للطفلة.. أضواء المصابيح فوق السطوح تتلألأ ضعيفة كأنها تلوح من بعيد.. لا يمكن أن تميز ما يظهر فوق السطح المجاور.. حتى الكلام الذي يتبادله الرجال تتلاعب الرياح والأمطار بموجاته، وتحيله إلى طلاسم أكثر غموضا من الأحجبة التي يكتبها المشعوذون لضحاياهم..
عاد إبراهيم بسرعة غطى زوجته وابنته باللحاف الصوفي أولا، ثم وضع فوقه قطعة البلاستيك الخاصة بالمائدة التي تحتفظ بها رقية للأعياد والمناسبات..
الناس ترتجف من شدة البرد، وتنتظر أن يحل الصباح.. لكن الماء لا ينتظر.. يبدو غاضبا وشرسا مثل وحش جائع.. يأخذ كل شيء في طريقه..
الوقت يمر بطيئا.. السي العربي لم يؤذن.. الناس لم تذهب إلى المسجد.. الأطفال أيضا تعطلوا عن الدراسة.. بعض الجهلة لم يصدقوا ما جاء في النشرة الجوية.. علقوا على ذلك بسخرية:
ـ هؤلاء الكفرة يريدون أن يشتركوا مع الله سبحانه في علم ما لا يعلمه سواه!.
لكن بعضهم الآن اندهش مما يقع.. واعتقد بأن خللا ما يحدث في الكون.. ربما هو من بين أسباب هذا الغضب القادم من السماء..
لم يظهر نوح.. لم يصنع أحد سفينة.. الابن لم يعص نداء والده.. لا جبل قريب يعصم من الماء..
لم يطلع الصباح حتى هدَّ التعبُ والانتظار الناس.. نداءات بمكبر الصوت، تدعو إلى الاستعداد لإخلاء المدينة.. الحافلات تنتظر في الخارج.. الخطر القادم سيكون أشد بأسا مما عاشوه الليلة.. بدأت فرق الجيش والإنقاذ في الانتشار.. مزيج من الفرح والخوف ألمّ بالناس..
رقية لن تعجن اليوم.. لم تنم حتى تستيقظ.. لا رغيف ولا مسمن ولا شاي.. لابد ان الفرن امتلأ بالوحل، والعيدان تلاعب بها الماء..
مراكش 08 فبراير 2026