النص:
لم يكن الكتاب الأحمر، الذي يرافق كتبي صباح كلّ اثنين، غير ديوان شعر، أحضره لتجديد استعارته أسبوعًا آخر. وكنتُ، على غير العادة، أسلك الطريق، ضحىً، إلى مبنى مكتبة الجامعة المركزية وحدي. وفي الصالة.. كنتُ، غالبًا، أجد مساحة للانتظار. لا أدري ما الذي يبقيني بعيدًا، أتطلّع إلى طلبة يقفون أمام طاولة عالية تفصل الصالة عن موظفي المكتبة. ومن هناك.. كنتُ أراها تتحرك بين الطاولة ورفوف الكتب، وأحيانًا تختفي في الداخل قليلًا. وفي طرفة العين التي أغفل فيها عنها.. أشعر أنها كانت ترفع رأسها لتراني.
أتذكّر أنها، وأنا أسلمها قصاصة ورق باسم الكتاب وعنوانه، نظرتْ إليّ. ثم قالتْ لي قبل أنْ تذهب لإحضاره: ثمة نسختان فقط منه، واحدة عندي.. يأخذها أخي معه إلى الحرب. وتابعتها تبتعد وشعرها المربوط يتراقص بين كتفيها كذيل فرس جموح.
يحدث ذلك في كلّ مرة أجدد فيها استعارة الكتاب. كانت تُخرج لي بطاقة الكتاب الآخر وتعرضها أمامي: أخاف أن يُفقد هناك. تقول ذلك وهي تتفحّصها، ثم تُعيدها إلى الدُرج. ثم تعيد تذكيري، وأنا أبتعد، بأنّ هناك نسختان فقط من هذا الكتاب.
حين عرضتْ عليّ مرة استبدال نسختي بنسختها، وكانت قد أحضرتها معها، لم أمانع. كانت تقلّبها.. ثم عرضتها أمامي وهي تقول:
– كلّ شيء في الحرب يبلى سريعًا.. حتى الكتب. وهي تخاف أيضًا. يقول أخي إنّه، مرّة، بحث عنه كثيرًا قبل أنْ يجده في زاوية من زوايا الموضع.. في حين أنّه كان بيده عندما بدأ القصف.
وإذ رأتني أنظر إليها مندهشًا.. أضافتْ:
– أنت لم ترَ الحرب بعد.
لم أجدْ ما أقوله. إلا أنّ الكتاب، وأنا أتناوله من يدها الممدودة، كان أخفّ من نسخته الأخرى. قلّبته بين يديّ وأنا أتابعها تدوّن التواريخ على بطاقة الكتاب. يحجب وجهَها عنّي شعرُها الذي تقصّه من الأمام كطفلة.
ذات ضحىً.. ذهبتُ لأعيد الكتاب بعد أنْ أنهيتُ قراءته. كعادتي.. وقفتُ بعيدًا. كانت الصالة فارغة.. وكنتُ أنظر إليها وهي تعيد ترتيب كتبٍ على رفٍّ قريب. حين تنبّهتْ إليّ؛ تقدّمتْ نحو الطاولة:
– لم أتوقع مجيئك. اليوم هو الأحد!
– جئتُ أعيد الكتاب.
بحثتْ عن بطاقة الكتاب. أعادتها إليه.. ثم ركنته مع كتب أخرى. شكرتها ومضيتُ وأنا أنتظر سماع عبارتها التي اعتادتْ أنْ تشيّعني بها. وقريبًا من بوابة المبنى.. استدرتُ. وجدتها تنظر إليّ:
– بقيتْ نسخة واحدة، فقط، من الكتاب.
تحليل النص
يقدّم نص القاص محمد عبد حسن سرداً قصيراً يدور في مكتبة جامعية، لكنه يعبر ما وراء حدود المكان ليعكس أجواء الحرب التي تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية. العنوان نفسه، “نسخة الكتاب الأخرى”، يكثّف جوهر القصة: وجود نسختين من كتاب، إحداهما في المكتبة، والأخرى في الجبهة حيث يأخذها الأخ إلى الحرب. هذه الثنائية بين نسختين تُحيل إلى ثنائية أوسع: بين الحرب والحياة، بين الغياب والحضور، بين المعرفة والفقدان.
الشخصيات الرئيسية ثلاثة: الراوي، الموظفة، والأخ الغائب. الراوي طالب يذهب بانتظام لتجديد استعارة الكتاب، يسلك طريقاً مألوفاً ويقف غالباً بعيداً، مراقباً المشهد بصمت. هو شخصية متأملة، تكتفي بالملاحظة والانفعال الداخلي. الموظفة، على الجانب الآخر، هي الرابط بين عالم الجامعة وعالم الحرب؛ فهي لا تكتفي بمناولة الكتب، بل تذكّر دائمًا بوجود “نسخة أخرى” في مكان مهدّد. أما الأخ، فهو حضور غائب يمارس سطوته على المكان، فنحنُ لا نراه، لكن الحرب تنطق باسمه وتدخل النص من خلاله.
يُفترض أن يكون المكان ــ المكتبة الجامعية ــ فضاءً للعلم والاستقرار، لكنه في النص يتحوّل إلى نقطة تماس مع الحرب. الطاولة العالية، الصالة، رفوف الكتب، جميعها تتحوّل إلى رموز لمسافة نفسية تفصل بين الشخصيتين وبين عالمين متناقضين. حتى الحوار المقتضب بين الراوي والموظفة يكشف أن الحرب ليست بعيدة عن قاعة الدرس، بل تقتحمها عبر الكتاب المستعار.
يتوزع الزمن بين رتابة الأيام وأوقاتها (الاثنين، الأحد، الضحى) وزمن الحرب المضطرب. يخلق تكرار الفعل الروتيني ــ استعارة الكتاب وتجديده ــ إيقاعاً دائرياً، لكنه يتخلخل في كل مرة من خلال ذاكرة الحرب. ويعمّق هذا التناوب بين الزمنين التوتر الداخلي للنص.
الكتاب نفسه هو الرمز الأبرز: ليس مجرد ديوان شعر، بل تجسيد للهشاشة. تارة يُستعار ويُقرأ في أمان، وتارة يتنقّل إلى جبهة مشتعلة حيث يتهدّده الضياع. الموظفة تقول: “كلّ شيء في الحرب يبلى سريعاً.. حتى الكتب”، لتضع القارئ أمام حقيقة أن المعرفة والحياة يقفان معاً في مواجهة الفناء.
وثمة أيضاً خيط شفيف من العاطفة المكبوتة بين الراوي والموظفة. يظهر في نظراتها الخاطفة، في انتظاره لعبارتها الوداعية، وفي دهشته حين تقترح استبدال نسخته بنسختها. هذه العاطفة تظل صامتة، مغلّفة بظل الحرب التي تحول دون اكتمال أي علاقة طبيعية.
اللغة ثرية، مشحونة بالإيحاء. تضفي الجمل الوصفية (شعرها المربوط، حركتها بين الطاولة والرفوف) لمسة حميمية، فيما الجمل الحوارية المقتضبة (“أنت لم ترَ الحرب بعد”) تكشف عمقاً درامياً يفوق ظاهرها. والنص قائم على التلميح أكثر من التصريح، ما يفتح المجال لتأويلات متعددة.
تحمل النهاية تحمل إقفالاً مأساوياً: “بقيت نسخة واحدة، فقط، من الكتاب.” هذه العبارة ليست مجرد خبر عن النسخ، بل نبوءة بالخسارة والفقدان، وإعلان عن انكماش الحياة إلى حدّها الأدنى. إنها إشارة إلى موت أو غياب محتمل، سواء كان الأخ أو المعرفة أو حتى الأمل.
باختصار، يعكس النص كيف أن الحرب لا تُروى دوماً عبر صور الدماء والمعارك، بل تتجلّى في تفاصيل عابرة كاستعارة كتاب أو انتظار كلمة وداع. إنه نص عن هشاشة الحياة أمام قسوة الحرب، وعن التوازي بين فقدان البشر وفقدان الكتب.