
«الإنسانُ هو الوحيدُ الذي يُطوِّر هاتفَه كلَّ عام، ويُصِرُّ على أن يبقى تفكيرُه بنُسخةِ 1998.»
قول شائع
يستيقظُ كلَّ صباحٍ على صوتِ هاتفِه الجديد، فيمدُّ يدَه إلى أحدثِ جهازٍ في السوق، يتفقّدُ شاشتَه اللامعة، ثم يلتقطُ صورةً له مع الهاتف وينشرُها على صفحته: «التكنولوجيا لا تنتظرُ أحدًا.» ثم يضعُ تحتها صورةَ سيارتِه الجديدة، وساعتِه الجديدة، ومكتبِه الجديد، وبدلتِه التي اشتراها من آخرِ معرضٍ للموضة. هو رجلٌ يحبُّ التحديث… لكن من الخارج فقط. كلَّ عامٍ يُبدِّل هاتفَه، وكلَّ عامٍ يُغيِّر سيارتَه، وكلَّ عامٍ يُعيدُ طلاءَ واجهةِ بيتِه، وحتى نظّارتَه يحرصُ على أن تكونَ من أحدثِ الموديلات. أمّا أفكارُه، فممنوعٌ الاقترابُ منها. يرى أن المرأةَ يجبُ أن تعرفَ حدودَها، وأن الرجلَ لا يُناقَش، وأن الأبناءَ عليهم السمعُ والطاعة، وأن تعدُّدَ الآراء فوضى، وحريةَ التعبير بابٌ للمشاكل، والمساواةَ فكرةٌ مستوردة، وأن الرجلَ يستطيعُ أن يتزوّجَ أكثرَ من امرأة، أمّا المرأةُ فعليها أن تتفهّمَ الأمرَ وتبتسم. وحين تقولُ له ابنتُه إن المرأةَ تستطيعُ أن تعملَ وتنجحَ وتختارَ حياتَها بنفسِها، يرفعُ عينيه عن هاتفِه ويقولُ بضيق: — هذه أفكارٌ جديدةٌ لا نعرفُ إلى أين ستأخذُنا. فتجيبه: — وهل كلُّ قديمٍ صحيح؟ يقطّبُ جبينَه: — نحن تربّينا هكذا، وصار منّا رجال. وحين يعترضُ أحدُ أصدقائِه على رأيه، يلوّحُ بيدِه قائلًا: — أنا لا أحبُّ من يجادلني… الاختلافُ هذه الأيام صار مرضًا. ثم يعودُ إلى هاتفِه، يبحثُ عن أحدثِ طرازٍ يمكنُ أن يشتريَه. وفي إحدى الأمسيات، يجلسُ مع أصدقائِه متفاخرًا بهاتفِه الجديد. يسأله أحدُهم: — ما الذي يميّزُه عن هاتفِك السابق؟ يبتسمُ بثقة: — كلُّ شيءٍ تقريبًا؛ أسرع، أذكى، وأكثرُ تطوّرًا. يصمتُ صديقُه لحظةً ثم يسأله: — وأنت؟ يتفاجأ: — ماذا تقصد؟ — متى آخرُ مرةٍ حدَّثتَ نفسك؟ يتغيّرُ وجهُه، ويضعُ الهاتفَ على الطاولة: — أنا لا أحتاجُ إلى تحديث! هذه المبادئُ تربّينا عليها، وهي التي صنعتْنا رجالًا. يبتسمُ صديقُه: — أم صنعتْك نسخةً لا تقبلُ التحديث؟ يمدُّ يدَه إلى هاتفِه، فيضغطُ زرًّا، فتظهرُ على الشاشة رسالةٌ واضحة: «يتوفّرُ تحديثٌ جديدٌ لنظامِ التشغيل.» ينظرُ إليها طويلًا، ثم يضغطُ: «تذكيري لاحقًا.» وبعد لحظةٍ تظهرُ رسالةٌ أخرى: «لا يمكن تثبيتُ التحديث… الذاكرةُ ممتلئة.» يرفعُ رأسَه مبتسمًا بثقة: — قلتُ لكم… الأجهزةُ الحديثةُ كثيرةُ المشاكل! يضحكُ الجميع. أمّا هو فلا يضحك؛ لأن أحدًا لم يخبرْه أن الرسالةَ لم تكن من هاتفِه… كانت من داخلِه…!!.
7.سبتمبر. أيلول.2026م.




