(أ)
أهل البصرة , خجولين , طيبين , وادعين , صفات تصل احيانا حد اللامبالاة,رغم ان العالم من حولهم يسير بخطوات مستعجلة نحو الاستحواذ والهيمنة وبوادر دمار يتمثل في صراع همجي متشعب ,ظاهره(الله ) وباطنه (إبليس)
صفات تثير في النفس استغرابا , وكثير من علامات الاستفهام
أي نبع يغذيها ؟
هل هي انعكاس لمرايا الروح ؟ أم رغبة ملحة بالتكفير عن خطيئة ارتكبت يوما ما؟
رغم هذا وذاك سيبقى البصريون
يتحاشون الخوض في موضوع مهم يرتبط بحياتهم , موضوع يلازمهم ملازمة أزلية , ويلتصق بزوايا نفوسهم كالتصاق شط العرب بمدينتهم , تلك ألمدينة الاثمة
التي جعلت ملوك الارض يقسمون اغلظ الايمان بأنهم سوف يضاجعونها عاجلا أم آجلا,
أو كتنفسهم لرياحهم الجنوبية الشرقية ذات ألهواء الثقيل الحار والرطب أو كما يسموه {الشرجي} , أما الموضوع الذي يتحاشاه البصريون فهو [كآبتهم ]التي تصيبهم بصورة مفاجئة ,
كآبة ليس لها أسباب أو مسببات ,
كآبة ثقيلة لا ترتبط بموعد و لا توقيت وهي خارج حسابات ألمواسم والنذور.
تغزوهم بسرعة وتنحسر عنهم بسرعة , عمرها قصير مثل عمر ساعات المد والجزر في نهرهم العجوز,
أو كالغزوات التي قامت بها الجيوش ألمتعددة ألإشكال والجنسيات لاحتلالها , احتلال بدون إنذار سرعان مايعقبه انسحاب هو أشبه بهزيمة.
كذلك حال كآبتهم التي لا يتكلمون عنها كثيرا.
وهي نفس تلك الكآبة التي جعلت الأسكندر ألمقدوني يغادر البصرة مسرعا بعد أن أمر قائد جيوشه {نيارخوس} ببناء ميناء لقواته يحمل أسم ذاك القائد .
سرعان ما هرب القائد { نيارخوس} من البصرة متتبعا خطى قائده الأسكندر وهو يلعن ثلاثة أعداء تعاونوا على هزيمته هم ورياح {الشرجي} الرطبة والثقيلة على النفس ولسعات البعوض التي لم تترك مكانا في جسده دون ان تترك فيه بصماتها , والكآبة البصرية اياها.
لم يبق في البصرة من آثار الاسكندر سوى الميناء الذي يحمل اسم قائد جيوشه,
حتى اسم الميناء ألذي يقع في ابي ألخصيب تصرف فيه أهل ألبصره كعادتهم في التصرف بالأسماء فأطلقوا عليه اسم {نهر خوز} وهو قريب جدا من أسم القائد (نيارخوس) , وبعد مضي السنين تحول اسم الميناء بقدرة قادر ألى نهر {أبو حلاوة} ولغاية يومنا هذا , ولا أعرف ما هي العلاقة مابين قيادة الجيوش وبناء الموانئ ومابين صناعة الحلاوة.
وهي نفس تلك الكآبة التي جعلت شاعرها {السياب} يتركها هائما في بلدان الله ,فلم يحصد سوى أرثه التاريخي بالكآبة وألم ووجع سياط الغربة.
وهي بالضبط نفس الكآبة التي جعلت من نساء البصرة وفتياتها أكثر نساء الأرض استخداما لأصباغ الشعر من (حنائها) بعد أن تركت معركتهن مع الكآبة شعورهن مكللة بالبياض.
إنها ليست مجرد كآبة أنها موروث شعبي نتيجة عدم استقرار مدينتهم على مر العصور.
هي الحصيلة الناتجة عن الغزو واحتلال الغير لها ,أشد ما يثير الكآبة هو ان تنام بصريا ,كي تجد نفسك تدين بالولاء لأخر هو غريب عنك بعد الاستيقاظ
فكان لابد لنا إن نجد طريقة أو طرق للحد من هذه ألكآبة فكانت طرق العلاج مؤقتة
تنوعت حسب نفسية أصحابها ورغباتهم.
جلسات السمر , ألنقر على طبول الخشابة , تصادم ألأكف بتصفيق متناغم ,الهيوة ,الزيران والنوبان كلها اسباب تذهب الملل وتقتل الكآبة (*)
وكانت لدي طريقتي الخاصة بمحاربة كآبتي وهي بسيطة وفعالة بعد أن جربتها مرات كثيرة وثبتت فعاليتها , طريقة بسيطة وسهلة تتلخص بذهابي لمنطقة أبي الخصيب , حيث تسكن خالتي ,
وخالتي هي السبب المباشر لزوال الكآبة , لا تتعجبوا من السبب فخالتي امرأة عجوز لا تملك من المرح وأسبابه الشيء الكثير الذي يستطيع ان يزيح كآبة متأصلة مثل كآبة البصرة , كل ما هنالك أن خالتي هي الوحيدة التي بقيت من أقاربي المسنين على قيد الحياة فلقد نسيها الموت قليلا , فكان بقائها هو تذكير لي بأني لازلت حيا فتزول كآبتي , بئس السبب وبئس المسبب.
————
(النص هو فصل من رواية)
(*) الهيوة والزيران والنوبان هي رقصات فلكلورية لها جذور دينية حتى ان البعض يعتقد انها طقوس من اصول افريقية