موشح أندلسيّ
كلّ يوم يلتقي شاعر مع محرر ثقافيّ في مقهى، ويتحاوران.
الشاعر: محنتي معك لا تنتهي: أرسل لك الشعر وهو أكثر الأفعال براءة فيصبح لديك كتلة أسطر تملأ فراغاً، أنت لا تدرك ليالي الأرق التي أقضيها وأنا أعوي كذئب جريح لأنجز قصيدتي، أنت لا تفكر في حجم إساءتك للشعر حين تعمد إلى تأخير قصيدة يقف تأريخ كامل بانتظار أن يراها مسطورة في قرطاس. المحنة أن صحفياً صغيراً مثلك بذائقتك القاصرة ستكون له سلطة على قصيدة مسرفة في الجمال.
المحرر: محنتي معك أنت لا تنتهي، هناك وفرة في النصوص الشعرية لدينا، أغلبها يثير الأسى، مزاجكم صعب الإرضاء، هناك صفحة ثقافية لا أريدها تقليدية، اعتاد القارئ أن يرى صفحة ثقافية نموذجية، والصفحة النموذجية التي ورثناها من صحف النظام السابق محتوية ولابدّ على قصة وقصيدة وعرض كتاب، وأنا كمحرر ثقافي أحترم نفسي ومهنتي لا أريد أن تكون صفحتي هكذا، فأنا لديّ مشروع ثقافي أريد إنجازه، ثمّ هناك وظيفتي التي تحتم عليّ تحكيم ذائقتي، ذائقتي التي تراها قاصرة تمنعني من أن أتبع تقليداً شائعاً يتمثل بالمحاصصة الشعرية ، أن أنشر شعراً عمودياً مساوياً لكمية شعر التفعيلة التي يجب أن تساوي كمية قصائد النثر خوف أن أتهم بالطائفية الشعرية!
الشاعر: وظيفتك أن تنشر ما يرد لك من شعر جيّد بغض النظر عن الشكل الشعريّ.
المحرر: وما أدراني بالجيّد من السيئ إنْ لم أحكّم ذائقتي المحدودة القاصرة؟
الشاعر: هناك أسماء لها حضور راسخ ولا يحقّ لك أن ترفض لها نصاً.
المحرر: هل يرضيك أن تكون الصفحة مكرسة للأسماء الراسخة فقط؟
الشاعر: بربك .. أيعقل أن تنام قصيدتي ستة اشهر في درجك؟
المحرر: نعم . إذا كان في الدرج قصائد تكفي لثلاث سنوات مقبلة.
الشاعر: عليك أن تنتقي … هذا شغلك.
المحرر: أنتقي بذائقتي؟
الشاعر: لا، فالشعر الحقيقيّ لا يختلف عليه اثنان.
المحرر: ها نحن اثنان … واختلفنا.
الشاعر: أنت لا تفهم شيئاً.
يذهب المحرر حزيناً إلى بيته وهو يفكر بصفحة الغد التي يريدها عن علاقة المثقف بالموسيقى، صفحة ليس فيها قصيدة واحدة.
يلحقه شاعر آخر ويسلمه رزمة أوراق: هذه آخر قصائدي، أرجو أن أراها منشورة بأقرب وقت.
كلّ يوم يقسم محرر أن لا يجلس بعدُ في مقهى الشعراء.
كلّ يوم يقسم شاعر أن لا يسلم قصيدته إلى محرر.