أهداني صديقي علبة قهوة إطالية معتقة عالية الجودة، مصحوبة بعبارات العتب الجميل، مرفقة بكلام طويل ينم عن ثقافة موسوعية بالقهوة، و فيه وصف مسترسل لطقوس تحضيرها. وكأنه يخبرني بأن القهوة كائن يشعر، وأن لها كبرياء، وتختار لمن تهدي سائغ طعمها، وكأنها التي تنتقي بحرص من يرشفها برقة وعمق، ولو كانت بالسفاه تشققات، فالمهم هو ‘التلقي’..
أعددت القهوة بعدما عدت إلى المنزل ودعوت صديقي ليتذوق منها، وبدوري لم أقدم في الكأس سائلها فحسب، بل قدمت في الكأس خطابا مجترا مكررا، فيه حرص كبير على إعادة ما قيل لي من كلام دون إغفال أي معلومة، بل حاولت أن أحاكي حركات الصديق الذي أهداني علبة القهوة لإبلاغ الرسالة ببلاغة.
بعدما تذوقت الرشفة الأولى، وجدت طعم القهوة غير خالص، تمازج مع طعم نبتة الزعترية، دونما إجهاد لذهني، علمت أن أمي من وضعتها في القهوة دون استئذاني، لكنه طعم القهوة أضحى مميزا فريدا، تآخت القهوة الآتية من الغرب من مدينة تريستي الإطالية المعروفة مع نبتة تنمو في أعالي الجبال بقرية إݣي وش المنسية في قبيلة إحاحان الأمازيغية، فأضحت لوحة فنية رسمت بريشتين متباعدتين متقاربتين رغم المسافات. فما كل المسافات تقاس بالأمتار.. ومن عادة الجمال أنها يآخي ويعدي.. فرغم كبرياء القهوة وسحرها ورغم خيلاء الزعترية وأنفتها إلا أنهما باعدا سبل النرجسية ورجحا معا جسور التآلف…
في هذا التمازج ما ينفي الكلام الذي اجتره لساني، لكن هذا الفنجان أمامي بدا نصا رائقا منفتحا يقبل بما يتخلله من تناصات.. واستحال كالقصيدة الشعرية التي يحليها البديع، ويسمو برؤاها التنويع.. هكذا الثقافة متدفقة ومتآخية وسائلة.. وهكذا للإنسان يجب أن يكون.