عزيز الشعباني:
خيّل إلي أن أصوات قضاة تغرقني في طنين حلم غير منته ، فيبعث هذا الطنين في أعماقي فكرة الدوران والخوار كدولاب الطاحونة ، شعرت أن حواسي تخذلني وصرت أرى الألوان المعتمة في قلبي ، وحين دوى صوت اصطفاق فردتي الباب ، غاب عنّي الوعي ، أو أني كنت واع في عالم غائب ، أهو حلم أم يقظة ؟ هل أنا في عالم الأحلام ؟ … في الواقع الافتراضي ؟ … في الواقع الملموس .. لا أدري اختلط عندي الإحساس … أأنا في حالة إغماء ؟… فقدت الوعي ؟… لا أستطيع تحديد ما يحدث بالضبط أو حتى وصف الحالة . سبات واع يصحبه هذيان بل دمدمة ، ملائكة يريدون إنقاذي … لا أراهم لا لون لهم ضاعوا في غثياني المميت . كل عصب في كياني يختلج كما لو سرى تيار كهربائي في أحشائي … الملائكة تتحول إلى شياطين وأشكال لا معنى لها … لا أمل أرجوه منهم . أخذت تدب إلى كياني فكرة الراحة الأبدية التي تنتظرني في القبر ، وموسيقى انسابت لكنها بعيدة تحتاج إلى زمن طويل لأمسك لها صورة ، لكن دموعي تحسستها قبل أن يغيّبها السحر وتغوص في العدم وينبثق السواد عن ظلمات غالت في سقوط الروح المجنون إلى الجحيم ودخل الكون في ليل صامت ، لبثت فيه ساعات ، أو أيام … أو أسابيع … أو بعض عام لا أستطيع أن أحدد … استيقظت من حلمي الواهي ، عدت ثانية للحياة … أهكذا يكون الخلود ؟… عدت روحياً ، لكن جسدي لا أزال أجهل تحسسه ، قد تكون الإغماءة لا تزال … أو أنا في نصف إغماءة المهم أني من خلالها عرفت بيوتاً غريبة الأطوار، ووجوهاً لاهبة كالجمر … رأيت جثثاً تعوم في الهواء … مكللة بعطور أضاعت أزهارها … وأنغام لازالت تنشد أسراراً تلفت انتباهي . حتى هذه اللحظة وأنا أحاول أن أتشبث لالتقاط صورة واحدة على الأقل للتعرف على معالم المكان ، لأخرج من هذا العدم الذي انزلقت فيه روحي … خيالات وظلام من الذكرى قدّمت لي أشكالاً بلا ملامح ترفعني حيناً وتنقلني بصمت إلى أسفل … إلى الداخل … إلى الداخل حتى عاودني الدوار ثانية … دوار مرعب شدني إلى فكرة السقوط اللانهائي ، فحملني موكب من الأشباح يرتلون تعاويذ مبهمة بلا مبالاة بوجودي ، “تشعرني بالتفاهة وأنا المخلوق في أحسن تقويم وتعيد إليّ الجنون ثانية وتعيد إلى روحي الحركة” . والقلب يتحرك صاخباً ينبض في عروقي . شعرت بوجودي … تحسست جسدي … كان رطباً لزجاً … كان وجودي هذه المرة بلا فكر … تلاه رعب مرتعش وجهد بائس لفهم حالتي على حقيقتها … كيف ؟ … ما الذي حدث … أين أنا ؟ … في قبر ؟ … فـي سرداب تحت قاع البحر ؟ … كيـف يمكن أن يكون الظلام والسكون إلـى هذا الحـد ؟ .
(1-4)
نهضت … حاولت الحركة … الدوران وتساءلت : أما أنه لا يوجد حولي شيء !! … وأما إني فقدت الإحساس بالأشياء !! نفد صبري … حاولت أن استعمل عيني … أفتحها … أغلقها … أتلمس جفوني . حركات دون جدوى … ليس هناك ما يرى … كلا … كلا … محتمل أني فقدت البصر … لا معنى لمحاولاتي … ظلام أبدي … وسكون كثيف يثقل علي ويؤلمني ويؤكد خوفي . أنا لا أشعر بالجوع … “بدأ فكري يستنتج” . اذاً الإغماءة لم تكن طويلة … قد تكون ساعات ، أو يوماً على أكثر تقدير ولكن من يضمن لي إنها إغماءة ؟ . جهدت نفسي أن أستعيد ذكرى معينة … لكن دون جدوى ، إلا أن صرير الباب تغلغل كموجات كهرومغناطيسية في أذني ، وصوت أحدهم “خذ زقنبوتك” . وأغلق الباب ، دون أن أراه أو أرى الباب . كورت نفسي كالقطة ، وأنا أزحف على أربع باتجاه صوت إناء خزفي لامس بلاطاً مرمرياً . يداي وقدماي تلامس نسيجاً ناعماً ، وحين لامست يداي برودة المرمر عرفت أني أوشكت بلوغ الإناء . ثلاث أو أربع خطوات زاحفة بعد انتهاء النسيج ، أوصلتني لغايتي فالتهمت ما في الإناء بسرعة ، دون أن أكون قد شعرت بالجوع . لكن لا أدري لماذا فعلت . قد يكون الخوف . أو حالة لا شعورية أمر بها العقل الباطن . أو امتثال لأوامرهم طلباً للرحمة . في طريق عودتي لسجادتي (الكاشانية) وأنا أتلمس طريقي حابياً على يديّ وقدميّ ، كان المرمر رطباً فشطحت يدي ولامست إبريق ماء ، فأقنعني تعبي وإرهاقي أن أشرب الماء وأنا ممدد كضفدعة ميتة ، وأن أبقى ممدداً وسرعان ما داهمني نوم عميق . وبعد أن استيقظت كان التعب والألم الذي أعانيه يمنعني من التأمل لاستذكار ما حدث ، لكني قررت مواصلة رحلتي عبر سجني ووصلت بعد عناء كبير إلى وسط سجادتي . أخذت افترض أن هذا قبو … أو قد يكون قبراً وأنا أحلم … ولكن أين ناكر وأين نكير ؟. يا لبؤسي ، فأنا لا أرى في هذه التحريات فائدة … ولم يكن هناك أمل لكن فضولاً غامضاً دفعني لمواصلتها ، فقررت أن أضغط على ذاكرتي لالتقط ذكرى صورة أو صوت وأنا أضع يديّ على أذنيّ وذقني يلامس السجادة وشفتي وأنفي وعيناي في الفراغ تسبح في الظلام ، وأصابعي تتحسس فتافيت سائل دبق تصلب بين خصلات شعري وأطراف ثوبي ممزقة وملتفة حول ساقي ـ لا أعرف شيئاً عن حجم زنزانتي ، قد تكون غرفة أو صالة كبيرة أو قد تكون دهليزاً لا أعرف له قرار ، أو قد تكون واد سحيق رمتني فيه تعاستي . (2-4)
قررت أن أصرخ ، وقبل أن أفتح فمي صر الباب ثانية تبعته ضجة أصوات وأصداء متتالية تنم عن خلو القبو من الآثاث ، حدثت في اللحظة ذاتها ، ضجة فوق رأسي وصوت باب أغلق بسرعة ولما يكد يفتح وحزمة ضوء تنبع من ارتفاع لا يزيد عن قامة شخص تجتاز الظلام وتستقر على وجهي ، وأربع أيادي تتلقفني وأنا لا أزال ممدداً بنفس الوضع الضفدعي الذي أخذته ونقلوني إلى غرفة مجاورة تعج بالنور ، وبآثاث ملكي ينم عن ثراء ، ورجل يرتدي ثوباً بلا كوفيه ويحمل وجهه كل ملامح الحب والرحمة وهنا رأيت المصير الذي كان قد هيء اليّ . نظرة واحدة إلى وجوه الزبانية حاشية الرجل ذي الوجه الرحوم كانت بمثابة صدمة كهربائية أعادت اليّ تلك اللحظة ، فاستذكرت الوجوه التي غلفتني بكفن الموت والأصوات التي صرخت بأذني: “جاسوس” ، كنا نراقبك وأنت تنزل من سيارة “الكيا” القادمة من الضفة الأخرى … تذكرتهم وهم يضعوني في صندوق السيارة ، ذلك الدهليز القذر المرتق برائحة الدم ، وأنا أترجرج ككتلة لحم لا تملك من الأحاسيس إلا النظر من خلف أهداب منقوعة بدمي ، والشم بأنف يشخب بالدماء ، وصوت ضجيج الشارع الذي يفترسني ويعصرني بين كلاليبه ، لا أدري أين يمضي بي ، وأين سيقضي علي ، كانت السيارة تتوقف بين وقت وآخر ، وهدير الشارع يعلو ، وأنا واجم يشلني الخوف . السيارة تستدير يميناً بسرعة ، وأتدحرج يساراً ، وتنزل بانحدار شديد وأتدحرج إلى الأمام ليصطدم رأسي بحاجز حديدي جراء توقف السيارة بفرملة قوية جداً . نزعوا عن رأسي العصّابة في دهليز مظلم ، رطب ، واستقبلني رجل أهوج ضخم المعالم ، فانقطع البث بعدها عن الذاكرة . جاسوس …!!؟ لا أدري ماذا تعني هذه الكلمة ، الضفة الأخرى …!!؟ أي ضفة وأي جريمة في ذلك أخذت بالانحسار إلى الداخل ، وقل إحساسي بالخارج وقل تعاملي معه ، وبدت لي الوجوه تافهة ، شاحبة ، وأطفأت الأنوار في كوامن الشعور ، وصرت أتوه في سفرة الغثيان المتمهل وبضغط نفسي هائل يدفعني إلى التقيؤ .
(3-4)
يجب أن اجابه رعب التردد ، وأدلي برأيي . فصرخت “وأنا أمسح عن وجهي التعب والخوف ، وأرفع رأسي وأوجه النظر لأول مرة لعيني الرجل القابع خلف المائدة” : هل الإنسان مسؤول عن ولادته،عن انتمائه ؟ فتح الرجل الناسك الهاديء عينيه على وسعهما ، وما أكبرهما ، وكأنه وجد شيئاً افتقده منذ زمن ، فترك مخبأه وتقدم بخطوات واثقة باتجاهي . أحسست بشعور غريب يشبه الرعب حينما أقبل برأسه الجميل الشامخ وعينيه المليئتين بنور فريد ، من السكون والهيبة ، وهيئته الوديعة المتعالية في آن واحد وبشكل لا يفسر حيّاني هادئاً … رصيناً … بارداً تقريباً … لكن تحت هذه البرودة ، كان يتململ تعاطف واضح أثر فيّ أعمق تأثير ، رغم أني لازلت أجهل أسبابه . إلا أنه في نفس اللحظة توضحت الأسباب حين وضع يديه الحانيتين على كتفيّ وهمس بصوت يحمل كل حب العالم ، وقذفني سريعاً إلى هاوية الذكريات وأعادني عشرين سنة نحو الخلف حين قال : من … ؟ حبيبي أبو حميد … أبو حميد … حبيبي حبيبي … ؟!! كم هي رائعة هذه الكلمة استعدت بها قوتي ، وذهب وهني . وعرفت كم هي الحياة قصيرة ، وكيف تصنع الصدفة المعجزات ، بحيـث تجعلني التقي بصديقي فراس ، في لحظة فقدت فيها الدليل على أني موجود . صديقي الذي كان يجمعني وإياه خندق واحد ونحن ندافع عن وطننا في حرب الثمانينات نشكل فريق عمل سائق ورام لعدد المدفع 106 .