Screenshot
أنا عامل بسيط. طول النهار أركّب السيراميك على الجدران. مهنة ورثتها عن أبي، مثلما ورثت عنه السعال وعادة التدخين.
الدخل ممتاز أيام الشغل، لكن الشغل صار في البلد مثل السياسة: يوم موجود، وعشرة أيام غياب.
البلد غير مستقر، وبالتالي فأنا غير مستقر. والمعادلة بسيطة، لا تحتاج إلى شرح.
المقهى هو مقبرة العاطلين. كل شيء موجود ورخيص: معسل مطعّم بالحشيش، كبتاغون، ومنشطات تجعل قلبك يعدو كأنه في ماراثون، بينما جسدك متسمّر مع القطيع.
الخميس الماضي، جلست في المقهى بعد الظهر. سحبت رأسين من معسل مضروب، فتحول جسمي إلى صبة بيتون. شعرت بكسل لم أعد معه قادرًا على متابعة المباراة، فابتلعت حبتين كبتاغون لأقاوم الاسترخاء.
بعد دقائق، اتسعت حدقتا عيني، ودبّ النشاط في جسدي.
وفجأة، صار للبلد صوت ثانٍ.
صوت لا يسمعه الشخص العادي.
قال:
«الأمور خربانة. وكما اختار الله نابليون لينقذ فرنسا، اختارك القدر هذه المرة لتنقذ بلدك.»
وقفت.
شعرت بثقل التاريخ على كتفي.
أنا، عامل السيراميك، المنقذ المنتظر.
خرجت من المقهى أمشي كأني قائد جيش التحرير. الشوارع تميد، ووجوه الناس تتحول إلى خرائط. كنت مستعدًا لكتابة البيان رقم واحد.
وصلت إلى البيت، وفتحت الباب وأنا أصرخ:
«يا أم منصور، جهزي الشنطة… رايحين نحرر البلد.»
لم تجبني.
كانت واقفة أمامي وفي يدها ورقة مطوية. أعطتني إياها دون كلام.
فتحتها:
إلى السيد المنقذ المحترم. نأسف لإبلاغكم أن طلبكم لتسلّم مهام إنقاذ البلد قد رُفض. السبب: رصيدكم في بطاقة التموين لا يكفي لتغطية مصاريف الثورة. نرجو مراجعة فرع البلدية يوم الأحد، مع صورة عن الهوية ودفتر العائلة وصورتين شخصيتين بخلفية بيضاء.
التوقيع:
لجنة الفوضى المركزية – قسم الموارد البشرية.
جلست على الأرض.
كان مفعول الحبتين قد بدأ يضعف، وعادت حدقتا عيني إلى طبيعتهما. أما الصوت الذي سمعته، فاتضح أنه صوت مروحة السقف وهي تخبط الهواء.
في اليوم التالي عدت إلى تركيب السيراميك.
لكنني هذه المرة كنت أعمل بدقة أكبر.
اكتشفت أن الفوضى عندنا منظمة أكثر من الدولة.
حتى الهلوسة تحتاج إلى معاملة وطوابع.
جاء الأحد أثقل من كيس الإسمنت.
غسلت وجهي، وارتديت أفضل ما عندي، وأخفيت الورقة في جيبي الداخلي. صورتان شخصيتان بخلفية بيضاء كلفتاني ثمن معسل ليومين، ودفتر العائلة كان عليه بقعة زيت من ورشة أبي، أما الهوية فكانت متشققة بالكاد يمكن قراءتها.
كل أوراقي تقول إنني غير صالح لإنقاذ بيتي، فما بالك بإنقاذ بلدي.
كان مبنى البلدية مزدحمًا بالناس، كأنهم يوزعون جوازات سفر مجانًا لتحريض المواطنين على الهرب.
طوابير، صراخ، طوابع، وموظف يدور بين الناس مثل درويش يوزع الأرقام.
أعطاني الرقم 347.
اللوحة تقول: الدور الحالي 12.
انتظرت ثلاث ساعات.
أخيرًا:
رقم 347، شباك 6
مددت للموظف الورقة.
قرأها، ثم ختمها مرتين، وأعاد النظر فيها.
«ناقصة.»
«ناقصة إيش؟ جبت كل شيء طلبتوه.»
«براءة ذمة من نقابة عمال السيراميك، وإثبات أنك لم تحرر أي بلد من قبل دون ترخيص.»
ذهبت إلى النقابة. صعدت إلى غرفة فوق دكان لبيع الفلافل، وأيقظت رئيس النقابة من نومه. ختم لي الورقة وأخذ مني ألفي ليرة ثمن «طابع ثوري».
عدت إلى البلدية.
أعطوني رقمًا جديدًا: 619.
الدور الحالي: 348.
حلّ أذان المغرب، وما زلت واقفًا.
أُغلق شباك 6.
قالوا:
«تعال غدًا… اليوم خلصنا إنقاذ.»
في اليوم التالي عدت.
نفس الطابور، نفس الوجوه، نفس الرائحة.
وصلت إلى الشباك.
كان هناك موظف آخر.
نظر إلى الورقة وقال:
«هذه قديمة.»
«كيف قديمة؟»
«صار عليها خميس وجمعة وسبت. لازم طلب جديد.»
شعرت أن شيئًا انكسر داخلي، لكنني لم أُظهره.
قلت:
«طيب، أعطني طلبًا جديدًا.»
أعطاني نموذجًا بعنوان:
ف/3 – طلب ترشيح لمنصب منقذ مؤقت، فئة ج.
ملأت الاستمارة.
الاسم، المهنة، وسبب الرغبة في إنقاذ البلد.
كتبت:
الضجر.
ختمها، ووضعها في ملف أزرق، ثم رماها فوق جبل من الملفات.
قال:
«راجعنا بعد ستة أشهر. إذا البلد لسه موجود، نتصل بك.»
خرجت.
كانت الشمس على وشك الغروب.
المقهى في الزاوية يناديني.
القطيع جالس، والشيشة جاهزة.
جلست.
لم أطلب معسلًا مضروبًا.
طلبت شايًا.
سألني أبو محمد:
«حررتنا؟»
قلت:
«قدمت طلبًا. قالوا يردون علي إذا ظل في بلد.»
ضحك.
ضحك القطيع كله.
وضحكت معهم.
بعد أسبوع، وصلني ظرف رسمي من البلدية.
فتحته وأنا أرتجف.
في داخله قرار تعيين:
بناءً على كفاءتكم في الوقوف بالطوابير، وخبرتكم في التعامل مع الفوضى، تقرر تعيينكم مسؤول طوابير في شباك 6 – قسم طلبات الإنقاذ.
الدوام من الثامنة إلى الثانية.
الراتب: طابعان في اليوم + بدل معسل.
في اليوم التالي داومت.
جلست مكان الموظف ذي الشعر المزيّت.
بدأ الناس يقفون أمامي ويمدون إليّ أوراقهم:
«طلب إنقاذ بلد.»
«طلب إنقاذ حارة.»
«طلب إنقاذ زواج.»
أختمها، وأقول:
«ناقص براءة ذمة… راجعنا بعد ستة أشهر.»
الخميس الماضي، جاء شاب بحدقتين واسعتين من تأثير الشيشة. رمى أمامي ورقة وقال:
«اختارني القدر لأنقذ البلد.»
نظرت إليه طويلًا.
ثم ابتسمت، وختمت الورقة ثلاث مرات، وأعطيته نموذج ف/3.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جاءني منقذ جديد، ختمت له الطلب ثلاث مرات وقلت: راجعنا بعد ستة أشهر… إذا ظل في بلد. فقد كنت أعرف أن كل إنقاذ يبدأ بالبيان رقم واحد.




