
هَلْ حَدَثَ أَنْ اسْتَيْقَظْتُمْ ذَاتَ صَبَاحٍ، وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ، إِلَّا أَنْتُمْ؟
كَأَنَّ اللَّيْلَ، وَهُوَ يُغْلِقُ نَافِذَتَهُ خَلْفَكُمْ، أَخَذَ شَيْئًا مِنْكُمْ وَمَضَى.
شَيْئًا لَا تَعْرِفُونَ اسْمَهُ،
وَلَكِنَّكُمْ تَعْلمون غِيَابَهُ.
تَقُومُونَ مِنْ سَرِيرِكُمْ كَالْمُعْتَادِ،
تَغْسِلُونَ وُجُوهَكُمْ،
تُعِدُّونَ قَهْوَتَكُمْ،
تَفْتَحُونَ النَّافِذَةَ لِلصَّبَاحِ،
وَتُحَدِّقُونَ فِي الشَّارِعِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ…
لَكِنَّكُمْ، لِسَبَبٍ لَا يُفَسَّرُ،
تَشْعُرُونَ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ.
لَا حُزْنَ هُنَاكَ لِيُبْكِيكُمْ،
وَلَا قَلَقَ لِيَسْرِقَ مِنْكُمُ النَّوْمَ،
وَلَا حَيْرَةَ تَضَعُكُمْ أَمَامَ طَرِيقَيْنِ.
إِنَّهُ شَيْءٌ أَشَدُّ هُدُوءًا مِنَ الْحُزْنِ،
وَأَعْمَقُ مِنَ الْقَلَقِ،
وَأَكْثَرُ غُمُوضًا مِنَ الْحَيْرَةِ.
شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ حَاضِرًا بِجَسَدِكَ،
غَائِبًا بِرُوحِكَ،
وَلَا تَمْلِكُ دَلِيلًا وَاحِدًا عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْكَ الْحضور…
تَمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ،
فَيُلْقُونَ عَلَيْكُمْ أَسْمَاءَهُمْ الْمُعْتَادَةَ:
«أَنْتَ…»
«أَنْتِ…»
وَتَبْتَسِمُونَ.
لَكِنَّكُمْ فِي الدَّاخِلِ تَسْأَلُونَ:
مَنْ؟
مَنْ هَذَا الَّذِي يُنَادُونَهُ بِاسْمِي؟
مَتَى صَارَ اسْمِي قشْرَةً، وَصَارَتْ رُوحِي شَيْئًا آخَرَ لَا يُنَادَى؟
رُبَّمَا لِأَنَّنَا نَتْعَبُ أَكْثَرَ مِمَّا نَقُولُ،
وَنَخْسَرُ أَكْثَرَ مِمَّا نُعْلِنُ،
وَنَكْبُرُ فِي أَمَاكِنَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا أَحَدٌ.
رُبَّمَا تَتْرُكُنَا الْأَيَّامُ، كُلَّ مَرَّةٍ، فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ أَنْفُسِنَا.
نَفْقِدُ شَيْئًا قَلِيلًا،
ثُمَّ نُكْمِلُ.
نُخَيَّبُ أكثر من مَرَّةً،
ثُمَّ نَتَظَاهَرُ أَنَّنَا بِخَيْرٍ.
نُوَدِّعُ وَجْهًا،
وَنَدْفِنُ كَلِمَةً،
وَنَبْتَلِعُ دَمْعَةً،
وَنُغْلِقُ بَابًا كَأَنَّنَا لَمْ نَكُنْ وَرَاءَهُ يَوْمًا.
ثُمَّ نَمْضِي.
نَمْضِي حَتَّى نَصِلَ إِلَى يَوْمٍ نَنْظُرُ فِيهِ إِلَى أَنْفُسِنَا، فَلَا نَجِدُ ذَلِكَ الشَّخْصَ الَّذِي كَانَ يَضْحَكُ مِنْ قَلْبِهِ.
كَأَنَّ أَحَدًا أَطْفَأَ فِي الدَّاخِلِ مِصْبَاحًا،
وَتَرَكَ لَنَا الْغُرْفَةَ كُلَّهَا.
وَمَا أَقْسَى أَنْ تَكُونَ الْغُرْفَةُ هِيَ نَفْسُهَا،
وَالْأَثَاثُ هُوَ نَفْسُهُ،
وَالنَّافِذَةُ تَفْتَحُ عَلَى السَّمَاءِ نَفْسِهَا…
وَلَكِنَّ الْمَنْزِلَ لَمْ يَعُدْ يَشْبَهُكَ.
أَحْيَانًا،
لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَهْرُبَ مِنَ الْعَالَمِ؛
نَحْنُ فَقَطْ نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَخْرُجَ قَلِيلًا مِنْ أَنْفُسِنَا، لِنَرَاهَا مِنْ بَعِيدٍ.
نَنْظُرُ إِلَيْهَا كَغَرِيبٍ يَقِفُ أَمَامَ بَابٍ مُغْلَقٍ،
وَيَقُولُ:
«أَعْرِفُ هَذَا الْبَيْتَ…
لَكِنِّي لَا أَذْكُرُ مَتَى كُنْتُ أَسْكُنُهُ».
وَلَعَلَّ أَغْرَبَ مَا فِي الْأَمْرِ
أَنَّنَا لَا نَرْغَبُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ.
فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ، حِينَ تَكْسِرُنَا،
لَا تُعِيدُنَا إِلَى أَنْفُسِنَا الْقَدِيمَةِ؛
بَلْ تَخْلَعُ مِنَّا شَيْئًا كُنَّا نَظُنُّهُ نَحْنُ،
ثُمَّ تَتْرُكُنَا أَمَامَ مَرْآةٍ جَدِيدَةٍ،
لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَقِفُ أَمَامَهَا.
لِذَلِكَ،
لَا تَسْأَلُوا ذَلِكَ الشُّعُورَ عَنْ اسْمِهِ.
بَعْضُ الْمَشَاعِرِ تَفْقِدُ حَقَّهَا فِي اللُّغَةِ،
لِأَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَوِيَهَا كَلِمَةٌ.
دَعُوهَا تَمُرُّ.
دَعُوا ذَلِكَ الْغَرِيبَ الَّذِي يَسْكُنُكُمْ، يَجْلِسُ قَلِيلًا فِي عَتَمَةِ الرُّوحِ، ثُمَّ يَرْحَلُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْحَلْ…
فَتَعَلَّمُوا أَنْ تُصَادِقُوهُ.
فَرُبَّمَا لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي فِيكُمْ دَخِيلًا كَمَا تَظُنُّونَ.
رُبَّمَا هُوَ أَنْتُمْ…
بَعْدَ أَنْ سَقَطَتْ عَنْكُمْ كُلُّ الْوُجُوهِ الَّتِي ارْتَدَيْتُمُوهَا طَوِيلًا.
وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْغُرْبَةُ الصَّغِيرَةُ عَنْ أَنْفُسِنَا…
هِيَ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.




