الشاعر حمزة شباب
حمزة شباب :
مالت حدود دولتنا عندما استعانت بالرياح
صرنا رماحاً نستظل بخوف غمد فارغ
أظلتنا من تحتنا سحابة مفرطة في النفاق
اعتلت عتمة اليقين في صلواتنا
كذلك الأم لا تطوي عينيها
تفر من الأصوات و تقر عين وليدها
تنسج من لحمها وليمة
لمستقبل زاخر بالمشردين
أي وقت يغدو فيه جواز سفري أضحوكة
أي زمن لا تُقلّبني فيه بنان حراس السجون
الهوى يداعب ريشتي في الكتابة
الشمس تغار من فصاحتي في الكناية
دقات الساعات بعد منتصف الليل
تقيم عروضاً في خيمتي
تنافح عن خصال حميدة في نبيذي
تمسك صولجان ملك ناصع البياض
كي تراقص حورية في نهر الكآبة
هناك تجاوزت القمر بليلة واحدة
أصبح عمري ليلتين قمريتين
و في طريقي إلى عرافة لا أعرفها
قرأت درباً من الخطايا تحيط بي
سُجلّت في دفاتر أجدادي
و فيها أن اليمَّ ذنبي أمواجه
و أن الجبل ذنبي بركانه
و أني عندما ولدت
شُلّت ابنة الأمير ، و القصر ، و أركانه
أحجار أيامي تصنع قلاعاً من القلق
أستعنت بأنوار النساك و الشفق
وجدت نار الطور مطفأة
و حولها العشاق يبكون
إلاك يا لهيب الضجر
تبعث الفراغ في سطور المطر
بات زرعنا في لعنة الطيور
من تلعنه الطيور في الصباح
تعض أنامله الضياء ليفنى
ينتظر أرجوحة من الأمل يغني
الفراغ نجمة يسارية لا تقهر
أيُّنا يجيب الهمس حين يشتد
و يرمي عمره بأحذية الورد
أينا يحمل تاريخ السامية
ثم يبكي عند حائط المنفى
بعدها يهز جدائله التلمود
عرفت كثيراً عن أحقاب فترة وجيزة
عن سياسة الرب في الاستعمار
ينبت قلب في الصدر
ينمو في ثناياه الكفر
يعترف الليل أمامي أنه مصاب بفراغ روحي
أنا أملؤه بناظري
أرقب حركات نساء تشتعل خلف المرآة
أكتنز أردافهن لتزدان لهن الحياة
كذلك الخمر يزداد سذاجة بعد العصر
أبيت في خيمة حمراء دامية
أوزع الأشعار في أعياد الميلاد
أقرأ خطب نابليون في جمعة مباركة
أعترف بحرية الأديان
أغالب الدمع و الطوفان و الإنسان
ثم يعود الليل مرة أخرى
يقسم بكتب سماوية على رفوف المعابد
يقص على ملائكته نعم النار على الجان
تنحدر سلالته من الدخان
كأن النخلة التي تحمي أطفالنا
تنام عن صلاة الفجر
كي تجد التوبيخ الذي يقرعها
أصوات الديكة ليست منكرة كالحمير
لذلك اختبأ طلعها
وجدناه عند فاتنة على فراش الوزير
أهوالاً رأينا من أفعال براثننا
رأينا الرب متهما بالتقصير
رأينا بساطير العسكر تدوس أطفالاً
رأينا دبلوماسياً يحمل الأوزار
رأينا الكنائس زانية
رأينا مسجداً في الحرب يسير
وجدنا الشهد في حموضته علقماً
و سلالتنا تتفرع من فرع قصير
رأينا للورد أذناباً
و للتجار أبواباً
رأينا قلعتنا تصاب بسهام التخدير
و لا زلنا ننشد الأغاني الوطنية
شمس العروبة لحن ليس يتقنه
إلا من ترعرع أبويه في المعتقلات
و قبل الوفاة أوصياه
كن حراً مع القمامة أو سجلات الموتى
لنقرأ في الفردوس أخبارك
أنك قد تزوجت تترية
أنجبت منك عبداً أقرعاً و أمة بربرية
و قد حملت الصلبان و أتقنت الفارسية
لنقرأ صك بيعك في الأسواق الحبشية
لأنك من نسل العبيد
تقاوم و تقاوم و تموت النخوة فيك جوعاً
تتبرع من عرقك بحبات
و تفرح إذ جاءتك من فلق الصبح هدية
فهل تنتظر المساء يا ولدي
لأنه يحمل الموت ليومك التليد
فإن بحثت عن نور ساطع
فلا تذهب خلف الشفق
و إياك إياك أن يغذيك الصدأ
و إياك إياك أن تبتل بالصديد
هل تشعر الآن ببحبوحة من الارتياح
فألق معولك و ابحث عن زاوية للتصوف
أفرغ فيها بولك الذي حصره التطرف
اعلم أن البحر بحران
بحر يهلك سفناً بأكملها
و بحر يتيه فيه الفكر أو يكسر النشيد
سأمسك ريشتي خلسة
كي أكتب للسماء مائدة الغيوم
أسترق السكون في لغة الهمس
عشت منتصف الربيع بين العزلة و النجوم
رأيت اثني عشر كوكباً
تسجد لصهيل خلف الجبل
تسمو بلا نور في غياهب الظل
تسطر للفنجان المقلوب حثالة قهوتها
تضع الأم لمسات النبي على الصبي
كي تشقى بالجنس
سأرسم يوماً ما حياتنا بلا بلاغة
و أغني لقسمات الليل
منذ بداية تاريخ الأقلام البيضاء
في مدن الرهبان خطوط وردية
يرتعش ثوب البيت إذ مسه المطر
و تقول الأوتاد لي في تمايلها
أمسك الحبل فإن البيت عاجز عن السهر
إذا ملكت الأغلال جوار مقبرة
تمايلت صخورها مقفرة
تتركني المعتقدات الجاهلية وحدي
تجالد عبرة على خدود القدر
لي على الكواكب معاهدات غير مكتوبة
أول الربيع رمتني بالحصاد
علني اليوم قد أصبحت مثيراً للاهتمام
إنني اليوم أبيت حول الأفكار
إنني اليوم أسير معدم و سجان
أنتظر الصباح لأمارس النواح
فليس البكاء سوى عثرات قلم
يكتب مصير الخطيئة
يجعلني كالورد أكثر عمقاً و شوكاً
يملك قداسة الآثام
أنا بشر من كائنات هذا الزمن
طلع برأس نخلة أرفعه
رغم قساوة البرد و الجاذبية
أنا ثورة شعب ينتظر قوت يومه
أنا مجتمع شرقي من الخيام
كل رمانة تنمو على فراقنا
حباتها لقب للموت
دمها سريع الاشتعال
تمضي على ورق الميراث
كي تحترم حرية الأحفاد
تتخلى عن فرطها
تقع على قانون الجاذبية
ترتقي
و كل ارتقاء إلى فناء
حتى تمتمات الفكر
و شقاوة الشتاء
يختبئ في بطن الأرض
تحت وسادة الجدات
يذكرهن بمطالع أعمارهن
تحرق رؤوس مذكراتهن
يعشن أبدية الفراغ
حين كنا نحن الاحتلال
نوجه بنادقنا لأفواه النساء
و لا نخشى من تغريب الأغاني
كل اغتراب إلى منتهى
إلا وطناً عثرت عليه في وجنة البحيرة
يخالط دمعه الحزين بخجل الدماء
و روحي التي تبحث عن مأوى
تقيم من الشعر ديناً و منفى
—