اسلام عادل
اسلام عادل
خرج من البيت, صفق الباب خلفه بحنق, حتى ان ذرات التراب المتعلقة على الجدار الذي يتمساك بالصلصال نثرت خلفها غبار خفيفا سرعان ما تطاير مع الرياح الخفيفة ذلك المساء. لم يكن يشعر بلسعات البرودة ذلك الخريف, يرتدي قميصا كحلي اللون رافعا اكمامه الى المرفق, واضعا كفيه في جيوب بنطاله،. ضجيج الاطفال الذين يلعبون في الشارع لم يحرك سكونه.
اخذ يركل الارض بقدميه كلما تقدم بخطوة وئيدة الى ما يجهله, لقد خرج من البيت لانه احس بالملل و سيعود اليه حين يحس بالملل مرة اخرى.
ارتسمت على وجهه تعابير عميقة, لا اسباب, لا هدف و لا طريق. في البحث عن الطريق اصطدمت مسامعه بصوت طاهر تسلل الى روحه كنسمة رطبه اوقضت لديه احساسا بالامن و السلام.
السلام الذي لطالما ينشده بالبحث طويلا في وجوه الناس, في تصرفاتهم, هام على وجهه في اراض كثيرة و لكن هذا الصوت انغرس في فؤاده بلذة ترجمت بلمعة ماقه الفاترة. حين مرق من قدام المسجد شده صوت القرآن, استوقفته كلمات الله, و جذبته نغمة الترتيل.
قرر ان يقطع الطريق و ان يدخل الى المسجد, تلك الطاقة الايجابية التي تتخلل الى الخلايا فتمنح التفكر بالحب و التفاؤل و الامل. اخذ يمسح وجهه و مرفقيه و اكمل وضوءه و ضاع بين جموع المصلين. شعر بروحه تهدأ و اعصابه تتراخى و تدب السكينة في صدره فارتاحت سريرته و زالت اوجاعه.
في المسجد, جلس طوبلا بعد الصلاة لا يريد ان يفارق تلك الاجواء التي نجحت بأنتشاله من اوهام الخمول و الضعف و الانكسار التي رافقته طيلة الاشهر الماضية بعد وفاة زوجته.
رحمة وودا بين رجل و امرأة و لم يكن حالة عشق جاهد للحصول عليها. فقد القاها القدر في طريقه حين اقنعته امه ان ابنة احدى صديقاتها جميلة و مهذبة و لعل الله قد كتب له خيرا. و بسبب حبه لامه لم يستطع ان يرفض مطلبها و مما شجعه قدرتها على اقناعه.
و كما العادة في مجتمعه, اخذته امه الى بيت الفتاة حيث استقبلوا بحفاوة و سخاء. دخلت الفتاة و هي محاطة بهالة من الطهارة و البراءة, فمال لها قلبه من اللقاء الاول, فسرت بها نفسه و ابتهج لفكرة اللقاء الثاني و الثالث اذما سنحت لهما الفرصة. و بالفعل و بعد اقل من شهر عقدا قرانهما وسط سرور امه. و لطالما كانت امه سببا في جعله يتخلص من مرحلة ما في حياته و يدخل في دهاليز مرحلة جديدة اكثر نضجا فقد كانت امه تحترم رجولته و قراراته و تزمته مما يدفع به طوال الوقت لان يفكر مليا بما تقول و غالبا ما كانا يتفقان او يساومان ليتفقان على ان يضلا متفقين.
و لكن هل اخطأت الام هذه المرة و تبعها هو الى الهاوية؟
كان سعيدا لثلاثة اشهر, حضورها الملائكي, محياها الملفت المغطى بطبقة من الحزن الجذاب و الهدوء الذي تعكره رنات ضحكاتها التي تضرم النار فيه. لقد كان ممتنا للقدر و لامه لمدة كافية لان لا يلقي لوم الفراق على احد.
حين يخلو اليها, يجد نفسه و يشعر بالانتماء لانسان يشاركه هالة الاشتياق و الكأبة ذاتها, كما لو كانا غريبين جمعتهما الاقدار في بيداء نائية حيث السبيل الى النجاة هو الاندماج مستغلين قواسمهما المشتركة, نفس اللغة, نفس البلد و ذات الهدف. الاهم ان دفء الحياة الذي يستعر في نفسيهما حين يتشاركان الطريق اقوى من ان يبدد ببرد مفاجئ يمزق اواصره و يشقق انسجامه.
لم يكن يريد زوجة تقاد كالبهائم, لم يريد شريكة مضجع و لا يطمح لأمراه تطبخ. كان يريد نصفه الاخر: طموح الاكتمال. فكانت بفسحة الحزن تجمع بين قلبيهما, فيجثو على ركبتيه ملقيا بوهنه و سقمه بين يديها فتتلقفها من على صدره بحب و تفهم و رغبة جامحة في الوصال. و مما يزيد من حبه لها انها اكثر المرات التي لم يندم بها على طاعة امه, ففي جولة واحدة كسب حب امه و رضاها الابدي و زوجة تهيم به عشقا, تمتص غضبه و تصير نواقصه الى مزايا.
لم يكن يعاتب الله لانه سارع بمنيتها و امتصتها الارض و ما زال شعرها اسود و عيناها واسعتان, بل استسلم الى ذلك الاحساس بالوجد المريح في رحاب بيت الله. و راح يتذكر حركاتها و همساتها و الاجواء الجديدة التي خيمت على حياته بعد ان اصبحت زوجته و رعشة الحب التي احس بها بعد عقد قرانهم. كل ذلك بدا له كسحب متلاطمة في السماء.
اقترب اليه احد جيرانه يدعى ابا حسان و هو رجل طيب لكنه ثرثار لا يستطيع ان يمنع نفسه عن مقاطعة تأملات الاخرين, فقال بصوت عاليا منفر لا يتجانس مع روحانية الموقف:
– ما شاء الله, لم أرك في المسجد منذ مدة طويلة..
– اجل لم اكن اخرج من المنزل.
– على الله العوض, هذه مشيئة الله.
– اجل.
– و هل يحز ذلك في صدرك؟
– بالطبع!
– لا عليك يا ابني فما زلت رجلا قويا, اتعرف يمكنك انت تتزوج في اسبوع صدقني.
– لا اريد.
– انا مثل ابوك, لا تخجل مني اعلم انك شاب و بحاجة الى زوجة, اضف الى ذلك ان امك ضعيفة لا تقدر على خدمتك.
– و من قال اني اريد خادمة.
– الزوجة ممكن ان تكون كل شئ.
– انها زوجتي (قاطعه بضجر) من حقي ان احزن عليها فترة من الزمن, انها انسان و قد فارقت الحياة شابة.
– هذا ما اقوله بالضبط زوجة جديدة لتزيل شجنك!
– انا في حالة جزع يا عمي! و انت لا تفهم و لا اريد ان اطيل عليك شرح ما لا اظنك تستشعر به.
فغم الرجل و نفر و رأى في ذلك وقاحة و تمادي فترك الشاب في خشوعه و انصرف. خرج من المسجد مرتاحا, ازيح غمه عن صدره و ازال انقباض قلبه.
في ذلك الوقت قبل اسبوعين, كان عبق الخبز في بيتهم بمنتهى اللذة. يتشوق للذهاب الى المنزل ليس للتخلص من اعياء مهنته كبناء و انما سحرها يشده اليها, رائحة الخبز, الوجبة البسيطة التي تتفنن بأعدادها و الكمال الذي يشعر به!
هو الكمال و الاكتفاء اللذان يحس بهما في حضورها, و ما عبق الخبز الذي يدله عليها سوى سمة واحدة.
انتفضت درات الصلصال التي تمسك الجدار من جديد حين دخل الى البيت بعد ان قرع الباب. كل الاشياء كما كانت: تنور الطين, و القدر و حتى صواني الطحين! المكان الذي توفيت فيه, حتى ان عباءتها لا تزال على الحبل مع بعض ثيابها.
اخذ يرنم تسبيحة بصوت منخفض و هو يستطلع هذه الاشياء و يمعن النظر فيها. ثم استأنس بالسكوت, المشاعر المتكسرة في وجيبه , و خوالج تدب في عروقه مع مجرة الدم فجسده بأكمله يعيش التجربة و ليس قلبه المكسور فحسب. هام الى التفتيش بين حوائجها, يبحث عن سبب ليكرهها, عن مبرر لخيانتها, و عن دافع لنسيانها. اخذ يصرخ, يضرب وسادتها و ينتف ريشها في الهواء: “اخرجي ايتها اللعنة مني!!”
خارت قواه, استند على اوجاعه, و اتكأ على ذكريات مازالت تسبح في خياله, لا يعرف اذما كانت قد حدثت بالفعل. بعضها حدث, بعضها اضيفت اليه تفاصيل لا يعرف كيف تداخلت معه و بعضها محي تماما.
اما الام فقد استوعبت الفكرة و تعايشت معها سريعا و ما بقي هو استرجاع ابنها الى وضعه الذي كان عليه قبل ان يتزوج رحمها الله.
صاحت امه بنبرة فرحة تحاول اخمادها بأتزان مصطنع مراعاة لكأبته:
– بني, سيزورنا ضيوف هذه الليله.
– من؟
– خالتك ام كرم و ابنتها هديل.
– لما؟
– يريدون الاطمئنان عليك.
– و ما بي؟
– يسوون وياك الواجب!
– او يخطبوني؟
– ماذا تقول! انهم اقرباءنا و هذا متوقع منهم ان يأتوا الى تناول وجبة معنا و تقديم التعزية.
– امي, لست بمزاج لاستقبال ضيوف و لن تنفع معي مكيدة.
– اي مكيدة.
– الزواج من ابنت اختك.
– و من قال ذلك؟
– لاني لست غبي.
– بل جننت.
– لم يمض عام على مثل هذا اليوم حين اقنعتني بالزواج من زوجتي رحمها الله.
– الحياة تستمر.
– لما لا تعرفي ان قلبي محطم, و سأحتاج لبعض الوقت للملمة اجزائة المبعثرة.
– حبيبي لا يصح ان تبقى بلا زوجة.
– لا اريد زوجة مرادفة لخادمة, اريد زوجة فقط و قد ماتت تلك الزوجة.
لطمة الام وجهها و احست بمدى معانته رغم عدم تفهمها للامر تماما, ففي مجتمعهم المهم انك تتزوج و لا ضير بمن او كيف او ما هي احاسيسك. اما بالنسبة اليه فالزواج ليس بعملية ميكانيكية كما توارثتها الام في صميم تكوينه.
.عاد مرة أخرى في البحث عن الطريق لتصطدم مسامعه بصوت طاهر تسلل إلى روحه كنسمة رطبه أيقظت لديه أحساسا بالأمن و السلام.
—