اصدار دار وراقون للنشر والتوزيع 2014 موقف من التاريخ ومظلومية البصرة
لن استثني الكاتب ضياء الجبيلي من قولي ان الكاتب العراقي ملتصق ببيئته التصاقا شديدا وان اختلف اسلوب السرد الروائي سواء كان واقعيا ام فانتازيا كما سنجده في رواية (تذكار الجنرال مود) حيث مزج الكاتب الاثنين معا ورغم الحرية الواسعة التي يتمتع بها الكاتب العراقي بعد 2003 لم يبتعد كثيرا الكاتب ضياء الجبيلي عن الرمز في روايته فقد اتخذ من (القرش) الحيوان البحري الشرس رمزا للطاغية الظالم فراح الراوي يرسل له رسائله التي يروي فيها قصصا عن ( صديقه كريم عبد الواحد الذي يظن أنه افترسه )ويروي عن شخصيات الرواية التي توزعت ما بين المراحل التاريخية التي عاشتها مدينة البصرة منذ كلكامش ومرورا بعهد الاستعمار البريطاني(الجنرال مود) وعهد صدام حسين وما بعده فكان ينتقل بين شخصيه وأخرى ارتبطت كلها بالبصرة وبيئتها الاجتماعية وما جرى عليها من ظلم طيلة تاريخها ، لقد كانت رواية تحكي عن مظلومية هذه المدينه من خلال مظلومية شخصياتها واود هنا ان اتناول واركز على هذا الجانب المهم في الرواية في قرائتي هذه لأني رأيت ان الكاتب كان مثقلا بهموم مدينته حتى انني وجدته احيانا يبتعد عن السرد ليكتب مقالات مقتضبة ضمن سياق الرواية ، لقد ترجم هذا الكاتب موقفا غاضبا مما تحملته مدينته من ظلم الطغاة عبر التاريخ والذي سجل بسببه موقفا من التاريخ نفسه كأنه يعيد قراءته من جديد بطريقته الخاصة بدءا من كلكامش حيث صور مدينته على انها قلعة تأسست هربا من الظلم الذي لحق شعبها من هذا الطاغية الاسطورة حيث يكتب(لابد ان ملكنا الطاغية كلكامش عاش زمنا طويلا بعد هروب اولئك الاسلاف من ظلمه وخلف من زوجات وخطيبات وحبيبات رجال اوروك وابطالها آلاف اللقطاء ممن يشبهونه قبل ان يموت ويعبث دود الأرض بثلثه البشري في حين استعادت امه ننسوني ثلثيه الالهيين وابقت لنا ارواحه السبع التي مازلت تلاحقنا حتى استقرت في تلك العين البغيضة التي يفضل السيد مير سلوم التاجر تسميتها بعين الذهب) ص 61-62
(عين الذهب) هي عين النفط التي مازال اهل البصرة على انها غضبا وليس رحمة ،شرا وليس خيرا، لم تجن منه سوى طمع الطامعين ومنهم (الجنرال مود) ممثل بريطانيا العظمى بعد سيطرتها على العراق من خلال مدينة البصرة ومازالت تعاني الى الآن .
بريطانيا عادة ما تستخدم خبثها في ادارة مستعمراتها من خلال تعيين حكام من اهلها وتحرككهم كدمى لفرض سياسة تخدم مصالحهم فلننظر كيف وصف الكاتب هذه السياسة بطريقته السردية في سياق الرواية ابدع في حياكتها بخيال مميز وبمزاج متفرد ووعي عال يبين ان الكاتب اشتغل كثيرا على ثقافته الشخصية ولم يكن روائيا حكائيا فقط بل صاحب فكر وهدف استغل موهبته في السرد ليعمل على ايصاله الى الجمهور (سأروي لكم شيئا عن القلعة قلعتنا المسماة عين الذهب، وكيف غدت في الأشهر القليلة التي اعقبت اتفاق الصلح وعاش خلالها الناس فترتهم الذهبية في ظل الاختراعات المذهلة التي دخلت الينا مباشرة بعد مغادرة الجنرال مود في ذلك اليوم الذي حازت فيه القلعة على حريتها بعد عشرات السنين من العيش في الظل ) ص171
ليعود في صفحة 172 ويكتب (حتى فوجئ الناس بخروج الامير زلكا من حبسه بأمر من القيادة البريطانية وتحديدا الجنرال مود وتعيينه حاكما للقلعة خلفا لوالده زيو سدرا الحكيم الذي عزل ثم وضع قيد الأقامة الجبرية حتى مات فجأة )
الأمير زلكا الذي اعلن نفسه دكتاتورا طاغية وعبث في القلعه حتى نهايته المأساوية (يقال ان جنرال مود عاد الى القلعة مجددا برفقة جيش جرار بعد فراغه من احتلال بغداد في تلك السنة وفي نيته القضاء على حكم الأمير زلكا )ص207
وتم ذلك بشنقه امام سكان القلعة على يد الجنرال مود.
اما عن حال البصرة في زمن صدام حسين فقد لخص الكاتب حالها المزري في احدى الرسائل التي وجهها الى السيد قرش الحيوان البحري الذي استلهم استخدامها في روايته بحكم موقع مدينته البصرة على الخليج العربي وممارسة اهلها لمهنة الصيد وتعرض الصيادين الى مخاطر التهام القرش للكثير منهم أولأولادهم السابحين في الخليج وشط العرب الذي يصب في الخليج
الرسالة في صفحة( 71 -86) حيث يصف لنا زيارة صدام حسين للبصرة ومشاريعه التي اوقفتها الحرب العراقية الايرانيةوالخراب والرعب الذي تفشى في المدينة ما بين قذائف الجانب الايراني واعتقالات النظام والاعدامات لأسباب تافهه وغير حقيقية في معظم الأوقات ومن ثم دخول القوات العراقية الى الكويت وما ترتب عنها في رسائل لاحقة
لينتهي الكاتب الى حال البصرة ما بعد 2003 في رسالته الختامية الى السيد قرش حيث يكتب على لسان الرواي وهو يصف حال شخصية كريم الكاتب الصحفي (يحكي لهم عن قصص الموت المروعة التي تجري في الخفاء ولا يرون منها سوى آثار الدماء على الأرصفة او يحاول اقناع المتفائلين منهم بأن ما تعيشه المدينة الآن هو اغتصاب حقيقي لما افلت من مخالب الحروب السابقة من ملالمح التمدن . كان يظن ان هناك حربا من نوع آخر يقودها سياسيون كبار و رجال دين وقواد احزاب متطرفون ومهربون وجواسيس اقليميون وتجار اسلحة وبترول هي التي احالت المدينة الى مكب للنفايات وثلاجة عاطلة تتكوم فيها الرؤوس والاطراف والأعضاء البشرية)ص178
هذه مقتطفات لا غير مما كتبه الروائي ضياء من مظلومية مدينه البصرة التي عشقها بجنون وانتمى اليها بأفراط شديدأختمها بوصفه لها على لسان (انقلاب) الشخصية الأولى في الرواية حيث كتب (قيل لي : اذهب الى البصرة فهناك العشب والماء والصحراء هناك المدينة التي (بيوتها الذهب ونهرها العجب أولها الرطب وأوسطها العنب واخرها القصب) لكني لم اجد هنا سوى التعب) ص226
لن استثني الكاتب ضياء الجبيلي من قولي ان الكاتب العراقي ملتصق ببيئته التصاقا شديدا وان اختلف اسلوب السرد الروائي سواء كان واقعيا ام فانتازيا كما سنجده في رواية (تذكار الجنرال مود) حيث مزج الكاتب الاثنين معا ورغم الحرية الواسعة التي يتمتع بها الكاتب العراقي بعد 2003 لم يبتعد كثيرا الكاتب ضياء الجبيلي عن الرمز في روايته فقد اتخذ من (القرش) الحيوان البحري الشرس رمزا للطاغية الظالم فراح الراوي يرسل له رسائله التي يروي فيها قصصا عن ( صديقه كريم عبد الواحد الذي يظن أنه افترسه )ويروي عن شخصيات الرواية التي توزعت ما بين المراحل التاريخية التي عاشتها مدينة البصرة منذ كلكامش ومرورا بعهد الاستعمار البريطاني(الجنرال مود) وعهد صدام حسين وما بعده فكان ينتقل بين شخصيه وأخرى ارتبطت كلها بالبصرة وبيئتها الاجتماعية وما جرى عليها من ظلم طيلة تاريخها ، لقد كانت رواية تحكي عن مظلومية هذه المدينه من خلال مظلومية شخصياتها واود هنا ان اتناول واركز على هذا الجانب المهم في الرواية في قرائتي هذه لأني رأيت ان الكاتب كان مثقلا بهموم مدينته حتى انني وجدته احيانا يبتعد عن السرد ليكتب مقالات مقتضبة ضمن سياق الرواية ، لقد ترجم هذا الكاتب موقفا غاضبا مما تحملته مدينته من ظلم الطغاة عبر التاريخ والذي سجل بسببه موقفا من التاريخ نفسه كأنه يعيد قراءته من جديد بطريقته الخاصة بدءا من كلكامش حيث صور مدينته على انها قلعة تأسست هربا من الظلم الذي لحق شعبها من هذا الطاغية الاسطورة حيث يكتب(لابد ان ملكنا الطاغية كلكامش عاش زمنا طويلا بعد هروب اولئك الاسلاف من ظلمه وخلف من زوجات وخطيبات وحبيبات رجال اوروك وابطالها آلاف اللقطاء ممن يشبهونه قبل ان يموت ويعبث دود الأرض بثلثه البشري في حين استعادت امه ننسوني ثلثيه الالهيين وابقت لنا ارواحه السبع التي مازلت تلاحقنا حتى استقرت في تلك العين البغيضة التي يفضل السيد مير سلوم التاجر تسميتها بعين الذهب) ص 61-62
(عين الذهب) هي عين النفط التي مازال اهل البصرة على انها غضبا وليس رحمة ،شرا وليس خيرا، لم تجن منه سوى طمع الطامعين ومنهم (الجنرال مود) ممثل بريطانيا العظمى بعد سيطرتها على العراق من خلال مدينة البصرة ومازالت تعاني الى الآن .
بريطانيا عادة ما تستخدم خبثها في ادارة مستعمراتها من خلال تعيين حكام من اهلها وتحرككهم كدمى لفرض سياسة تخدم مصالحهم فلننظر كيف وصف الكاتب هذه السياسة بطريقته السردية في سياق الرواية ابدع في حياكتها بخيال مميز وبمزاج متفرد ووعي عال يبين ان الكاتب اشتغل كثيرا على ثقافته الشخصية ولم يكن روائيا حكائيا فقط بل صاحب فكر وهدف استغل موهبته في السرد ليعمل على ايصاله الى الجمهور (سأروي لكم شيئا عن القلعة قلعتنا المسماة عين الذهب، وكيف غدت في الأشهر القليلة التي اعقبت اتفاق الصلح وعاش خلالها الناس فترتهم الذهبية في ظل الاختراعات المذهلة التي دخلت الينا مباشرة بعد مغادرة الجنرال مود في ذلك اليوم الذي حازت فيه القلعة على حريتها بعد عشرات السنين من العيش في الظل ) ص171
ليعود في صفحة 172 ويكتب (حتى فوجئ الناس بخروج الامير زلكا من حبسه بأمر من القيادة البريطانية وتحديدا الجنرال مود وتعيينه حاكما للقلعة خلفا لوالده زيو سدرا الحكيم الذي عزل ثم وضع قيد الأقامة الجبرية حتى مات فجأة )
الأمير زلكا الذي اعلن نفسه دكتاتورا طاغية وعبث في القلعه حتى نهايته المأساوية (يقال ان جنرال مود عاد الى القلعة مجددا برفقة جيش جرار بعد فراغه من احتلال بغداد في تلك السنة وفي نيته القضاء على حكم الأمير زلكا )ص207
وتم ذلك بشنقه امام سكان القلعة على يد الجنرال مود.
اما عن حال البصرة في زمن صدام حسين فقد لخص الكاتب حالها المزري في احدى الرسائل التي وجهها الى السيد قرش الحيوان البحري الذي استلهم استخدامها في روايته بحكم موقع مدينته البصرة على الخليج العربي وممارسة اهلها لمهنة الصيد وتعرض الصيادين الى مخاطر التهام القرش للكثير منهم أولأولادهم السابحين في الخليج وشط العرب الذي يصب في الخليج
الرسالة في صفحة( 71 -86) حيث يصف لنا زيارة صدام حسين للبصرة ومشاريعه التي اوقفتها الحرب العراقية الايرانيةوالخراب والرعب الذي تفشى في المدينة ما بين قذائف الجانب الايراني واعتقالات النظام والاعدامات لأسباب تافهه وغير حقيقية في معظم الأوقات ومن ثم دخول القوات العراقية الى الكويت وما ترتب عنها في رسائل لاحقة
لينتهي الكاتب الى حال البصرة ما بعد 2003 في رسالته الختامية الى السيد قرش حيث يكتب على لسان الرواي وهو يصف حال شخصية كريم الكاتب الصحفي (يحكي لهم عن قصص الموت المروعة التي تجري في الخفاء ولا يرون منها سوى آثار الدماء على الأرصفة او يحاول اقناع المتفائلين منهم بأن ما تعيشه المدينة الآن هو اغتصاب حقيقي لما افلت من مخالب الحروب السابقة من ملالمح التمدن . كان يظن ان هناك حربا من نوع آخر يقودها سياسيون كبار و رجال دين وقواد احزاب متطرفون ومهربون وجواسيس اقليميون وتجار اسلحة وبترول هي التي احالت المدينة الى مكب للنفايات وثلاجة عاطلة تتكوم فيها الرؤوس والاطراف والأعضاء البشرية)ص178
هذه مقتطفات لا غير مما كتبه الروائي ضياء من مظلومية مدينه البصرة التي عشقها بجنون وانتمى اليها بأفراط شديدأختمها بوصفه لها على لسان (انقلاب) الشخصية الأولى في الرواية حيث كتب (قيل لي : اذهب الى البصرة فهناك العشب والماء والصحراء هناك المدينة التي (بيوتها الذهب ونهرها العجب أولها الرطب وأوسطها العنب واخرها القصب) لكني لم اجد هنا سوى التعب) ص226
—