تحت شعار: (الشعر يحتشد للعراق) أقام اتحاد أدباء البصرة مهرجان المربد الثاني عشر( بعد بدء العد الجديد) تحت رعاية وزارة الثقافة واشراف اتحاد الأدباء في العراق وانطلقت فعالياته يوم الخميس الموافق 7 كانون الثاني 2016.في قاعة المركز الثقافي النفطي وسط البصرة .
لا أتحدث عن سوء التنظيم الذي بلغ حد نسيان النشيد الوطني لولا تداركه في لحظة حاسمة، ولا عن تقديم رئيس اتحاد ادباء البصرة كلمة ترحيبية لا ترقى إلى مستوى الشعر ولا المربد كتظاهرة ثقافية هي الأبرز مما يقيمه الاتحاد والوزارة على مر عام ، بل الحديث عن ما ألقي من شعر بمضمونه ومستواه ولغته وإنشاده .
فأما مضامين القصائد فقد جاءت باهتة تغلفها نرجسية قوقعت القصيدة بمعاني يحسبها أصحابها فتحا من الفتح وقد كشفت عن عوز شديد في الرؤى والتمحيص والانتماء إلى غير دائرة الذات الضحلة . فبدا أصحابها وكأنهم يتحدثون عن شيء لا قيمة له أقحموه عالم الشعر الذي يظنون أنهم ولجوه. وحتى القصائد التي يممت وجهتها قضايا واقعنا الملتهبة فقد جاءت مغلفة بتقريرية النثر ومباشرته المعتادة الباهتة ، فما سمعت قصيدة حملت الموضوع إلى الشعر أو روَّتْه بمائه . وليس حال لغة القصيدة ببعيد عن هذا فهي تغرق في التعابير التي يفضحها التكلف والتصنع، التعابير التي تخلو من بريق الشعر وروحه . لغة مهووسة بحداثة غير مفهومة وابتعاد عن رصانة التعبير وجزالته الشعرية ، لا تكثيف ولا عمق ، ولا لمحة دالة بل إطناب ممل في اجترار المعاني ومعاودة طرحها بطرق باردة يستحوذ عليها أسلوب السرد المبسط، حتى تبدو القصيدة ضربا من الشرح والتطويل الذي لا مبرر له غير فقر الشعرية وانعدام التجربة وضحالة الأفق .
وإذا ما جئنا إلى إنشاد الشعر فالملاحظة الأبرز هنا هي أن الشعراء والشاعرات جاؤوا يحملون قصائد لا تصلح أن تُتَلقى سماعا فهي تفتقر إلى كل مقومات الإنشاد لأنها قصائد مكتوبة نثرا تفتقر إلى عناصر الإيقاع المهمة القائمة على معمارية صوتية وهندسة تنغيم يتطلبها نمو المعنى وبنية التعبير. وهذه العناصر متعددة ومتنوعة تأتي مفعمة بالتعبير والإيحاء والجمال كلما أحسن الشاعر توظيفها وأفاد من حسن توزيعها في قصيدته بما تتطلبه التجربة وتستدعيه الدلالة، وكلما خبر الشاعر شروطها في جلب انتباه المتلقي وإطرابه.
فالشاعر الحق لابد أن يعي خطورة الإنشاد ومستويات التنغيم ويوظفها لخدمة قصيدته وقديما قيل : ( تغنَّ بالشعر إما كنت قائله إنَّ الغناء لهذا الشعرِ مضمار)
ومما عاب إنشاد الشعراء بشكل واضح هو كثرة اللحن في قراءتهم فكم استبيحت الحركات والسكنات في القصيدة الواحدة ، وكم أُلبست الألفاظ غير حُلَّتِها بسبب الخطأ في نطقها ، ناهيك عن بعض الجمل التي شانها التركيب اللغوي المبتكر .
إن سوء قراءة بعض الشعراء أوقعهم في حرج لا يحسدون عليه مما زاد في طينهم بللا كما زاد جمهور السامعين برما ومللا .
ولو جمعنا كل هذه المآخذ التي اتفق عليها جل شعراء مربد البصرة لهذا العام لخرجنا بنتيجة تفيد أن أغلب المدعوين هم من ذوي التجارب الشعرية غير الناضجة والمحاولات المبتدئة فلم يشهد المربد قامات شعرية معروفة لا من المدعوين من خارج العراق ولا من داخله باستثناء بعض الشعراء الذين لا يتجاوزون عد أصابع اليدين. فكيف يكون للشعر مربد والحال هذه؟ والمسؤول عن ترشيح المدعوين واختيارهم اتحادات الأدباء في المحافظات بوصاية ونفوذ الاتحاد العام في بغداد .
والحقيقة التي يمكن قولها إننا أزاء خيبة شعرية وثقافية واضحة تشهدها المؤسسة الثقافية في العراق بما اتبعت من سياسات قائمة على الإقصاء والمجاملات غير المسؤولة وعدم الاهتمام والجدية في خدمة الثقافة وإدارة دفتها بنخبة يصدق ولاؤها للثقافة والأدب بالدرجة الأولى ، نخبة يكون همها بناء صرح ثقافي عراقي حقيقي يبتعد عن التحزب والميول والهوى .
وفي العراق قامات أدبية وثقافية سامقة لا يغمط فضلها صديق ولا ينكره عدو ، لهم الباع الطولى في هذا الشأن بما أنتجوا وبما أسهموا في بناء المشهد الأدبي والثقافي في العراق.
وأخيرا يمكن القول أن المؤسسة الثقافية بصفتها الرسمية وغير السمية هي المسؤولة عن هذا الانحدار الخطير الذي تشهده الثقافة والأدب في هذه الفترة . بسبب إهمالها وعدم جديتها لخمة هذا المفصل المهم والارتقاء به .
وهذا لا يعني أننا نغفل الجهود الخيرة التي تظهر هنا وهناك والتي تحمل الهم لوحدها وتقدم جهدا طيبا وإن كان محدودا في خدمة الثقافة وإبقاء شمعتها متقدة لتبعث الأمل أمام المهتمين بشأن الثقافة والأدب ليبقوا متواصلين مستمرين في عطائهم. فتحية مفعمة بالإكبار والتقدير لهذه الجهود الخيرة المباركة. ودعوة للمؤسسة الثقافية أن تتحمل مسؤوليتها بتفان وصدق إذا كان الهمُّ عراقا مثقفا وساميا.
—
* د. علي عبد رمضان / رئيس قسم اللغة العربية سابقا في كلية التربية/ جامعة البصرة
—