مُـدن وقلع شامخة وأسوار شاهقة، بنيت على ظهر “الحمار” ففي فاس القديمة، لازال “الحمار” حاضرا بقوته وصبره المعتاد على تحمل الأثقال ، لأنه أنوجد من أجل الآخرين كمطية ووسيلة نقل.وهذا منوجد في الآية الكريمة بشكل صريح: ⸙ ” والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعْـلمون “⸙(1)
أليست المداشر والقـرى النائية، سندها الوحيد”الحمار” في تلبية حاجة الساكنة من بناء وحرث ، و نقل المياه من الآبار، والتسوق الأسبوعي، وتقـريب المسافات بين الأرياف والدواوير، رغم اكتساح الآلات والجَـرارات ؟
ألم يتم استعمال الحمار في التهريب بشتى أنواعه خاصة عبر الجبال والأحراش و الممرات الضيقة والوعرة بمشقة وعناء.؟. أليس القوانين العـربية تجرم بيع لحوم الحمير جرما يعاقب عليه فاعله. هاته المعطيات الدالة، دون تقدير لجهوده. وحـينما نتأمل في الأدب المغـربي عموما، من الصعْـب أن نـعْـثر على نصوص قصصية أو مسرحية أو روائية عـن ” الحمار” ككائن حيواني. لأنه في نظر موروث ثقافتنا الشعبية كائن يرمز للغباء والبلادة والسذاجة ! كائن حقير ومنبوذ، بخلاف حقيقته أنه الحيوان الكادح والأكثر جدية وعملا وصبرا وتحملا للمشاق، طبعا لا يوازيه في ذلك سوى “الجمل” في ” الصحاري”، إذ دائما يتم الاستخفاف بالحمار والإساءة إليه،لأنه ضحيةُ استعارةٍ ظالمة في المخيال الشعبي؛ وكثيرا ما يستعمل في العـنف اللفظي كشتيمة وإسقاط رمزي بين الأشخاص، مما يضجرون من اللفظة التي تولد انفعالات سلبية، غالبا ما تؤدي إلى [جنحة] نظرا لسلبية ” الحمار” كحمولة ثقافية في مخـزون الذاكرة الجمعية وكذا عـدم فهم تاريخيته ودوره وظيفته الأساس ناهينا عن الوفاء والتضحية ؟ لهذا فالإشكال ليس في الحمار كنموذج،بل في مجتمعٍ لا يعـترف إلا بالنماذج الصاخبة، حتى وإن كانت خاوية.
وبناء على ذلك، فـليس من الغباء أن يتخذ الحزب الديمقراطي( أمريكا) الحمار رمزا سياسيا و شعارا. كناية عن الصبر وتحمل الصعاب.
وليس من الرعونة أن يتخـذ الحمار نموذجا للعـديد من جمعيات الحمير:” تأسست خلال القرن العـشرين في بلادنا ، ولاقت هذه الجمعيات المؤيدين والرواج في الأوساط الشعبية فقد أسس الفنان زكي طليمات أسس عام 1932 في القاهرة “جمعية الحمير المصرية” ووصل عدد أعضائها إلى نحو 35 ألف عضو…أما في بلاد الشام فقد تأسست عدة جمعيات للحمير كان أبرزها : جمعية الحمير التي أسسها علي الطنطاوي والذي برر وجودها قائلا : “الإنسان يربي كلبا فيفي له ، وحمارا فلا يرفـسه ، ويطعم القط فلا يعُـضه . عجبا ! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان ؟ “.ولحقتها جمعية حمير القامشلي وجمعية حمير عامودا ونادي الحمير وجمعية الحمير اللبنانية في بيروت وجمعية الحمير الأردنية وجمعية الحمير الفلسطينية(2) طبعا في بلادنا تجربة مهرجان« فـيستي باز» الذي تنظمه سنويا جمعية إقلاع للتنمية المتكاملة بقصبة بني عمار. وذلك من أجل إعادة الاعتبار لهذا الحيوان”الحمار” لينجلي عبره فهم حقيقي لثقافة الحوار و تصحيح العلاقة بينه وبين الإنسان، وكذا إعادة توضيب الصورة المشوهة التي رسمها الإنسان في مخيلته عن هذا المخلوق؛ وهي صورة، على كل حال، ضاجة بكثير من الازدراء والتطير والاحتقار والإهانة. لكن هذا المهرجان بدوره ينظر إليه باحتقار واللامبالاة،وكم من دورة تأجلت بسبب حرمانه من حقه في الدعم، رغم أن صيته أمسى دوليا، ورغم ذلك حاولت عِـدة أطراف بما فيهم [المثقف] نسفـه وتوقيف مساره.من هذا المنطلق “الحمار” لا يشكل موقعا استراتيجيا في أدبنا، ولاسيما أنه ليس دخيلا على تاريخ الزمن السياسي المغـربي، بل هنالك الجيلالي الروكي” بوحمارة” وهذا اللقب له ماله من رمزية ناظمة لخطاب السلطة والمعارضة. ولاسيما أن لقبه انبثق شعبيا، بحكم تنقّـله على ظهر حمار في بدايات حركته. وهذا يذكرنا بثورة “صاحب الحمار” (أبو يزيد مخلد بن كيداد) هي تمرد خارجي صفري واسع النطاق وقع في المهدية العاصمة الأولى للفاطميين قبل الانتقال للقاهرة، وكاد أن يطيح بها في أفريقية (تونس حالياً ) وبعيدا عن كتب التاريخ، والذي رسخ لهذا الحدث التاريخي أدبيا وإبداعيا ،المسرحي التونسي” عـزالدين المدني (3) وبالتالي فالمخزن له حضور ضمني في تشكيل المخيال الشعْـبي تجاه( الجيلالي الروكي) ليتم إدانة ورفض” الحمار “جملة وتفصيلا،مما نقبض سوى على نزر قليل حول” الحمار” إذ هناك قصة (عندما يصير الرجل حمارا)عن مجموعة [العـربة]
:” إن هذا مستحيل الحمار لا يريد أن يتحـرك
قلت هل تتحرك ؟ لا يهمني، جـر العـربة على كتفيك.
وكان الرجل يتكلم بفظاظة مرفقا كلماته بتعابير قاسية من وجهه(4) هنا لا ينظر للحمار ككائن عابر، بل بوصفه حيوانًا تستنزف طاقته ويُعامَل كأداة بلا قيمة ، رغم أنه مُثقل بالكدح والضرب والإهمال. بينما البشر من حوله غارقون في قسوتهم أو لا مبالاتهم. ، انطلاقا من نظرة نقدية للمجتمع والإنسان المهمَّش كأساس. بأسلوب جد واقعي – ساخر. مركزا بشكل ضمني على بداهة الحمار في عناده واستعمال حدسه الطبيعي للبقاء، فمن الصعب إرغام أو تهديد الحمار على فعل شيء ما ضد رغبته. مقابل هذا نجـد( سيرة حمار) والتي تتمظهر فيها مسألة المسخ من كائن إلى حمار بواسطة شراب:” هي حقيقة، لقد تحولت إلى حمار وكنت آمل أن أصير طائرا يحلق في الأجواء لا يعترضه معترض من وهاد ولا عقبات، نقعْـت شرابا خلته يرفعني فإذا هو يحط بي(5) فهذا التحول يعـطينا معاناة الفرد الذي يبحث عن المجد( طائرا) أمام طاحونة تفـرض عمليا أن يكون فعلا حمارا، خاضعا لضوابط وينخرط في الطاحونة الحِمارية منظومتها” اللاتفكير”:” لا أتميز عنها بشيء، وهل من المطلوب من حمار أن يفكر؟ وما يطلب من الحمار هو الجلَـد، وتحمل المشاق بلا تأفف، أما إن هو فكر، فقد يرى في وضعه ظلما، وقد يثور عليه، والخيرة ألا يفكر الحمير(6) هنا كان الحمار رمزا للانبطاح داخل نسيجه السردي، مرتبطا بعالم القهر اليومي وإخطبوط ” الطاحونة” معتمدا على بنية سردية تدعمها التداعيات الساكنة جرحا في ذات الكاتب، وذلك درأ من التهديد بقطع الخصي والضرب والقهر والحرمان من الأكل، وما نود الإشارة إليه فالسيرة لم ترفع من قيمة ” الحمار” بل جعلته علامة رمزية لبطل مهزوم . بكل موضوعية خالية إلى حد بعيد ؛ من نكهة السخرية السوداء أو التهكمية أو الدرامية، اللهم هنالك بعض اللمسات في السخرية الذاتية:” وهي أن بعضا من عيلة الجماعة يعلمون أني لست حمارا كامل الأوصاف، وإنما إنسان مُسخ حمارا، فإذا علمت الدهماء من البرابرة بأمري مزقتني شر ممزق، والخيرة أن أتصرف كحمار وفق ما تريده الصفوة من الجماعة(7) لأن شخصية الحمار التاريخية : كسارد أو عابر أو سنيد للسارد، لا تخلو من السخرية السياسية وتوظيفها حبكة وتقنية .ولقد استخدم أغلب الأدباء الحمير للنيل من السياسيين وغيرهم لتمرير الرسائل التي يريدونها كما نجد في الأدب المشرقي، وخاصة ( يوميات حمار) لأحمد رجب أو( حمار من الشرق) لمحمود سعْـداني أو( حماري) لعبد اللطيف بدوي وعباس (أحسن حمار) محمود العقاد أو( ثورة حمار) لعلاء الدين صالح أو(وصية حمار) لخالد أبو بكر أو( وجدت سعادتي مع الحمير) ليحيى حقي …ناهينا عن توفيق الحكيم ، الذي له باع طويل قصصيا وروائيا في مسألة ” الحمار” وأستحضر هاهنا أن مسرحية- قاضي الحلقة(8) لقد تم توظيف الحمار كصبور صامت، لكنه ينفجر كلاما ذو منحى دفاعي/ ثوري بعْـد الحكم الجائر الذي أصدره القاضي لصالح ( صاحب القرد).
وفي سياق موقع الحمار في ثقافتنا ؟ تم تفعيل الرؤية الدفاعية في حق ” الحمار”حيث :”يوجد في قلب مدينة طنجة (شمال المغرب) متحف خاص بالحمار أنشأه المصور والناشط البيئي عبد الرحيم بن عتابو عام 2019 إكراماً للحمار ودفاعاً عنه، يعرض لوحات ووثائق وكتباً ودواوين وروايات عن ذلك الحيوان.(9) ولم أغفل عن ذاكرتي مسرحية” حمار رغم أنفك”( 10) بدعم من وزارة الثقافة ،وهذا العمل يحتاج لحكاية خاصة ( قراءة) لأنها تحكي عن تجارب شخصية للمؤلف الرئيس الصديق” بلمو” والتي خاضها أثناء إقامته لمهرجان الحمار بقرية «قصبة بني عمار»
الإســتـئناس:
1- سورة النحل الآية – 8
2- الحمار في الحياة و السياسة والأدب لمحمد عبد الكريم يوسف- مجلة الحوار المتمدن-العدد: 6993 – بتاريخ 2021 / 8 / 19 –
3- ثورة صاحب الحمار( نص مسرحي) لعــز الدين المدني دار التونسية للنشر/1970
4- المجموعة القصصية الكاملة: لمحمد زفزاف – قصة العـربة ص648 المركز الثقافي العـربي/2017
5- سيرة حمار لحسن أوريد ص 23عن دار الأمان بالرباط/2014
6- نــــفســـــه – ص- 43
7- نـــفـــسســه – ص-55
8- قاضي الحلقة :نص مسرحي مطبوع لأحمد الطيب العـلج- عن: منشورات مؤسسة أحمد الطيب العلج للمسرح والزجل والفنون الشعبية- الرباط/2015. ولقد تم تشخيصها سنة 1975
9- متحف للحمار في المغرب… فما قصته؟ لحسن الأشرف صحيفة اندبندنت عربية- في/ 3/ يوليو/2022
10- حمار رغم أنفك” لمحمد بلمو/ عبدالإله بنهدار – عن دار «أبي رقراق» للنشر/2018