في الأيام الأخيرة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع غنائي مسيء للنبي محمد ﷺ، نُسب إلى شاب مصري يُدعى عمر كوشا، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار في أوساط المسلمين داخل مصر وخارجها، ليس فقط لما يحمله من إساءة صريحة لرمز ديني مقدس لدى أكثر من مليار ونصف المليار إنسان، بل لما يمثله من انحدار أخلاقي وفكري خطير يُمارَس باسم حرية التعبير.
إن النبي محمد ﷺ، في الوعي الإسلامي، ليس مجرد شخصية تاريخية قابلة للنقد العابر أو السخرية الرخيصة، بل هو رمز عقدي وأخلاقي وروحي، يمسّ احترامه وجدان المسلمين وهويتهم الدينية. ومن ثمّ، فإن أي اعتداء لفظي أو فني أو إعلامي عليه لا يمكن قراءته إلا بوصفه اعتداءً مباشرًا على مشاعر جماعية، وانتهاكًا صارخًا لقيم التعايش والاحترام المتبادل.
ولعل الأخطر في هذه الواقعة ليس مضمون الأغنية وحده، بل السياق الثقافي الذي سمح بانتشارها، والتواطؤ الصامت أحيانًا مع خطاب الكراهية حين يُغلَّف برداء “الجرأة” أو “التحرر من المقدس”. فحرية التعبير، في كل النظم القانونية والأخلاقية الرصينة، ليست حقًا مطلقًا بلا قيود، وإنما تُمارَس ضمن حدود تحمي المجتمع من الفوضى، وتصون كرامة الأفراد والجماعات، وتمنع التحريض على الكراهية أو ازدراء المعتقدات.
إن ازدراء الأديان السماوية، أيًّا كان الدين المستهدف، ليس موقفًا تنويريًا ولا فعلًا نقديًا مشروعًا، بل هو شكل من أشكال العنف الرمزي، يزرع الفتنة ويقوّض أسس السلم المجتمعي. فالأديان، في جوهرها، جاءت لترسيخ القيم الأخلاقية الكبرى: الرحمة، والعدل، والصدق، واحترام الإنسان. والإساءة إليها لا تنتج فكرًا، ولا تفتح أفقًا، بل تعكس فقرًا معرفيًا وعجزًا عن الحوار العقلاني.
كما أن تحميل “الفن” مسؤولية تبرير هذا النوع من الإسفاف يُعد إساءة للفن ذاته، الذي ظلّ عبر تاريخه أداة للارتقاء بالوجدان الإنساني، لا وسيلة للابتذال أو التحريض. فالفن الحقيقي لا يُبنى على الكراهية، ولا يزدهر بإهانة المقدسات، بل يقوم على الإبداع والوعي والمسؤولية.
ومن هنا، فإن الإدانة الواسعة التي عبّر عنها المسلمون تجاه هذه الواقعة لا يمكن اختزالها في رد فعل عاطفي، بل ينبغي فهمها بوصفها دفاعًا مشروعًا عن الكرامة الدينية، ورفضًا قاطعًا لتحويل الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة للإساءة والتجريح. كما أن هذه الإدانة لا تعني الدعوة إلى العنف أو الانتقام، بل تؤكد على الاحتكام إلى القانون، وتفعيل آليات المحاسبة التي تجرّم ازدراء الأديان وتحمي النسيج المجتمعي.
إن المجتمعات التي تتساهل مع خطاب الكراهية، تحت أي ذريعة، إنما تفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والتطرف، وتُضعف ثقة الأفراد في منظومة القيم الجامعة. لذلك، فإن مواجهة مثل هذه الظواهر لا تكون فقط بالعقاب القانوني، بل كذلك بإحياء الخطاب الثقافي الرشيد، وتعزيز التربية على احترام الاختلاف، وترسيخ فكرة أن المقدسات الدينية ليست مادة للسخرية أو الاستفزاز.
وفي الختام، فإن الدفاع عن النبي محمد ﷺ، وعن سائر الأنبياء والديانات السماوية، هو دفاع عن الإنسان نفسه، وعن حقه في الإيمان والكرامة والاحترام. أما ازدراء الأديان، فسيظل فعلًا مدانًا أخلاقيًا وإنسانيًا، مهما تغيّرت الأسماء أو المنصات، لأنه لا ينتج إلا مزيدًا من الفراغ والقبح، في عالم هو أحوج ما يكون إلى الحكمة والعقل والمسؤولية.
—
ناقد روائي شاعر