يذكر المسعودي في كتابه “مروج الذهب ومعادن الجوهر” يذكر في الصفحات 135 و136 تحت عنوان “بعض عادات الهند والصين” أن جماعة من ملوك تلك البلاد لا يرون حبس الريح في أجوافهم لأنه يؤذي، ولا يحتشمون من إظهار ما يسبب لهم الأذى في مختلف أحوالهم، وكذلك فعل حكماؤهم. ويستمر في ذم عادات أهل الهند والصين على هذا النحو.
غير أن الأمر المثير للاستغراب حقاً هو ما ذهب إليه المسعودي حين اتهم كبار العلماء والفلاسفة الذين لا تزال البشرية إلى اليوم تنتفع بما قدموا من علوم ونظريات عظيمة أذهلت العقول، ففي الجزء الأول صفحة 136 يذكر أن الفلاسفة والمتقدمين من حكماء اليونان مثل ديموقريطس، فيثاغورس، سقراط، ديوجانس وغيرهم، لم يكونوا يرون حبس شيء من ذلك، بزعم ما قد يتولد عنه من عواقب، وأن كل ذي حس يجده في نفسه.
هذا الطرح لا يعدو أن يكون روايات غريبة وخرافات لا دليل عليها، أشبه بما ساقه المسعودي من قصص السعلاة والفساء وإطلاق الريح، وما ورد في كلامه لا يتجاوز حدود السفسطة والاستحسانات، بل يكشف عن اضطراب في منهجه في نقل وكتابة التاريخ دون دراية وعلم ويعتمد النقل بلا حقيقة تثبت ما ورد ، إذ وجد راحته في تسفيه وتسقيط عظماء الإغريق الذين أسسوا لنهضة الفكر الإنساني، فراح يزعم أنهم كانوا منشغلين بأمور تافهة لا تليق بمقامهم العلمي والفلسفي.
ولكن يبقى السؤال قائماً…. عن ما الذي قدمه المسعودي للبشرية غير سرد القصص والروايات التي يغلب عليها الطابع الخيالي..؟ ان ما كتبه لا يضيف الى العلم شيئاً، بل يكرس صورة المؤرخ الذي انشغل بالغرائب والعجائب أكثر من انشغاله بالحقائق والمعارف التي تنهض بالعقل الإنساني.