الدول قرارات لا تعيبها حروبها، حتى وهي تستخدم كل الوسائل دفاعا عن رؤيتها في وجوب حرب ما بعيدا عن آراء وتقييمات الدول الأخرى باحقية حرب من عدمه، فالدول تتحضر للحرب دبلوماسيا،فتحصل على شرعية الفكرة لمبررات قرارها دوليا. ثم تتحضر عسكريا ، تجهيز اسلحة ومعدات، تدريبات، آليات، مؤن، خطط وارشادات وقوانين وفنون قتالية،فتحصل بذلك على الشرعية المحلية في امتلاك الجهوزية لتنفيذ الحرب وتحقيق الاهداف محليا ودوليا.
الحروب الدولية تستَخدِم عسكر، جيش نظامي. ويعتبر الجيش نظاميا، بناء لامتلاك معايير: الانتماء لسلطة موجهة، التراتبية العسكرية لاطلاق الأمر والالتزام به ثم تنفيذه ، يكون نظاميا بمقياس الوحدة والتشابه، توحيد اللباس، الاسلحة، المسار، الخطة،هدفية اسرى الحرب ، المعتقلات، الزمن.. ليبدو هذا القطيع العسكري نموذجا لشخص واحدا يؤدي عمل مشترك وموحد، منفذا مهام غير
شخصية، فيتحول بذلك من مجموعة أفراد تملك شخصيات وميول واهواء وظروف مختلفة، إلى آلة عسكرية تسعى ان تحقق هدفا بعيدا كل البعد عن اي مصلحة ذاتية لاي من عناصر هذه الآلة. في المقابل قد تذهب السلطات المعنية من هذه التراتبية في الدول، إلى فرض عقوبات على العناصر المخلة بمشهدية الوحدة تحت مسميات انتهاك و جرائم حرب، وليس خفيا ماذا يعني توصيف الجرم من ضرورات عقابية. ان مصطلح الجيش، أو المؤسسة العسكرية، مصطلح مؤسساتي داخلي ،لا يمكن استخدامه لغويا او وظيفيا بحالة الجمع في المجتمع المحلي ، وان يحدث ،فهو مؤشر ودلالة المعارك والحروب…
ان تكن الوحدة والتشابه ، تمثل اللاعب الاهم للسلطة ومؤكد شرعيتها، فإن توجه جيشها النظامي في الحروب نحو الشغب والسلوكات الثارية،وخرق الاوامر والقوانين، واللعب بالتراتبية، ما يصنف حربها هذه، في خانة تشبه في تموضعها، الشغب الثوري، أو الميليشياوي او العصابات غير المنتظمة .. الامر الذي يخلع عن هذه الدول مبررات احترامها وعن الحرب شرعيتها..
وان يكن مفهوم :” شيطنة الثورة ” عند أي تحرك مطلبي شعبي، يهدف لتصدير العلاقة التصادمية بين السلطة والمعارضة، مرتكزا على عامل ” الشغب” لاعبا على وتر الانقسامات، الانتماءات الضيقة وآلياتها لاستثارة عداء بُنِي على المخزون الثقافي الشعبي الانقسامي ،وعلى هدر الكرامات الآدمية ، والارتكابات اللانسانية، لزعزعة الحراك ومصادرة اهليته، ومحدودية التعبئة له ،حتى ضمانة الوصول إلى مرحلة سقوط الشعار أو خلخلة الحراك المطلبي. فشيطنة الثورة سلوك سلطوي ، مخابراتي، مفتعل وواضح ، مستفيدا من استباحة السلطة للنظم والشرائع ،وينجح غالبا في تسجيل هدف للسلطة على حساب الحراك بارتكاب مختلف انواع المخالفات والتجاوزات القانونية وتحييد ظاهري لصورة السلطة ،التي يجدر ان يكون تدخلها عسكري نظامي محكوم بالخطة، الاليات، العناصر ، التشابه والتوحيد. فتُعدّ بذلك شيطنة المواطنين إحدى أخطر أدوات السلطة السياسية الحديثة، إذ لا تقوم على القوة العسكرية المباشرة فقط، بل على إنتاج خطاب يُجرِّد المواطن من شرعيته الأخلاقية والسياسية. في هذا السياق، تتم شرعنة الشغب بحيث لا يظهر القمع بوصفه اعتداءً، بل في مصافي الواجب الوطني لضمان الاستقرار الأمني والسياسي…
وان تدخل الدول، بأجهزتها العسكرية النظامية الحرب ، مرتكبة سلوكيات” شيطنة الثورة ” نفسها، فقد بتنا أمام ما يشبه ” شعبنة السلطة” بما يعني حصرية الشغب بالأجهزة الامنية النظامية ليتموضع الشعب وفق ضرورات تنظيم الصفوف للحراكيين، الامر الذي لا يمكن تحققه لأنه مرتبط بالجماهيرية اكثر من المؤسساتية ،فَتُفتقَد بذلك شرعية الحراك الشعبي ، كما شرعية حرب الدولة ليسيطر الشغب والفوضى…
ان استخدام السلطة لاجهزتها بطرق غير مشروعة قانونا دوليا، يجعلها سلطات انتمائية، ثأرية، انقسامية،منتقصة هدفية العدالة الاجتماعية، فالثورة الناجحة التي تمسك زمام السلطة انتصارا، تتابع فترة حكمها باساليب وذهنية الشغب الثوري لتحقيق الاهداف، لا سيما وهو الاسلوب الذي خبرته معرفة وثقة بالنجاح وتحقيق الاهداف، بالتالي فهي نفسها، كقوى ثورية استلمت السلطة، ستلجأ لإنتاج الخلل البنيوي في شكلانية الوحدة من المؤسسات ، لأنها سوف ترى في الشعب تهديدا مستقبليا . ولثبات شرعيتها المهددة والمهزوزة، ستعتمد اساليب تعويض على مستويين:
– مستوى افقي مؤسساتي ، من خلال سيل الامتيازات الشخصية للاجهزة العسكرية،مقدمة منح من نوع اقل العقوبات على الممارسات الجرمية، بهدف ضمان الانتماء وحفظ المواقع.
– على مستوى عمودي، تخَصَص المؤسسة العسكرية بامتيازات المواقع الفوقية على المواطنين، ما يسمح بممارسة الشغب والاستفادة والثأر، وتحقيق مصالح شخصية اكبر ..
فروسيا الثورة الحمراء تثبت ذلك من خلال إعادة بناء هيبة الجيش والأجهزة المخابراتية والنفوذ الداخلي والخارجي لرجالات الحزب الحاكم ورجال الأمن مقابل الاستقرار السياسي.
كذلك ما شهدناه في الكثير مما بعد ثورات الدول النامية كمصر والجزائر مثلا ، واطلاق الامتيازات الاقتصادية الضخمة للجيش (شركات،
أراضٍ، إعفاءات).و توسّع الدور للمؤسسة العسكرية و السياسية مقابل ضمان الولاء..
يذهب في هذا السياق الفيلسوف والمفكر ” هوبز” ليؤكد على ان الخوف ما يبرر قوة السلطة ، كما وتذهب “ارندت” لاعتبار ان عنف القوانين يكون بسبب انهيار عامل السياسة .
اما : “فوكو” الذي ربط ممارسة السلطة بشكل قمعي منتِج للطاعة، فيجسد بذلك التأكيد الامثل لسلوكات امتيازات القمع للسلطة الحاكمة …
ان تكن اخيرا، اساليب ” شيطنة الثورات” سلاح السلطة في الحفاظ على ثباتها واستمرارية مواقعها ، فان القوى الثورية التي تصل الحكم حديثا، تهيء لحالة “شعبنة السلطة” لضمان استمراريتها، لا سيما وهو الاسلوب الذي اختبرته في نضالاتها ضد السلطة السابقة، وسوف تتابعه ممارسة، لأنها من جهة،لم تتعرف غيره مؤثرا في شعوبها، أو لأنها لا تجد أمامها نماذجا غير فرص التبني للمشروع الخارجي والذي قد يتعارض ربما مع مشروعها الثوري في الحكم، فتقع خلال ممارسة حكمها، فريسة لموجبات الاستمرارية، وضرورة الا تهزها الثورات القادمة لتتجه نحو “شيطنة الثورات” النمط السلطوي المتكرر نفسه ، ما يرجح الحكم، بأن الثورات المنتصرة، هي سلطات غير جاهزة لخوض الحروب حتى الداخلية منها – كما حال جهوزية الدول العميقة مؤسساتيا- لأنها بحداثة البدايات التي تفقدها الشرعية الدولية من جهة ، وخاصية الوحدة والتنظيم من جهة ثانية حتى أو امتلكت الاحقية الهدفية دفاعا ومواجهة لاي اعتداء خارجي أو داخلي. فحروبها ستتمركز في مساحة الشغب لحين بناء قدرات الدولة مؤسساتيا وتنظيما ووحدة..
٢٤/١/٢٠٢٦