* تقنية الفوتوغرام (photogramme)
1. مقارنة للعناوين الثلاثة:
لعلّ ما يجمع بين هذه الإبداعات الفنيّة ما يكتسبه العنوان من طابع رمزي إيحائي تجعل منها أعمالا وان كانت على صلة وطيدة بالواقع تتسامى عليه لتعانق اللامتناهي عالم الفن الخالد وهذه سمة الفن السينمائي الذي يشكل فيه العنوان شحنة دلالية إيحائية لا يمكن فكّ رموزها إلا بعد متابعة الشريط لذلك سنحاول أن نتبيّن ما يمكن أن تحيل إليه هذه العناوين في نظرة أولى فنقول أن رقصة النار فيها إحالة لحركة الفراشة لمعانقة النار وما في ذلك من إشارة إلى لذّة الاحتراق والانتشاء بذلك فتفتح هذه الصورة في صلتها بالفن على صورة الفنان الذي يغذي بأفكاره وبنفسه متمتّعا بآلامه وهنا يحضر العنوان المعادل للشريط “حبيبة مسيكة”، فتكون البطلة هي المرأة الفراشة أو الراقصة الفراشة التي تحترق بصورتها التقدميّة وبأفكارها التحرّرية الجامحة في التملّص من كل ما يكبلها ويحدّها من التعبير عن حريتها وتقول في هذا الإطار “أنا حرّة وما يملكني حدّ”.
أصبحت نهاية حبيبة مسيكة رمزا لا لصورة المرأة المضطهدة التي تلهبها النار على مرّ العصور فحسب بل لصورة الفنان الذي يجهل أوجاع الجماعة ويستلذّ بعذاباته من أجل الدفاع عنها.
أما عن شريط “ريح السدّ” فان هذا العنوان أو هذه العبارة قد تحدث نوعا من الانطباع بالمقاربة مع العبارة العامية وهي تعبير عن الرفض، ربما هو الرفض والثورة اللذان يتجليان في صورة الشخصية الرئيسية أو البطل، رفض لما وسم حياته من اعتداءات وآلام وقهر، رفض للنار التي ألهبت جاشه وشكّلت حياته تشكلا مضطربا أما العنوان الفرنسي لهذا الشريط “L’homme de cendres”.
فيحيل إلى طائر الفينيق أو طائر العنقاء في الأسطورة العربية وهنا تحضر النار بصورة أخرى مخالفة. فهذا الطائر الناري ينبعث من رماده فيرمز بذلك إلى ثنائية الموت والانبعاث إلى دورة الطبيعة وحيويتها، فحضور النار حضور ايجابي بما هي رمز للطهارة والنقاء والانبعاث وبعبارة أخرى هي رمز التحدّي للموت المعدم وصورة فنيّة لمعنى الخلود.
أما الشريط الثالث والذي يحمل عنوان “حمّام الذهب بلاع الصبايا” ففيه إحالة إلى مرجعية شعبية وهو يتناسب مع الأسطورة القائلة بأن تنّينا : هذا الحيوان العجائبي قد سكن نهرا ومنع عن أهلها ماءه فكانت تقدّم إليه في كل سنة وفي وقت معلوم امرأة هي أجمل النساء قربانا فيهبهم الماء ويتحقق الخصب والنماء للأرض والصلة وثيقة بين الماء الساخن الحامي والمرأة لان كل واحد منهما يرمز إلى الخصب والى الحياة والنار هنا لم تحضر بصورة جليّة ربما هي النار الدفينة، النار التي تلهبها فينا دلالة العنوان وما تحمله من طابع فدائي فهذه الجميلة أو جميلة الجميلات التي رسمها المخرج في أبدع صورة شعر ليلى متهدل وقوام جميل ووجه ملائكي- هذه المرأة تنسى حياتها أمام شهوة الملك والامتلاك فتنتهي في حين غفلة ويكون قدرها من قدر الشمعة الذاوية فتحضر النار هنا في صورة مخصبة.
2. تحليل المعلقات:
معلقة رقصة النار :
نشاهد في مستوى أوّل صورة حبيبة مسيكة مسترخية على أريكة وترتدي لباس شفاف وتمسك بيدها سيجارة مع ألسنة لهب متصاعدة وفي مستوى ثاني تغطي ألسنة النار جسد امرأة أخرى منبعثة من نفس الشخصية الأولى حبيبة مسيكة. وفي مستوى ثالث تبرز صورة عشيق حبيبة مسيكة الشاذلي وهو يلتفت نحو المشاهد مع مجموعة من الأشخاص (عسكر الليل) المطلين من الأعلى توحي اللوحة من خلال صورة حبيبة مسيكة المسترخية وهي تنظر إلى الأعلى في كبرياء إلى بعض المنحوتات الكلاسيكية في الجلسة والديكور.
صورة النار هي صورة مجازية واستعارية وكأن المرأة تسبح نحو عالم آخر مع الدخان المتصاعد الذي يتشكل كألسنة لهب وكأنها تشاهد نفسها وهي تغوص داخل النيران المرسومة حسب منحنيات وتموّجات تذكرنا بلوحة ادوارد مانش “الصرخة” إلا أننا هنا لا نشاهد من وجه المرأة سوى العينين في حين أن مستوى الفم مغطى بألسنة النيران.
تشكل الألوان في اللوحة قيمة من حيث الضوء والشكل إذ تغطي الألوان الحارة عموما أغلبية المشهد بدءا من الستارة الحمراء على يمين اللوحة ولون الأريكة (حمراء أيضا) مع التدرجات البرتقالية والصفراء الوهاجة للباس الشخصية ولجسدها المتواصلة مع ألوان النيران المرسومة في المستوى الثاني للوحة والتي يبدو وهجها أقل من وهج جسد المرأة.
أما الجزء الضئيل الذي يحتوي على صور الشخصيات الرجالية فهو على العكس تطغى عليه ألوان باردة باستثناء طربوش الرجل والفانوس المشعّ.
مكونات اللوحة التشكيلية تكشف على الدراما التي صارت للشخصيات وخاصة للشخصية الرئيسية لما لها من علاقة بأحداث الفيلم ورمزية النار المجسّدة فيه إذ ترمز كلّ مكوّنات اللوحة إلى الاحتراق والغرق داخل النيران فلا نفهم هل أن (المرأة حبيبة مسيكة) مخمورة داخل الألسنة التي هي صورة للتأجج الداخلي لها أم أنها ترفع يديها طلبا للنجدة وللخروج من هذه النيران المحيطة بها ؟
تعكس النيران صورتين: فهل هي منبعثة من داخلية الشخصية أم أنها تتأتى من عوامل خارجية تحيط بها وتلتف بجسدها كأفعى أو كتنين خاصة وأنها مرسومة تذكرنا نوعا ما بتنين من اللهب في فنون الشرق الأقصى.
معلقة حمام الذهب: لقطة مأخوذة من الفيلم
خلافا للوحة حبيبة مسيكة نلاحظ في هذه اللوحة أن الصورة ليس مرسومة بل مأخوذة من أحداث الفيلم وكأنها فوتوغرام.
تنقسم الصورة إلى صورتين : صورة مكبرة لطفل على اليسار وصورة على اليمين للنساء في الحمام.
توحي نظرة الطفل بالخوف والرعب في حين تبدو الأجساد النسائية منهمكة في طقوس الاغتسال كل على طريقته (مثال حركة المرأة وهي تحني شعر المرأة الأخرى).
وكأن صورة الطفل توحي بأنه عنصر شاذ عن هذه القاعدة وهذه الطقوس وكأنه مشاهد يحاول الابتعاد وتحديد مسافة كمحاولة للإلمام بما يدور بنوع من الموضوعية.
لم يجد المخرج أفضل من الطفل بنظراته “الساذجة” والتي لا يمكن إيجاد أفضل منها للتعبير عن هذه الموضوعية وهو ما نلاحظه من خلال العينين المفتوحين في اندهاش وتركيز والحاجبين المرتفعين.
يبدو أن هذه المراقبة هي التي لم تعجب النسوة التي أحست بنوع من الشذوذ عن الطقس المعتاد في الاغتسال وكأنهن مراقبن من طرف الطفل.
لا نشاهد نار مجسّمة في هذه المعلقة وإنما يمكن ملاحظة نوعا ما التمشي الذي سيؤدي إلى تأجج الأحداث إذ نلاحظ نوع من الضبابية والأعمدة الضوئية التي تخترق فضاء الحمام حسب خطوط مائلة بطريقة مدروسة وكأنها مصدر إضاءة وجه الطفل رغم انفصال كل من المشهدين على حدة اللوحة تبدو مركبة بطريقة أكثر حرفية حسب تأطير محكم فبالرغم أن هنالك خط يفصل بين المشهدين ولكن نظرة الصبي توحي وكأنه غير منفصل.
معلقة ريح السدّ :
تنقسم المعلقة إلى جزئين منفصلين حسب خط عمودي : يترائ لنا وكأن كل جزء مصور داخل حجرة منفصلة عن الأخرى.
في الجزء اليميني صورة العروس أو المرأة التي ستحاكي دور العروس حسب أحداث الفيلم : العروس صورت في جلسة انكسارية منحنية إلى الإمام وتغطيها الأقمشة البيضاء الشفافة التي ترتديها كل عروس مع جزء من نافذة يبرز من وراء الستار الذي يفصل المشهد إلى قسمين.
في الجزء الثاني هنالك صورة الهاشمي نصف عاري يرتدي فوطة وهو يتكأ على الحائط بصفة انكسارية في نفس الاتجاه الذي تنحني فيه المرأة بطريقة تعبر عن التردّد والهيبة من الموقف الذي طالما أرقه وهو ما نلاحظه في أحداث الفيلم حين يقترب من المرأة ويحاول لمسها ببطء شديد وارتعاش.
في حين يبرز عنوان الفيلم المكتوب باللغة الفرنسية في الركن الأعلى بحروف حمراء اللون بشكل حيوي كأنها ألسنة لهب تلتهم المشهد.
تطغى الألوان الباردة على جلّ الصورة (وخاصة الأزرق) الصورة توحي بأجواء سوداوية ويبرز التناقض فيها جليّ بين البرودة والسكون.
لقد تعدّدت العلامات الدالة داخل الأفلام على حضور متعدّد لعنصر النار وكأنها بمثابة العنصر الذي يمثل مهربا للمخرجين للتعبير عن حالات متعدّدة –كالدفء والحرارة والشرارة – الملجأ – لهروب الشخصيات من حاضرهم القاتم وحالة انكساره وفشل النظريات والتفاعلات ولذلك تحضر كوسيلة للاحتماء بها من بعض قسوة الحاضر في لغة رمزية وأسطورية وستكون أيضا إلى حدّ معين قادح للاسترجاع ومزوّدة بشحنة بنيرانها المتأججة تشد ازرالحاضر المنكسر والذاكرة الجامحة التي أحكمت الخناق بدخانها في كلّ زاوية وركن.
ولعلّ هذا الثراء المترتّب عن حضور عنصر النار في الأفلام الثلاثة ما أكّد لي دور فن السينما كفرجة في صياغة رؤية فنيّة متتالية ومتنوّعة في مفاهيمها وأساليبها الموظّفة للتعبير عن الفكرة وغاية المخرج من ذاك التوظيف الحكيم لصور متعلّقة بالواقع وبأسراره ورمزياته عامة فبين تبسيط اللغة السينمائية وصياغة الصورة نطرح تساؤلا : ما الغاية من التلاعب بعنصر من عناصر مكوّنة للوجود (عنصر النار) لبثّ أشكال مختلفة من تواجدها بالصورة ؟ وما خلف الصورة ؟؟
بحيث تطوّرت الدهشة بفن السينما لقدرته لان يكون الواقع محلّ التساؤل والبحث بسرّ المتعة الدائمة والمحدّدة وبقوّة التأثير والخطاب السينمائي القادر على الجمع بين كلّ الفنون الأخرى من قصة ودراما وتمثيل ومؤثّرات صوتية وضوئية وفنون تشكيلية وموسيقى ورقص إنها لغة السينما ولغة الصورة فهي الفعل الإبداعي الوحيد الذي نجد فيه صورة سمعية بصرية قادرة على احتواء أغلب الأشكال الفنية الأخرى وهي بذلك أقرب الفنون للواقع لأنها صورة من المجتمع مختلفة عن الصور الفنيّة الأخرى قادرة على تجسيم الأشياء بأبعادها الثلاث وعن هذا يقول الباحث نبيل راغب : “تكمن قدرة السينما في التلاعب الحرّ بقوانين الزمان والمكان ذلك التلاعب الذي يمنحها جمالياتها الفنيّة الخاصة بها” . إنها لغة الصورة التي تمكّن المخرج من استحضار الواقع بكل تفاصيله وجزئياته حتى البسيطة وتصبح المعاني المجرّدة والأفكار الساكنة عند الكاتب وواضع السيناريو والمخرج شخصيات مجسّدة وأصوات نسمعها إنها الصورة السينمائية من خلال فن القطع أو التوليف أو المونتاج.
إنها قدرة الفيلم السينمائي على تحدّي قوانين الزمان والمكان وتجسيد الواقع كما هو بل بأسلوب مدهش وإبهار لا يصدق وهي الواقعية الفنيّة في السينما التي ستقدّم للجمهور في أي وقت يريدون أفكارهم التي يحسونها وتجاربهم التي يعيشونها وآمالهم التي يطمحون إليها بل ستضيف عليها الكاميرا أو بالتالي المخرج من ذاتيته وآلامه وآماله وتجاربه وأفكاره وإيديولوجيته وحبه وكرهه وفرحه وغضبه الشيء الكبير.
ولدفع عملية البحث في الظاهرة السينمائية التي نروم الخوض فيها أردنا أن نلامس عبر المقارنة الصارمة أهم الخاصيات” للصورة السينمائية لدى كلّ من المخرجين الآتي ذكرهم من خلال الأفلام التي وقع تقديم لمحة عامة بالمقارنة لعناوينهم (ريح السدّ للنوري بوزيد – حمام الذهب بلاع الصبايا للمنصف ذويب –”رقصة النار “- حبيبة مسيكة لسلمى بكار).
بهذه المقارنة سنتمثّل وسنشاهد خاصة حضور متعدّد للنار فيها اعتراف برموز متعدّدة تجعل منها مولدا للإبداع ودافعا للكتابة بالكاميرا لتوليد صورة تغوص في الأعماق وتتّخذ من النار عنصرا مليء بالأفكار الكثيرة والأحلام المرعبة في شكل فضاء رمزي تعبيري بالصورة عما يراود من أحاسيس بالحريّة والانطلاقة والرفض لكل ما هو جامد وسلطوي.