الشكر ليس مجرد لفتة مهذبة، بل امتحان أخلاقي خفيّ، يختبر جوهر الإنسان قبل أي موقع أو مكانة.
من تربّى على أن من شكر الناس شكره الله، يعرف أن الاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من قدره، بل يرفع قيمته، وأن التواضع، بعكس العجرفة والغرور والكبرياء، ليس ضعفًا، بل علامة القوة الحقيقية.
هذه الأخلاق هي التي تُظهر الفارق بين من يرى الثقافة فعلًا نبيلًا، وبين من يحوّلها إلى سوق للمصالح، أو ينظر إلى الكلمة الصادقة كتهديد يجب تفاديه.
كتبتُ مقالة نقدية عن رواية «زهرة النار» للروائي الكبير محمد سلماوي، دون معرفة شخصية أو أي تواصل سابق، ودون انتظار مقابل أو اعتراف.
كانت الكتابة نابعة من احترام النص، ومن إيماني بأن النقد الجاد لا يعرف الحسابات الجانبية أو المجاملات المبتذلة.
وما إن قرأ الأستاذ سلماوي المقالة وهو في الشارقة، حتى لم يتوقع أن يجد قراءة صادقة كتبت عنه، فطلب رقم هاتفي من أحد كتّاب نقابة اتحاد كتاب مصر، واتصل بي بنفسه ليشكرني.
كنت في بيتي، وفوجئت بقامة ثقافية عربية كبيرة تبادر بالامتنان لنقد كتب عنها. لحظة إنسانية نادرة، تكشف كيف يمكن للكبار أن يقدّروا النص قبل الاسم، وأن الأخلاق جزء من العظمة الحقيقية، وأن التواضع لا يُقاس بمظاهر المراتب أو الشهرة.
في المقابل، ثمة تجربة أخرى في المشهد الثقافي تكشف عكس ذلك.
بعض الذين تعرضت أعمالهم للنقد، سواء عبر تواصل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اختاروا الصمت، كأن على رؤوسهم الطير؛ لا رد، لا تعليق، ولا حتى اعتراف بوجود الكلمة.
صمتهم لا يدل على الانشغال، بل على خشية من قراءة لا يمكن السيطرة عليها، أو على تعلق بمنطق «هات وخد»، الذي يحوّل الثقافة من فضاء للحوار والمعرفة، إلى سوق للصفقات، والكتابة من فعل نقدي إلى أداة نفعية.
هنا تظهر الفروق الحقيقية في المشهد الثقافي: بين كاتب كبير يهاتف ناقدًا ليشكره لأنه احترم النص قبل اسمه، وبين من يتجمد أمام أول اختبار للتلقي، أو يختبئ خلف الصمت المتعالي، متوهمًا أن التجاهل يمنحه هيبة زائفة. الفرق ليس في عدد الكتب أو الشهرة أو الجوائز، بل في مدى وعي الكاتب بقيمة الكلمة، وبشجاعته في استقبال النقد بصدق، وبقدرته على التفريق بين النقد والخصومة، بين قراءة جادة ومحاولة تقويض.
النقد الحقيقي يزدهر بلا شروط، ويُستقبل بلا خوف. ومن يعرف قيمته، يظل كبيرًا، حتى وإن لم يعلُ صوته أو يحظَ بجلبة إعلامية.
وما فعله الكاتب الكبير محمد سلماوي ليس مجرد مجاملة شخصية، بل درس ثقافي عميق: أن الكبار لا يخشون النقد، لأنهم يعرفون قيمته، ولأن الأخلاق في النهاية هي التي تصنع المكانة، قبل كل شيء آخر.
وهكذا، في زمن تتزايد فيه الأصوات الصاخبة، وتكثر فيه المجاملات المشروطة، وتظهر هشاشة النفوس خلف وجوه متعالية، تظل تجربة محمد سلماوي شهادة على أن الثقافة فعل نبيل، وأن التواضع الحقيقي والفهم العميق للكلمة هما ما يجعل الكاتب كبيرًا بالفعل، وليس مجرد اسم يتردد في العناوين أو قائمة الجوائز.