تفرض التكنولوجيا على العالم اليوم، تغيرا وظيفيا لكل ما اعتاده في عمليات التحصيل، لتحضر ظاهرة ” القراءة ” بثقلها ،مُسائِلة حاملي الكتب، عن دقة موقعها ومستقبلها وآلياتها . فبين القراءة الورقية والقراءة الرقمية، تتعمق الصراعات اكثر، يوما بعد يوم، وفي بقعة جغرافية بعد بقعة ، حتى تكاد تذهب ضحيتها عملية القراءة بحد ذاتها …
تبرز العملية التثقيفية في العالم اليوم، حيث تقسو التفاوتات ، سواء في اطارها المحلي أو عالميا، اكثر ضبابية لجهة استخداماتها مصطلحا، او تبنيها نهجا وسلوكا ،او معيارا لتوصيف المجتمعات،فإن ترتبط عمليات التثقيف بالقراءة والاطلاع، امر تراوح بين
اعتبارها مفهوما يرتبط باصطياد المعلومة الجاهزة، وبين اعتبارات ان تكون القراءة مُلكية للمعلومة .
قد استُثمِرَت المعلومة بالمعنى البنائي سابقا ،كانت اللبنة الاساسية لكل استثمار فكري، شخصي، يمكنه التحول والتاثير وفقا لجهود استغلالها والتصرف بها، لتشكل سلطة معرفية تسهم في دفع الاقتصاد والسياسة والاجتماع قدما .
اليوم ، المعلومة حاضرة، جاهزة ، مهذبة ونقية من شوائبها، محفوظة في ذاكرة عامة، يمكنها ان تصل لكل فرد في هذا الكوكب ، الا انها لم تتنازل عن سلطتها رغم هذا التعميم ..
فكيف سيغفر التاريخ القادم لمتجاهلي هذه السلطة ؟
ان لم يكن من القراءة بًدٌّ ، للخروج من حدود التجربة الشخصية الضيقة، والمعلومة المنقولة، والتسليم دون الحجة،والعيش دون متع التخيل …
فلأي قراءة نسَوِق اليوم؟، هي الاشكالية التي تطرح نفسها في ظل منافسة التكنولوجيا للورق…
بداية ، لا بد من التنويه على بداهته ،إلى ان الحديث عن القراءة ،في السياق الثقافي، خارج قواعد التعليم الاكاديمي ، والتي تتحمل جزء من مسؤولية هذا الصراع .فالمقصود بالقراءة ، ذاك التراكم الكمي معرفة، والنوعي انتباها لآلية هذا التراكم ..
القراءة لا سيما في المجتمعات النامية، ظاهرة تُقتَلُ بسيف التوصيف، حيث يتم التعامل معها اجيالا متلاحقة بصيغة -( العادة )- وان ضرورة تنميتها،
فعل يصب في خانة الاستغلال المفيد لوقت الفراغ، في زمن ليس رحيما بما يكفي ليترك للشعوب المتعثرة متع الفراغ، فتم اخراجها من دائرة السلطة والتأثير…فعندما نصنف فعل القراءة في خانة العادات نخلع عنه خصائص:” الاكتساب والتفاعل والكم والتراكم” ، نجرد الفعل من خاصية التأمل العقلي والتفاعل الحسي بحكم ما تحمله العادة من خصوصية احتكامها للروتين العفوي التلقائي على ان يكون اكتسابا معرفيا للبناء، وحين ننشئ الاجيال تحت مظلة :”ملء الفراغ ” فسوف نحصرها بين قطبي – التبني أو الرفض- لمتعة تنسجم مع ميولها وقد لا يصدف ان تحقق متعة للجيل، متجاهلين ضروراتها طريقا للتنمية والتقدم…
هذا وان طبيعة الصراع بين الاجيال ، تتعمق حول المنقول والمتوارث واحقية التجربة الأسبق ،حتى لو تكن معرفية ،ليواجِه فعل القراءة احتمالات الرفض والانكار ،اعتبارا من كونه صُنِفَ عنصرا متوارثا بحكم العادة. فلربما ينجح فعل القراءة بأن يصبح مطلبا معرفيا اصيل بذاته، حين تنقيته من شوائب النقل والتوارث العمودي،و من ثقل العادات المكتسبة نحو أكثر افقية توجيها تفاعليا .وحين يعتبر “ويليام جيمس” ان قوة العادات تتفوق على الإرادة الإنسانية( للمعتقدين بأن القراءة فعل تعود، عادة يمكن اكتسابها و تنميتها في الشخصية منذ الطفولة، سوف يصعب التخلي عنها لاحقا) ، مؤكدًا أن تكرار العادات يجعلها شبه تلقائية، و يمكن تشكيل العادات بالوعي.فانما في ذلك استبعاد القراءة من ان تتشكل عادة ،لأنها بحد ذاتها فعل وعي يتطلب ارادة الفعل واختياره والتمتع به ..
فبعد سحبها من اطارها الممارس كفعل تعود، نحو اي قراءة يجدر ان نتوجه؟
وقد نجد ضرورة، في ربط الاجابة بأسئلة رديفة، كأن نحدد مثلا:
ماذا نريد من هذه القراءة ؟
هل نريد معلومة؟
ام نطمح نحو عمق البناء الفكري للفرد؟
ماذا يوجد على الورق ؟
وماذا تقدم لنا الشاشات الرقمية؟
بداية يجدر الاعتراف بأن القراءة اليوم، لم تعد مجرّد فعل واحد ثابت، بل اصبحت عالمين متوازيين: قراءة ورقية لها تاريخها وطقوسها وعاداتها، وقراءة رقمية ولدت من روح العصر وسرعته وتعبر عنه.
ففي حين تمارس القراءة الورقية كفعل وجودي، قائم على البطء والتأمّل، تنظيم معلوماتي دقيق يسهم في تنظيم العقل وافعال الربط والتحليل والتسلسل والتوليف والاستنتاج بسهولة أكبر ، يسهم في تنظيم أدق للدماغ، بحيث يتضمن الورق نزوعا نحو بناء علاقة شخصية وحوارات مباشرة مع الجُمل والسطور والنقاط ، والهوامش، فتصبح نشاطا معرفيا ،حسيا ،جسديا وعقليا متكاملا. علاقة مع الورق، لا تنقل معلومات فقط، بل تبني العقل وتركّز الفكر وتطوّر اللغة وتمنح تجربة فكرية وشعورية وجسدية و إنسانية ممتعة وهادئة وعميقة. تولد ذاكرة حسية ترافق الفكرة العقلية.
في المقابل،تذهب الشاشة لتقدّم معرفة “مجرّدة” حسية بعيدة عن دور الجسد، نص عابر، يمكن تكبيره وتصغيره وحذفه في لحظة،وكأن الفكرة نفسها أصبحت مؤقتة مثل الضوء الذي يحملها.القراءة الرقمية تذهب نحو الاتساع بدل التعمق ، حيث يحصل القارئ على كمّ هائل من المعلومات، لكن غالبًا بعمق أقل وبزمن نوعي لا يمكن تسريعه لخضوعه للقدرات التكنولوجية في القص واللصق والانتظار وقدرة الانتقال الفوري بين المعلومات…
فها نحن وكأننا امام انسانيين : إنسان الورق، وانسان الشاشة ، منفصلين ومتواصلين ، ليس لاحدهما افضلية على الاخر لانعدام الربط بينهما …
هذا وتجدر الإشارة إلى أن في العودة إلى أصالة الكتاب الورقي في التعليم الاكاديمي لبعض الدول رؤية استراتيجية في الدور البنائي للفكر من القراءة بعد ملاحظة الآثار والتحولات غير المتوقعة للرقمنة في التعليم لجهة انخفاضً في مهارات القراءة والفهم لدى الطلاب، خاصة في القراءة العميقة للكتب الطويلة والمعقدة.
كما وتشير بعض التقارير أيضًا إلى أن دولًا مثل فنلندا والنرويج بدأت تقلّل من استخدام المواد الرقمية في مراحل مبكرة من التعليم وتعيد إدراج الكتب التقليدية في مناهجها بعد ملاحظة تأثير الشاشات على الانتباه والمهارات الأساسية.فيما تتجه السياسات الثقافية والتعليمية في الدانمارك لدعم قراءة الكتب المطبوعة فحررتها من ضريبة القيمة المضافة (VAT) بهدف تشجيع الناس على شراء وقراءة الكتب الورقية أكثر في مواجهة ما أسمته “أزمة القراءة”، اي تراجع معدلات القراءة العامة على خلفية الاستخدام المكثف للهواتف والشاشات.
لا يجدر بنا اخيرا ،ان نسقط واقع المفاضلة بين اساليب القراءة على تنوع توجهاتها وابعادها، كاشكالية يتكثف البحث المسؤول والعلمي فيها حصرا في الدول المتقدمة ، كمجتمعات تعنى بقضايا التنمية والتنبه للاثار الابداعية التطويرية التي تترافق مع رفع مستوى الوعي الجمعي .بينما تعاني القراءة عموما من أزمة الركود في المجتمعات المتعثرة تنمويا ، سواء في توجهها الورقي كما الرقمي، لتصبح سببا ونتيجة للجتمعات المأزومة ،فمع تدني مستويات انتشارها، تتحول طموحات التقدم الى مجرد اوهام ترسم احلام القلة من المثقفين الجادين بأثارتها قضية على المستوى الوطني العام ، املا بتحقيق تنمية للراسمال البشري دون الخوف من مشهدية ارتقاء هذا الوعي…