بين الواجهة والزيف، يقبع المعنى الحقيقي… الكاتب المهمَّش يكتب حيث لا يراه أحد.
في المشهد الثقافي العربي المعاصر، لم يعد السؤال المطروح: من يكتب؟
بل: من يُمنح حق الظهور، ومن يُدفع إلى الهامش بوصفه فائضًا عن الحاجة؟
تحت سطح الاحتفاء والجوائز والمؤتمرات، يعمل اقتصاد خفي يعيد ترتيب القيمة، لا وفق جودة النص، بل وفق القدرة على التمويل، وشبكات العلاقات، وإدارة الصورة.
هنا لا يُقصى الكاتب الحقيقي لأنه أقل موهبة، بل لأنه زائد عن الحاجة في سوق لا يريد المعنى بقدر ما يريد الواجهة.
الكتابة، التي كانت فعل مقاومة للزيف، صارت في كثير من الحالات سلعة قابلة للتداول.
يُشترى النص كما تُشترى المساحة الإعلانية، ويُعاد تقديمه باسم مختلف، فيحصل صاحبه الجديد على الشرعية كاملة: ظهور إعلامي، منصات دولية، أمسيات مصوّرة، وموائد مستديرة تُدار حول “تجربته”.
في المقابل، يظل الكاتب الذي كتب النص فعلًا خارج الكادر، يجلس على المقاهي، يطارد فرصة أمسية أو نشرًا بمكافأة رمزية، كأن دوره انتهى عند تسليم المادة الخام.
الأمر يزداد قسوة حين نرى أن معظم المبدعين الحقيقيين خارج العاصمة القاهرة؛ في محافظات حدودية على أطراف الجمهورية، يعيشون مهمشين بعيدًا عن الضوء، لا يعرفهم من يقيم في قلب العاصمة، ولا يدركون من تُؤكل الكتف بعلاقاتهم الفاسدة، والرشاوى، والاستيلاء على المكاسب الثقافية: منح التفرغ، جوائز المسابقات الكبرى، المشاركة في مؤتمرات أدباء مصر، داخل وخارج مصر، وتوزيع التكريمات كما يحلو لبعض المتنفذين.
هؤلاء الذين يملكون القدرة على الوصول والظهور يستحوذون على كل ما يمكن أن يكون من حق الكتاب المهمشين، ويحوّلون الشرعية الثقافية إلى لعبة استعلائية.
هذا ليس انحرافًا فرديًا، بل بنية متكاملة.
فالمؤسسات الثقافية، حين تتحالف مع المال والعلاقات، تتحول من وسيط معرفي إلى سوق.
لا تعود مهمتها اكتشاف الأصوات، بل تسويق الأسماء القابلة للاستهلاك السريع.
ومع الوقت، يُعاد تعريف “الكاتب” بوصفه من يحسن إدارة حضوره، لا من يشتغل على لغته ورؤيته.
المفارقة الأكثر إيلامًا أن الجميع في حاجة إلى الكاتب المهمَّش: المؤسسة تحتاج نصّه ليملأ الفراغ، والإعلام يحتاج لغته ليمنح المحتوى عمقًا، ونجوم الصالونات يحتاجون خبرته الخفية لتستقيم الصورة.
ومع ذلك، يُترك خارج المشهد، لأنه لا يصلح كواجهة، ولا يجيد لعبة العلاقات.
هكذا يتحول الكاتب الحقيقي إلى فائض ثقافي: ضروري للاستمرار، غير مرغوب في الظهور.
يُستنزف دون اعتراف، ويُستخدم دون اسم.
بينما يتصدر المشهد من يملكون القدرة على الدفع، والعلاقات المشبوهة ، لا القدرة على الرؤية.
الكاتب الحقيقي لا يُقاس بعدد الدعوات ولا بالجوائز، بل بقدرته على مساءلة ذاته والعالم، وبما يتركه نصه من أثر طويل.
هو لا يكتب ليُرى، بل لأنه لا يستطيع الصمت.
أما المزيفون، فيكتبون ليُستهلكوا، لذلك يختفون سريعًا حين يتغير السوق.
آخر رؤيتي الفلسفية أقول:
في نهاية المطاف، الأدب هو مساحة للمعنى، لا للواجهة؛ والكتابة الحقيقية تمر عبر محنة الوعي، ومحنة الرفض، ومحنة الزمن نفسه.
الكاتب المهمَّش، سواء في القاهرة أو على أطراف الجمهورية، هو شاهد على هشاشة الشرعية الثقافية، وحارس للغة الحقيقية، لأنه وحده القادر على التأمل في القيمة، وإعادة تعريف المعنى بعيدًا عن بريق الجوائز وأضواء المنصات.
كل ظهور مزيف يذكرنا بأن الشرعية ليست إلا وهمًا، وأن الأدب الحقيقي يحتاج صبرًا طويلًا، وجرحًا مستمرًا، ووعيًا عميقًا.
—
ناقد روائي شاعر مصري