لم يعد التيه الثقافي توصيفًا مجازيًا لمرحلة عابرة، بل صار بنيةً كامنة في الوعي الجمعي العربي، تُعيد إنتاج نفسها عبر خطابٍ ثقافي مرتبك، ونقدٍ فقد بوصلته المعرفية والمعيارية. فنحن نعيش زمنًا تتجاور فيه كثافة الإنتاج مع فقر الرؤية، وتعلو فيه الضوضاء النقدية على حساب الفهم، ويُستبدل السؤال الجمالي العميق بشعارات براقة لا تسندها أدوات ولا مناهج.
يتجلّى التيه الثقافي أولًا في اختلاط المفاهيم؛ حيث تُسوّى الفروق بين الإبداع والتجريب الفارغ، وبين الحداثة بوصفها مشروعًا معرفيًا، والادّعاء الحداثي بوصفه قناعًا لغويًا. لم تعد المصطلحات النقدية تُستعمل بوظيفتها التحليلية، بل تحوّلت إلى زينة خطابية تُلصق بأي نصّ طلبًا للوجاهة الثقافية. وهنا تبدأ الضلالة: حين يُقاس النص بما يُقال عنه، لا بما يقوله هو في بنيته العميقة.
أما الضلالات النقدية، فهي ابنة هذا التيه، وأخطر مظاهرها تحوّل النقد من ممارسة معرفية إلى أداء استعراضي. كثير من النصوص النقدية الراهنة لا تُنتج معرفة، بل تُعيد تدوير مصطلحات مستوردة دون وعي بسياقاتها الفلسفية أو التاريخية. يُستدعى التفكيك بلا نصّ قابل للتفكيك، وتُستعمل السيميائيات دون إدراك لنظام العلامة، ويُعلن موت المؤلف في نصوص لم تولد بعد. هكذا يصبح النقد ذاته نصًا معزولًا، يدور حول نفسه، ويخاطب نخبة مغلقة، منفصلًا عن القارئ وعن النص معًا.
وتتفاقم الأزمة حين يتواطأ النقد مع شبكات المصالح الثقافية؛ فيُكافَأ الرديء، ويُهمَّش الجاد، لا وفق معايير فنية، بل وفق القرب والشللية والاصطفاف. عندها يفقد النقد وظيفته الأخلاقية بوصفه حارسًا للمعنى، ويتحوّل إلى وسيلة ترويج أو تصفية حسابات. وهنا لا يعود السؤال: ماذا كتب الكاتب؟ بل: من كتب؟ ومن يسانده؟ ومن يباركه؟
في هذا السياق، يتراجع الدور التنويري للثقافة، وتتحول من فعل مقاومة للسطحية إلى جزء من آليتها. يغيب المشروع، ويُستبدل باللحظة؛ تغيب الرؤية، ويحل محلها الانبهار؛ ويُختزل الإبداع في قابلية الاستهلاك السريع. والنتيجة جيل من النصوص التي تُشبه بعضها، ونقد يبرّر هذا التشابه بدل أن يفضحه.
غير أن الخروج من زمن التيه ممكن، لكنه مشروط باستعادة المعنى. استعادة النقد بوصفه معرفة لا زينة، ومسؤولية لا امتيازًا. يتطلب ذلك العودة إلى الأسئلة الأولى: لماذا نكتب؟ ولماذا نقرأ؟ ولماذا ننقد؟ كما يتطلب إعادة الاعتبار للمنهج دون تقديسه، وللذائقة دون تسطيحها، وللاختلاف دون تخوين.
إن أخطر ما في التيه الثقافي ليس ضياع الطريق، بل التعايش معه بوصفه قدرًا. أما المقاومة الحقيقية، فتبدأ حين نسمّي الضلالات بأسمائها، ونستعيد شجاعة المعيار، ونؤمن أن الثقافة، في جوهرها، فعل وعي قبل أن تكون صدى.